‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات شريف عبدالغني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات شريف عبدالغني. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 14 نوفمبر 2024

فلسطين والقضية الصحراوية.. وانشغال العرب بترامب و”إيفانكا”!

فلسطين والقضية الصحراوية.. وانشغال العرب بترامب

 و”إيفانكا”!
شريف عبدالغني
صحفي وكاتب عربي


تتواصل المذبحة الإسرائيلية على أهلنا في قطاع غزة منذ أكثر من عام، بينما نحن العرب- كعادتنا، وربنا ما يقطع لنا عادة- نتابع المشهد دون أي فعل أو حتى رد فعل، بعدما تبلدت مشاعرنا واضمحلت نخوتنا وتحجّرت قلوبنا!

في ظل المذبحة، عادت إلى الواجهة قبل أيام “القضية المنسية” عربياً.. قضية الصحراء “المغربية”، وفق تسمية الرباط ومن يدور في فلكها، و”الغربية” حسب المصطلح الجزائري ومن يقتنع به.

لمن لا يعرف أصل هذه القضية المستمرة منذ خمسة عقود، وتسببت في خلافات وقطيعة بين بلدين عربيين كبيرين، وصلت أحياناً إلى التهديد بالحرب، فإن المملكة المغربية تعتبر الصحراء الفاصلة بينها وبين موريتانيا جزءاً لا يتجزأ من ترابها الوطني، بينما تنادي جبهة “البوليساريو” بانفصالها عن “المستعمر المغربي” وفق رؤيتها، وأعلنت الجبهة بالفعل تأسيس ما يسمى بـ “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” قبيل انسحاب إسبانيا عن الصحراء العام 1975.

وكلمة “البوليساريو” هي المختصر الإسباني المكون من الأحرف الأولى لاسم “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب”، وإقليم وادي الذهب هو إقليم واسع يغطي ثلثي تلك المنطقة، ويقع إلى الجنوب من إقليم الساقية الحمراء، والمنطقة برمتها- كما أسلفت- تقع جنوب المغرب وشمال موريتانيا، ويحدها من الشرق الجزائر.. وهنا المعضلة!

الجار الجزائري -ووفق الرواية المغربية- كان وما زال يطمح إلى أن يكون له نصيب من أراضي الصحراء، ليكون له منفذ على المحيط فيجمع بين الحُسنيين “المتوسط” و”الأطلسي”. كما أن موريتانيا هي الأخرى كانت تريد نصيبها من “الكعكة الصحراوية”، لكنها تنازلت عن حلمها بعدما فرضت المغرب سيطرتها على الإقليم، فيما احتضنت الجزائر “البوليساريو” ومناصريها في تندوف، الواقعة جنوبي غربي أراضيها، والقريبة من الحدود مع الصحراء، وذلك نكاية بالرباط، ودعماً لاستقلال هذه المنطقة لتحرم المغرب منها، وفي الوقت نفسه تجد لها موطئ قدم أطلسي عبر توطيد التعاون مع “الجمهورية الصحراوية” المنتظرة، والتي نالت بالفعل اعترافاً من عشرات الدول الإفريقية واللاتينية.

قبل نحو أسبوع، وتحديداً في 6 نوفمبر الجاري، احتفل المغاربة بذكرى “المسيرة الخضراء”، وهي مسيرة شعبية سلمية كان قد دعا إليها الملك الراحل الحسن الثاني في 6 نوفمبر 1975، وشارك فيها 350 ألف مغربي، تمكنوا من اجتياز الحدود التي كان يفصل بها الإسبان الصحراء عن الأراضي المغربية.

وبالمناسبة وجّه العاهل المغربي الملك محمد السادس خطاباً إلى الشعب، كرر فيه الرواية الثابتة في الرؤية المغربية بشأن الجزائر- دون أن يسميها- وقال إن “هناك من يستغل قضية الصحراء للحصول على منفذ إلى المحيط الأطلسي”، ثم زاد: و”هناك من يستغلها للتغطية على مشاكله الداخلية الكثيرة”، مطالبا الأمم المتحدة بتحمل مسؤوليتها، وأن “توضح الفرق الكبير بين العالم الحقيقي الذي يمثله المغرب في صحرائه وعالم آخر غير واقعي”.

وفك العاهل المغربي طلاسم ما ذكره عن “العالم الحقيقي والعالم غير الواقعي”، فأوضح أن المغرب “تمكن من ترسيخ واقع ملموس قائم على الحقيقة والشرعية، من خلال تمسك أبناء الصحراء بمغربيتهم، وتعلقهم بمقدسات الوطن، في إطار روابط البيعة بين سكان الصحراء وملوك المغرب، وكذلك من خلال النهضة التنموية والأمن والاستقرار الذي تنعم به الصحراء المغربية، والاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، والاعتراف الواسع بالحكم الذاتي”.

وأضاف أنه “بالموازاة مع هذا الوضع الشرعي والطبيعي، هناك مع الأسف عالم آخر منفصل عن الحقيقة، ما زال يعيش على أوهام الماضي، ويتشبث بأطروحات تجاوزها الزمن”. ثم زاد من نبرة حديثه بأن “هناك من يطالب بالاستفتاء، رغم تخلي الأمم المتحدة عنه، واستحالة تطبيقه، وفي الوقت نفسه يرفض السماح بإحصاء المحتجزين بمخيمات تندوف، ويأخذهم رهائن في ظروف يرثى لها، من الذل والإهانة، والحرمان من أبسط الحقوق.”

في المقابل، الجار الجزائري -كعادته- لم يصمت.. خرجت تصريحات عديدة -ومكررة أيضاً- بأن الشرق الأوسط لن يستقر إلا بحل القضيتين الفلسطينية و..الصحراوية !!

ومثلما كانت هناك فعاليات فنية وندوات ثقافية في المغرب، بمناسبة “المسيرة الخضراء”، فقد فعلت الجزائر الأمر نفسه، واستغلت مناسبة معرضها الدولي للكتاب المتواصل حالياً، وخصصت جناحاً معتبراً لـ”الجمهورية العربية الصحراوية”، حوى العديد من الكتب والمؤلفات عن قضية الصحراء- وفق منظور “البوليساريو” بالطبع-، وزار الجناح كثير من المسؤولين الجزائريين، وتكررت تصريحات الربط بين القضيتين الفلسطينية والصحراوية، فضلاً عن أن الصحف الجزائرية لا تكف عن نشر أخبار “تطبيع المخزن المغربي مع الصهاينة”، وآخرها زيارة وفد صحفي مغربي إلى إسرائيل، واتهامه المقاومة الفلسطينية -وفق هذه الصحف- بالـ”إرهاب”!

اللافت أنه لا يوجد أي تحرك عربي لتقريب وجهات النظر بين المغرب والجزائر لحل القضية الصحراوية، التي تعد أطول نزاع في القارة الإفريقية، منذ محاولة العاهل السعودي الراحل الملك فهد بن عبد العزيز الوساطة بين البلدين عام 1989، وجمع الرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد بالعاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني، خلال إحدى القمم الإسلامية، للتصافح فقط عند البيت العتيق في مكة المكرمة.

 وحين لم يستطع الملك فهد جمع الرجلين، عاد إلى أعراف التاريخ العربي القديم في التصالح، ونصب خيمته على الحدود بين البلدين للضغط الإيجابي لتحقيق هدف الوئام، ودعا كلاً من “بن جديد” و”الحسن الثاني” لخيمته، وحضرا.. فكانت أول جلسة مشتركة لفتح باب الحوار، وقد أسفر عن وقف الصراع مؤقتاً، لتعود النار وتشتعل بين وقت وآخر.

وإذا كانت الجزائر تتحدث عن ضرورة حل قضية “الصحراء الغربية” كأساس لاستقرار المغرب العربي الكبير، فإن المملكة المغربية -وعبر لسان بعض مسؤوليها وكثير من سياسييها ونشطائها على مواقع التواصل الاجتماعي- قامت بقفزة أمامية، وأكدت أن الأزمة تكمن في “الصحراء الشرقية”، وتقصد بها مناطق واسعة على حدودها الشرقية تقع ضمن الأراضي الجزائرية، ومنها ولاية تندوف مترامية الأطراف، التي تستضيف فيها الجزائر جبهة “البوليساريو” ومخيمات اللاجئين الصحراويين.

يقول هؤلاء المغاربة إن كل هذه المنطقة هي في الأصل جزء من بلادهم، وإن فرنسا ضمتها للجزائر بعدما خططت لعدم الانسحاب من هذا البلد الذي اعتبرته الأرض الفرنسية جنوب المتوسط، ولذا كانت تزيد وتُعظم من هذه الأرض بضم مساحات من المغرب.

ربما لا يدرك كثيرون في المشرق العربي أبعاد هذه القضية وخطورتها، كما لا يهتم المسؤولون العرب بمحاولة حلها، مثلما هم غير مهتمين بإبادة غزة وأهلها.

 لكنهم على كل حال لديهم عذرهم، فهم مشغولون بعودة ترامب إلى البيت الأبيض، وتبعات ومآلات ذلك على المنطقة. إنهم حالياً حائرون.. يفكرون.. يتساءلون في جنون: حينما يحل ترامب إلى ديارنا ضيفاً عزيزاّ وأخاً مقدراً صاحب بيت وقصر وشاليه ويخت.. هل سيأتي وحده، أم ستكون معه المحروسة من عين البشر “إيفانكا”؟!

الأربعاء، 17 يوليو 2024

بالأمر.. كُن فاسداً لتسكت عن فساد الكبار!

بالأمر.. كُن فاسداً لتسكت عن فساد الكبار! 

شريف عبدالغني


ربما لم يتوحّد أسيادنا الذين في قصور السلطة العربية، أطال الله أعمارهم ونصرهم على من يعاديهم، سوى في أمرين..

الأول ترك أهلنا في غزة يُذبحون، والذين بقوا أحياء منهم يُشرَّدون ويُجوّعون؛ إذ إن الظاهر لنا – نحن الرعية- أن نفراً من تيجان رؤوسنا من شرق الأمة إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، يتلذذون بما يحدث وكأنهم يشاهدون فيلم “أكشن” يقوم فيه مَثَلهم الأعلى نتنياهو “رمز القوة والسيطرة” بقتل وإبادة كل من يقول “لا”؛ فهم ينظرون إلى “حماس” وفصائل المقاومة على أنها فصائل معارضة لـ “حكومة شرعية” مقرها تل أبيب، ويرون أن وجود فصائل مقاومة في المنطقة يُشكل خطراً عليهم أنفسهم، ويتخوفون من أن تمتد “عدوى” التمرد على “حكومة نتنياهو الشرعية المنتخبة” من قِبل هذه الفصائل إلى الشعوب العربية، فتتمرد على حكوماتها “الشرعية.. غير المنتخبة”!

أما الأمر الثاني الذي نجح سادتنا في تحقيق الوحدة فيه، فهو إبعاد الشعوب عن الشأن العام، لتنشغل في سباق الجري وراء لقمة العيش، ففي ظل الغلاء الذي يعم معظم أوطان الأمة، لم يعد الصراع السياسي والفكري يشغل بال الناس إلا نسبة ضئيلة من عموم عشرات ملايين العرب.

أبناء “الأمة الواحدة ذات الرسالة الديكتاتورية الخالدة”، لا يتكلمون في صراعات السياسة إلا إذا كانوا يتزلفون لحكامهم، فهذا هو المسموح وذاك هو السقف؛ لذلك هربوا من الواقع والقمع المغموسين فيه بالعمل الإضافي لتلبية متطلبات من يعولون، وإذا وجدوا وقتاً للاهتمام بالشأن العام، فإنهم يتجنبون أي صراع لا يحبه ولاة الأمور، ويفرّغون طاقاتهم في الصراع الكروي بين أندية الكرة، أو زيجات وطلاقات وتقاليع أهل الفن.. نجحت الأنظمة المتعاقبة على معظم دول العالم العربي في شغل الناس بمثل هذه الصراعات التافهة، ولعبت الحكومات لعبة خبيثة، حيث عملت بدأب على نشر ثقافة الفساد بين عموم الناس.

كثيرون يتحدثون وينتقدون انتشار ظاهرة الرشاوى على امتداد الوطن العربي الكبير، لكنهم لا يذكرون الأسباب التي تؤدي إلى استشراء الرشاوى بين صفوف الموظفين؛ إذ إن كثيراً من الحكومات ترفع الأسعار بينما تظل الرواتب ثابتة، وحتى لو زادت الأخيرة فإنه يقابلها ارتفاع التسعيرة لكثير من السلع الأساسية أضعافاً مضاعفة، فماذا يفعل أصحاب الدخول المحدودة لمواجهة هذه الزيادة؟!

السُلطة في الدول الديكتاتورية تترك المواطن يتكسّب مثلما يريد، كل واحد وشطارته، الموظف يرتشي، عنصر المرور يمد يده، التاجر يغشّ، رجل الأعمال يسرق، المدرس يمصّ دم أولياء الأمور عبر الدروس الخصوصية، الصحفي يعمل لحساب المصدر الذي يُعطيه لا لحساب جريدته والقراء!. أما السبب فهو أن السُلطة الفاسدة على مدار التاريخ، تعمل على إفساد الشعوب حتى تغض النظر عن فساد الكبار.. عندما تكون فاسداً ستسكت عن فساد رئيسك في العمل، وهو لن يستطيع النطق بكلمة أمام فساد المسؤول الأعلى، وهكذا ندور في الحلقة نفسها حتى نصل إلى “الرؤوس الكبيرة”! الكل يسكت، الكل يتربح، وشعار الجميع “لا تعايرني ولا أعايرك.. الفساد طايلني وطايلك”!

لو قدّر الله، وانصلحت أحوال أمتنا وعرفت الشيء المسمى “ديمقراطية”، فإن أي مسؤول عربي مُنتخب مستقبلاً سيرث تركة ثقيلة جداً.. في أميركا يسأل المواطن زميله: أنت “جمهوري” أم “ديمقراطي”؟ نسبة إلى الحزبين الكبيرين هناك؛ أما في عالمنا العربي المأزوم فالسؤال: أنت “مدريدي” أم “برشلوني”؟.. تحب نانسي أم تفضل هيفاء؟.. “مرتشٍ” أم تستدين؟!

لذلك، لن يستطيع أي حاكم عادي مواجهة هذا الميراث العفن.. الأمة بحاجة إلى “حكماء” بحق وحقيق، وليس على شاكلة “الحكماء” إياهم، كما يطلق عليهم إعلامهم الأهطل.. مطلوب حكماء جادون، يقيمون مجتمعات خالية من الأمراض والفساد والجهل والخرافة، حكماء يعيدون “المواطن عربي” مُسالماً لا مُستسلماً.. شجاعاً لا خانعاً.. قائداً لا خاضعاً.

عندما تكون السلطة جاهلة جهولة، فإن أبواقها تخرج من طينتها نفسها.. 
هؤلاء الجهلاء هم سادة الساحة العربية حالياً، بشكل يؤكد أن أمتنا انحدرت حتى طمع فيها “الرويبضة”، ووصلت لـ”السنين الخداعات”، التي حذرنا منها الرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً في وصفها: “يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة”.. قالوا: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال:”الرجل التافه يتكلم في أمر العامة”. رواه الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما.

من أراد أن يعرف رويبضة العصر الحالي، فليعصر على نفسه شادر ليمون ويتابع إعلام أمتنا الخالدة!

الخميس، 27 يونيو 2024

أهلاً بكم في دول “العبيد المخصيين” العربية الديمقراطية الاشتراكية!


أهلاً بكم في دول “العبيد المخصيين” العربية الديمقراطية الاشتراكية!

شريف عبدالغني


قبل قرون، كانت الدول والممالك التي حكمت مصر تُجري عمليات إخصاء للعبيد والمماليك في قصور الخلفاء والسلاطين.

الهدف من العملية القاسية كان زيادة قوة العبيد الجسدية من أجل العمل، فضلاً عن منعهم من معاشرة الجواري، إذ كان الخلفاء يغارون من هذا الأمر، وأرادوا أن تكون الجواري – مثلما كل شيء في البلاد وبين العباد- حصرياً لهم.

ولأن مصر بلد “المُضحكات المُبكيات”، فقد صعد أحد هؤلاء العبيد المخصيين – وهو كافور الإخشيدي- على رأس الحكم، وهو الذي مدحه شاعر العرب الأكبر أبو الطيب المتنبي، ثم انقلب عليه وهجاه:

نامت نواطير مصر عـن ثعالـبهـا   فـقـد بَشِـمْـن وما تـفـنى العناقيد

 صـار الـخَصِيّ إمام الآبـقـين بها   فـالحـرّ مُسـتعْـبَـد والعـبد معبود

لا تشـترِ الـعبـد إلا والـعصا معـه   إنّ الـعـبـيــد لأنـجـاس مـنـاكـيـد

من علّم الأسود المَخصيّ مكرُمة   أقَـوْمـه الـبـيض أم آباؤه الـصِّـيد

أم أُذْنُـه في يـد الـنـخّـاس دامـيـة   أم قــدره وهو بالـفـلْـسَـين مردود

أولـى اللـئـام كُـوَيْـفِـيـر بمـعـذِرة    في كل لؤم، وبعض العُذر تفـنيد

 وذاك أنّ الفحول البيض عاجزة   عن الجميل فكيف الخصية السود؟

 مصر تاريخياً هي قلب الأمة، لذا فإنها تؤثر في محيطها سلباً وإيجاباً، فما يحدث في قاهرة المعز ينعكس صداه في باقي عواصم الأمة، ولهذا فإننا رأينا نسخاً عربية من نظام “يوليو 52″، تقوم على حكم الفرد المتسلط باستفتاءات الـ “خمس تسعات” الشهيرة. ولما قصّ السادات شريط التطبيع مع إسرائيل، ووقّع “كامب ديفيد”، لم يمر أكثر من عقدين حتى شاهدنا توقيع “وادي عربة” و”أوسلو”.

ورغم أن أسيادنا المتربعين على عروش الحكم العربية، معروف عن غالبيتهم كرههم للثقافة، ولم تثبت على كثيرين منهم “تهمة” القراءة، فإن واقع الحال يؤكد أن معظمهم درسوا جيداً حكاية “إخصاء العبيد” واتخذوها نهجاً لحكمهم؛ لكنهم لم يكتفوا بأن يخضع لهذه العملية “عبيد” قصورهم من راغبي السلطة ومنافقيهم، بل عمدوا إلى أن يُخضعوا لها الشعوب في عمومها، حتى لا تطمع في تغيير السلطة، أو تملك قدرة على محاسبة المسؤول، أو حتى تطلب طلباً لا يطيب للقصر.. كل المراد أن تكون الشعوب عند هذا الصنف من الحكام “شغّيلة” تحصل على لقمة العيش، بينما أهل السلطة يملؤون “كروشهم” بما لذ وطاب من المال العام، والهدف أن تكون الشعوب سجيناً يطلب الأمن من سجانه.

هؤلاء الحكام نجحوا في هذا الأمر نجاحاً ساحقاً شهد به العالمون، وربما هو الشيء الوحيد الذي أفلحوا فيه طوال عقود بجعل ثقافة “الإخصاء” هي استراتيجيتهم.. وراغبو “الإخصاء” من جانبهم لم يقصّروا؛ يقفون طوابير أمام باب القصر، يقدمون الخطوة أمام أصحاب السطوة ليحظوا بالعملية بها على أياديهم الكريمة، الطوابير تضم خليطاً من عديمي الكرامة.. سياسيين باحثين عن منصب، مثقفين يريدون مساحة من العطف، إعلاميين يهيمون شوقاً لعطايا الكبار.. ثم معارضين مشتاقين للرضا السامي!

من لم يخضع للعملية برغبته خضع لها مُجبراً، وبلا رحمة من السلطة.. هذه الفئة بينها تيارات فكرية تنتمي لمرجعيات مختلفة، ورغم أن هذه التيارات بما تضمه من نُخب هي المؤهلة للتحرك ضد الديكتاتورية، وتجييش الشارع ضد الاستبعاد، وفتح طريق نور أمام العامة للتحرر العقلي، فإنها آثرت السلامة، وارتضت بالفتات الذي يلقيه عليها الحكام.. كرسي برلماني هنا، أو مشروع تجاري هناك، وكلما ضربتها السلطة “ألماً” على خدها الأيمن، تدير لها خدها الأيسر.

لكن هناك تياراً ينسب نفسه زوراً وبهتاناً إلى السلف الصالح، يبدو أن أفراده استمتعوا كثيرا بالعملية؛ لقد وصلوا في درجة “العبودية” إلى آفاق غير مسبوقة بعدما حرّموا حتى التظاهر ضد استبداد وظلم الحكومات.. هم منتشرون في مختلف أرجاء الوطن الكبير من شرق الأمة إلى غربها.

ولأن عملية “إخصاء” هذا التيار كانت مُحكّمة، فربما يفسر هذا حالة الازدواجية عندهم، إذ نقرأ ونسمع ونرى أن كثيرين منهم – وفي المقدمة رموزهم- يتزوجون وقد بلغوا من الكِبر عِتيّا شابات في مقتبل العمر، لأنهن حسب المصطلح الدارج عند مُنظّري هؤلاء الرموز “فراخ شمورت سهلة الهضم”!. والسؤال: هل هذا الصنف من المزواجين يحاولون بشكل لا إرادي أن ينفوا عن أنفسهم خضوعهم لعملية “الإخصاء”؟!

المشهد العربي يتصدره حالياً “العبيد المخصيون”؛ من هم مع السلطة، وبعض من يلعب دور المعارض، الجالسون في استوديوهات الفضائيات مقدمي برامج وضيوفاً، والقابعون في البيوت للمشاهدة والفـُرجة.

هل كل الشعوب تم “إخصاؤها”؟

بالطبع لا.. لقد نجا من العملية شباب أشعلوا شرارة الربيع العربي قبل عقد وأكثر؛ صحيح أنه انضم إليهم الملايين، لكن بعدما رأوا أن الأنظمة وقتها تحتضر.. نزلوا لمّا اختفى “البعبع”.

لكن..

 ولأن الطبع غلاب، فقد عادت هذه الجموع إلى مواقعها سريعا للفُرجة، أما الذين لم ينزلوا إلى الشوارع أصلاً فاستنكروا المطالبة بـ “الحرية” و”الكرامة” و”العدالة”، ولسان حالهم يقول: لماذا هذه المطالب الغريبة ونحن مرتاحون بحياة “الإخصاء”؟

لذلك..

 فقد تحالف هؤلاء مع الذين ركبوا موجة الثورات لمكاسب وقتية، ومن ثم حوّلوا الربيع المزدهر إلى خريف موحش، وأحالوا الأرض الخضراء إلى صحراء جدباء لا يقدر على العيش فيها إلا “العبيد الأنجاس المناكيد”!

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2015

10 رسائل إلى أهل مصر: ألا تشعرون بالعار؟!

10 رسائل إلى أهل مصر: ألا تشعرون بالعار؟! 




شريف عبد الغني

الكاتب الناصري عبدالحليم قنديل حكايته حكاية.
قبل سنوات وفي عز جبروت حسني مبارك، كتب مقالا مفرط الجرأة عنوانه «أشعر بالعار أنك الرئيس». راح يعدد فيه أسباب هذا العار الذي يعتريه لكون رجل ضئيل الفكر والمزايا مثل مبارك يحكم بلدا ضاربا بعمق في جذور التاريخ مثل مصر.

وقتها قال البعض إن «قنديل» تجاوز حدود الذوق واللياقة في مخاطبة مقام الرئيس،
وأرجع البعض الآخر أسلوب المقال المسيء لشخص الرئيس إلى معاناة كاتبه الشخصية من نظام الحكم، بعد اختطافه من قبل مجهولين يعرف الجميع أنهم من أجهزة الأمن، وإلقائه في الصحراء بعد تجريده من ملابسه!
لكن العار الذي شعر به عبدالحليم قنديل انتقل شيئا فشيئا إلى جموع المصريين، فكانت ثورة «25 يناير» والخلاص من الديكتاتور، لتتكشف بعد ذلك أسباب إضافية زادت هذا الإحساس عندنا كوننا صمتنا كل هذه العقود على فساد ولصوصية وفُجر مبارك والعصابة التي كانت تحكمنا.
دعك الآن من كون الأخ قنديل، أصبح من محاسيب الحكم الخارج من رحم الثورة المضادة التي قادتها دولة مبارك العميقة، بل ويشعر بالفخر أن من يحكمه حاليا ليس فقط ديكتاتور من صبيان الرئيس المخلوع، وإنما سفاح ارتكب مجازر جماعية بحق الشعب.
لكن السؤال:
هل أيها المواطن المصري العادي ينتابك نفس شعور «العار» كون «العسكر» يحكمونك؟
قبل أن يتهمني أحد «البيادات» أو عبيدها بالعمالة الخارجية، وأنني جزء من مخطط إسقاط الدولة، حسبما تتقول أذرعهم الإعلامية التافهة على معارضيهم، أدعو كل مصري أن يجيب عن السؤال بعد قراءة النقاط التالية:

(1)

أبدأ من النقطة الأخيرة، حكاية «إسقاط الدولة». إنهم -مثلما سبق وأشرت في مقالات سابقة- يكررون نفس أسلوب مبارك. كان يتحايل ويضع أي انتقادات موجهة إلى أسلوب إدارته للحكم بأنه «هجوم على مصر»، فينبري إعلامه يردد الأسطوانة المشروخة والأغنية المملة «المؤامرة الخارجية».
العسكر سائرون على نفس الدرب.. يرون أن أية ملحوظة على أدائهم السياسي هي انتقاص من دور وقيمة الجيش، وكأن هذا الجيش ورثوه عن المرحومة ماما.
مبارك والدهم الروحي.. من شابه أباه فما ظلم!

(2)

كنا نعاني ديكتاتورية «مبارك» واحد، فإذا بنا نجد «100 مبارك» أمامنا هم قيادات العسكر. خطواتهم في الإنجاز مثل قائدهم المخلوع بطيئة بطء السلحفاة (باستثناء طبعا إنجاز الكفتة الذي تم بسرعة الصاروخ، فضلا عن تفريعة قناة السويس التي صرفوا عليها دم قلب الشعب دون عائد حقيقي منها كما أجمع الخبراء المتخصصون بهذا الشأن).
 لقد بلغوا من العمر أرذله.. تعودوا على «الجمود» الذي كان مبارك يسميه استقرارا.
ليس عندهم رغبة في التغيير ولا حماسة للتحديث. يخشون «المغامرة» ولا يملكون خيال الشباب وطموحهم للمستقبل.
مبارك هو الذي عيّنهم في مناصبهم. ردوا الجميل له. شهد كبيرهم «حسين طنطاوي» لصالحه أمام المحكمة بتبرئته من تهمة «قتل المتظاهرين». شهادة أخرجته كما «الشعرة من العجين».
إذن من الذي قتل المئات من خيرة من أنجبت مصر وأصاب الآلاف خلال أحداث الثورة، يجيبون: «إنهم قناصة من حركات فلسطينية عبروا قطاع غزة بالتنسيق مع الإخوان الإرهابيين، وراحوا يتمشون ويتسلون في سيناء حتى وصلوا إلى ميدان التحرير ليقتلوا المصريين».
لو افترضنا جدلا صحة روايتهم، فأين كنتم ولماذا تركتم حدود الدولة مستباحة لهؤلاء القناصة الأشرار يدخلون بسلاحهم، ثم يعبرون المسافات الطويلة من سيناء حتى قلب العاصمة ليقتنصوا شباب الوطن، وقبلها ليحرروا «الإرهابي محمد مرسي» من سجنه؟! 

(3)

كلما سألهم أحد عن أموال مصر المنهوبة بفعل عصابة مبارك، ولماذا البطء في البحث عنها واستردادها بدلا من شعار «مفييييش»، يطالبوننا بـ «الصبر»، و»والله إحنا بندوّر عليها، بس إنتو عارفين إن البنوك في العالم بتقفل الساعة 2، وعلى ما نروح نسألهم يكون دوامهم انتهى.. لكن إحنا نواصل البحث.. لا تقلقوا».
يقول كثير من المتخصصين إن مفتاح هذه الأموال وخريطتها في يد البنك المركزي، ثم إنهم يملكون من أجهزة الأمن والمخابرات ما يجعلهم يعرفون أين «يخبئ العفريت ابنه». لكن يبدو أن مبارك كان يملك وسائل شيطانية للتغلب على عفاريتهم.

(4)

برروا انقلابهم على المسار الديمقراطي والرئيس الشرعي المنتخب، بأن الشعب لم يجد من يحنو عليه. فهل تغيرت أحوالك يا شعب ووجدت من يحنو عليك ويحسّن أوضاعك، أم إن أمورك ازدادت سوءا منذ خدّروا مشاعرك بملحمة «نور عينينا»؟!

(5)

في الوقت الذي يتحججون فيه بضعف الميزانية، فإنهم يفتحونها على البحري لشراء أسلحة وقنابل غازات سامة محرمة دوليا، يوزعونها على الشرطة.. لا لترهب بها «البلطجية»، ولكن لتطلقها على الشباب الأطهار الذين يريدون حرية حقيقية.

(6)

أين «الرز» الذي انهمر عليهم كما المطر من «أنصاف الدول» كما وصفوها هم. هل شعرت يا مصري بأي أثر عليك من تلال المليارات التي تسولوها؟!
(7)

يتمتعون بنفس أسلوب مبارك. وزادوا عليها بأن جعلوها «دولة الصوت الواحد». هل يصدق أحد أن مصر بكل حجمها وسكانها وكوادرها وتاريخها بدون صحيفة معارضة واحدة، أو قناة توجه «نتفة» انتقادات للسلطة؟! 

(8)

العسكر تفوقوا على نظرائهم الديكتاتوريين في الإساءة لشعوبهم. القذافي مثلا كان يستعبد الليبيين، لكنه كان يوفر لهم الطعام والشراب. أما الوسيم بهيّ الطلة ورفاقه فلم تحصل يا شعب خلال عهدهم على أبسط حقوق العبيد. غلاء الأسعار وتدني الدخول جعل الطعام حتى ولو مسرطنا، والماء حتى ولو ملوثا، أملا صعب التحقيق. إنهم يسيرون على نفس الطريق.. غياب الرقابة على الأسواق أدى إلى «تغول» التجار و»توحش» الأسعار.

(9)
هل تعتقد أن نظاما لا يروّج له سوى فيفي عبده وأشباهها، وإعلاميون جعلونا مسخرة وسط الأمم، هو نظام وُلد ليعيش!!

(10)

إذا كنت تؤمن يا شعب أن «الكفتة» فعلا ستعالج «فيروس سي»، وأن عربة الخضار ستحل أزمة الاقتصاد، و»اللنضة الموفرة» ستقضي على مشكلة الكهرباء، وأن الدكر سيجعل مصر «قد الدنيا»، إذن فهنيئا عليك هذا الزعيم ورفاقه. اشربوهم بالهنا والشفا!!

الاثنين، 8 يونيو 2015

من الزعيم لـ «ميركل»: هذه قصتي مع يسرا وإلهام!


من الزعيم لـ «ميركل»: هذه قصتي مع يسرا وإلهام!

شريف عبدالغني
(1)
في ختام زيارته التاريخية إلى ألمانيا، جلس الزعيم الضرورة على مقعده المفضل بجانب شباك الطائرة العائدة إلى عرينه.
وبعد أن وضع يده على خده، والتقط له المصورون عدة صور عاطفية، فكّر ثم فكّر وبعدها طلب من مساعديه إحضار ورقة وقلم لكتابة خطاب إلى المستشارة الألمانية، عن أجواء زيارته. أتوا له بما طلب، وجلس يكتب الخطاب باللغة الألمانية وسط دهشة وإعجاب فريق عمله بمدى عبقريته وإلمامه بتلك اللغة، خلال أيام الزيارة فقط.
بعد انتهائه من الخطاب، الذي استغرق كل ساعات رحلة العودة، أرسله إلى المترجمين لترجمته إلى العربية، وتوزيعه على الصحف ووكالات الأنباء، ليعرف العالم مدى المجهود الذي يبذله لخدمة «الوتن العازيم» بحسب تعبيره الدائم.
وفيما يلي نص الخطاب:

(2)
السيدة الأستاذة المستشارة: أنجيلا ميركل..
زعيمة وكبيرة ألمانيا العظيمة
تحية طيبة.. وبعد:
لقد سعدت بزيارة بلدكم الصديق أيّما سعادة. وقد غمرتني خلال وجودي في قصوركم الفرحة التي وصلت إلى حد النشوة خاصة بعد الهجمة الشرسة التي شنتها ضدي قوى البغي والظلام والإرهاب، وشماتتها في شخصي الرقيق، بعد رفض رئيس برلمانكم غير الموقر -الرئيس وليس البرلمان- استقبالي وترديده نفس الهلاوس التي يرددها الإرهابيون في بلادي، لعنهم الله وأخذه وأخذهم أخذ عزيز مقتدر.

(3)
سيادة المستشارة..
أولا: أبدي إعجابي الشديد بلقب المستشارة. هذا اللقب الغالي الذي يذكّرني بالسادة القضاة والمستشارين الأفاضل في قضائنا الشامخ، والذين يلعبون دورا بطوليا في التصدي للإرهابيين، والحكم عليهم بشكل جماعي بالإعدام، وذلك من منطلق مهني وليس سياسيا، كما يروج الإرهابيون لعنهم الله وأذلهم.
ثانيا: أنا أعرف أن عندكم ذلك الشيء السفيه المسمى ديمقراطية، وأنك ستتركين الحكم قريبا، ولذلك أطمئنك أنه بعد انتهاء عملك كزعيمة لألمانيا العظيمة، لا تحملي أي هم بالنسبة للشغل والمستقبل، فعملك محفوظ عندنا في قضائنا الشامخ شموخ طلة وزير عدلنا فخر الأمة و «زندها». وستأكلين من عملك هذا شهدا و «رزا». فنحن كما تعكلني نعشق الرز بكل أنواعه. عليك فقط أن تشاوري بأصغر أصابعك على أية محكمة تعجبك عندنا وستجدين نفسك فيها على المنصة قاضية لك من المخصصات والمزايا ما لم يتحقق لحضرتك كزعيمة لألمانيا، حتى تكون نفسك مفتوحة لتحكمي بالإعدام على أي كلب يحاول أن يوقف «عجلة الوتن».

(4)
سيادة المستشارة..
بمناسبة «العجلة».. تذكرين سعادتك أني في أول أيام توليت فيها المسؤولية، ركبت «عجلة» وتعمدت أن تصورني الكاميرات والفلاشات، ليس حبا في الشهرة، فأنا بفضل الله أشهر من حسين فهمي، ومعلومة صغيرة بيني وبينك أن الست سعاد حسني غنت لي خصيصا «يا واد يا تقيل»، لكن المدعو حسين فهمي خطف الست سعاد عنوة وجعلها تصور الأغنية معه، حتى ينشل مني هذا المجد، لكن الآن حصحص الحق وعرفت الدنيا كلها أني أكثر منه وسامة، وأني بطل الأغنية الأصلي وليس الممثل سالف الذكر.
أعود لموضوع «العجلة» التي ركبتها حتى أعلم الشعب الرياضة، ويتخلى عن السيارات الفارهة. تخيلي أن عدد شعبنا 90 مليون بني آدم، وعندهم 500 مليون سيارة، أي بمعدل أكثر من 5 سيارات للمواطن الواحد، ولكن لأن شعبنا يخاف من الحسد، فهو يدعي الفقر ويخفي هذه السيارات، ويحشر نفسه في أوتوبيسات النقل العام وسيارات الأجرة، حتى يداري «العين» عن ثرائه.
لما انطلقت بالدراجة كالرهوان سخر مني الأوباش، ورفضوا تقليدي، والنتيجة أن تفاقمت عليهم الأمراض، وبعدها من فرط ظلمهم يدعون ويزعمون ويكذبون أنني سبب سوء حالتهم الصحية لعدم اهتمامي بالقطاع الطبي، وأن اهتمامي فقط منصب على تخصيص الميزانية للأمن. طبعا هم كذابون ومن لا يصدق فليأتي إلينا وسيراني أسير بين الناس، من دون حراسة، وأجلس على القهوة مثل كل المواطنين، بل وأحيانا أحنّ لأيام الشقاوة وأقف في البلكونة لأتذكر كيف كنت أعاكس بنت الجيران، في فجر مراهقتي قبل نحو ثلاثة أعوام.

(5)
سيادة المستشارة الزعيمة..
لقد جئت إليكم في ظل ظروف محلية وإقليمية عصيبة، ووسط حملة تشويه لشخصي الغلبان، باستثناء صحافي نابه وكاتب مغوار قال عني إن قلبي رقيق، فعلا قلبي عاطفي وكفي رقيق وصغير كما الأخ بكار، لكن أعود وأكرر أن ما آلمني سيدتي وأطار النوم من عيني، هو موقف السيد رئيس برلمانكم الموقر، الذي رفض مقابلتي وسار على هوى الإرهابيين الأشرار. ألا يعرف أنه بهذا الموقف سيتسبب في وصف شعبكم العظيم كله بالبخل، بعدما رفض أن يستقبلني خوفا من أن يعزمني على «نسكافيه».
وبدون زعل سيادة الزعيمة أطالبك فقط أن تأخذي الحيطة والحذر من هذا الرجل، فقد طلبت من أجهزتنا الأمنية الفعالة أن تتحرى عنه، وللأسف جاءت النتائج كما توقعت، فهو قلبه أسود و «غلاوي» ناحية «ماسر»، والأدهى ما تبين أنه «إخواني» والعياذ بالله؛ لذلك يجب أن تطهروا ألمانيا من هذا الدنس، ولو جنابك تسمحين أن نضم اسمه إلى قضية اقتحام السجون، ووقتها نحيل أوراقه للمفتي وبذلك سيادتك تتخلصين من هذا العار التاريخي لألمانيا الغالية.

(6)
سيادة الزعيمة المستشارة..
لعل ما لفت الأنظار خلال زيارتي، أنني اصطحبت معي الفنانة المبدعة يسرا والفنانة المتألقة إلهام شاهين. وهنا أوضح لك حقيقة هذا الأمر حتى لا يكون أحد أولاد الحرام نقل لك الصورة خطأ.
أولا: أنا زعيم أقدر الفن، ولست مثل من سبقني إرهابيا أعادي الفن والرقص الهادف المحترم.
ثانيا: الفنانون هم قوتنا الناعمة، ولو لاحظت سيادتك أن درجة النعومة مختلفة بين يسرا وإلهام. لكن كل الفنانين نور عينينا.
ثالثا: يسرا فنانة عظيمة جدا يا سيادة المستشارة وتفهم في كل شيء. حتى الدين تفهم فيها ولها مقولة شهيرة: «عمرو العاص لم يكفر أقباط مصر وهو من أولياء الله الصالحين ومن الأربعة المبشرين بالجنة».
رابعا: أما إلهام فحكايتها حكاية. إنها نموذج للثائرة الحقة أمام جبروت الإخوان، وأقسمت أنها ستعلمهم الإسلام، وطبعا من المؤكد أن سيادتك تابعت كيف أنصفها قضائنا الشامخ في حربها ضد إرهابي كان يظهر في التلفزيون وتلسن عليها مع عرض بعض المقاطع لها، وهي الحرب الشهيرة بـ «الاعتلاء».

(7)
سيادة المستشارة..
ختاما أرجو أن تكون الصورة وضحت تماما أمام سيادتك، وأتمنى كما أكدت لك في المحادثات ألا تفشي سرها للرأي العام، وأن تفعلي مثلما أفعل، وترفضي الحديث بدعوى «الأمن القومي»، وألا تنسي الله يكرم أصل حضرتك أن تتخلصي من الإرهابي الإخواني رئيس برلمانكم الموقر. أشوف فيه يوم من دون ملامح قادر يا كريم.
عاش أممنا القومي المشترك
عاشت ألمانيا العظيمة
عاشت يسرا حرة مستقلة
عاشت إلهام ناعمة وقوية وكلها حنية

• shrief.abdelghany@gmail.com
@shrief_ghany

الأحد، 10 مايو 2015

حوار الموسم بين آيات عرابي والزعيم الهاشتاج!


حوار الموسم بين آيات عرابي والزعيم الهاشتاج!


شريف عبدالغني

(1)
جلس القوم في القصر الرئاسي لدولة «مفيشستان»، يتدارسون الأمر بعد فشل حيلة «حرية الإعلام المصطنعة» في تجميل وجه النظام.
* الزعيم غاضبا: كل ده من أفكار «ترباس» الفاشل.. لما أشوف خلقته بس وأنا أطلع العفاريت الزرق على جتته..
لم ينته من كلامه حتى دخل «ترباس» وصوت ضحكته الشهيرة يسبقه..
* الزعيم: لك نفسك تضحك يا وش المصايب.. مش كفاية متحمل «تسريباتك»؟
- ترباس: خير يافندم.. فيه إيه بس؟
* الزعيم: مش قعدت تقنعني إنه لو خلينا «الواد والبت» وغيرهم من دلاديل الإعلام ينتقدوني هتبقى الأمور كويسة.. ونظهر أمام العالم إنه عندنا الهبابة اللي اسمها ديمقراطية.. كسبت إيه غير شوية هلافيت قعدوا يلسنوا عليا وبعدها برضه مفيش فايدة وكل المنظمات بتاعة حقوق الإنسان بتهاجمنا برضه.. أنا الزعيم والقائد والدكر يحصلي كده؟!!
- ترباس: يا فندم.. عادي.. سيادتك لما حملت روحك على كفك ونزلت يوم ثورتنا العظيمة بالدبابات والمدافع والطيارات كنت عارف إنك هتدفع التمن غالي.. واللي بيحصل ده حاجة متوقعة..
(2)
أمن الحضور على كلام ترباس، فهدأ الموقف قليلا.
* الزعيم:
طيب والحل إيه يا فالح.. إزاي أقنع المجتمع الزفت الدولي إني ديمقراطي وأتقبل الرأي الآخر؟
- ترباس مترددا: يا فندم عندي فكرة جهنمية.. بس يا ريت سيادتك توافق عليها؟
* الزعيم:
اتكلم على طول يا ترباس.. عاوز تقول إيه؟
- ترباس مرتعشا: آيات عرابي؟!
* الزعيم مندهشا:
إشمعنى؟!
وأضاف:
ما لها دي كمان.. مش دي برضه البني آدمة الإرهابية اللي طلعت عليا الكلمة الأبيحة إياها وفضحتني فضيحة المطاهر؟
- ترباس: بالظبط يافندم هي بعينها.. أنا هتكلم على طول بس سيادتك اسمعني بهدوء ومن غير عصبية.. أنا زارع في بيتها عيون لنا عشان نعرف آخرتها إيه.. المصادر بتاعتي قالت لي إن الإرهابية المذكورة كانت واقفة في المطبخ بتعمل بطاطس محمرة.. لا الكدب خيبة.. بطاطس مسلوقة عشان «الدايت».. وهي بالحالة دي خطرت على بالها فكرة إنها تعمل حوار تلفزيوني مع سيادتك..
* الزعيم مقاطعا وقد نفرت عروق وجهه:
وبعدين يا ترباس.. بتفكر في إيه حضرتك؟
- ترباس مرتعشا: سيادتك توافق على المقابلة..
قالها وركض نحو الباب من الشرر المتطاير من عيني الزعيم، والذي أتبعه بالركض خلفه. تدخل الحضور للفصل بينهما.
الحضور: هدي نفسك بس سيادة الزعيم.. والله دي فكرة عبقرية ومدهشة..
* الزعيم: إزاي يا متخلف منك له.. أنا أقابل دي.. اللي بهدلتني ولزقت فيا الكلمة الوحشة؟!
- الحضور: يا فندم.. ما هي دي العبقرية.. الزعيم لازم تصدر منه أفكار مدهشة غير متوقعة.. لو سيادتك قابلتها وحاورتها هتكون ضربة قاصمة للإرهاب.. ويظهر للعالم كله إن سيادتك ديمقراطي وغرقان لشوشتك في الحرية..
- ترباس وقد هندم ملابسه بعد معركة هروبه من الزعيم: والنبي تقولوله.. مباخدش منه غير البهدلة ولا حمد ولا شكرانية..
* الزعيم: اخرس يا ترباس.. بس يا جماعة إزاي أنزل لمستوى اللي ما تتسمى دي.. كده «برستيجي» هيضيع.. بقى بعد ما كنت أعمل حوارات مع الأستاذة العظيمة «خميس الحضيضي» أعمل مع الإرهابية دي..
- الحضور: يا فندم.. معلش.. دي الضريبة وكله عشان خاطر الوطن..
* الزعيم: غلبتوني يا أولاد الرفضي.. ما دمتم جبتم سيرة «الوتن» الغالي.. فمقدرش أتاخر.
(3)
سريعا جرت اتصالات مع آيات عرابي. رحبت بالفكرة. وسمعت منهم مطالبهم: إجراء الحوار مسجل ويكون في المكان الذي يحددونه هم، وأن يكون اللقب الذي تخاطب به الضيف الكبير هو «سيادة الزعيم». لكنها أصرت على أن يكون الحوار على الهواء، وأن تخاطب الزعيم بـ «سيادة الهاشتاج».
بعد مفاوضات شاقة توصل الطرفان بأن يكون الحوار على الهواء، وألا يتعدى عشر دقائق، ويجرى في «الأسطول السادس الأميركي» الذي استولى عليه الزعيم وأسر قائده. أما بالنسبة للقب الذي اتفق الجانبان على أن تخاطب به الإعلامية ضيفها فهو «سيادة الزعيم الهاشتاج»، مع تعهد «آيات» أن تعتذر للزعيم على الهواء في آخر الحلقة، لو أقنع المشاهدين أنه حمل بريء وحمامة مسالمة «تتحط على الجرح يبرد».
(4)
على إحدى سفن الأسطول السادس، وتحت السماء الصافية بدأ الحوار التاريخي، الذي يعول عليه الزعيم كثيرا لتحسين صورته الدولية، وقد استعد له جيدا وتدرب لمدة أسبوع على يد الخبير الإعلامي «أحمد الفرفوراني» حتى يستطيع الرد على أي سؤال للإعلامية المتحفزة له. نصحوه بالهدوء. الهدوء التام، مع كثير من «السهوكة» حتى تمر المقابلة على خير.
* الإعلامية:
بداية سيادة الزعيم الهاشتاج.. هل فعلا أنت هاشتاج؟
- الزعيم: الحقيقة أنا واخد على خاطري من حضرتك جدا.. جدا.. جدا.. طلعتي عليا الكلمة دي.. مع إنها ما تصحش.. ولو اتكلمنا بالمنطق.. هقولها تاني بالمنطق.. ما ينفعش أكون كده لأني وهتكلم بصراحة بقى.. ودي أول مرة أعلنها.. لأني «دكر» والناس كلها عارفة كده.. ومش بس كده دول انتخبوني وهما بيرقصوا..
(تذكر الزعيم نصيحة الخبير الفرفوراني بأن يأخذ هو زمام المبادرة حتى لا يظهر ضعيفا وأن يبدأ الهجوم لا أن يكون محل دفاع).
أضاف مبتسما: يعني حضرتك بيني وبينك كده.. عمرك ما أعجبتي بيا زي كل النسوان الفاضلات اللي دايبين في دباديبي..؟!
* الإعلامية: لا والنعمة الشريفة عمري ما أعجبت بيك.. وعلى إيه.. سيادتك صدقت نفسك ولا إيه؟!
- الزعيم: قولي بس ما تنكسفيش.. طيب عيني في عينيك كده.. طيب هقولك.. اطفي يا بني الكاميرا دي مؤقتا عشان الكلام ده ما يطلعش على الهوا.. الكلام ده لو طلع فيها كمان 30-40 سنة لما يدخل تاني.. وبعدين خلي بالك أنا «مش سوفت».. أنا عذاب ومعاناة واسألي عني..
* يا سيادة الزعيم الهاشتاج أنا قلت قبل كده: إن الوحيدة اللي ممكن تعجب بيك مضطرة هي أم حضرتك..
- الزعيم: لا والله مش مضطرة.. هقولها تاني مش مضطرة.. هي مجبرة..
* الإعلامية: يا سلام.. وإيه الفرق؟
- مجبرة من سحري ووسامتي.. وبعدين حرام عليكي ده حتى الرجالة معجبة بيا.. إنتي مش من البلد دي ولا إيه.. ما سمعتيش عن اللي بيذوب فيا عشقا..
(5)
* بقول لسيادتك إيه.. سبنا من موضوع الوسامة ده.. خلينا في المهم.. إيه أخبار مشروعاتك القومية؟
- يا بنت الحلال أنا كان هدفي أطلع الإنسانة اللي جواجي..
إنتي «سحيح» إرهابية لكن برضه جواجي إنسانة.. لكن عموما بالنسبة لسؤالك عن المشروعات القومية فبإذن الله وبفضل الله هنكيد الأعادي.. و «الكفتة» هتستوي.. والشعب كله هياكل منها.. هقولها تاني الشعب كله هيطفح منها وبعدها يروح ياخد لفة بـ «العجلة» على المليون وحدة سكنية.. ثم يتناول العشاء في العاصمة الجديدة.. ويوم الجمعة يروح ياخد غطس على الناشف في قناة السويس الجديدة برضه.
* طيب وأخبار النهر الملوث بالفوسفات والمجاري؟
- بطلي إشاعات.. النهر زي الفل ولسه بنفسي شارب منه مباشرة قبل ما أجي هنا.. وموضوع الفوسفات رغم إن الكلام فيه أمن قومي لكني هوضح للسادة المشاهدين إننا غرقنا الصندل عشان نقول للعالم إنه عندنا حاجات كويسة وتخلينا ناكل الشهد.. وإننا مش عاوزين «رز» من حد، وإن «وتنا وتن عازيم» يموت ولا يمد إيده..
* بس سيادة الزعيم الهاشتاج حضرتك أعلنت من قبل صوت وصورة إن الوطن مفيش فيه فوسفات؟
- الزعيم صامتا ويرفع رأسه إلى أعلى..
* الإعلامية: مالك سيادة الزعيم الهاشتاج.. ساكت ليه؟
- الزعيم: معلش.. مشغل بس «الفلاتر»..
* فكرتني صحيح.. إيه أخبارها مع سيادتك؟
- تمام.. وعشان أنا إنسان مؤدب وبقول لربنا حضرتك.. فسبحانه أعطاني من الفلاتر ما لم يعطه لبشر.. وسأعلن عن الأنواع في الوقت المناسب لضرورات الأمن القومي..
(6)
* سيادة الزعيم الهاشتاج.. أنت متهم بالتمييز بين الشعب؟
- محصلش وأتحدى. أنا الزعيم الوحيد اللي أعطى كل فئات المجتمع حقهم.. حتى الراقصات أعدت لهم اعتبارهم والتاريخ هيسجل إنه في عهدي تم اختيار زعيمة الراقصات أم مثالية.. ليه.. لأن «القوة الناعمة» لـ «الوتن» هي نور عينينا وتنقطع إيدينا قبل ما يتمسوا.. وأي مواطن إرهابي حاقد يشكك في كلامي يلمس دراع ماما المثالية دي.. هيلاقيه أكثر نعومة من السيراميك فرز أول.
* سيادة الزعيم الهاشتاج.. يعني إيه كلمة وطن؟
- معلش طريقة السؤال ما تبقاش كده.. يا ريتك تتعلمي من إعلامية فاضلة سألتني نفس السؤال من فترة.. عشان تطلعي مكنوناتي ومحاسيسي الداخلية لازم وإنتي بتسألي سؤال مفصلي ومحوري زي ده تكون إيديكي على خدك.. وتكوني هيمانة ونظرات الإعجاب بسيادتي بتفط من عينيكي.. لكن بطريقتك القاسية دي مش هجاوب وهفضل مقموص.
ثم نظر الزعيم إلى ساعته، وقال: وقتك خلص.. وحسب الاتفاق حضرتك وعدتي بالاعتذار عن الكلمة إياها لما المشاهدين يقتنعوا إني زعيم طيوبة وديمقراطي.. وده حصل بدليل إني قاعد مع واحدة إرهابية زيك..
قبل أن يكمل كلامه، وصل إلى شاشة التلفزيون رسائل من المشاهدين، تطلب تغيير اسم الزعيم فورا إلى: «سيادة الهاشتاج الديمقراطي».
أما آيات عرابي فاختفت ولم يظهر لها أثر حتى الآن!!

الجمعة، 8 مايو 2015

في حب طارق الجوهري ومحمد مرسي!

في حب طارق الجوهري ومحمد مرسي!

شريف عبدالغني

(1)
أذاعت إحدى الفضائيات تسجيلا لحوار سبق أن أجرته مع الراحل عطر السيرة والمسيرة العميد طارق الجوهري، قائد الحراسة الشرطية الليلية لمنزل الرئيس محمد مرسي.
 نتيجة الحوار أنني ازددت احتراما وحبا للرئيس مرسي والعميد الجوهري على حد سواء.
لقد كشف العميد الجوهري عن جوانب إنسانية للرئيس الشرعي، جعلتني أفخر بنفسي أن أعطيته صوتي وسخّرت كتاباتي المتواضعة دفاعا عنه، منذ أعلن ترشحه، مرورا بفوزه، والحرب التي شنتها ضده الدولة العميقة، وانتهت باختطافه في جريمة بلطجة مكتملة الأركان. وسأظل مساندا للرئيس الأسير المظلوم إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

(2)
بعض الحمقى والمغيبين والتافهين ما زالوا يرددون كالببغاء نفس بلاهات إعلام «الواد والبت» عن الرئيس الذي كان الأمل في عدالة اجتماعية لم نسمع عنها نحن المصريين سوى في خطابات أهل الحكم منذ عقود، دون أن يكون لها أثر في الواقع.
حكى «الجوهري» أن الرئيس مرسي كان يوقف موكبه ويوجّه اللوم لمسؤوليه بسبب إغلاقهم هذا الشارع أو ذاك أثناء سيره، مشددا على ضرورة عدم التضييق على المواطنين في تحركاتهم، وهو ما كانت تتم الاستجابة له فورا، وتعديل خطط تأمينه باستمرار، وبالتالي عدم وجود أي عبء مروري.
الراحل المحترم، الذي لا أدري كيف كان يتعامل مع وسط جهاز الشرطة المليء عفونة وغطرسة وجهلا، أوضح أن الوضع أيام مبارك كان مختلفا تماما حيث كانت التعليمات بإغلاق الطرق والشوارع قبل مروره بأكثر من 10 ساعات، ويتحمل الجنود الغلابة الوقوف في العراء طيلة هذا الوقت، فضلا عن تعطيل مصالح البلاد والعباد.
(3)
أتعجب أن يهين البعض مرسي الذي- كما قال الجوهري- سأل عن سبب إبعاد بائع صحف من محيط منزله، وأمر بإعادته لمكانه.
أتساءل: طوال عمرنا نشكو فساد وتعالي حكامنا فكيف نرفض رئيسا يذهب ليتناول العشاء في منزله مع «عياله» رافضا أُبَّهة القصر الرئاسي.. وهل نهيل اللعنات على رئيس أكدت وزارة المالية أنه لم يتقاض راتبا منذ توليه مهام منصبه وحتى يوم اختطافه؟!!
قال العميد الجوهري إن %95 من رجال الشرطة اعتبروا وجود محمد مرسي في السلطة هو وجود مؤقت قد يستمر عدة أشهر، وهو ما يشير إلى أن خيوط المؤامرة عليه بدأت تنسج منذ فوزه بانتخابات الرئاسة.
وأضاف أنهم وصفوا فترة رئاسته بـ»الترانزيت»، وكان يسمع شتائم أفراد الحراسة للرئيس رغم أن الدكتور مرسي لم يقدم لهم ولكل العاملين بالداخلية إلا كل خير.
تطرق العميد الراحل إلى نقطة مهمة، وهي أن رجال الشرطة لم يشفع عندهم أن أبناء التيار الإسلامي هم الذين ساندوهم بعد ثورة 25 في الأكمنة، ودافعوا عنهم ضد هجمات بعض الخارجين عن القانون عليهم، كما لم يشفع عندهم أن الرئيس مرسي قرر زيادة رواتب العاملين بوزارة الداخلية، بدلا من الزيادات الطفيفة جدا في العهود السابقة، وذلك حتى يفتح معهم صفحة جديدة لإعادة الأمن المفقود إلى البلاد.
الجوهري سخر من اتهام متوقع له بأنه «إخوان» بعد شهادته بحق مرسي. وقال إن الداخلية من خلال تحرياتها الدقيقة لا يمكن أن تسمح لأي من المنتمين فكريا للجماعة أو حتى أقارب لهم بالتواجد بين صفوفها.
وأشار «جوهرة الثورة» إلى نقطة هامة أخرى، وهي أن معظم من دخل الشرطة يكون إما بواساطات أو رشاوى، وفي عقيدتهم أنهم فوق البشر، وبالتالي فهم لا يقبلون ما أرساه الدكتور مرسي بأن رجال الشرطة لهم حقوق، لكن عليهم أن يؤدوا ما عليهم من واجبات.

(4)
هنا مربط الفرس
إنهم لا يريدون أن يعملوا، قبل أكثر من عام هاجمني بلطجية بالأسلحة البيضاء، وسرقوني بالقوة، بعد أن وضع أحدهم طرف السكين على رقبتي. أقنعني البعض وقتها بعمل محضر رسمي في قسم الشرطة القريب من مكان الواقعة لإثبات ما حدث، قررت أن أجرب كيف يتعاملون مع المواطنين العاديين، ذهبت ولم أخبر أحدا بهويتي، ولا بكوني صحافيا، وكما توقعت راحوا يماطلون بأن مكان الواقعة الذي يبعد عنهم 500 متر فقط لا يتبعهم، وإنما يتبع قسما آخر يبعد مسافة 4 كيلومترات!! لما وجدت عدم الاستجابة منهم أخبرتهم بهويتي الصحافية، فدخلت لرئيس المباحث، وبالمصادفة تبين أنه صديق لأحد أقاربي.
هذا الضابط جعلني أكره اليوم الذي دخلت فيه القسم، فبعد السلام والتحيات والذي منه، أخبرني «على بلاطة ومن باب المعرفة» حسب تعبيره، أنه مفيش داعي لأي محضر لأن «اللي بيروح ما بيرجعشي، وهي دي بلدنا».
ثم استغل فرصة أنني صحافي وراح- وهو يشاهد برنامجا غنائيا تلفزيونيا- يستعرض ما يظنه ثقافته الرفيعة. الحقيقة أنه لو كانت نفسيتي أثناء كتابتي هذا المقال على ما يرام لخرجت هذه السطور مسخرة كوميدية تتفوق على مساخر «عبدالعاطي كفتة».

(5)
المسكين ثقافته شبه معدومة، وأسلوبه في الكلام متدن، ويختلق حكايات مضحكة لا يصدقها عقل طفل عن الرئيس محمد مرسي والإسلاميين، ثم يطّعم كلامه بحكم ومواعظ دينية مفادها أن الله ضد الإخوان وخسف بهم الأرض، لأنهم طغوا في البلاد بين العباد. مواعظه ذكرتني بعلي جمعة مفتي الانقلاب، الذي خاطب أبطال المجازر ضد المعتصمين وفي المظاهرات، بتأكيده أمهامهم أن الله معهم والملائكة تساندهم، وكان لافتا وقتها أن بطل المذابح واليد المنفذة لها اللواء محمد إبراهيم، رفع رأسه إلى السماء قائلا «الحمد لله»، كأن كلمات جمعة أنقذته من أي تأنيب ضمير.
كان كلام صاحبنا طوال الوقت يؤكد صحة كلام العميد طارق الجوهري، ويثبت أن معظم ضباط الشرطة يريدون بالفعل أن يكونوا فوق الشعب، وليس في خدمة الشعب كما تقول لوحة عريضة ضخمة بهذه الكلمات تتصدر القسم. كان في كل كلمة يؤكد لي- دون أن يشعر- أنه من أغبى رجال الشرطة، وأظهر نفسه على عكس ما يقصد ويشتهي، وأثبت أنه واجهة مسيئة للجهاز كله.

(6)
خرجت من عنده ولديّ قناعة بأمرين:
الأول أن مصر ستصبح تحت سيطرة البلطجية ما دامت هذه النماذج هي الطاغية في الشرطة، والثاني أن الجسم يطرد كل ما هو غريب عنه.
من الطبيعي جدا والحال كذلك أن طارق الجوهري خرج بدينه ومبادئه وآدميته، من بلاد القهر والكبت والجهل، وأن محمد مرسي بدلا من تكريمه كنموذج للحاكم العالم العادل يتم خطفه وسجنه وتشويه سيرته!.

• shrief.abdelghany@gmail.com
 @shrief_ghany

الاثنين، 27 أبريل 2015

تسريب حصري: الزعيم يرفض الوحدة مع موردي «الرز»!

تسريب حصري: الزعيم يرفض الوحدة مع موردي «الرز»!


شريف عبدالغني
(1)

رن جرس الباب في منزل «ترباس ناقص» مستشار سيادة الزعيم حاكم جمهورية «مفيييشستان». فتح الباب فوجد مجموعة من العاملين في القصر الرئاسي.
* فخامته عاوزك الآن؟
- طيب ليه باعتكم في الوقت المتأخر ده.. ما هو سيادته دايما بيدّيني «ميسد كول» وأنا أطلبه لأنه زي ما أنتم عارفين بيخاف على رصيده في التليفون عشان مال عام، وهو سيد من يحافظ عليه زي ما كلنا عارفين!
* والله مش عارفين.. بس هو شدد علينا لازما وحتما ولا بد نجيبك عنده فورا..
- خير اللهم اجعله خير.. دقيقتين بس ألبس وأجهز نفسي.

(2)

وصل «ترباس» إلى القصر الرئاسي، وعلى البوابة فوجئ بتفتيش دقيق جدا يتعرض له على غير المعتاد. سأل عن السبب، فكانت الإجابة: «لا نعلم».
وزادت عمليات التفتيش كلما دخل ردهات القصر. شعر بغصة في حلقه، خصوصا أنه شاهد كثيرين أقل منه أهمية ومكانة يدخلون ويخرجون بدون تفتيش. لكنه لما وصل إلى باب غرفة مكتب الزعيم فوجئ أن إجراءات التفتيش تتطلب أن يخلع كل شيء.
* سأل في استغراب ودهشة: كل شيء؟! متأكدين كل شيء.. يعني كل حاجة؟!!
- أيوه يا فندم.. التعليمات كده.

(3)

لم يجد مفرا من الخلع وهو في حالة ذهول. غاب عن الوعي للحظات من هول ما يحدث خاصة مع وجود كاميرات تتحسس جسده، وأشياء معدنية غريبة تتفحصه بدقة شديدة!!
بعد عناء استفاق من قسوة المفاجأة. ودخل على الزعيم منكس الرأس.
* يا فندم.. يرضي سيادتك البتاع اللي حصل لي ده.. لو عاوز سيادتك تستغنى عني مفيش مشكلة.. بس مش بالإهانات دي والبتاع ده؟
- إهانات إيه بس يا «ترباس يا ناقص» واستغناء إيه اللي أنت جاي تقول عليه.. أنت عارف قبله معنى الاستغناء إيه لم تتكلم عليه.. أنت عارف أنا ما استغناش عن رجالتي أبدا.. المعلم بحق وحقيق يتمسك بصبيانه مهما حصل.. «سحيح» ممكن استغنى عن وزير مدني «صايع ضايع» لأن الخمسة منهم بقرش.. لكنك يا «ترباس» تربية مؤسسة عظيمة قوي.. ده أنت حتة مني يا راجل..
* أمال سيادتك ليه كل البهدلة دي؟
- إجراءات احترازية بس عشان ابن الحرام اللي بيصطادك كل مرة ويخبي مايك التسجيل في جسمك وبعدها الدنيا تسمع التسريبات!
* ترباس خجلا: مفيش مشكلة يا فندم.. ومسيري هعرف الكلب اللي بيعمل كده وأطلع.......... أمه..
- ترباس خد بالك.. بلاش الألفاظ دي.. التسريبات فضحتنا الله يكرمك.. حاول تتعلم الأدب والألفاظ الحلوة زي حبيبنا توفيق عكاشة كده.. نفسي توصل لمستواه.. وعشان مصلحة «الوتن» اللي هو «الحودن اللي بيضمنا» لازم يا ترباس تتحمل أي إجراءات تفتيش حتى لو دخلوا في جسمك منظار للبحث عن أي «مايك» مستخبي هنا ولا هنا..
* حاضر يا فندم.. جسمي فداء لسيادتك وللوطن وللبتاع.. لكن سيادتك بعت لي ليه دلوقتي.. فيه حاجة كفالله الشر؟
- أيوه.. حاجة مهمة وخطيرة.. أنا نفسي يا ترباس بعد النجاح الكبير اللي عملناه بفضل الله على المستوى الداخلي.. والخير بقى للركب زي ما احنا شافين..
* ترباس مقاطعا ومتنحنحا: طبعا يا فندم.. طبعا.. الخير للركب..
- ما تقاطعنيش تاني يا ترباس يا ناقص.. بقولك زي ما عملت إنجازات داخلية كده عاوز إنجاز كبير خارجي الدنيا تتهز له.. حاجة تخض وتخلي العالم يحكي ويتحاكى بيا..
* فكرة مدهشة يا فندم.. بس العالم بيحكي ويتحاكى فعلا بسعادتك.. بعد كل تسريب بتكون سيرة جنابك على كل لسان!!
- ما هو من خيبتك.. بص عاوزين إنجاز بجد.. هقولها تاني إنجاز بجد يا ترباس..
* أؤمر سيادتك وأنا أنفذ.. تحت أمرك لو طلبت لبن العصفور أو «رز بلبن» بعون الله نجيبه..
- لبن إيه وزبادي إيه.. الحاجات دي قدمت خلاص.. عاوز إنجاز سياسي يا ترباس..
(4)

* سيادتك بتفكر في إيه بالظبط..
- عاوز «وحدة»..
* بعد الشر عن سيادتك.. وحدة إيه اللي سيادتك عاوزها.. إزاي عاوز تكون وحداني.. يجي وقتها لسعادتك اكتئاب والعياذ بالله.. هو فيه أحلى من اللمة واحنا حاولين سعادتك.. هههههه.
- افهم يا بني آدم.. عاوز «وحدة».. يعني احنا ودولة تانية يكون زيتنا في دقيقنا ونكون دولة واحدة..
* ههههه.. معلهش يا فندم.. ما جاش في بالي.. أصل الحاجات دي قديمة قوي من أيام زعيم دولة شقيقة في المنطقة اسمه جمال عبدالناصر..
- «سحيح» سمعت عنه.. بس هو عمل وحدة مع سوريا.. عاوزين جديد وتجديد..
* بالعكس يا فندم.. أنا شايف إن سوريا مناسبة جدا لأن «بشار» وسيادتك فولة وانقسمت نصين.. بينكم حاجات كتير مشتركة.. وانتو الاتنين بتحاربوا الشعب الإرهابي الدموي..
- على عيني وراسي «الأسد» واللي زيه.. بس أنا يا ترباس نفسي التاريخ يخلدني ويقوله ده عمل وحدة ما يغلبها غلاب مع دولة ما تخطر على البال..
(5)

* طيب بقول لسيادتك.. ونروح بعيد ليه.. ما نعمل وحدة مع الجماعة اللي بيوردوا لنا «الرز».. ناس طيبين وعلنياتهم وبتوعنا وعارفين بعض ومش متأخرين عننا في حاجة.. وهات خد.. خد هات.. والله نعمل معاهم دويتو هايل أقوى من ميسي ونيمار..
- يا ترباس افهم.. أنت بنفسك قلت إنهم أنصاف دول.. وبعدين أنا زعلان منهم بقالهم فترة مطنشيني وما بعتوش ولا حباية.. خلاص خدنا غرضنا منهم.. نشوف غيرهم..
* ليبيا مثلا؟
- الله يرحمه.. لو كان «معمر» موجود كان ينفع وطلعنا بشوية رز كويسين.. لكن هناك ما تعرفش مين بيحكم دلوقتي.. كل حارة عاملة دولة لوحدها غير اللي ما يتسموا بتوع داعش.. دول ممكن يخطفوني لو رحت هناك..
* لا وعلى إيه وجع القلب.. طيب إيه رأي سيادتك في أميركا.. بلد كبيرة ورئيسها راجل كبارة..
- أنت نسيت يا متخلف المشاكل اللي بينا وبينهم من يوم ما نيمتهم من المغرب وأسرت قائد الأسطول السادس بتاعهم وخليت قفاهم يقمر عيش..
* صح يا فندم.. فاتتني الحكاية دي.. طيب قدامنا روسيا.. دولة فرز أول و «بوتن» بيحبك وبينكم «استلطاف»..
- « سحيح».. لكن برضه دول ناس دماغهم ضاربة.. شوية بيكونوا اللي بيقولوا عليها دي شيوعية ولا شيعية معرفش اسمها إيه.. وشوية رأسمالية.. يا عم احنا ناقصين وجع دماغ..
* إمممم... طيب إيه رأي سيادتك في إيران؟
- لا يا ترباس.. بيتكملوا فارسي.. وأنا ثقافتي فرنساوي زي ما أنت عارف..
* طيب حيث كده ما تخش سيادتك على فرنسا؟
- لا برضه.. ناس ما يمشوش معانا.. احنا بلد كبيرة يا ترباس ولنا عادات وتقاليد شرقية.. يعني شوف مثلا ماما المثالية عندنا الست المحترمة اللي ما سابت كباريه إلا ورقصت فيه.. ومامتهم المثالية.. احنا سمن بلدي.. وهما صناعي.. التركيبة مختلفة..

(6)

* غلبت يا فندم.. طيب نخش على إفريقيا.. إيه رأي جنابك في غينيا الاستوائية..
- عاوز تخلص مني يا ترباس وتموتني بـ «الإيبولا» يا مفتري..
* بعد الشر عن جانبك.. إن شاالله اللي يكرهوك من أعداء الوطن الإرهابيين.. بص سعادتك عرفت طلبك يا كبير.. عندي شوية دول شايلهم لوقت عوزة وللحبايب بس وحياتك..
- فرحني قول.. زي مين؟
* بنجلاديش..
- فين دي؟
* دي سيادتك تمشي على طول في الطريق الدائري خد شمالك.. هتلاقيها بعد إيران بشوية وأنت رايح كده على باكستان..
- عندهم «رز» دول يا ترباس؟
* لا يا فندم للأسف.. دول على باب الله زينا كده..
- طيب إيه الميزة اللي عندهم.. هناك إيه عشان ما أشحططش نفسي المشوار ده وأطلع على فاشوش..
* دول سعادتك بيعملوا حاجة مهمة جدا.. بيعدموا قادة الإسلاميين..
- الزعيم مهللا فرحا وقد تخلى عن وقاره: إيه!!.. معقولة!!.. الله أكبر.. هي دي.. بحب دي.. هاتولي دي.. من بكره نروح زيارة عمل وجهز عقد وحدة كاملة متكاملة فورا جاهز على التوقيع.. وعاوزك تتساهل معاهم يا ترباس يا ناقص وتعمل لهم خصم كويس.. جايلك يا بنجلاديش!

(7)

بمجرد انتهاء الحوار خرج «ترباس» راضيا مرضيا وترك الزعيم منتشيا، لكن حدثت مشكلة عصفت بالوحدة، تسرب الحوار كاملا إلى فضائية «صوت البنغال» وأذاعته وسمعته الدنيا. وما زال البحث جاريا عن المكان الذي وضع فيه «ابن الحرام» المايك في جسد ترباس!!

• shrief.abdelghany@gmail.com
@shrief_ghany

الخميس، 5 مارس 2015

عسكر دمهم خفيف!


عسكر دمهم خفيف!


شريف عبدالغني
(1)
تسريبات أسيادنا الكابسين على أنفاس مصرنا المنكوبة بهم، عموما أصبحت مصدر بهجتي وتسليتي الوحيدة هذه الأيام. من زمان لم أعد أفتح «موجة كوميدي» أو «روتانا سينما مش هتقدر تغمض عينيك».. الدنيا اختلفت.. دخلنا عصر «اغمز بعينيك» و « قرب لي.. بص لي». قناة «مكلمين» تعيد تكرار بث التسريبات. وكل مرة أسمعها أكتشف فيها الجديد.
لا أستطيع أن أفرق بين تسريب وآخر. كلهم في المسخرة سواء. الكل ظل يحلل ويفند التسريبات، وركز على حكاية الطمع و «الرز المتلتل» و «الحباية ونص» و «التراامادول» وطريقة الكلام والتعبيرات السوقية.
ربما لم ينتبه أحد لطريقة الحوار، فبطل التسريبات سكرتير المكتب، لم يعارض سيده أبداً في أية كلمة قالها أو رأي طرحه. حتى لما طلب الأخير أن يكون «التسول» نقدا، رد العبد المطيع: «تمام يا فندم». هنا مربط «البيادة».
دولة العسكر لا تعرف سوى السمع والطاعة. لا نقاش ولا تشاور ولا شورى. الواحد منهم ظل طول عمره إما أن يتلقى أوامر، أو يعطي أوامر. ليس مهما أن تكون صحيحة أو خاطئة. المهم التنفيذ من دون قيد ولا شرط حتى لو كانت النتائج كارثية.

(2)
التسريبات ذكرتني بتجربة محدودة عشتها عن قرب عدة أيام في «تفكير الدولة المعسكرة»، تكشف الأسلوب المتدني والشتائم في التعامل فيما بينهم.
قبل نحو 11 سنة ذهبت مع زميل مصور ومسؤولة الإعلانات في المجلة التي كنت أعمل بها أيامها، إلى محافظة ساحلية لعمل ملف عن السياحة هناك. الملف كان يتضمن مادة إعلانية عن القرى السياحية في المحافظة. لم أكن أعرف وقتها «سيادة اللواء المحافظ».
لكن السؤال الذي ألـح على بالي: لماذا لواء لمحافظة سياحية.. هل يفهم في السياحة ولديه رؤية لتطويرها.. هل هو خبير في التسويق السياحي.. أم أن كل خبرته السياحية أنه زار مع الأولاد الأهرام وأبوالهول؟!
لم أجد إجابة. الوحيد الذي يعلم إمكانات هذا الرجل شخص واحد فقط اسمه حسني مبارك. كان المخلوع يضمن ولاء رجال الجيش بتعيينهم في وظائف مهمة بعد خروجهم على المعاش. محافظ أو رئيس مجلس مدينة أو رئيس شركة قابضة أو جهاز محاسبي أو رقابي. بالتالي كان الجميع يصمت على أي فساد في الدولة انتظارا لمكافأة ما بعد الخدمة التي تدر عليه «شيء وشويات» مصحوبة بمظاهر أبهة لم يعشها في حياته.

(3)
في بداية التعارف مع المحافظ لاحظت أنه يوبخ مساعديه ومعاونيه في الهاتف بشتائم مقذعة.
لما لاحظ دهشتي، قال: ما تستغربش.. أصلي أول ما جيت مشيــت جميع رؤساء مجالس المدن وجبت بدالهم زملائي السابقين في الجيش اللي كانوا تحت إيدي.. يعني أشتمهم براحتي ويتحملوا (!).
بتكرار لقاءاتي مع سيادة اللواء المحافظ، اكتشفت طبيعته وطريقة تفكيره التي استمدها من حياة «الميري» ولا تعرف غير تنفيذ الأوامر، وإلا فالبديل هو «أورنيك الذنب».
 لما بدأنا جولتنا في القرى السياحية لعمل الملف، كان أصحاب بعضها يرفضون الإعلان في مجلتنا -ومعهم حق- فهي تصدر بالعربية، بينما زبائنهم من الدول الأوروبية ولن يروا أساسا تلك المجلة، وبالتالي فالإعلان بها بلا فائدة. 
لكن زميلتي مسؤولة الإعلانات لم تكن تصمت. ترفع الموبايل وتتصل بسيادة اللواء المحافظ، فيتصل بدوره بصاحب القرية مهددا: «هتعمل الإعلان ولا أقطع عنكم الميه والكهرباء!!».
كان المسكين يرضخ مجبرا ويخسر مبلغ الإعلان، وإلا حلت عليه لعنة المحافظ.
كنت أتعجب من سر مجاملة سيادة اللواء لزميلتنا، حتى عرفت أن والدها كان لواء أيضا وزميلا لسيادة المحافظ. مفيش مشكلة اللواءات لبعضيهم وزيتنا في دقيقنا!
كان المحافظ يقابلنا كل ليلة تقريبا على العشاء بعد انتهاء عمله، نتجاذب أطراف الحديث. كالعادة عندما يتكلم تظن أنه في ثكنة عسكرية. على الجميع أن يصمت ثم يشيد بحكمة وحنكة سيادته، وهي المهمة التي كان ينفذها باقتدار زميلي المصور وزميلتي مسؤولة الإعلانات. كنت أحيانا أكتم الضحك من تحليلاته وآرائه التي تنتمي لفصيلة «الفكاكة».
ذات مرة استدعى «صاحب أكبر شركات عقارات في المحافظة» -حسب تعبيره- لنجري حوارا عن مشروعاته ودوره في خدمة الإسكان بالمحافظة. حضر صاحبنا فوجدناه مقاولا بائس المظهر. نهره سيادة المحافظ بشدة: أيه القرف ده.. روح استحمى والبس كويس وتعالى عشان هتتصور في المجلة.
ذهب «رجل الأعمال الكبير» نفذ الأوامر سريعا وعاد.
أجرينا معه الحوار فكان المحافظ يلقنه الإجابات.
بعد ذلك عرفت أن ذلك «المقاول» هو مجرد واجهة أسس له المحافظ الشركة، وأسند إليها تنفيذ مشروعات الإسكان، بينما عائدها يعود لجيب المحافظ ذات نفسه. يجعله عامر!

(4)
لم يكن الأمر يختلف عند رؤساء مجالس المدن الذين التقيناهم.. هم كما ذكرت عسكر مثل قائدهم المحافظ. فعلوا مثله وجلبوا معاونين لهم من زملائهم السابقين بالمعسكرات حتى يشتموهم براحتهم. أظرفهم كان ذا شارب يقف عليه الصقر. في مكتبه كان يتحدث بعفوية. لما بدأنا تسجيل الحوار الصحافي، قام فجأة وقال: «لأ..استنى شوية.. الحوار له أصوله»، ثم خلع جاكت البدلة، الأمر الذي أثار ريبتي مع زميلي المصور وزميلتي مسؤولة الإعلانات. لكن الرجل كان حسن النية. فتح مكتبه في ركن الحجرة، وأتى منها برابطة عنق وقال مبتسما وهو يرتديها: صورة الحوار لازم تكون رسمية بكرافتة.. مش كده الأصول ولا أيه؟!
جلس منتشيا وبدأنا التسجيل. لاحظت أنه يحاول ارتداء ثوب الجدية، وقد ظن نفسه مثل الجنرال شوارزكوف -وكان ملء السمع والبصر أيامها- وهو يجيب عن أسئلة محطة CNN.
 سألته عن خطته للنهوض بالمدينة، فأجاب: «بـص بقى.. أنا أول ما جيت وضعت خطة بنت............ كلب للتطوير.
وكنت أنزل بنفسي في حملات إزالة الإشغالات من الطريق.. ولو قابلني واحد مخالف أقوله امشي يا..........أمك من هنا، ولا كان يهمني».
ثم استطرد بخفة ظل: طبعا الكلام والشتايم دي مش هتنزل في المجلة، و «تفلتروها» طبعا.. فطمأناه: طبعا.. طبعا!

(5)
بعد الحوار الذي لم أستطع خلاله أن أتوقف عن الضحك بسبب تعبيراته وأسلوبه الذي كان يبدأ جادا، وينتهي هزليا، قرر اصطحابنا ليتفقد معنا القرى والفنادق بنفسه.
وقفت وقلت له: اتفضل يا سيادة اللواء. 
لكنه كعادته راح فجأة إلى ركن الغرفة وخلع الكرافتة والجاكت، وارتدى نظارة شمسية و «كاب»، وقال وهو أمام المرآة يهذب شاربه: «مش اتفقنا إن كل حاجة وليها اللي يناسبها».
وأضاف: هناك سياح من كل حتة.. وبرضه الأمر ما يسلمش.. ممكن نقابل سايح ولا سايحة فالواحد يكون مستعد لو محتاجة حاجة عشان يعرفوا إننا مش معقدين والمسؤول عندنا كاجوال!
هذا هو نمط وتفكير من يتركون أقدس وأشرف مهمة وهي الدفاع عن الوطن، ويعملون في مناصب ليسوا مؤهلين لها.
إذا كنتم يا أهل مصر تريدون مثل هذه النماذج تحكمكم فـ «بالهنا والشفا» عليكم «الرز المفلفل»!

• shrief.abdelghany@gmail.com
 @shrief_ghany

الأحد، 8 فبراير 2015

«الشعب الجعان» و«فلوس الخليج اللي زي الرز»!!


«الشعب الجعان» و«فلوس الخليج اللي زي الرز»!!

شريف عبدالغني


(1)
أيام طفولتي كنت أتغيب عن المدرسة لو عرض التلفزيون أثناء توقيت الدراسة، الفيلم الخالد في أذهان عامة المصريين «رصيف نمرة 5»، والذي لم أكن أشعر أبداً بملل من تكرار مشاهدته. في هذا الفيلم مسح نجم الترسو وفتوة الغلابة فريد شوقي البلاط بمحمود المليجي مساعد زعيم العصابة، وبينما كان الأخير يرتطم بالأرض، صاح فيه بعض الحضور فرحين بما جرى له: «حوش اللي وقع منك يا معلم!».
المعلم لم يقع وحده. مصر كلها وقعت معه. لا أقصد أي تشاؤم لا سمح الله، فحال المحروسة في السياسة والاقتصاد والإعلام والرياضة وكافة شيء كويس وممتاز وعال العال وتسلم الأيادي و»عشنا وشفنا ماسر قد الدنيا». مصر دخلت «الحمّام» ونظفت نفسها من غبار «الإرهابيين الأشرار» وكبيرهم محمد مرسي الحاصل على شهادة الدكتوراه في التخابر وتهريب «البط» من السجن أثناء فراره من «فندق وادي النطرون للتأديب والإصلاح» أثناء «وكسة 25 يناير».

(2)
لكن المشكلة أن مصر تعاني أزمة «تسريب» بعد ما ربنا نتعها بالسلامة ووضعت مولودها آخر العنقود «انقلاب» وهو رقم 1 بعد التسعين مليون. المولود سكر. شربات مكرر. دمه خفيف. وسيم. «جاذب للستات». لكنه نزل من بطن أمه عصبي ومش طايق نفسه. يفهم ويتحدث جميع اللغات الحية والميتة. فقط يكره كره العمى كلمة «اعتصام»، بينما يصاب بحالة تشنج وهيستريا ويعملها على روحه لو رأى رقم «4». الأطباء احتاروا في حالته وعلاجه. أخيرا نصحوا الأم بعدم إدخاله الدراسة حتى لا يصل إلى سنة «رابعة» فعندها ستكون نهايته. سمعت الأم الكلام. لذلك لم يندهش أحد من مستواه التعليمي والثقافي. المسكين توقف عند سنة «ثالثة».
يقال: إن سبب كل أزماته النفسية أنه يبحث عن والد «شرعي» له. الغلبان لفظه الجميع. حتى محمود المليجي لم يعترف به. لم يجد من يتبناه من أشباه الرجال سوى اللصوص والتافهين و»بتوع البتاع». من بين النسوة لم يجد صدراً حنوناً سوى عند سما المصري وسمية الخشاب وإلهام شاهين وصاحبة أسطورة «شت أب يور ماوس أوباما». مسكين. هو مثل الشعب لم يجد من يحنو عليه!
كل حاجة في المحروسة «تتسرب» هذه الأيام. كل «الحنفيات» تسّرب. حنفيات المياه وحنفيات السياسة وحنفيات الغرف المغلقة وحنفيات الشائعات. مصر ليست في حاجة الآن إلى «دكر». إنها تحتاج إلى «كوع» يربط مواسيرها. مصر الكبرى ليست بحاجة إلى رئيس. مصر تحتاج إلى «سباك» يوقف هذا التسريب.

(3)
يا سباكين مصر اتحدوا. الانتخابات البرلمانية الجديدة أمامكم والتسريب من خلفكم. لا تكونوا جبناء خائبين خائفين مرتعشين متبلدين مثل السياسيين وتمتنعون عن الترشح خوفاً من زئير أسد «مزور في الصناديق» أو دلع لبؤة على الشاشة مزورة في عقولكم. ترشحوا ولا تسربوا. لا تخشوا شيئاً. المرحلة الدقيقة من عمر «الوتن» تحتاجكم. أنتم لها. من غيركم يستطيع وقف سيول التسريب. مصر كانت «ملكية» أيام فاروق. «جمهورية» أيام عبدالناصر. «منفتحة» أيام السادات. «مفتوحة» أيام مبارك. الآن المسكينة «مسربة». من يشتري لها «بامبرز». فينك يا ست ليلى مراد.. مين يشترى «البامبرز» مني وأنا بنادي وأغني. وفود رسمية تركب الطائرة وتشرخ هنا وهناك تجمع لـ»الشعب الجعان المتنيل بستين نيلة» شوية مساعدات من «اللي معاهم فلوس متلتلة وعايشين حياتهم بالطول والعرض»: 10 من فلان في الحساب الفلاني وزيهم من علّان وغيرهم من ترتان.. وأوعى تنسى تقولهم «قرشين» في البنك المركزي.. الشعب برضه حبيبنا ونور عينينا.
في رحلاتهم الخارجية التسولية يتكلمون في كل المجالات. المشروعات. الاستثمارات. التحويلات. الرهانات. المصالحات. الإرهابيات إخوات فتاكات. لكنهم ينسون أهم شيء: «البامبرز». من يأتي لنا به. نريد «بامبرز» من أي نوع. ليس مهما 7 طبقات وأستك. أغيثونا يا عرب. النجدة يا قوم. أنقذونا يا خليجيين من «التسريب». الحالة صعبة. ربنا يفك زنقتنا.

(4)
ليس»الكبار» فقط الذين يسربون. التسريب يشمل الجميع. المصريون سواسية في الظاهرة. لا فرق بين وزير وخفير. كلنا مسربون. ادخلوا مصر إن شاء الله مسربين. في مصر خير مسربي الأرض. الزوجة صباح الجمعة تسرب لصديقتها على التليفون ما حصل مساء الخميس: جوزي اللي ما يتسمى امبارح نزل القهوة ورجع نص الليل عامل نفسه تعبان.. أسأله: مالك يا راجل وليه التعب ده اللي بيجليك من الأسبوع للأسبوع؟ يقولي: بفكر في حال البلد وخايف قوي يا تفيدة إن «التسريب» الجاي يكون الكلام فيه عليا.. أصل دلوقتي محدش ضامن نفسه وواضح إن أسامي البلد كلها جاية في التسريبات..استرها يا رب علينا.
أما «أم التسريبات» فهي التي سمعتها أمة لا إله إلا الله، والتفت حول الشاشات لمتابعتها، وكأنها تنتظر مباراة ريال مدريد وقاهره أتليتكو مدريد، أو كليب جديد لهيفاء وهبي. في مصر لو قال لك أحدهم «كلمة في سرك» أو «بيني وبينك» فاعرف فورا أنها ستشيع بين الناس وتصير على كل لسان. لو نتذكر في أول تسريباته بعد مولده منذ سنة ونصف قال «انقلاب» لمحاوره «بيني وبينك» فسمعتها قارات العالم الخمس، والأجنة في بطون أمهاتها. إنها مصر وتأثيرها إن كنتم لا تعلمون.

(5)
التسريبات عملت عمايلها في المصريين. أطلقت دفعات جديدة من صواريخ نكاتهم. لم يفلت من العملية سوى شخص واحد: محمد مرسي رغم أنهم كانوا يعدون عليه أنفاسه في القصر الرئاسي، وكاميراتهم تحاصره في كل ركن وزاوية، فلما لم يجدوا له تسريباً، سربوا هم بأنفسهم عنه حكاية سرقة «البط» المشار إليها!! يقولون: إن التسريبات لن تتوقف. يا ما في الجراب يا «مسرّب». وقت إذاعة التسريب السابق تذكرت «رصيف نمرة 5» وفريد شوقي ومحمود المليجي وهو على الأرض، بينما المشاهدون يسخرون ويقولون: «حوش اللي وقع منك يا معلم»، لكنه لم يلتفت، وراح يجمع ما وقع منه وخرج من جيوبه.. فلوس الخليج «اللي زي الرز»!

shrief.abdelghany@gmail.com •
@shrief_ghany