‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات زكريا نمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات زكريا نمر. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 2 أكتوبر 2026

هل الديمقراطية تصنع الانسان الديمقراطي؟

 هل الديمقراطية تصنع الانسان الديمقراطي؟

كاتب وباحث 

من السهل ان نربط الديمقراطية بصندوق الاقتراع. يذهب المواطن الى مركز التصويت، يختار مرشحه، تعلن النتائج، ثم تبدأ السلطة الجديدة عملها. بهذه الصورة تبدو المسألة واضحة انتخابات تعني ديمقراطية.

لكن الديمقراطية ليست عملية تصويت فقط، والانتخابات لا تستطيع وحدها ان تغير علاقة المجتمع بالسلطة. قد يتغير الحاكم وتبقى العقلية السياسية كما هي، وقد تتبدل الاحزاب داخل الحكومة بينما تستمر طرق الحكم القديمة. لهذا يصبح السؤال الحقيقي اوسع من سؤال الانتخابات ماذا يحدث عندما تدخل الديمقراطية الى مجتمع لم يتعلم بعد كيف يمارسها؟.

يمكن كتابة دستور حديث، وانشاء برلمان منتخب، والسماح بتعدد الاحزاب، وتنظيم الانتخابات، ومع ذلك تبقى الدولة اسيرة ثقافة سياسية تقوم على الولاء الشخصي والخوف من الاختلاف وتقديس الزعيم.

المؤسسات لا تعمل وحدها

خلف كل مؤسسة بشر يحملون افكارا ومصالح وعادات سياسية. فإذا كان المواطن يرى الدولة وسيلة للحصول على وظيفة او حماية جماعته، فسوف يتعامل مع الانتخابات بالطريقة نفسها.

وإذا كان السياسي ينظر الى السلطة باعتبارها مكافأة بعد الفوز، فلن يتحول تلقائيا الى رجل دولة لمجرد انه وصل عبر الصندوق.

من هذه النقطة يبدأ الخلاف بين الديمقراطية كإجراء والديمقراطية كثقافة.

الانتخابات تحدد من يصل الى السلطة، لكنها لا تحدد كيف سيتعامل معها بعد الوصول. قد يدافع السياسي عن الحريات عندما يكون في المعارضة، ثم يضيق بها عندما يصبح مسؤولا. وقد يطالب الحزب بالتداول السلمي للسلطة في الدولة، بينما لا يعرف التداول داخل قيادته. يمكن ايضا ان نجد مواطنا يدافع عن حرية التعبير عندما يكون رأيه مستهدفا، ثم يطالب بمنع الرأي المختلف عندما يشعر ان ذلك الرأي يهدد جماعته.

هذه المواقف لا تصنع ديمقراطية مستقرة، لان الديمقراطية تقوم على مبدأ بسيط لكنه صعب التطبيق: الحق السياسي لا يتغير حسب موقع الانسان من السلطة.

المواطن الديمقراطي لا يؤمن بالحرية لنفسه فقط. يقبل ان يتحدث خصمه، وان يفوز من لا يفضله، وان تنتقد الصحافة حكومته، وان يعارضه شخص ينتمي الى الحزب نفسه.

الديمقراطية في جوهرها اختبار لقدرتنا على تحمل الاختلاف.

ولهذا لا تبدأ الديمقراطية من البرلمان فقط. تبدأ من التربية.

الطفل الذي يتعلم ان السؤال وقاحة، وان مناقشة المعلم عصيان، وان الكبير دائما على حق، قد يكبر وهو يحمل علاقة سلطوية مع كل من هو اعلى منه. ثم يدخل الحياة السياسية وهو ينتظر من الزعيم الشيء نفسه الذي تعلمه في البيت والمدرسة: الطاعة مقابل الحماية.

تدريب الأطفال على السؤال والنقاش

التعليم الذي يركز على الحفظ والطاعة ولا يدرب الطالب على السؤال والنقاش والنقد، لا يبني مواطنا قادرا على ممارسة الحرية السياسية بصورة ناضجة.

الجامعة ايضا ليست محايدة في هذه المسألة. الجامعة التي تمنع النقاش، وتخاف من النقد، وتتعامل مع الطالب باعتباره متلقيا لا شريكا في التفكير، تساهم في انتاج انسان يستطيع الحصول على شهادة، لكنه قد لا يمتلك الادوات العقلية التي يحتاجها لممارسة المواطنة.

من الصعب ان نطلب من المجتمع ان يكون ديمقراطيا في صناديق الاقتراع بينما مؤسساته التعليمية والاجتماعية تدربه على عكس ذلك.

ثم تأتي الاحزاب السياسية.

لا يمكن بناء حياة سياسية ديمقراطية بأحزاب تقوم على الزعيم الواحد. الحزب الذي لا يستطيع اعضاؤه نقد قيادته، ولا يستطيع تغييرها بطريقة سلمية، ولا يعقد مؤتمرات حقيقية، ولا يسمح بتعدد الآراء داخله، سيواجه مشكلة عندما يصل الى الحكم: سوف ينقل منطق القيادة الداخلية الى مؤسسات الدولة. ولهذا فإن المعارضة ليست ديمقراطية لمجرد انها تعارض الحكومة.

يمكن للمعارض ان يحمل عقلية استبدادية، ويمكن لمن يرفع شعار الحرية ان يرفضها عندما تمس مصالحه. معيار الديمقراطية ليس موقع الشخص في المعارضة او الحكومة، بل موقفه من السلطة عندما تصبح في يده.

وهذا يقود الى قضية اخرى:

الانتخابات قد تنتج الاغلبية، لكنها لا تمنح الاغلبية ملكية الدولة.

الفوز في الانتخابات لا يعني ان الحزب الفائز أصبح صاحب القضاء او الجيش او المال العام او الاعلام الحكومي. هذه مؤسسات للدولة وليست ممتلكات للحزب.

إدارة السلطة ضمن القانون

الحكومة المنتخبة تملك حق إدارة السلطة ضمن القانون، ولا تملك حق تغيير القانون لحماية نفسها او استخدام مؤسسات الدولة لتصفية خصومها.

لذلك تحتاج الديمقراطية الى مؤسسات تستطيع وضع حدود واضحة للسلطة: قضاء مستقل، صحافة حرة، برلمان قادر على الرقابة، مجتمع مدني نشط، وقواعد انتخابية لا تتغير كلما تغيرت مصلحة الحاكم.

الانتخابات مهمة، لكنها تحتاج الى هذه البيئة حتى تؤدي وظيفتها.

كما ان المواطن نفسه ليس خارج المعادلة.

عندما يبيع الناخب صوته، ثم يشكو من الفساد، فهو شارك في بناء النتيجة التي ينتقدها. وعندما يصوت بناء على القبيلة او المنطقة او المال، ثم يطالب بحكومة وطنية، فهو يضع الدولة امام تناقض يصعب تجاوزه.

لا يعني ذلك ان الناخب يتحمل وحده مسؤولية الفساد السياسي. السلطة والاحزاب والمؤسسات تتحمل مسؤوليات أكبر، لكن المواطن يظل جزءا من النظام السياسي الذي ينتج الحكام.

القبيلة والدين والمال والمصالح المحلية يمكن ان تؤثر في الاختيار السياسي. ولا تصبح هذه التأثيرات مشكلة لمجرد وجودها، بل عندما تتحول الى بديل عن المواطنة والقانون.

السؤال الانتخابي

عندها يصبح السؤال الانتخابي: من يمثلني؟ بدلا من السؤال الاوسع: من يستطيع ادارة الدولة؟ والفارق بين السؤالين كبير.

السياسة التي تقوم على توزيع الدولة بين الجماعات ستنتج حكومة مشغولة بتوازن الولاءات، بينما السياسة التي تقوم على المواطنة تبحث عن مؤسسات تعمل وفق القانون مهما كان اسم المواطن او انتماؤه.

ومن زاوية فلسفية، يمكن فهم هذه المشكلة من خلال فكرة نيتشه عن عقلية القطيع. الانسان قد يتخلى عن حكمه الفردي عندما يشعر ان الجماعة تمنحه الامان والانتماء. في السياسة يصبح السؤال احيانا ليس: هل هذا القرار صحيح؟ بل: ماذا تريد جماعتنا؟

وهذا النوع من التفكير يضعف المواطن ويقوي الزعيم.

أما فوكو فيساعدنا على النظر الى المسألة من زاوية اخرى: السلطة لا تعمل بالقوة المباشرة فقط، بل تعمل ايضا من خلال المعرفة والخطاب والمؤسسات.

من يملك القدرة على تشكيل ما يعتبره المجتمع حقيقة او مقبولا يستطيع التأثير في وعي الناس دون الحاجة الى اجبارهم في كل مرة.

لهذا فإن تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير البنية التي تنتج الطاعة.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تفشل بعض التجارب الديمقراطية رغم وجود انتخابات متكررة. المشكلة ليست دائما في غياب الاقتراع، بل في غياب البيئة التي تجعل الاقتراع وسيلة حقيقية للمحاسبة والتغيير.

الحاكم موظف عام وليس زعيما مقدسا

الديمقراطية تحتاج الى مواطن يعرف ان الحاكم موظف عام وليس زعيما مقدسا.

وتحتاج الى سياسي يعرف ان فوزه مؤقت. وتَحتاج الى معارضة تعرف ان خسارة الانتخابات لا تعني نهاية الدولة.

وتحْتاج الى مجتمع يستطيع ان يختلف دون ان يحول الخلاف السياسي الى عداوة اجتماعية.

وتحتَاج الى صحافة تستطيع ان تنتقد الحكومة والحزب والمعارضة في الوقت نفسه.

وتحتاجُ قبل كل ذلك الى قانون لا يتغير وفقا لمن يملك السلطة.

المشكلة اننا كثيرا ما نطالب بالديمقراطية عندما نكون خارج السلطة، ثم نكتشف قيمتها الحقيقية عندما نصل اليها.

عندها يظهر الاختبار الفعلي: هل سنحمي حق خصومنا كما نطالب بحماية حقوقنا؟

من يقبل الحريات عندما تخدمه فقط لم يفهم الديمقراطية.

ومن يقبل نتائج الانتخابات عندما يفوز فقط لم يفهم التداول السلمي للسلطة.

ومن يطالب بدولة القانون ثم يبحث عن واسطة عندما يحتاج الى حقه لم يتجاوز بعد ثقافة الدولة الشخصية.

لهذا لا يمكن قياس الديمقراطية بعدد الانتخابات وحده.

يجب النظر الى ما يحدث بين انتخابات وأخرى: كيف تمارس السلطة؟ كيف تحاسب؟ كيْف تعمل المؤسسات؟ كَيف يعامل الصحفي؟ كيفَ يتصرف الحزب؟ كيف يعيش المواطن؟ وهل يستطيع الفرد ان يختلف مع الأغلبية دون ان يفقد حقوقه؟

هذه الأسئلة هي التي تكشف طبيعة النظام السياسي.

الديمقراطية تبدأ من البيت

الديمقراطية لا تبدأ يوم يفتح مركز الاقتراع ابوابه، بل تبدأ قبل ذلك بكثير: في البيت عندما يتعلم الطفل ان الاختلاف لا يعني العصيان، وفي المدرسة عندما يسمح للطالب بالسؤال، وفي الجامعة عندما يصبح النقد جزءا من المعرفة، وفي الحزب عندما تستطيع القيادة ان تسمع صوت أعضائها، وفي المجتمع عندما يصبح القانون مرجعا للجميع.

الانتخابات تستطيع ان تغير الحاكم، لكنها لا تستطيع وحدها ان تغير الانسان.

الانسان هو الذي يجعل الديمقراطية ممكنة عندما يتعلم ان السلطة مؤقتة، وان القانون فوق الاشخاص، وان الخصم السياسي ليس عدوا، وان الدولة ليست غنيمة للحزب الفائز، وان الحرية التي يطالب بها لنفسه يجب ان يقبل بها عندما تكون في يد خصمه.

لهذا فإن السؤال الاهم ليس: هل لدينا انتخابات؟

السؤال هو: ماذا صنعت الانتخابات في ثقافتنا السياسية؟

إذا بقي المواطن يبحث عن زعيم يحميه بدلا من مؤسسة تحمي حقه، وبقي السياسي يبحث عن الولاء بدلا من القانون، وبقي الحزب يعتبر نفسه الدولة عندما يصل الى الحكم، فإن تغيير الاسماء لن يكون تغييرا حقيقيا.

قد يتغير الحاكم قد يتغير الحزب. قد تتغير الشعارات.

لكن الدولة ستبقى تحمل العقلية نفسها.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للديمقراطية: ليس ان نعرف كيف نختار الحاكم، بل ان نتعلم كيف نمنع الحاكم، مهما كان اسمه، من التحول الى مالك للدولة.

الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

جنوب السودان دولة نفطية تستورد الأزمات

جنوب السودان دولة نفطية تستورد الأزمات

ليست الأزمة في جنوب السودان أن أسعار الوقود ترتفع، بل إن الارتفاع أصبح هو القاعدة، بينما الاستقرار هو الاستثناء.

والأسوأ من ذلك أن هذا يحدث في دولة يعيش اقتصادها على النفط. لا يعود الوقود مجرد سلعة، بل يتحول إلى معيار يقاس به نجاح الدولة أو فشلها.

فعندما تعجز دولة نفطية عن توفير الوقود لمواطنيها بسعر معقول، فإن الأزمة ليست في النفط، وإنما في الدولة التي تدير النفط.

تكشف أزمة الوقود حقيقة يصعب إنكارها جنوب السودان لا يعاني من شح الموارد، بل من شح الإدارة الرشيدة.

فالدولة التي تمتلك النفط، والأرض الزراعية، والمياه، والثروة الحيوانية، لا ينبغي أن تكون دولة تستورد الأزمات. غير أن ما حدث منذ الاستقلال هو أن الثروة تحولت إلى ريع سياسي، لا إلى مشروع اقتصادي، وأصبحت الإيرادات وسيلة لإدارة السلطة أكثر من كونها أداة لبناء الدولة.

إن الدولة الحديثة لا تقاس بحجم ما تملكه من موارد، بل بقدرتها على إدارة تلك الموارد. والنفط، في التجارب الناجحة، كان نقطة انطلاق نحو التصنيع والتعليم والبنية التحتية.

أما في التجارب الفاشلة، فقد تحول إلى وقود للفساد، وتضخم الجهاز الحكومي، وتآكل المؤسسات، وغياب المساءلة.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو إلى أي النموذجين ينتمي جنوب السودان؟ 

إن الاقتصاد الذي يقوم على بيع النفط الخام واستيراد كل شيء آخر ليس اقتصادا منتجا، بل اقتصادا استهلاكيا هشا.

فالدولة تصدر المادة الخام، ثم تعود لتستورد مشتقاتها النفطية بأسعار أعلى، وتستورد الغذاء والدواء ومواد البناء، وحتى كثيرا من السلع البسيطة. وهذه ليست دورة اقتصادية، بل حلقة من التبعية تستنزف الموارد عاما بعد عام.

وتبرز معضلة الاحتكار.

ففي جوبا، كما في مدن أخرى، يحضر مستثمرون أجانب بقوة في قطاع الوقود، ومن بينهم عدد من المستثمرين الصوماليين الذين يديرون محطات وشركات تعمل في هذا المجال.

وهذه الظاهرة لا ينبغي أن تقرأ من زاوية الجنسية، لأن الاقتصاد لا يبنى على التمييز، بل على المنافسة وسيادة القانون.

لكن من المشروع أن يُطرح سؤال جوهري لماذا أصبح المستثمر الأجنبي أكثر قدرة على دخول القطاعات الاستراتيجية من المستثمر الوطني؟

ولماذا لم تنجح الدولة في بناء بيئة تضمن تكافؤ الفرص وتمنع تركز السوق في أيدي عدد محدود من الشركات؟

إن نجاح المستثمر ليس مشكلة، أما فشل الدولة في تنظيم السوق فهو المشكلة الحقيقية.

فالاحتكار لا ينشأ من فراغ، بل ينمو عندما تغيب المؤسسات الرقابية، وتضعف قوانين المنافسة، وتختلط السلطة بالمصالح الاقتصادية.

وعندها يصبح المستهلك الحلقة الأضعف، ويدفع المواطن ثمن سوق لا تحكمها المنافسة بقدر ما تحكمها موازين النفوذ.

ولا يمكن فصل ذلك عن الانهيار المستمر في قيمة الجنيه الجنوب سوداني. فالعملة الوطنية ليست مجرد وسيلة للتبادل، بل مرآة لصحة الاقتصاد.

وكل اقتصاد يعتمد على الواردات أكثر من الإنتاج، وعلى الريع أكثر من الاستثمار، سيكون عرضة لتدهور عملته وارتفاع معدلات التضخم. لذلك فإن أزمة الوقود ليست سوى أحد أعراض مرض اقتصادي أعمق.

ثم يبرز السؤال الذي يتهرب منه الخطاب الرسمي منذ سنوات

أين ذهبت عائدات النفط؟ ولماذا لم تبن مصافٍ حديثة؟

ولماذا لم يُستثمر في الطاقة، أو الزراعة، أو الصناعة، أو البنية التحتية بما يخفف من هشاشة الاقتصاد؟ 

إن غياب الإجابات المقنعة لا يزيد إلا من اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع.

وما في الأزمة أنها لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت أزمة عدالة.

فكل زيادة في أسعار الوقود تعني ارتفاعا في تكاليف النقل والغذاء والدواء والتعليم، بينما تتحمل الأسر محدودة الدخل العبء الأكبر.

وتبقى الفئات الأكثر ثراءً وقدرة على الوصول إلى الموارد أقل تأثرا.

وهكذا تتحول الثروة الوطنية، التي كان يفترض أن تكون وسيلة لتحقيق العدالة، إلى عامل يعمق التفاوت الاجتماعي.

لقد أثبت التاريخ أن الموارد الطبيعية لا تبني الدول، بل قد تدمرها إذا غابت المؤسسات.

فالدولة التي تعجز عن حماية المنافسة، ومكافحة الاحتكار، وإدارة المال العام بشفافية، تتحول تدريجيا إلى دولة ريعية، يصبح فيها الاقتصاد تابعا للسياسة، والسياسة تابعة للمصالح الضيقة.

إن جنوب السودان لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى تغيير في فلسفة إدارة الدولة.

يحتاج إلى مؤسسات مستقلة لا تخضع للنفوذ، وإلى قوانين تطبق على الجميع، وإلى اقتصاد يقوم على الإنتاج لا على الريع، وعلى المنافسة لا على الاحتكار، وعلى الكفاءة لا على الامتيازات.

إن الأزمة ليست أزمة وقود، بل أزمة نموذج حكم.

وما لم يُعاد تعريف وظيفة الدولة باعتبارها حارسًا للمصلحة العامة، لا وسيطًا بين مراكز النفوذ، فإن النفط سيظل يخرج من باطن الأرض، بينما يزداد الفقر فوقها. وستبقى الدولة غنية بالموارد، وفقيرة في التنمية، قوية في جباية الإيرادات، وضعيفة في حماية المواطن.

إن الأمم لا تسقط عندما تنضب ثرواتها، وإنما عندما تعجز عن إدارة تلك الثروات بعقل الدولة.

وهذه هي المعضلة الكبرى التي يواجهها جنوب السودان اليوم: ليس نقص النفط، بل غياب الدولة التي تعرف كيف تجعل من النفط مشروعًا لبناء الوطن، لا وقودًا لاستدامة الأزمات.

السبت، 29 أغسطس 2026

المثقف المطاط

المثقف المطاط

كاتب وباحث سوداني

هناك الكائن المعروف باسم المثقف المطاط، يتمدد في كل مكان كما يتمدد بطنه بعد وجبة دسمة من المعارف السطحية. 
اليوم يعرف السياسة، غدا الفلسفة، وبعد غد كرة القدم وكرة السلة، وبعدها سيصبح ناقدا للأفلام، خبيرا بالموسيقى، مرشدا نفسيا، وربما متنبئا بحالة الطقس. كل شيء عنده ممكن، إلا معرفة حدوده.

المثقف المطاط
يقرأ مقالة واحدة عن الاقتصاد فيصبح خبيرا عالميا في سوق الأسهم ويشاهد تقريرا عن تغذية الطيور فيبدأ بإصدار نصائح صحية للأطفال وكبار السن كلامه سلس مليء بالمصطلحات الأجنبية التي تثير الاعجاب لكنه غالبا لا يعرف معنى نصفها المهم ان يظهر وكأنه واحد فاهم الدنيا كلها.

هذا المثقف يحب كل المنابر من القهوة في المقهى الى المجموعات على وسائل التواصل ومن جلسات الأصدقاء الى البرامج الحوارية أي مكان يذهب اليه يصبح مسرحا له واي نقاش يتحول الى فرصة لإظهار قدراته المعرفية إذا صمت مرة يشعر بالقلق هل سأفقد الفرصة لأكون حاضرا في كل موضوع.

التمدد عند المثقف المطاط يشبه بطنه بعد وليمة ضخمة كلما اكل أكثر ازداد تمركزه في المكان ولكن كل هذا التمدد يأتي على حساب العمق رأيه يصل الى كل شيء لكن غالبا بلا أساس ويصبح حديثه مادة للسخرية والضحك من قبل من يعرفون حقيقته المثقف الحقيقي لا يركض وراء كل مجال ولا يحاول ان يكون صاحب كل رأي اما المثقف المطاط فهو مثال حي على من يحاول ان يغطي كل شيء في النهاية يترك أثره السطحي ويصبح مادة للقصص المضحكة كما لو ان العلم عنده لعبة مطاطية يمكن فردها وطيها بحسب الموقف والمصلحة

المثقف المطاط
يعلمنا درسا مهما لا تحاول ان تكون في كل مكان والا ستصبح مثل بطنه كبير ممتد لكن بلا أي معنى حقيقي المعرفة ليست وجبة دسمة تأكلها على عجل بل رحلة تذوق صمت فهم واستمتاع بعالمنا دون الحاجة للتظاهر بانك تعرف كل شيء عن كل شيء.