‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات زكريا نمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات زكريا نمر. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 22 أكتوبر 2026

من هو المثقف؟

  من هو المثقف؟

زكريا نمر

كاتب وباحث سوداني


بعض المثقفين لا يدافعون عن الحقيقة، بل يدافعون عن القبيلة والمسؤول الفاسد والجهة التي ينتظرون منها مصلحة. 

وحين تتعارض مصالحهم مع مصلحة المجتمع، لا يترددون في التضحية بالحقيقة، حتى لو كان الثمن مزيدا من الفقر والجهل والانقسام. 

هؤلاء لا يستخدمون المعرفة لفهم الواقع وتغييره، بل يوظفونها لتبرير أخطائه وحماية المسؤولين عن فشله.

المثقف الذي لا يستطيع انتزاع نفسه من الانتهازية، ولا يملك الشجاعة لمواجهة جماعته عندما تخطئ، لا يؤدي دورا حقيقيا في المجتمع.

 فالشهادة الأكاديمية لا تمنح صاحبها وعيا نقديا تلقائيا، والقدرة على الحديث في المنابر وكتابة المنشورات لا تجعل الإنسان مثقفا بالضرورة.

قيمة المثقف في قدرته على التفكير المستقل، وكشف الفساد، ومساءلة السلطة، ومواجهة الأفكار التي تدفع المجتمع نحو الصراع والتخلف، حتى عندما تصدر هذه الأفكار عن أشخاص ينتمي إليهم.

في الواقع السياسي والاجتماعي، نجد من يقدم نفسه باعتباره مثقفا، لكنه يقف في صف المسؤول الفاسد لمجرد أنه ينتمي إلى قبيلته، ويدافع عن أبناء السلطة مهما كانت أخطاؤهم، ويبحث عن المبررات لكل فشل يصدر عن جماعتهم. لا يناقش الوقائع ولا يسأل عن الأموال العامة التي أهدرت، ولا عن المؤسسات التي تعطلت، ولا عن المدارس التي تفتقر إلى أبسط مقومات التعليم الحديث.

كل ما يهمه هو حماية الأشخاص الذين يرى أن الدفاع عنهم واجب قبلي أو سياسي.

هذا النوع من المثقفين لا يكتفي بالصمت عن الفساد، بل يمنحه غطاء اجتماعيا، ويحول النقاش من محاسبة المسؤول إلى الدفاع عن هويته.

فإذا انتقد أحدهم مسؤولا فاسدا، سارع إلى اتهامه باستهداف القبيلة، وإذا طالب بمحاسبة أحد أبناء السلطة، جرى تصويره عدوا للجماعة.

وبهذه الطريقة تصبح القبيلة وسيلة لإسكات النقد، ويصبح الفساد قضية انتماء بدلا من أن يكون قضية قانون ومسؤولية عامة.

ما الذي يجعل شخصا متعلما يدافع عن مسؤول يعرف أنه فاسد، ثم يطالب الناس باحترام موقفه باعتباره موقفا فكريا؟

هل فقد القدرة على التمييز بين المصلحة العامة ومصلحة جماعته، أم أنه يعرف الحقيقة لكنه يفضل تجاهلها حتى لا يخسر موقعه أو علاقاته؟

في الحالتين، لا يمكن إعفاءه من المسؤولية؛ لأن الجهل بشيء يختلف عن معرفة الخطأ ثم الدفاع عنه.

المشكلة أن بعض هؤلاء لا يكتفون بتبرير الفساد، بل يسهمون في إدخال المجتمعات في صراعات داخلية عبر خطابات الكراهية والتحريض والتخوين.

بدلا من البحث عن أسباب الأزمات، يوجهون غضب الناس نحو قبائل أخرى أو جماعات سياسية منافسة، ويقدمون الخلافات باعتبارها معارك بين جماعات متناحرة، لا صراعا حول السلطة والموارد والحقوق والمسؤولية.

وهكذا ينشغل المواطن بالعداء لجاره، بينما يواصل أصحاب النفوذ إدارة مصالحهم بعيدا عن المساءلة.

إن الخطاب الذي يحرض الناس على بعضهم لا يصبح وطنيا لمجرد أن صاحبه يتحدث باسم قبيلته، ولا يصبح سياسيا واعيا لمجرد أنه يعرف كيف يهاجم خصومه.

عندما يستخدم المتعلم معرفته لإنتاج الكراهية، فهو لا يساهم في حل الأزمة، بل يزيدها تعقيدا. والمجتمع الذي يتحول فيه المثقف إلى محرض، ويصبح فيه المتعلم مدافعا عن التعصب، لن تنقذه زيادة عدد الشهادات؛ لأن المشكلة لم تعد في نقص التعليم وحده، بل في غياب المسؤولية الأخلاقية والفكرية.

أما المثقف الذي يراقب السلطة والمعارضة والقيادات القبلية، فلا يجوز أن يختار لهم معايير مختلفة للمحاسبة.

ليس من المقبول أن يرفع صوته ضد الفساد عندما يصدر عن خصمه، ثم يخفضه عندما يرتكبه شخص من جماعته.

وليس من المنطقي أن يطالب بالعدالة عندما يكون المتضرر من قبيلته، ثم يتجاهل حقوق الآخرين عندما يكون الظلم واقعا عليهم. هذه ليست مواقف نقدية، بل انتقائية تحكمها المصالح والانتماءات.

والسؤال الذي يستحق النقاش هو: كم من هؤلاء قدم مبادرة حقيقية لإصلاح السياسة، أو تطوير التعليم، أو نشر ثقافة المواطنة، أو الحد من خطاب الكراهية؟ كم واحدا منهم انشغل بتقديم أفكار قابلة للتطبيق لتحسين المدارس، وتأهيل المعلمين، وتشجيع البحث العلمي، وتوسيع فرص الشباب، وبناء مؤسسات تحترم القانون؟ وكم واحدا اكتفى بكتابة منشورات التأييد والهجوم، ثم اعتبر نفسه صاحب مشروع فكري؟

ليس المطلوب من المثقف أن يحل جميع مشكلات المجتمع بمفرده، لكن المطلوب ألا يجعل قلمه أداة لتعطيل الحلول. يستطيع أن يكتب دراسة، أو يفتح نقاشا عاما، أو ينظم مبادرة للتوعية، أو يقدم تصورا لإصلاح قطاع التعليم، أو يواجه خطاب الكراهية بالحجة والمعرفة.

وقد لا تنجح كل مبادرة، لكن غياب المحاولة مع الاستمرار في توزيع الاتهامات يكشف أن بعض المتحدثين باسم التغيير لا يريدون تحمل مسؤولية عملية تجاه المجتمع.

إن إصلاح السياسة لا يبدأ بتغيير الأشخاص وحدهم، بل بمراجعة الثقافة التي تسمح للمسؤول الفاسد بالاختباء خلف القبيلة، وللقيادة الفاشلة بالاستمرار في الحكم دون محاسبة، ولأبناء الطبقات النافذة بالحصول على الامتيازات بينما يدفع بقية المواطنين ثمن سوء الإدارة.

والمثقف الذي لا يناقش هذه القضايا، ولا يطالب بقواعد عادلة لتوزيع الفرص والموارد، ولا يرفض تحويل مؤسسات الدولة إلى ممتلكات خاصة، يترك المجال مفتوحا أمام استمرار الأزمة.

ولا ينفصل التعليم الحديث عن هذه المعركة.

فالمجتمع يحتاج إلى تعليم ينمي القدرة على التفكير والتحليل والبحث، لا إلى تعليم يكتفي بتخريج أشخاص يحملون الشهادات ويكررون ما يسمعونه.

يحتاج الطلاب إلى تعلم احترام الاختلاف، وفهم حقوق الإنسان، والتمييز بين النقد والإهانة، وبين الانتماء القبلي والمواطنة.

كما يحتاج المعلمون والمؤسسات التعليمية إلى بيئة تساعدهم على أداء دورهم، بعيدا عن التوظيف السياسي والتمييز والمحسوبية.

لكن من الصعب المطالبة بتعليم ينتج عقولا مستقلة بينما يدافع بعض المتعلمين عن الولاء الأعمى، ويهاجمون كل من يخالفهم، ويبررون تجاوزات المسؤولين باسم الانتماء.

كيف يمكن لشخص أن يدعو إلى نهضة المجتمع، ثم يرفض محاسبة أحد أبناء جماعته؟ وكيف يطالب بالعدالة، ثم يقبل أن تكون الفرص والوظائف والامتيازات مرتبطة بالقرب من السلطة؟

إن التناقض بين الخطاب والممارسة هو ما يجعل كثيرا من الدعوات إلى الإصلاح بلا قيمة عملية.

المثقف ليس مطالبا بالتخلي عن قبيلته أو إنكار جذوره الاجتماعية، لكنه مطالب بفهم الفرق بين الانتماء والتعصب.

يستطيع أن يحب جماعته دون أن يبرر أخطاءها، وأن يدافع عن حقوق أبنائها دون أن ينكر حقوق الآخرين، وأن ينتقد خصومها دون أن يختلق ضدهم الاتهامات.

أما تحويل الانتماء إلى مبرر للفساد والتمييز والكراهية، فهو إضرار بالمجتمع وبالجماعة نفسها؛ لأن القبيلة التي تحمي الفاسد تضعف فرص أبنائها في العيش داخل دولة عادلة.

ولا أرى أن المشهد الثقافي والسياسي يعكس حضورا كافيا للمثقف المستقل الذي يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.

هناك من يمتلكون المعرفة والخبرة، لكن بعضهم يختار الصمت عندما تكون المحاسبة مكلفة، أو يغير خطابه بحسب موقعه من السلطة، أو يجعل من خصومه هدفا دائما بينما يتجنب أخطاء حلفائه.

وعندما يصبح النقد انتقائيا، يفقد المجتمع وسيلة مهمة لكشف الخلل وتصحيح المسار.

المثقف الحقيقي لا يحتاج إلى أن يكون معارضا دائما، كما لا يحتاج إلى أن يكون مؤيدا دائما. عليه أن يفحص المواقف والقرارات والنتائج، وأن يحدد موقفه بناء على الوقائع لا على هوية صاحب القرار.

فقد تتخذ السلطة قرارا صحيحا يستحق الدعم، وقد تقدم المعارضة موقفا خاطئا يستحق النقد. الاستقلال الفكري يعني القدرة على قول ذلك دون الخضوع لضغط الجماعة أو إغراء المنصب أو الخوف من خسارة العلاقات.

كما أن مسؤولية المثقف لا تتوقف عند نقد المسؤولين، بل تشمل نقد المجتمع نفسه عندما يقبل الظلم أو يبرر العنف أو يشارك في نشر الكراهية.

فليس كل ما يصدر عن المجتمع صحيحا، وليس كل ما تتفق عليه الجماعة عادلا. أحيانا يحتاج المجتمع إلى من يواجهه بحقيقة لا يرغب في سماعها، ويذكره بأن حقوق الإنسان لا تتغير بتغير القبيلة، وأن دماء المواطنين لا تختلف قيمتها بحسب انتماءاتهم.

إن النهضة الإنسانية تبدأ عندما يصبح الإنسان قيمة في ذاته، لا مجرد رقم داخل قبيلة أو أداة في يد حزب أو وسيلة للوصول إلى السلطة.

ولا يمكن بناء مجتمع يحترم الإنسان إذا كان المثقف نفسه يبرر إهانته أو يحرض عليه أو يصمت عندما تنتهك حقوقه.

الدفاع عن الإنسان لا يحتاج إلى شروط قبلية أو سياسية، والعدالة التي تستثني أبناء الجماعة لا تستحق أن تسمى عدالة.

أزمة المثقف ليست في أنه لا يتحدث، بل في أنه قد يتحدث كثيرا دون أن يقدم معرفة أو نقدا أو مبادرة.

وقد يملأ صفحات التواصل الاجتماعي بالتحليلات، لكنه يتجنب سؤالا بسيطا: ماذا فعلت لتغيير الواقع الذي تنتقده؟ لا أقصد أن الكتابة وحدها عاجزة عن التغيير، بل إن الكتابة تفقد قيمتها عندما تتحول إلى تكرار للمواقف نفسها، دون بحث أو مراجعة أو محاولة لتقديم بدائل.

لسنا بحاجة إلى مزيد من الأشخاص الذين يبررون أخطاء جماعتهم، أو يلمعون المسؤولين، أو يحولون الخلاف السياسي إلى كراهية اجتماعية.

نحن بحاجة إلى مثقفين يواجهون الفساد مهما كان مصدره، ويرفضون التحريض مهما كان صاحبه، ويقدمون أفكارا ومبادرات في السياسة والتعليم وبناء السلام، ويعاملون الإنسان على أساس حقوقه لا على أساس قربه من السلطة أو انتمائه القبلي.

السؤال الذي أطرحه ليس كم لدينا من حملة الشهادات، ولا كم شخصا يكتب عن الوعي والتغيير، بل كم واحدا يستطيع أن ينتقد قبيلته عندما تخطئ، ويحاسب المسؤول الذي يدعمه، ويرفض الدفاع عن الفساد حتى لو كان المستفيد منه أقرب الناس إليه؟

وكم واحدا مستعدا لأن يقدم للمجتمع فكرة أو مبادرة أو عملا يساهم في تحسين حياة الناس بدلا من دفعهم إلى مزيد من الصراع؟

إذا كان المثقف لا يستطيع مخالفة جماعته عندما تخطئ، ولا مساءلة السلطة عندما تفسد، ولا تقديم بديل عندما ينتقد، فما الذي يميزه عن أي تابع آخر؟

وما الفائدة التي يجنيها المجتمع من معرفة تتحول إلى وسيلة لحماية المصالح وتبرير الفشل؟

المشكلة ليست في قلة المتعلمين، بل في أن بعضهم لم يجعل من المعرفة مسؤولية تجاه المجتمع.

وحين يتحول القلم إلى مدافع عن الفساد، ويصبح المتعلم أداة في صراع القبائل والسلطة، يفقد المثقف دوره، ويصبح جزءا من الأزمة التي يدعي أنه يريد إصلاحها.


الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

سيكولوجية الشخص المريض

 سيكولوجية الشخص المريض


زكريا نمر
كاتب وباحث سوداني


هناك أشخاص لا يملكون في حياتهم سوى نمط واحد من الظهور: 

الحديث المستمر عن الشهادات، المناصب، العلاقات والقدرات التي لا تظهر في الواقع.

يتحدث أحدهم عن نفسه كما لو أن الورق الذي حصل عليه يمنحه قيمة أكبر من الآخرين، بينما حين تقترب من حياته اليومية تكتشف أنه لا يملك مهارة حقيقية، ولا قدرة على التعامل مع الناس، ولا تفكيرا مستقلا يستطيع من خلاله قراءة حياته ومشكلاته.

المشكلة ليست في الشهادة الأكاديمية، بل في تحويلها إلى هوية كاملة. 

فالشهادة يفترض أن تكون بداية للمعرفة، وليست نهاية لها. 

والجامعة تمنح الإنسان أدوات أولية، لكنها لا تستطيع أن تمنحه الحكمة، ولا القدرة على إدارة حياته، ولا مهارة التواصل، ولا القدرة على تحمل المسؤولية.

خذ مثلا شخصا يحمل شهادة جامعية، وربما أكثر من شهادة، ويجلس لسنوات بلا عمل أو مشروع أو محاولة حقيقية لتطوير نفسه.

كلما دخل في نقاش بدأ بتعداد مؤهلاته: أنا خريج الجامعة الفلانية، درست التخصص الفلاني، لدي دبلوم في كذا، وأعرف فلانا وفلانا.

لكنه عندما تسأله: 

ماذا صنعت بهذه المعرفة؟ 

ماذا تعلمت من سنوات الدراسة؟ 

ما المشروع الذي حاولت بناءه؟ 

ما المهارة التي تستطيع أن تقدمها للآخرين؟ 

يصمت، ثم يعود إلى الحديث عن الشهادة من جديد.

هذا المثال لا يعني أن العاطل إنسان فاشل. 

البطالة قد تكون نتيجة ظروف اقتصادية وسياسية لا علاقة للفرد بها. لكن المشكلة تبدأ عندما يستخدم الإنسان شهادته كتعويض دائم عن غياب الفعل، ويجعلها جدارا يحميه من الاعتراف بأنه يحتاج إلى تعلم مهارات جديدة أو تغيير طريقته في التفكير.

والنمط نفسه يمكن أن يظهر في علاقتنا بالقبيلة. 

قد تجد شخصا يقضي ساعات في الحديث عن فساد قبيلته، ويتهم أبناءها بالجهل والانتهازية، ويعلن أنه أكثر وعيا منهم. لكن عندما تتعرض قبيلته للنقد من شخص آخر، يتحول فجأة إلى مدافع شرس عنها، ويبدأ في استخدام المنطق القبلي نفسه الذي كان يهاجمه قبل دقائق.

هذا الشخص لم يتحرر فعليا من القبيلة هو فقط غيّر موقعه داخلها. انتقل من الدفاع عنها إلى مهاجمتها، لكنه ظل يمنحها المساحة نفسها في تفكيره.

وهذا يكشف مشكلة أعمق الإنسان قد يظن أنه تجاوز الفكرة لأنه ينتقدها، بينما يكون في الحقيقة أسيرا لها. فالشخص الذي لا يستطيع الحديث عن حياته إلا من خلال قبيلته، حتى عندما ينتقد القبيلة، لا يزال يعيش داخل حدودها النفسية.

الإنسان الناضج لا يحتاج إلى تكرار شهاداته حتى يثبت قيمته، ولا إلى إهانة جماعته حتى يثبت اختلافه، ولا إلى التقليل من الآخرين حتى يشعر بأنه متفوق.

 قيمته تظهر في قدرته على التفكير، والعمل، والتعلم، وتحمل المسؤولية، ومراجعة نفسه عندما يكتشف أنه أخطأ.

ليست المشكلة أن يكون الإنسان عاطلا، ولا أن تكون إمكانياته محدودة في مرحلة من حياته. المشكلة أن يتحول العجز إلى شخصية، وأن يصبح الكلام عن الإمكانيات بديلا عن تطويرها.

المرض الحقيقي يبدأ عندما يفقد الإنسان القدرة على رؤية نفسه كما هي. عندها يصبح كل نقد للآخرين محاولة لإخفاء عيوبه، وكل شهادة وسيلة لتعويض نقصه، وكل حديث عن الإنجازات ستارا لحياة لا تحتوي على إنجاز حقيقي.

فالإنسان لا تقاس قيمته بما يحمله من أوراق، ولا بعدد المرات التي يتحدث فيها عن نفسه، بل بما يضيفه إلى الحياة حين يتوقف عن الكلام ويبدأ بالفعل.

الجمعة، 2 أكتوبر 2026

هل الديمقراطية تصنع الانسان الديمقراطي؟

 هل الديمقراطية تصنع الانسان الديمقراطي؟

كاتب وباحث 

من السهل ان نربط الديمقراطية بصندوق الاقتراع. يذهب المواطن الى مركز التصويت، يختار مرشحه، تعلن النتائج، ثم تبدأ السلطة الجديدة عملها. بهذه الصورة تبدو المسألة واضحة انتخابات تعني ديمقراطية.

لكن الديمقراطية ليست عملية تصويت فقط، والانتخابات لا تستطيع وحدها ان تغير علاقة المجتمع بالسلطة. قد يتغير الحاكم وتبقى العقلية السياسية كما هي، وقد تتبدل الاحزاب داخل الحكومة بينما تستمر طرق الحكم القديمة. لهذا يصبح السؤال الحقيقي اوسع من سؤال الانتخابات ماذا يحدث عندما تدخل الديمقراطية الى مجتمع لم يتعلم بعد كيف يمارسها؟.

يمكن كتابة دستور حديث، وانشاء برلمان منتخب، والسماح بتعدد الاحزاب، وتنظيم الانتخابات، ومع ذلك تبقى الدولة اسيرة ثقافة سياسية تقوم على الولاء الشخصي والخوف من الاختلاف وتقديس الزعيم.

المؤسسات لا تعمل وحدها

خلف كل مؤسسة بشر يحملون افكارا ومصالح وعادات سياسية. فإذا كان المواطن يرى الدولة وسيلة للحصول على وظيفة او حماية جماعته، فسوف يتعامل مع الانتخابات بالطريقة نفسها.

وإذا كان السياسي ينظر الى السلطة باعتبارها مكافأة بعد الفوز، فلن يتحول تلقائيا الى رجل دولة لمجرد انه وصل عبر الصندوق.

من هذه النقطة يبدأ الخلاف بين الديمقراطية كإجراء والديمقراطية كثقافة.

الانتخابات تحدد من يصل الى السلطة، لكنها لا تحدد كيف سيتعامل معها بعد الوصول. قد يدافع السياسي عن الحريات عندما يكون في المعارضة، ثم يضيق بها عندما يصبح مسؤولا. وقد يطالب الحزب بالتداول السلمي للسلطة في الدولة، بينما لا يعرف التداول داخل قيادته. يمكن ايضا ان نجد مواطنا يدافع عن حرية التعبير عندما يكون رأيه مستهدفا، ثم يطالب بمنع الرأي المختلف عندما يشعر ان ذلك الرأي يهدد جماعته.

هذه المواقف لا تصنع ديمقراطية مستقرة، لان الديمقراطية تقوم على مبدأ بسيط لكنه صعب التطبيق: الحق السياسي لا يتغير حسب موقع الانسان من السلطة.

المواطن الديمقراطي لا يؤمن بالحرية لنفسه فقط. يقبل ان يتحدث خصمه، وان يفوز من لا يفضله، وان تنتقد الصحافة حكومته، وان يعارضه شخص ينتمي الى الحزب نفسه.

الديمقراطية في جوهرها اختبار لقدرتنا على تحمل الاختلاف.

ولهذا لا تبدأ الديمقراطية من البرلمان فقط. تبدأ من التربية.

الطفل الذي يتعلم ان السؤال وقاحة، وان مناقشة المعلم عصيان، وان الكبير دائما على حق، قد يكبر وهو يحمل علاقة سلطوية مع كل من هو اعلى منه. ثم يدخل الحياة السياسية وهو ينتظر من الزعيم الشيء نفسه الذي تعلمه في البيت والمدرسة: الطاعة مقابل الحماية.

تدريب الأطفال على السؤال والنقاش

التعليم الذي يركز على الحفظ والطاعة ولا يدرب الطالب على السؤال والنقاش والنقد، لا يبني مواطنا قادرا على ممارسة الحرية السياسية بصورة ناضجة.

الجامعة ايضا ليست محايدة في هذه المسألة. الجامعة التي تمنع النقاش، وتخاف من النقد، وتتعامل مع الطالب باعتباره متلقيا لا شريكا في التفكير، تساهم في انتاج انسان يستطيع الحصول على شهادة، لكنه قد لا يمتلك الادوات العقلية التي يحتاجها لممارسة المواطنة.

من الصعب ان نطلب من المجتمع ان يكون ديمقراطيا في صناديق الاقتراع بينما مؤسساته التعليمية والاجتماعية تدربه على عكس ذلك.

ثم تأتي الاحزاب السياسية.

لا يمكن بناء حياة سياسية ديمقراطية بأحزاب تقوم على الزعيم الواحد. الحزب الذي لا يستطيع اعضاؤه نقد قيادته، ولا يستطيع تغييرها بطريقة سلمية، ولا يعقد مؤتمرات حقيقية، ولا يسمح بتعدد الآراء داخله، سيواجه مشكلة عندما يصل الى الحكم: سوف ينقل منطق القيادة الداخلية الى مؤسسات الدولة. ولهذا فإن المعارضة ليست ديمقراطية لمجرد انها تعارض الحكومة.

يمكن للمعارض ان يحمل عقلية استبدادية، ويمكن لمن يرفع شعار الحرية ان يرفضها عندما تمس مصالحه. معيار الديمقراطية ليس موقع الشخص في المعارضة او الحكومة، بل موقفه من السلطة عندما تصبح في يده.

وهذا يقود الى قضية اخرى:

الانتخابات قد تنتج الاغلبية، لكنها لا تمنح الاغلبية ملكية الدولة.

الفوز في الانتخابات لا يعني ان الحزب الفائز أصبح صاحب القضاء او الجيش او المال العام او الاعلام الحكومي. هذه مؤسسات للدولة وليست ممتلكات للحزب.

إدارة السلطة ضمن القانون

الحكومة المنتخبة تملك حق إدارة السلطة ضمن القانون، ولا تملك حق تغيير القانون لحماية نفسها او استخدام مؤسسات الدولة لتصفية خصومها.

لذلك تحتاج الديمقراطية الى مؤسسات تستطيع وضع حدود واضحة للسلطة: قضاء مستقل، صحافة حرة، برلمان قادر على الرقابة، مجتمع مدني نشط، وقواعد انتخابية لا تتغير كلما تغيرت مصلحة الحاكم.

الانتخابات مهمة، لكنها تحتاج الى هذه البيئة حتى تؤدي وظيفتها.

كما ان المواطن نفسه ليس خارج المعادلة.

عندما يبيع الناخب صوته، ثم يشكو من الفساد، فهو شارك في بناء النتيجة التي ينتقدها. وعندما يصوت بناء على القبيلة او المنطقة او المال، ثم يطالب بحكومة وطنية، فهو يضع الدولة امام تناقض يصعب تجاوزه.

لا يعني ذلك ان الناخب يتحمل وحده مسؤولية الفساد السياسي. السلطة والاحزاب والمؤسسات تتحمل مسؤوليات أكبر، لكن المواطن يظل جزءا من النظام السياسي الذي ينتج الحكام.

القبيلة والدين والمال والمصالح المحلية يمكن ان تؤثر في الاختيار السياسي. ولا تصبح هذه التأثيرات مشكلة لمجرد وجودها، بل عندما تتحول الى بديل عن المواطنة والقانون.

السؤال الانتخابي

عندها يصبح السؤال الانتخابي: من يمثلني؟ بدلا من السؤال الاوسع: من يستطيع ادارة الدولة؟ والفارق بين السؤالين كبير.

السياسة التي تقوم على توزيع الدولة بين الجماعات ستنتج حكومة مشغولة بتوازن الولاءات، بينما السياسة التي تقوم على المواطنة تبحث عن مؤسسات تعمل وفق القانون مهما كان اسم المواطن او انتماؤه.

ومن زاوية فلسفية، يمكن فهم هذه المشكلة من خلال فكرة نيتشه عن عقلية القطيع. الانسان قد يتخلى عن حكمه الفردي عندما يشعر ان الجماعة تمنحه الامان والانتماء. في السياسة يصبح السؤال احيانا ليس: هل هذا القرار صحيح؟ بل: ماذا تريد جماعتنا؟

وهذا النوع من التفكير يضعف المواطن ويقوي الزعيم.

أما فوكو فيساعدنا على النظر الى المسألة من زاوية اخرى: السلطة لا تعمل بالقوة المباشرة فقط، بل تعمل ايضا من خلال المعرفة والخطاب والمؤسسات.

من يملك القدرة على تشكيل ما يعتبره المجتمع حقيقة او مقبولا يستطيع التأثير في وعي الناس دون الحاجة الى اجبارهم في كل مرة.

لهذا فإن تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير البنية التي تنتج الطاعة.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تفشل بعض التجارب الديمقراطية رغم وجود انتخابات متكررة. المشكلة ليست دائما في غياب الاقتراع، بل في غياب البيئة التي تجعل الاقتراع وسيلة حقيقية للمحاسبة والتغيير.

الحاكم موظف عام وليس زعيما مقدسا

الديمقراطية تحتاج الى مواطن يعرف ان الحاكم موظف عام وليس زعيما مقدسا.

وتحتاج الى سياسي يعرف ان فوزه مؤقت. وتَحتاج الى معارضة تعرف ان خسارة الانتخابات لا تعني نهاية الدولة.

وتحْتاج الى مجتمع يستطيع ان يختلف دون ان يحول الخلاف السياسي الى عداوة اجتماعية.

وتحتَاج الى صحافة تستطيع ان تنتقد الحكومة والحزب والمعارضة في الوقت نفسه.

وتحتاجُ قبل كل ذلك الى قانون لا يتغير وفقا لمن يملك السلطة.

المشكلة اننا كثيرا ما نطالب بالديمقراطية عندما نكون خارج السلطة، ثم نكتشف قيمتها الحقيقية عندما نصل اليها.

عندها يظهر الاختبار الفعلي: هل سنحمي حق خصومنا كما نطالب بحماية حقوقنا؟

من يقبل الحريات عندما تخدمه فقط لم يفهم الديمقراطية.

ومن يقبل نتائج الانتخابات عندما يفوز فقط لم يفهم التداول السلمي للسلطة.

ومن يطالب بدولة القانون ثم يبحث عن واسطة عندما يحتاج الى حقه لم يتجاوز بعد ثقافة الدولة الشخصية.

لهذا لا يمكن قياس الديمقراطية بعدد الانتخابات وحده.

يجب النظر الى ما يحدث بين انتخابات وأخرى: كيف تمارس السلطة؟ كيف تحاسب؟ كيْف تعمل المؤسسات؟ كَيف يعامل الصحفي؟ كيفَ يتصرف الحزب؟ كيف يعيش المواطن؟ وهل يستطيع الفرد ان يختلف مع الأغلبية دون ان يفقد حقوقه؟

هذه الأسئلة هي التي تكشف طبيعة النظام السياسي.

الديمقراطية تبدأ من البيت

الديمقراطية لا تبدأ يوم يفتح مركز الاقتراع ابوابه، بل تبدأ قبل ذلك بكثير: في البيت عندما يتعلم الطفل ان الاختلاف لا يعني العصيان، وفي المدرسة عندما يسمح للطالب بالسؤال، وفي الجامعة عندما يصبح النقد جزءا من المعرفة، وفي الحزب عندما تستطيع القيادة ان تسمع صوت أعضائها، وفي المجتمع عندما يصبح القانون مرجعا للجميع.

الانتخابات تستطيع ان تغير الحاكم، لكنها لا تستطيع وحدها ان تغير الانسان.

الانسان هو الذي يجعل الديمقراطية ممكنة عندما يتعلم ان السلطة مؤقتة، وان القانون فوق الاشخاص، وان الخصم السياسي ليس عدوا، وان الدولة ليست غنيمة للحزب الفائز، وان الحرية التي يطالب بها لنفسه يجب ان يقبل بها عندما تكون في يد خصمه.

لهذا فإن السؤال الاهم ليس: هل لدينا انتخابات؟

السؤال هو: ماذا صنعت الانتخابات في ثقافتنا السياسية؟

إذا بقي المواطن يبحث عن زعيم يحميه بدلا من مؤسسة تحمي حقه، وبقي السياسي يبحث عن الولاء بدلا من القانون، وبقي الحزب يعتبر نفسه الدولة عندما يصل الى الحكم، فإن تغيير الاسماء لن يكون تغييرا حقيقيا.

قد يتغير الحاكم قد يتغير الحزب. قد تتغير الشعارات.

لكن الدولة ستبقى تحمل العقلية نفسها.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للديمقراطية: ليس ان نعرف كيف نختار الحاكم، بل ان نتعلم كيف نمنع الحاكم، مهما كان اسمه، من التحول الى مالك للدولة.