الاثنين، 28 مايو 2018

كرة قدم أم جريمة ضد الإنسانية؟

كرة قدم أم جريمة ضد الإنسانية؟


                     محمد صلاح بعد إصابته في المباراة                     


وائل قنديل

ماذا قرأ اللاعب محمد صلاح في عيون جزار مدريد، اللاعب سيرغيو راموس، وهو يسحله سحلاً، بعد أن طرحه أرضاً، ولم يتركه إلا بعد أن خلع كتفه، في مشهدٍ أقرب لعملية اغتيال، تسمى مباراة كرة قدم؟.


أغلب الظن أن صلاح رأى عيني راموس مثل زجاجتين معبأتين بصنف نادر من الغل المعتق مدة 35 عاماً، هي الفترة التي تفصلنا عن واقعة محاولة اغتيال اللاعب المنطلق بسرعة الصاروخ في ذلك الوقت، الأرجنتيني مارادونا، على يد جزار بلباو، الإسباني غويكوتشيا في سبتمبر/ أيلول عام 1983، حين انقضّ بكل ما لديه من ذخيرة حقد وكراهية على كاحل اللاعب الأرجنتيني، مطفئاً أنوار تألقه، ليتوقف عن ممارسة كرة القدم، ولم يعد لها إلا بعد ثلاثة أشهر، ظن العالم وقتها أن علاقة مارادونا باللعبة انتهت.
غير أن ما تعتق في عيون لاعب مدريد كان نوعاً مختلفاً من الغل والكراهية، إذ لم تكن الجريمة بقصد إيقاف خطورة لاعبٍ في مباراة مهمة، وإنما يشي حجم الشراسة في التنفيذ بأن القصد ربما كان إنهاء مسيرة لاعب عربي غزا أوروبا فأذهلها، ومنح لعبة القدم بعداً إنسانياً وثقافياً، يمقته الأوغاد في كل العصور.
كانت اللقطة أشبه بمحاولة اغتيال، على الهوية، تجمعت فيها كل نوازع الغل العنصري، بما بدا معه وكأن الفوز بكأس أبطال أوروبا عند الإسباني الأندلسي راموس يأتي أولوية تالية، لإنهاء أسطورة صعود صلاح، إذ كان الإسباني محتشداً برغباتٍ هائلةٍ في الإيذاء، جعلتنا نشعر لحظة بأننا بصدد جريمة ضد الإنسانية، ومن ثم من العبث البحث عن تفسيراتٍ لها في قاموس لعبة كرة القدم، إذ تحيلك مباشرة إلى حكايات صراع الحضارات وصدام الثقافات، وممارسات اليمين العنصري المتطرّف ضد الأجانب والملونين في القارة العجوز.
لم يكن الاعتداء على صلاح مؤلماً، فقط، لكنه كان مهيناً أيضاً، وبشكل أكبر، حيث استشعر كل محبٍّ للاعب، وفخور بإنجازه الخارق لقوانين مافيا اللعبة الشعبية الأولى في العالم، أن الاعتداء وقع عليه شخصياً، وأن الرسالة هي ذاتها التي تلقاها كل عربي مع عمليات اغتيال العلماء العرب، منذ سميرة موسى ويحيى المشد، عالمي الطاقة الذرية، وحتى مهندس الصواريخ العبقري، الفلسطيني، فادي البطش، في ماليزيا أخيرا، ومفادها: ليس مسموحاً لكم بالتطور والتقدم والنبوغ، إلا بالحد الذي يسمح به السيد الشمالي الأبيض.
وقعت عملية الاعتداء على محمد صلاح بالتزامن مع عدوان صهيوني مكثف بالصواريخ على قطاع غزة، ليضعك التاريخ بدهائه أمام مفارقةٍ مدهشة: عرب فرحوا لإصابة صلاح الخطيرة، وتطوعوا للدفاع عن سلوك مجرم الملاعب الإسباني، وهللوا للانتصار القذر الذي حققه الفريق المنافس، هم أنفسهم العرب الذين يبتهجون كلما اعتدى الكيان الصهيوني على المقاومة الفلسطينية في غزة، ويهاجمون مسيرات العودة، ويسكتون عن تهويد القدس، ويبرّرون لإسرائيل جرائمها، ويتلذذون بالانسحاق أمام الغطرسة العنصرية الصهيونية، ويصفقون للسيد دونالد ترامب، ويتسوّلون رضا ابنته إيفانكا.
الذين تمنوا إصابة محمد صلاح، وحلموا بها، واحتفلوا بحدوثها، كي تصفو لهم أجواء سياحة مونديال روسيا هم أنفسهم الذين يتمنون اختفاء المقاومة الفلسطينية، وتركيع غزّة، كي ينفتح لهم الطريق للتطبيع، ولا يعيقهم شيء عن الذهاب إلى القدس المحتلة، كي يستمتعوا بجولاتٍ سياحية، وعلاقاتٍ سياسيةٍ مع العدو.
وفي الحالتين، محاولة اغتيال صلاح كروياً، والعدوان على غزة عسكرياً، واغتصاب القدس، حضارياً، يضبط ضمير العالم متلبساً بالتواطؤ، وتوفير الحماية للمعتدي، ذلك أن حكم مباراة ليفربول وريال مدريد لم ير في افتراس اللاعب العربي أي خطأ يستوجب العقوبة، بل إنه لم يكلف نفسه عناء مراجعة مساعديه، كما يجري في حالاتٍ أقلّ خطورةً وأهميةً، تماماً كما تصم الأمم المتحدة أذنيها، ويغلق مجلس الأمن عينيه، أمام التوحش الصهيوني على الفلسطينيين.

لحظة اصابة محمد صلاح





رمضان في صورته الجديدة

رمضان في صورته الجديدة



د.أحمد خالد توفيق

شجرة الدر تتعاطى المخدرات.. وسيف الدين قطز يحب هالة! رمضان في صورته الجديدة



لهذا الشهر رائحة، ولهذا الشهر صوت.. وله شخصية كاسحة حفرت الذكريات لدى كل واحد منا. لو لم يكن لديك فيض من الذكريات يتعلق برمضان فأنت على الأرجح لست مصرياً.

لرمضان صوت.. لا شك في هذا، وأنا أضع على رأس قائمة الأصوات صوت الشيخ محمد رفعت الرهيب المزلزل، القادم من عوالم يعرفها هو وحده، والذي تقشعر لسماعه وتنتعش. بعد هذا يأتي صوت تواشيح النقشبندي.. هذه تواشيح قد استطاعت أن تكون هي صوت رمضان بجدارة، وكل مصري يعرف الجو الذي تبعثه كلمات مثل: (يقول أمتي.. يا رب أمتي).. أو صوت تواشيح ما قبل صلاة الفجر، مع صوت مَن يقول بصوت عالٍ ممطوط: "اللهم صلّ على حضرة النبي ي ي ي".


يمكن بشيء من التحفظ أن تضيف أصواتاً أخرى: في طفولتي كان هناك ارتباط خاص بصوت القلي أو التحمير القادم من المطبخ والمرتبط بأمي.


الأم المصرية المعتادة تقف في الحر وسط الأبخرة الخانقة، كأنها هكتور في حرب طروادة. وكانت تعترف لي كثيراً أنها تتلذذ جداً بهذا الشعور: أبناؤها صائمون ونائمون بانتظار المدفع بينما هي تحارب في المطبخ وحدها. ثم المدفع الذي كان يرج البناية رجاً مع صوت الجندي (الحمش) الذي يحسب أنه يحرر القدس شخصياً.. لماذا لم تعد البنايات ترتج بصوت المدفع؟.. صوت ثلاثي أضواء المسرح قادماً من التليفزيون يردد (بايم بايم) التي لم أفهم معناها حتى اليوم، ثم أغنية حزينة لشادية في الراديو تبكي على النصيب والناس المجاريح، وشويكار تمط الألفاظ وتعابثها بشكل يجعل وجه أبي يحتقن غيظاً وهو يرشف الحساء، ثم جاء صوت نيللي ثم صوت شريهان، ثم شعر الناس في لحظة أنها لعبة سخيفة وفقدوا اهتمامهم.


على أننا نلاحظ أن فوازير ثلاثي أضواء المسرح كانت ساذجة جداً، ومن الواضح أن معظم الحوار كان يرتجل ساعة التصوير، فقيرة الإمكانيات لحد لا يصدق، وكانت جوائزها من نوعية ساعة اليد والدراجة، وحلولها كانت صعبة جداً (أذكر فزورة تدور حول هروب روذرفورد للولايات المتحدة وفزورة حول لقاء هانيبال بسكيبيو الإفريقي!). مع الوقت صارت الفزورة أكثر شياكة وصارت حلولها في غاية الهيافة على غرار (ما هو الشيء الذي يحرق ونطبخ عليه طعامنا؟). وصارت الجوائز لا تقل عن أطنان ذهب وشقق كاملة التجهيز.. لقد ازدادت الأشياء أناقة وتفاهة معاً بمرور الوقت. صار المظهر أهم شيء في الكون.


لن أنسى رمضان الذي توقفت فيه فوازير ثلاثي أضواء المسرح في اليوم العاشر؛ لأننا عرفنا لدى عودتنا من المدرسة أن الجيش المصري عبر قناة السويس. وقضينا الليل نفكر في هؤلاء الأبطال الذين يحاربون في صحراء سيناء في هذه اللحظات بالذات تاركين أهلهم يذوبون قلقاً عليهم، وعند الفجر راح البيت يرتج.. لكنه ليس ارتجاج مدفع الإفطار بل ارتجاج المدفعية المضادة للطائرات في مطار محلة مرحوم القريب. رائحة البارود تمتزج بهواء الفجر النقي وتتسلل لأنوفنا فتتقلص أحشاؤنا.


من ضمن أصوات رمضان المهمة جداً صوت زوزو نبيل تقول وهي تتثاءب: (مولاي) في ألف ليلة مع موسيقى كورساكوف الساحرة. يمكن القول بلا مبالغة: إن كورساكوف صنع جزءاً حميماً من تراثنا.


أما عن رائحة رمضان فحدّث بلا توقف.. رائحة مصر ذاتها.. رائحة الأحياء الشعبية وماء الورد الذي يذوب في الماء المثلج ويقدم للمصلين في المساجد بعد الصلاة.. رائحة الكنافة والقطائف وهما في مرحلة العجين الأولى. ثم السحور الذي تقاوم فيه النعاس بالقوة، يختلط برائحة الشمع الذائب في فانوس جميل من الصفيح صنعه عم شحتة أو عم بيومي في زقاق ما من (درب الأتر).


"أكل حتى الفجر.. نوم حتى الظهر.. خناق حتى العصر.. ترقّب حتى المغرب".. هكذا وصف الساخر العبقري محمد عفيفي صيام أغلب الناس، وهي مقولة ما زالت قادرة على جعلي أبتسم..


قلت في مقال قديم: إنني عشت رمضان في مختلف الفترات.. رمضان في يوليو وأنا أعمل في تلك القرية المجاورة لكفر الزيات، عندما تركب أربع مواصلات يومياً وتعود لدارك منهكاً ليست في جسدك قطرة ماء واحدة.. تنام كالقتيل وتصحو لتكتشف أن ثلاث ساعات ما زالت تفصلك عن كوب الماء المثلج؛ لأن موعد المغرب هو الثامنة مساء! لم أعرف أنني سأعيش حتى تدور العجلة من جديد، لكن على الأقل لا أضطر للسفر في الحر! في ذلك الوقت كنت أعتقد أنه عندما يدور رمضان دورته من جديد سأكون نسياً منسياً.


إغراء شديد يدفعني لأن أقول: إن رمضان لم يعد هو رمضان. يبدو أن هذه غريزة قوية عند البشر تشبه الطعام والجنس.. أن تجلس لتندب ضياع الماضي الذي كان رائعاً دائماً. نغمة (لم تعد الأمور كما كانت) شهية جداً. سأقاوم بصعوبة ألا أغرقك في تفاصيل كهذه.. حتى المقالات من طراز مقالي هذا (كنا نفعل كذا وكذا في رمضان.. كان أبي يفعل كذا.. لم يعد لشيء ذات المذاق.. إلخ).. حتى هذه المقالات صارت تثير سأمك؛ لأنك قرأتها ألف مرة من قبل.


لقد امتد بك العمر لترى فوانيس رمضان العجيبة التي تعمل بالكهرباء والقادمة من الصين.. ظهرت فوانيس على شكل باربي وتغني (العنب.. العنب)!.. ثم ظهر المفتش كرومبو.. هذا العام بدأ سبونج بوب يظهر في كل مكان. هناك (عكّ) غير عادي في هذا، فالخلط بين شخصية كارتون غربية وأثر فاطمي موغل في عراقته أمر مشين. يجب أن يكون الفانوس من صفيح سيئ اللحام يتفكك بسهولة، وعليه زجاج ملون، ويشتعل بشمعة.. ويحرق يدك الصغيرة.. غير هذا سخف.


رأيت بوجي وطمطم في رمضان ورأيت فوازير شريهان وكل حيل الكاميرا الخفية التي تهدر كرامة المرء وتستفزه وتثير جنونه من أجل ضحكة بلهاء.. ثم رأيت رمضان دون فوازير خالص (ولعل هذا أفضل شيء جديد).. ثم رأيت رمضان دون تليفزيون مصري أصلاً؛ لأن الناس هربت إلى الفضائيات منذ بدأ عصر الريادة.


ازدادت الطوابير أمام باعة الكنافة والقطائف وإن تضاعف الذعر في الوجوه والرعشة.. كأن كل واحد يخشى أن يفوته شيء سوف يظفر به الآخرون.. ولا شك أن الناس كذلك صاروا أكثر شراسة وعدوانية، ولعلها أخلاق الزحام. أخلاق الزحام تجعلك تشعر بقلق متزايد من أن رغيفك ليس مضموناً وهناك من سيخطفه في أي لحظة.


وقد لاحظ أحد الصحفيين أن كثيرين يفطرون قبل الأذان في موائد الرحمن؛ لأنهم يفتكون باللحم بمجرد جلوسهم!.. لو انتظروا الأذان فلربما اختطف شخص آخر اللحم!


في التليفزيون، إعلانات السمن هي هي.. إعلانات الشاي هي هي.. في زمني كان إعلان الميلامين جامد ومتين له شجن وسحر خاص، وبعده كان إعلان (شهادات الاستثمار. الفايدة متزايدة)… مع الوقت أصابنا الذهول عندما رأينا إعلانات عن اختراع اسمه التليفزيون الملون. لسبب ما كانت إعلانات التليفزيونات تكثر في رمضان كأنها تحركك لشراء تليفزيون قبل أذان المغرب. وكانت هناك سلسلة إعلانات الفنان حسن عابدين الشهيرة: يا ترى ما هو سر (…..)؟ الآن تسللت إعلانات خطوط الموبايل..


نفس الجلسات لنفس الفنانين ونفس المقالب.. عندما أرى هذه الجلسات أشعر بأنهم يقولون لنا: "هكذا يتكلم أسيادكم وهكذا يمزحون.. هذا هو الشيء الوحيد الجدير بالمشاهدة يا أولاد الفقرية".


المسلسلات فقدت مذاقها القديم.. حاولت أن أتابع بعضها فلم أقدر. كانت الكثرة تغلب الشجاعة لكنها اليوم تغلب التميز. مستحيل أن تتابع 9889798 مسلسلاً كل يوم، وتحتفظ بسلامة عقلك وتوازنك النفسي.. قائد الفرس يحاول الفوز بالأسيرة العربية الحسناء لنفسه.. ثم المسلسل التالي حيث يسرا تكتشف مؤامرة للتجارة بأطفال الشوارع.. المسلسل الثالث والأب يكتشف أن ابنته تقابل (عادل).. المسلسل الرابع حيث يقرر المطاريد الصعايدة أن يخضعوا لـ(حمدان) صاحب أكبر شارب فيهم.. المسلسل الخامس حيث يكتشف الباشا أن الصحفي الذي يهاجمه في مقالاته هو (إبراهيم)..


في نهاية رمضان تكون أحداث المسلسلات قد تداخلت تماماً.. قائد البيزنطيين ينتظر عودة البنت (هالة) من الكلية؛ لأنه يعتقد أنها تزوجت عرفياً من زعيم المطاريد. سيف الدين قطز غاضب جداً؛ لأن المستند المهم قد اختفى وهو يخشى أن يصل للنيابة، وهو يعتقد أن شجرة الدر تتعاطى المخدرات، والباشا يحب منى، لكنها تمضي أكثر الوقت في الديسكو..


هناك كذلك تلك الظاهرة التي تفاقمت منذ أعوام: حالة تقمص جان دارك لدى الفنانات الكبيرات، ونفس الكلام الفارغ عن (بنتك اتأخرت في الكلية يا ست هانم) و(المستند ده لو وصل النيابة يا مراد بيه كلنا حنروح ورا الشمس) والفتيات اللاتي يصحون من النوم بكامل مكياجهن، والميزانسين الأبله الذي يصر عليه كل المخرجين والزووم الذي ينقض على وجه كل شخصية وهي تنهض لتأخذ دورها في الكلام، وإضاءة التنعيم على وجه سميرة أحمد وفيفي عبده ونادية الجندي التي تخفي التجاعيد وأي تعبير تمثيلي ممكن، والتمثيل غير الرديء غير الجيد الذي يفي بالحد الأدنى دون دراسة حقيقية للشخصية.. شخصية إيه؟.. من الواضح أنهم قرأوا عبارات الحوار قبل التصوير بعشر دقائق، ومحمد صبحي الذي يعتقد أنه مصر فلم يعد ينطق إلا بالمواعظ والمُثل وهو ينظر حالماً في عدسة الكاميرا، كأن الفنان الكبير يجب أن يقول كلاماً كبيراً وكأن أدوار الشر والخلل النفسي لا تليق به.


تعال نخرج إذن ما دمنا سئمنا التليفزيون..


هناك قطاع من المدينة لا ينام أبداً ويستهلك كمية أضواء تكفي لإضاءة لاس فيغاس كلها.


ثمة اختراع جديد اسمه الشيشة على المقاهي طيلة ليالي رمضان، واختراع جديد اسمه المرأة التي تدخن الشيشة؛ لأن رجلاً أحمق يعتقد أن هذا مثير جنسياً، برغم أن هذا المشهد يرتبط في ذهني بالمعلمة (عدلات) بتاعة المدبح فقط..


ما هي المتعة غير العادية في إمضاء ساعة تلو أخرى على المقهى وسط سحب الدخان والضحكات، والغريب أن هذا يمتد حتى صلاة الفجر يومياً.. وهذا يذكرنا بالعبارة الشهيرة التي بدأت تظهر في الصحف في السبعينيات:  


مئات الأمثلة تجعلني أتساءل: هل تغير رمضان حقاً وفقد مذاقه القديم الحبيب؟.. أم إنني تغيرت وذبلت براعم تذوقي؟.. ربما كان الاثنان معاً..


على الأقل ما زال الشيخ رفعت والنقشبندي بصوتيهما الأثيرين القادمين من عالم آخر.. ما زالا في مذياعي وأرجو ألا يقرر أحد إلغاءهما يوماً ما على سبيل التجديد.. ما زال صوتا عبد العزيز محمود وعبد المطلب يقولان: مرحب شهر الصوم مرحب.. ورمضان جانا. عندها فقط أتصالح مع الطفل في داخلي وأبتسم.


جزء من كتاب دكتور أحمد خالد توفيق: قهوة باليورانيوم

الأحد، 27 مايو 2018

لماذا يرى محمد بن سلمان الخصوم في كل مكان؟


لماذا يرى محمد بن سلمان الخصوم في كل مكان؟
مضاوي الرشيد
باحثة متخصصة في شؤون الجزيرة العربية
تعكس موجات الاعتقالات الثلاث التي أمر بها محمد بن سلمان حتى الآن إصابة الرجل بما يشبه جنون الارتياب، حيث لا يبدو أنه قادر على التمييز بين الصديق والخصم. وعلى الرغم من أنه يكاد يكون قد وصل إلى مستوى من الإجماع فيما يتعلق بارتقائه إلى العرش إلا أن محمد بن سلمان يتصرف كما لو كان منصبه ذاك لايزال بعيد المنال.

الشعور بانعدام الأمن

يمكن تفسير حملات الاعتقالات هذه على أنه ناجمة عن الشعور بانعدام الأمن، وآلية للقمع، أو استراتيجية لتجييش الجمهور في سبيل ضمان الموافقة على ما يتخذه من سياسات وما ينتهجه من أسلوب في القيادة، ناهيك عن شرعيته كولي عهد للعرش.

ولكن كل واحدة من حملات الاعتقال تستهدف أفرادا معينين بطريقة يبدو أن المقصود منها تكريس لعبة العروش التي تجري داخل البيت السعودي. وهذا يسلط الضوء على انعدام قدرة محمد بن سلمان على التركيز على تطوير الرؤية الاقتصادية التي تحدث عنها عندما نصب وليا للعهد. كما تعكس الاعتقالات رغبة شريرة في تعزيز السلطة من خلال القمع بدلا من الإجماع.

كان أول المستهدفين في حملة أيلول/سبتمبر 2017 جمهرة من الإسلاميين من مختلف التوجهات. اتهم هؤلاء جميعا بالترويج للإسلام الراديكالي (المتطرف) في الوقت الذي كان ولي العهد يسعى إلى الانتقال بالمملكة العربية السعودية إلى إسلام أكثر اعتدالا. وكان من بين المعتقلين عدد من أبرز علماء الدين والمفكرين بل وحتى الاقتصاديين ورجال الأعمال.

لم يكن التطرف أمرا مشتركا بينهم، وإنما وحدهم كمجموعة ترددهم سواء في الإشادة برؤية الأمير الاقتصادية أو التنديد بقطر واعتبارها مصدراً للإرهاب. وكان إضافة إلى ذلك، وبكل بساطة، ناقدين للسياسات التي يتبناها الملك سلمان وابنه.

وهؤلاء لا يمكن اعتبارهم سوى سجناء رأي، وليس بحال من الأحوال خونة كما وصمهم النظام بعد إلقاء القبض عليهم مباشرة. واشتملت قائمة المعتقلين على الشيخ سلمان العودة والشيخ عوض القرض، ولحق بهم اقتصاديون مثل عصام الزامل بالإضافة إلى العديد من الأكاديميين والصحفيين والشعراء.

موجات متعاقبة من الاعتقالات

لتبرير الاعتقالات، استخدم النظام التهمة المعلبة الجاهزة، ألا وهي الانتماء إلى منظمة الإخوان المسلمين المحظورة. ومن التهم الأخرى التي باتت وصمة متكررة فيما تبع ذلك من اعتقالات تهمة "الاتصال مع كيانات أجنبية"، والغرض منها القضاء على أي صوت ناقد، بغض النظر عن مصدره، سواء جاء من طرف الجهاديين الراديكاليين أو من طرف الإسلاميين الذين يطالبون بالدستورية الملكية أو من طرف رجال الأعمال والاقتصاديين.

كانت موجة الاعتقالات الثانية مدهشة وأكثر استعراضية، حيث كانت الشخصيات التي تعرضت للاعتقال والمكان الذي اعتقلوا فيه كلاهما من خارج المألوف. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2017، ألقي القبض على شخصيات بارزة مثل متعب بن عبد العزيز، رئيس الحرس الوطني في المملكة العربية السعودية، ورجل الأعمال الملياردير الوليد بن طلال، والعديد من أبناء النخبة الاقتصادية والإدارية، وجمعوا جميعا واعتقلوا داخل فندق ريتز كارلتون الرياض ذي الخمسة نجوم.

وصفت حملة الاعتقال تلك بأنها إجراء لمكافحة الفساد بهدف تخليص المملكة العربية السعودية من الذين هدروا أموالها خلال الفترة السابقة. ولكن في غياب تام لأي محاكمات علنية ودون التقدم بأي أدلة ضد المتهمين ليطلع عليها الجمهور، ثم خضوع عدد من السجناء للضغوط ودفع كل واحد منهم فدية لضمان إطلاق سراحه، بات من الصعب جداً بلع الرواية الرسمية.

كان ذلك إجراء متعمدا بهدف القضاء على منافسي ولي العهد وخصومه داخل العائلة وخاصة من بين أبناء عمومته وكذلك لمعاقبة الأثرياء منهم وحرمانهم من قدر كبير من امتيازاتهم في وقت كانت الحاجة فيه ماسة إلى تمويل الكثير من المشاريع.

إلا أن تلك السردية الشعبوية المتذرعة بمكافحة الفساد كانت تلقى رواجا وقبولا لدى كثير من السعوديين الذي عانوا من الفساد وباتوا من ضحاياه، وخاصة حينما كانت القطط الكبيرة تستغل مواقعها داخل الحكومة أو ما تتمتع به من امتيازات لهدر مزيد من الأموال.

كان السعوديون على استعداد لتصديق الرواية والإشادة بولي العهد لاستهدافه أقاربه في حملة مكافحة الفساد. ولكن، في الثاني من مايو أيار ورد خبر مفاجئ باعتقال شاب من عائلة آل الرشيد في الكويت وترحيله إلى المملكة العربية السعودية، ومعروف أن آل الرشيد كانوا يحكمون إمارة حائل في شمال ما بات الآن يعرب بالمملكة العربية السعودية إلى أن هزمهم آل سعود في عام 1921.

كان هذا الشاب هو ابن عمي نواف الرشيد البالغ من العمر تسعة وعشرين عاما، وهو ابن طلال، الشاعر الشهير الذي اغتيل في ظروف مريبة في الجزائر بينما كان في رحلة صيد في عام 2003. لم يكن طلال، والد نواف، مجرد شاعر مشهور بل وشخصية أدبية ذاع صيته في كل أنحاء الخليج وما بعد الخليج، حيث كان شعره النبطي (أو ما يسمى أحياناً بالشعر البدوي) يلهب المشاعر ويطلق العنان للخيال في أذهان كثيرين ممن كانوا يفهمون مضامينه التي تشير إلى أحداث الماضي البعيد.

وهو حفيد عبد العزيز الذي حكم حائل في مطلع القرن العشرين، ولذلك كان الشاب نواف يحمل على عاتقه عبء التاريخ وتلاحقه لعنة الاسم والسلالة، التي يقال إن فرائص آل سعود ترتعد لها. بعد اغتيال والده انتقل نواف للعيش مع والدته القطرية وحصل على الجنسية القطرية.

كان نواف قد دعي من قبل قبيلة شمر في الكويت للمشاركة في أمسيات شعرية، وفعلا شارك فيها على مدى ثلاثة أيام حيث ألقى قصائده، وذبحت على شرفه الذبائح وشهدت الأمسيات عروض رقص بالسيوف.

ينبغي فهم مراسيم الضيافة التي أقيمت على شرف نواف ضمن سياق الموقف الذي تتبناه قبائل مثل شمر في أراضي الصباح. لربما أرادوا بذلك توجيه رسالة إلى زعيمهم بأنهم مازالوا أصحاب شأن وأن بإمكانهم تجييش الدعم وتحقيق التضامن القبلي.

ونظرا لأن كثيرين من أبناء شمر في الكويت هم من فئة البدون، الذين مازالوا يحرمون من حق الحصول على الجنسية الكويتية رغم وجودهم في البلد منذ زمن طويل وعاشوا فيها لأجيال متعاقبة، فقد نظمت القبيلة ما يشبه الاستعراض المسرحي لتوجيه رسائل محددة. ومع ذلك، فإن العديد من أبناء شمر يحملون الجنسية الكويتية ويتمتعون بحق المواطنة الكاملة ويشاركون في الانتخابات، وبعضهم فاز بمقاعد في البرلمان.

طمس التاريخ

من المؤسف أن يكون نواف قد استخدم من قبل العديد من الجماعات، كل لأغراضه الخاصة. طالب السعوديون بتسليمه لهم ووافقت الكويت على ذلك. ولقد أعلنت وزارة الداخلية الكويتية أنها، وتطبيقاً لبنود اتفاقية التعاون الأمني المشترك بين دول أعضاء مجلس التعاون الخليجي فقد سلمت نواف إلى المملكة العربية السعودية، حيث تم إلقاء القبض عليه واعتقاله.

وكان قد دخل الكويت بجواز سفر قطري، إلا أن ذلك لم يشفع له. يعكس التصريح الكويتي الغامض ما تتمتع به المملكة العربية السعودية من نفوذ داخل الكويت. في نفس الوقت تحرص قطر على إبقاء نافذة مفتوحة بينها وبين الكويت التي رفضت الانحياز إلى أي من أطراف النزع القطري السعودي بل وحاولت للتوسط بين الطرفين، ولكن دون جدوى.

لم يصدر عن القطريين بيان رسمي بهذا الشأن، وكل ما حصل أن منظمة قطرية لحقوق الإنسان وجهت انتقاداً لما فعله الكويتيون.

يعتبر اعتقال شاب بريء وغير مسيس من عائلة آل الرشيد، والذي يرتبط اسمه بفترة زمنية غابرة، نوعاً من الطمس للتاريخ. لربما خشي ولي العهد من أن تتمكن قطر من إعادة إنتاج قيادة بديلة وأن تنجح في تدشين حقبة جديدة من المزاعم القبلية والمزاعم المقابلة.

وهذا ما سعت إلى فعله السعودية نفسها حين حاولت إنتاج قيادة قطرية بديلة من خلال الترويج للشيخ عبد الله بن علي آل ثاني كبديل محتمل لحاكم قطر الحالي الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، إلا أن مشروعها وصل إلى طريق مسدود.

بالإضافة إلى ذلك، حينما نشبت الأزمة بين قطر والسعودية وبدأ الصراع بينهما في صيف 2017، نظمت مجموعات تنتمي إلى مرة وقحطان مهرجانات قبلية- ومعروف أن لهاتين القبيلتين امتدادات داخل قطر- واستمرت هذه المهرجانات بشكل منتظم إلى حين وذلك بهدف التنديد بأمير قطر. ويبدو أن المملكة العربية السعودية التي سعت إلى تجييش القبائل واستخدامها في صراعها مع قطر باتت تخشى أن تلجأ قطر إلى نفس الإجراء مستفيدة من وجود نواف داخل قطر.

وسعيا منها إلى قطع الطريق على مثل هذا التدخل في الشؤون القبلية فقد قامت المملكة العربية السعودية بكل بساطة باختطاف نواف، الذي لا يعرف مكان تواجده منذ الثاني عشر من أيار/مايو.

حركة أنثوية سعودية ناشئة

وأخيرا، وصلتنا هذا الأسبوع أخبار اعتقال سبع من النساء المناضلات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة وبعضهن محاميات. وفي تحرك غير معتاد ثم نشر صور النساء في الصحافة السعودية تحت عناوين تشيد بالقيادة السعودية التي تخلصت من هؤلاء الخونة الذين تخطوا الخط الحمر، خط الوطن المقدس.

كن هؤلاء الناشطات من أمثال عائشة المانع وعزيزة يوسف ولجين الهذلول يناضلن في مجال حقوق المرأة، ويطالبن برفع الحظر المفروض على قيادة المرأة للسيارة وبإلغاء نظام الولاية على النساء. أكبر المعتقلات سناً تبلغ السبعين من عمرها وأصغرهن في أواخر العشرينيات.

إنهن يمثلن حركة أنثوية سعودية مستقلة ناشئة، تجسر الهوة بين الأجيال وتجتهد في مجال نشاطها بدعم من قاعدة شعبية عريضة. لم تكن هؤلاء النسوة من حريم السلطان – من أنثويات الدولة اللواتي ينتظرن التعيين في مناصب عليا في الدولة ليشكلن علامات رمزية على ما يفترض أنه برنامج ولي العهد لتمكين النساء. وما كانت هؤلاء المناضلات ليتوقف نضالهن عند حد قيادة المرأة لجيبات التويوتا.

هل بدأ يشعر محمد بن سلمان بوجود حالة من عدم الارتياح داخل الصف الوهابي الموالي له بعد أن سمح للنساء بقيادة السيارات وبحضور الحفلات الموسيقية والتوجه إلى دور السينما؟ هل يرغب في استرضاء المؤسسة الدينية وطمأنتها على أنه مازال في صفها بوصفه مسلم معتدل يمنح النساء واحدا من حقوقهن باليمين ويسلبهن الحرية باليد الأخرى؟ لجأت الصحافة السعودية إلى لغة غامضة ولكنها في نفس الوقت ملغومة لتبرير حملة اعتقال النسوة، بما في ذلك وصمهن بالخيانة، ولعل هذا يعكس الرغبة في تجييش السعوديين ضد عدو أجنبي وهمي. هل يكون هذا العدو هو إيران، أم قطر، أم كليهما؟

طالما أن الضمير السعودي قابل للتلاعب بحيث يوهم بأن المملكة يجري استهدافها من قبل شياطين أجنبية وأنها تتعرض للحسد من قبل أعداء عازمين على تقويض أمنها ودينها ومصلحتها القومية، فالأمر في واقع الأهم لا يهم.

على الرغم من اختلاف المجموعات التي استهدفت خلال الشهور الماضية، فثمة خيوط مشتركة توحد بين حملات الاعتقال هذه. محمد بن سلمان عازم على نشر الرعب والقضاء على كل معارضة وردع المجموعات القبلية، ويريد أن يقضي في الحاضر على كل ما يذكر بالماضي البعيد، ويريد أن يحول دون أن يطفو هذا الماضي تارة أخرى على السطح، ويسعى إلى وأد حركة أنثوية شعبية قبل أن تتحول إلى حراك سياسي يطالب ليس فقط بحقوق النساء بل وأيضا بحقوق الرجال. في نهاية المطاف، من ذا الذي يقول بأن الأنثوية ليست حراكاً سياسيا؟

هذا المقال كتبه الراحل أحمد خالد توفيق قبل عامين

٢٥٠ ألف دولار أجر مُمثلة من ضيوف رامز جلال والمستشفيات تتسول المال لعلاج الأطفال! عن أسخف برامج رمضان كل عام



هذا المقال كتبه الراحل أحمد خالد توفيق قبل عامين


لا أتابع التلفزيون في رمضان أبدًا، كنوع من الاحتجاج الصامت على سيل المسلسلات المتدفق الرهيب. لكني أرغم في ساعة الإفطار على مشاهدة (رامز جلال) في برنامجه لأن الأولاد ـ مع كل مصر- يشاهدونه.

(رامز جلال) قصة حب عتيدة في حياتي منذ كان يخيف النجوم بالأسود ومطاردات قطاع الطرق، ألخ. وكتبت عن ذلك وأنا في حالة بالغة من الغيظ، قائلاً إن برامج استفزاز الناس وترويعهم بلغت درجة ألعن من كل ما شوهد من قبل، فإذا كانت الحلقة ملفقة فما جدوى ما يفعله؟ فقط يخدعنا بشكل مقزز سخيف، وإن كانت حقيقية فهو يروّع الناس بدرجة مستهترة شبه إجرامية. برامج هذا العام تلعب كلها حول السقوط من طائرة. في أثناء تصوير فيلم (منطقة الشفق -1983) سقطت طائرة هليوكوبتر بطريق الخطأ فأطارت مروحتها عنق بطل الفيلم (فيك مورو) وطفلين كان يحملهما، وهو دليل على أن (الهزار بيقلب بجد) حتى لدى الأميركان. وفي اعتقادي أنه ستحدث كارثة يومًا ما مع أحد هذه البرامج – ليس هذا العام بالضرورة – من ثم تتوقف نهائيًا.

الأهم أن تكلفة حلقات (رامز) هذا العام مبالغ فيها جدًا. الإنتاج ضخم لدرجة لا تصدق؛ بين ماكياج لاتكس معقد يجريه له خبراء أجانب ويستغرق حسب قوله أربع ساعات، وحفل صاخب في دبي، وضيف يقيم في فندق فاخر على حساب الإنتاج، وسكاي دايف مع حشد من الكاميرات التي تراقب المشهد، وحشد من التعليقات المتظرفة من (رامز) الذي يعتقد أن عليه إحداث أكبر قدر من الصخب والضوضاء والغازات كريهة الرائحة ليكون ظريفًا. لماذا دبي؟ لماذا يضع هذا الماكياج المعقد كأنه سيمثل في فيلم كوكب القرود؟.. أعتقد أن شاربًا وشعرًا مستعارين مع نظارة سوداء أشياء كافية جدًا لتغيير شكله. الأمر بذخ للبذخ كما نرى، ثم تقرأ في الصحف فاتورة الإنفاق فتجد أن الحلقة تكلف 660 ألف جنيه، دعك من تذكرة الطائرة وثلاثة أيام في فنادق فاخرة لكل نجم، وإيجار الطائرة 150 ألفًا في الحلقة، أما عن أجور الفنانين فتتراوح من 250 ألف دولار لباريس هيلتون، ثم نصل للفئة الوسطى (100 ألف جنيه) مع (محمد هنيدي) و(لوسي)، ثم تأتي فئة الفقراء مثل (صافيناز) و(حمدي الوزير) (50 ألف جنيه).

كل هذا جميل ما دامت الشركة تنتج من مالها، وتسدد ما عليها من ضرائب (لو كانت تسدد فعلًا).. وهي بالطبع تحصد من نقود الإعلانات ما يغطي تكاليف البرنامج ويزيد. لو كانت هناك ذرة خسارة لتوقف البرنامج منذ أول عام.

لكنك بين لقطات البرنامج وبين مشاهد التمثيليات ترى الإعلانات.. لا أنكر أن الإعلانات رشيقة ذكية غالبًا، ويضايقني ما يتخللها من مشاهد درامية تضيع الوقت. كالعادة هناك إعلانات الشاي وأجهزة التكييف وإعلان الإسكنشايزر – الذي أعتبره أروع وأذكى إعلانات العام – والبوتاجاز الذي ينفجر في وجوه الناس كلهم حسب كلام موقع (لا تشتر من هنا) على فيسبوك.. وهكذا، وهنا تبدأ إعلانات التسول.. كل جهات مصر تطلب الصدقة من المشاهدين. صدقة من أجل العلاج.. من أجل تمويل مستشفى جديد.. من أجل مشروع غذاء أو مشروع رسالة.. التلفزيون يقف مثل (أم آية) جوار المصرف أو على باب المطعم حاملًا طفلة سقيمة، وينظر لك في توسل وذلة، مرددًا: "كل سنة وإنت طيب.. مفيش حاجة للعيلة دي؟".

سوف ترى حشدًا هائلًا من الأطفال الذين فقدوا آباءهم، والأطفال الذين احترقت وجوههم، والآباء المصابين بالسرطان، والممثلات اللاتي يزرن دور الأيتام، والأطفال المصابين بعيب في القلب يمنعهم من اللعب..

السؤال الأول: كل هذا البؤس والفقر. بينما برنامج (رامز) ينفق الملايين على استفزاز الفنانين. فهل يمكن أن تنال هذه المستشفيات قسطًا من هذه الملايين؟

السؤال الثاني: كيف يعتمد النظام الصحي لبلد كامل على التسول وكرم الكرماء؟ ألا توجد خطة ما؟ مصر العظيمة التي أتخيلها فلاحة رشيقة فارعة، تلبس اليوم ثوبًا ممزقًا وشعرها منكوش مليء بالقمل، وتمد يدها مرددة: عشانا عليك يا رب..

السؤال الثالث: هل هذه التبرعات مراقبة جيدًا فعلاً؟ هل نسمع بعد أعوام أن تبرعاتنا استُغلت لتجديد غرف الإدارة وتركيب أجهزة تكييف؟

التبرع للمستشفيات عمل نبيل فعلًا، وقد كنت من أوائل من تبرعوا لمستشفى 57357 عندما دعوني لسباق الهجن في العريش منذ عشرة أعوام تقريبًا. وفي كل عام لا بد أن أتبرع لأحد هذه العناوين. المشكلة هي أنها تكاثرت كالخلايا السرطانية، ولم تعد تدري أي يد تدس فيها نقودك وسط كل هذه الأيادي. النقطة الثانية هي بذخ الإعلانات وتكلفتها العالية، ويبدو أن ما يجمعونه من تبرعات يقدمون به إعلانات، ما لم تكن هذه الإعلانات ممولة من الدولة أو أن القنوات الفضائية لا تتقاضى ثمن عرضها تطوعًا. هذا هو التفسير الوحيد عندي.

قرأت في جريدة الوطن أن د. شريف أبو النجا، مدير مستشفى سرطان الأطفال 57357 قال إن المستشفى هو الذي ينتج إعلاناته بنفسه، وقال إن الولايات المتحدة الأمريكية تحصل على 355 مليار دولار تبرعات في السنة، تنفق 63% منها على الصحة والبحث العلمي، ويستطيعون الحصول على هذه الأموال من خلال الإعلانات في الصحف وعبر القنوات التليفزيونية. 

وأوضح أنه إذا صرفت خمسة قروش على الإعلان فإن المستشفى يحصل بعدها على خمسين جنيهًا تبرعات.. 
هذا معناه حسب كلامه أن القرش يجلب ألف قرش. 
وقال إن شخصًا تبرع بـ5 ملايين جنيه هو وزملاؤه لأن ابنته تعالجت بالمستشفى وفضل معالجتها فيه بدلًا من السفر للخارج، وتبرعات أخرى من الإمارات وصلت لـ600 مليون جنيه، وغيرها الكثير.

يبدو أن كلام د. (شريف مقنع)، ولكن ما زلت أشعر بأن الأمور غير طبيعية. برنامج يصرخ فيه الفنانون ويرش رامز رائحة (الفســـ… ) في وجوههم وينالون الملايين، ومستشفيات تتسول المال وتنفق معظم ما تحصل عليه في عمل إعلانات تتسول بها المزيد، ودولة تركت مسئوليات العلاج للجهود الذاتية.
أعتقد أنني سأشاهد رامز جلال غدًا لأنسى مخاوفي وسط المقالب السخيفة والصراخ ورائحة الـ ……

أقرأ للكاتب

أحزان مضايا وتعز


في المعبد


عن العراب أحمد خالد توفيق


قراءة في كتاب قصاصات قابلة للحرق

السبت، 26 مايو 2018

فوق السلطة - دعاة ودعايات

فوق السلطة - دعاة ودعايات




انشغلنا بمتابعة عرس هاري، لأن الوضع مش تمام على التلفزيونات العربية.. المشايخ أصبحوا نجوم إعلانات، والرقّاصات تقدم برامج دينية، وبدل أن يدعوَكَ الشيخ إلى صوم رمضان، "موصّايين" على مشايخ يقولون لك: أفطِر رمضان.. لكن لماذا أجلت الراقصة الأستاذة سما المصري عرضَ برنامجها الديني؟

مع الدكتورعبدالرحمن السميط في رحلته الدعوية




مع الدكتورعبدالرحمن السميط في رحلته الدعوية






كيف واجه الدكتور السميط جهود المبشرين النصارى
 في أدغال إفريقيا و غيرها من العقبات





د عبدالرحمن السميط .. تجارب مضيئه من افريقيا


الجمعة، 25 مايو 2018

السيسي والهدهد في رمضان

السيسي والهدهد في رمضان

 وائل قنديل
مفردات الواقع المحسوس تقول إن نظام عبد الفتاح السيسي لم يعد يستشعر خطراً قادماً من أي ركن من أركان مجتمعٍ يرقد مثل جثة بلا حراك، أو نبض، بعد سلسلةٍ من الضربات ألزمت كل النمل مساكنه.
ومن ثم يصرخ سؤال مهم: لماذا يمارس شراسةً كهذه مع الكبار والصغار، واستئساداً على ما لا يمثل له تهديداً أو قلقاً، وخصوصاً أنه بدا، في ظهوره الأخير، وقد وصل إلى أعلى مستوىً من البارانويا، جعله يتحدّث بإحساس عميق بأن كل شيءٍ صار طوع أنامله، حتى أنه اقترب من أن يعلن إنه يعيش حالةً مثل التي كان عليها النبي سليمان (عليه السلام)، حين استدعى من النص القرآني"ففهمناها سليمان"؟.

يقف المنطق مندهشاً أمام هذا التوحش، استقبالاً لشهر رمضان، وتجلياته الممعنة في التنكيل والبطش، مع شخصيات مثل هشام جعفر، مثال الوداعة والرقي في الوسط الصحافي، وإسماعيل الاسكندراني، الباحث والصحافي الذي يقبع في الزنزانة منذ ثلاث سنوات، من دون تهمةٍ محددة، حتى 48 ساعة مضت، ليفاجأ الجميع بحكم قضائي، تم تخليقه بليل، بسجنه عشر سنوات، بأمر القضاء العسكري، وأخيراً اعتقال المدون وائل عباس من منزله فجراً واقتياده إلى المجهول، ناهيك عن فظاعاتٍ ترتكب بحق ذوي ضحايا مجهولين، أو أقل شهرة، لا تعرف مآسيهم طريقها إلى الإعلام، إلا في النادر جداً.

قبل هذه الموجة العاتية من التوحش، كان السيسي يصيح "ففهمناها سليمان" مكرّراً ثلاث أربع مرات "والله كله هيتحاسب"، فيما كان ينظر بخيلاء إلى"هدهد المخابرات"، وكأنه يعطي الإشارة لعفاريته المسخرة  لتنفيذ رغباته الجامحة بالتحرّك لاقتناص مزيدٍ من الضحايا، في غمضة عين، وفي اللحظة التي يطلق فيها سراح نخنوخه الكبير.
هنا، أنت أمام مرحلة انتقام عنيف من التاريخ، فيها كل من مر على ميدان التحرير، وكل من جاهر بانتمائه لثورة يناير مستهدف "والله كله هيتحاسب" أطلقها السيسي، وانتقلت إلى إعلامييه، فيحتفل أحدهم بالموجة الأخيرة من البطش، وكأنه يزفّ البشرى إلى شعب السيسي المختار: سنصطادهم واحداً تلو الآخر، لا شيء يوقفنا عن غرس مخالبنا فيهم، لن تخيفنا منظمات حقوق إنسان، ولن تردعنا معايير دولية بعد اليوم.

تردد هذا الكلام غير مرة منذ العام 2014 على ألسنة مسؤولي مخابرات متقاعدين، وإعلاميين ناطقين برغبات السلطة، من خلال التلويح بملف ضخم عنوانه "القضية 250"، حيث خرج مسؤول مخابراتٍ سابق في حوار صحافي قبل أربعة أعوام، ليعلن "أن كل من اشترك أو ساعد أو دعم في هدم البلد من بداية ثورة 25 يناير 2011، اسمه وارد في هذه القضية، وسيُحاسب، ومصر هتاخد حقها منه، ومش معنى أنهم متسابين لحد دلوقتي أنهم مش هيتحاسبوا كويس أوي".
وكان واضحاً، منذ البداية، وكما دوّنت ذلك مبكراً، إن الأرجح أن القضية برمتها، فكرة عبد الفتاح السيسي شخصيا، وتأليفه وكتابته السيناريو وإخراجه وإنتاجه.
 والآن، يستأنف الكلام عن القضية، بالتزامن مع التجهيز لإطلاق النسخة السيسية من الأحزاب الفاشية والنازية، كما عرفها تاريخ القرن الماضي، حيث كل شيء مباح باسم الحفاظ على الدولة من أعدائها الأوغاد، الذين هم الداخل، وليس الخارج، كما كرّرها السيسي مراراً، وبالتالي بدأت مرحلة الاستئصال والتطهير والاقتلاع لكل من لا يردّد أناشيد الغيستابو النازي وشعارات الترانسفير الصهيوني.
وفيما تنطلق "دواعش السيسي" معبرةً عن حالة جوع وعطش لالتهام مزيدٍ من الأعداء، لا يبخل بعض من يعتبرون أنفسهم ضد الانقلاب بتقديم ألوانٍ من الدعم والإسناد، عن طريق نصب منصات الشماتة والتشفي والفرح بقطع رؤوس المختلفين معهم، وكأنهم، في لحظةٍ، يعبرون عن الامتنان للمقصلة هاتفين "افرم يا سيسي"، في مجتمع يفطر أمناً ويتغدّى ويتعشى أمناً، ولا مجال فيه لكلامٍ عن ديمقراطية وحريات وحقوق إنسان.. ثم تندلع معركة حامية الوطيس بين "شامتين في الشاتمين" و"شاتمين في الشامتين"، فيما الأوغاد يضيفون ضحايا جدداً من الطرفين على لوائح الافتراس والانتقام، لتمر فضيحة حضارية، مثل تهريب الآثار في الحقائب الدبلوماسية إلى إيطاليا، وكأنها شئ عادي.

بعد ذلك السؤال مرة أخرى: لماذا الآن، وبهذه البشاعة؟
هناك من يرى أنها مرحلة ما قبل وقوع زلزال كبير، مركزه صفقة القرن، حيث المطلوب من نظام السيسي تنازلات مروعة، تتجاوز في خطورتها ما قدّمه أنور السادات للمشروع الأمريصهيوني، وبالتالي يزيل من طريقه أي مصادر محتملة للاعتراض والتجريس.

غير أن الظن الأغلب أن هذا النظام وصل في الوحشية إلى مرحلة التلذّذ بالانتقام الباطش، والإدمان على التعذيب والإيذاء، مطمئناً إلى أنه ليس ثمّة مجتمع دولي، أو منظمات أممية، يمكن أن تلجمه. 
على أن الأكثر مدعاة للدهشة أن لا مقاومة هناك، الكل مستسلمٌ، منتظراً دوره في قائمة الانتقام.