‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد خالد توفيق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد خالد توفيق. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 19 أكتوبر 2022

مفكرو الأمة

 مفكرو الأمة

د/ أحمد خالد توفيق

موظف قبض راتبه وركب الحافلة المزدحمة ليصل إلى بيته وكان في الحافلة لص سرق منه نقوده

وعندما طلب المحصل ثمن التذكرة لم يجد الموظف في جيبه شيئاً
فاحمرّ وجهه خجلاً وإرتبك لسانه
فقال له المحصل مستهزئاً
عيب عليك
تحسب روحك محترما ولا يوجد في جيبك ثمن التذكرة؟!
ضربت النخوة اللص وقال للمحصل المستهزئ
أخي.. ثمن تذكرة الأستاذ على حسابي
فابتسم الموظف الشريف وقال للّص
الله يبارك بك ويكثر أمثالك يا سيدي
وأخذ بعض الركاب يمدحون اللص ويثنون على أخلاقه العالية
ويدعون له بأن يبارك الله فيه ويكثر من أمثاله
ومنذُ ذلك الحين وأعداد اللصوص في إزدياد
ومازالوا يتلقون منا الشكر والتقدير
و لازلنا نحن في الحافلة
يسرقنا اللصوص ونشكرهم !! "
د/ أحمد خالد توفيق

الثلاثاء، 16 أغسطس 2022

ديمقراطية

ديمقراطية


د.أحمد خالد توفيق

أتعلم أنني غسلت يداي من الديمقراطية من سنة 1988 كان يومها يوم الخميس وكنا جالسين على مائدة العشاء أنا وأخواتي الستة وأمي وأبي ..
أبي قال : غدا يوم عطلتكم أين تذهبون لبيت عمكم او لبيت خالكم ؟
كلنا اتفقنا نذهب لبيت عمي ماعدا امي قالت سنذهب لبيت خالكم وبما أن الأغلبية صوتنا لبيت عمي .. الموضوع انحسم وانتهى ،
في صباح يوم الجمعه استيقظنا وجدنا امنا تضحك وقالت: هيا بدلوا ملابسكم حتى نذهب لبيت خالكم ، وابي تظاهر انه يقرا بالجريدة ولا علاقة له بالأمر .
ومن يومها عرفت ان الديمقراطية والنزاهة كذبة .
واﻷمور تحاك بالغرف المظلمة بعيداً عن اصوات الشعب النائم .
د.أحمد خالد توفيق

الجمعة، 11 ديسمبر 2020

قصص قصيرة مرعبة ..

قصص قصيرة مرعبة ..



 د : أحمد خالد توفيق

هذه مجموعة من قصص الرعب القصيرة جداً (مايكروفكشن)، التي وجدتها على النت وترجمتها لك، هناك مثال شهير جداً يعرفه الجميع حول آخر رجل حي على ظهر الأرض.. وجد كوخاً فدخله.. هنا سمع قرعات على الباب! بعض هذه الأفكار ذكي ومخيف فعلاً:

القصة الأولى: رأيت كابوساً مزعجاً ثم أوقظني ما بدا لي كأنها دقات. بعد هذا لم أعد أسمع إلا صوت التراب وهو يغطي التابوت ليكتم صرخاتي.

القصة الثانية: هناك صورة على هاتفي المحمول تظهرني نائمًا.. الحقيقة هي أنني أعيش وحيدًا.


القصة الثالثة: قالت لي: «أنا عاجزة عن النوم»، وانسلت في الفراش جواري. صحوت شاعرًا بالبرد فوجدت في قبضتي الثوب الذي دفنوها به.

القصة الرابعة: دسسته في الفراش فقال لي: «بابا.. تأكد من أنه لا توجد وحوش تحت الفراش». نزلت لأنظر تحت الفراش لأرضيه.. فرأيته!.. رأيت واحدًا آخر منه تحت الفراش، يقول لي همسًا وهو يرتجف: «بابا.. هناك شخص ما في فراشي».

القصة الخامسة: تعود للبيت منهكًا بعد يوم عمل طويل، فتتأهب للاسترخاء وحدك. تمد يدك لمفتاح النور لكن يدًا أخرى موجودة هناك.

القصة السادسة: لا أستطيع الحركة ولا التنفس ولا الكلام ولا السمع، والظلام دامس طيلة الوقت. لو عرفت أن هذه الوحشة تنتظرني لطلبت أن يتم حرقي بدلاً من دفني.

القصة السابعة: أنا لا أنام أبدًا.. لكني أستيقظ طيلة الوقت.

القصة الثامنة: ابنتي لا تكف عن البكاء والصراخ طيلة الليل. زرت قبرها لأطلب منها أن تتوقف لكن هذا كان بلا جدوى.

القصة التاسعة: بعد يوم شاق عدت للبيت، فوجدت حبيبتي السابقة تحتضن طفلي وتهدهده. لم أدر ما هو المرعب أكثر.. أن أرى حبيبتي الميتة تهدهد طفلي الذي ولد ميتًا؟.. أم فكرة أن هناك من اقتحم شقتي ووضع الاثنين هناك؟

القصة العاشرة: صحوت من النوم على صوت قرعات على الزجاج. ظننت أن هذه هي النافذة حتى أدركت أن الدقات تأتي من وراء المرآة مرة أخرى.

القصة الحادية عشرة: آخر ما رأيته هو عقارب المنبه تشير إلى 12:07 بعد منتصف الليل قبل أن تولج هي أظفارها الطويلة المتعفنة في صدري، بينما يدها الأخرى تكتم صراخي. صحوت منتفضًا في هلع.. وأدركت أن هذا كان مجرد حلم. هنا رأيت أن عقارب المنبه تشير إلى 12:06 وسمعت صوت خزانة الثياب تنفتح بصرير.

القصة الثانية عشرة: تربيت وسط قطط وكلاب فاعتدت سماع صوت الخدش على بابي وأنا نائم. لكن اليوم وأنا أعيش وحدي تبدو هذه الأصوات مقلقة.

القصة الثالثة عشرة: بعد كل الزمن الذي عشته وحدي في هذا البيت، فإنني أقسم لك أنني أغلقت أبوابًا أكثر بكثير من تلك التي فتحتها.

القصة الرابعة عشرة: سألتني: «لماذا أتنفس في نومي بهذا الصوت الثقيل؟». لم أكن أفعل ذلك.

القصة الخامسة عشرة: أوقظتني زوجتي ليلة أمس لتخبرني أن هناك لصاً متسللاً في البيت. لقد قتلها لص متسلل للبيت منذ عامين.


القصة السادسة عشرة: كنت على يقين من أن قطتي عندها مشكلة في تصويب نظرها. تبدو دائمًا كأنها تحملق في وجهي . ذات يوم أدركت أنها كانت تنظر دائمًا لشيء يقف خلفي.

القصة السابعة عشرة: لا شيء يفوق ضحكة رضيع.. هذا بالطبع ما لم تكن الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وأنت في البيت وحدك.

في نعيم الجهل

في نعيم الجهل 


 من كتابات د : أحمد خالد توفيق

نُشر في: 17 / 1 / 2016

للخال الأبنودي قصيدة شهيرة جدًا اسمها (أحزان عادية) يمكن سماعها هنا. لكن المقطع الذي أعنيه يقع عند 7:20 دقيقة. ويقول فيه المقطع العبقري: 

“ربنا مديه جهل غانيه عن كل العلم”.


هذا هو باختصار شديد تأثير (دوننج – كروجر).

تم وصف هذا التفسير عام 1999 في دراسة قام بها عالمان نفسيان في جامعة كورنيل بنيويورك، وبرغم قصر الدراسة فإنهما نالا جائزة نوبل بعد ذلك. العالمان هما ديفيد دانينج وجوستين كروجر. وكان هذا بعد ما ضبط مجرم مصارف اسمه ويلر .. هذا اللص بلغ درجة خارقة من الغباء، إذ قام بسرقة المصرف بعد دهان وجهه بالليمون . الفكرة هنا – كما خطر له – أن الليمون يستخدم في الحبر السري، لذا فإن دهان الوجه به يجعلك شفافًا !.

قام العالمان بدراسة عن الغباء لدى البشر، وقد وجدا أن الأشخاص الأغبياء الذين لا يتقنون مهارة معينة، لا يدركون مدى افتقارهم للمهارة ولا يدركون مدى جهلهم، ولا يميزون المهارة لدى الآخرين، ويدركون افتقارهم لتلك المهارة فقط بعد ما يتم تدريبهم جيدًا عليها.

أذكر أن ابني في سن الخامسة كان يؤكد في ثقة أنه قادر على قيادة غواصة. كنت أسأله كيف يقود الغواصة فيثب في الهواء ويقول (تس !). هذا الغرور مقبول – بل مستحب – من طفل في الخامسة، والمهم ألا ينمو معنا هذا الشعور، لترى رجلاً في الأربعين يعتقد أنه يستطيع قيادة غواصة لو قال (تس).

قال العالمان إن الأمر يشبه الشخص الذي يعاني خللاً في المخ، وهذا الخلل يجعله عاجزًا عن إدراك خلل وجود خلل. عجزك يفقدك القدرة على أن تدرك عجزك. المثال الذي يحضرني هو عندما يحدث حرق من الدرجة الثالثة. يتفحم الجلد ومعه الأعصاب .. النتيجة هي أن المصاب لا يشعر بألم. احتراق الجلد جعل الجلد لا يشعر باحتراق الجلد !

يقول الشاعر الجميل الذي سرقه الطب من عالم الشعر د.(رءوف رشدي) في قصيدة قديمة له:
“مأساتك انك تدرك مأساتك !”

هذا بالضبط عكس ما نتكلم عنه هنا. مأساتك أنك لا تدرك مأساتك.

كل محدودي الذكاء أو غير المهرة يشعرون بفوقية شديدة وتعال على الآخرين. الأشخاص الأذكياء يشعرون دومًا بعدم الرضا عن النفس وبأنهم ليسوا بهذه البراعة، ولربما حسبوا ان ما يقومون به ببساطة هو شيء سهل يقوم به أي واحد آخر. تذكر الفيلسوف اليوناني الذي قال : “إني أعرف اني لا أعرف”. يقول كونفوشيوس: “المعرفة الحقيقية هي أن تدرك مدى جهلك”.

ويقول برتراند راسل: “مصيبة عصرنا هو أن من لا يفهمون يشعرون بالتفوق، بينما الأذكياء فعلاً تملؤهم الشكوك”.
هكذا العالم .. كلما ازداد علمًا وذكاء ازداد تواضعُا وشكًا في علمه. القصة الشهيرة التي يحكونها عن الخليل بن أحمد الفراهيدي العبقري، عندما تحرش به طالب علم وقح، ووجه له سؤالاً بدا بسيطًا للطلاب. لكن الخليل ظل صامتًا ثم قال: “لا أحسن إجابة هذا السؤال !”.

لما انصرف الطالب الوقح تصايح طلاب الخليل في غضب: “لو تركت لنا أن نجيب عنه لأفحمناه”، لكنه قال لهم: “لو قال لكم كذا فبم تردون ؟”.. قالوا : “بكذا” .. قال: “وعندها لو قال لكم كذا فبم تردون ؟”. صمت الطلاب وقد أدركوا أنهم بلغوا طريقًا مسدودًا فعلاً. العالم الحقيقي كان أقل غرورًا منهم.

الصورة التالية تلخص نظرية كروجر: عندما تصل قلة الكفاءة بغير الأكفاء درجة أن يجهلوا عدم كفاءتهم !”

وهنا: لماذا يتمتع الجهلة بكل هذه الثقة في آرائهم ؟

مشكلة الجهلة انهم لا يفتقدون الأذكياء ولا يهتمون بغيابهم. لهذا أطاحت المقصلة بعنق لافوازييه وأحرق تايكوبراه، ولم ير أحد مشكلة في هذا . لو لم تسمع عن الأناناس ففيم يضيرك أن يختفي من العالم؟. عندما اقتحم العامة مقر علماء الحملة الفرنسية دمروا كل شيء وأحرقوا الخرائط، بل أنهم أحرقوا مخطوطات ثمينة جدًا من القرآن الكريم، فمن الذي رأى هذا كله وتمزق قلبه حسرة ؟ الجبرتي طبعًا.

يمكنك أن ترى نماذج لهذا الغرور في كل مكان. معظم الناس راضون عن انفسهم فعلاً. شاهد هذا الكليب أو هذا ، وإن كان هذا النوع من الاستجواب في الشارع مربكًا يؤدي لتعطل تفكيرك للحظات طبعًا.

يعتقد معظم الناس أنهم يحبون الفنون التشكيلية، فيشترون صورة البطة السابحة في ترعة أو الطفل الباكي أو المرأة التي تلثم ثعبانًا، فإذا اختاروا أثاثًا اختاروا الذي نقشت عليه صورة روميو وجولييت أو المرضعة. هذا هو الفن عندهم وهم راضون عنه جدًا، ويسخرون منك لو قلت إن هذا نوع رديء من الفن.

كنت آخذ جهاز الكاسيت لمحل متخصص في إصلاح أجهزة الكاسيت. أكتشفت بعد أسبوعين من المعاناة أن صاحب المحل يعرف أشياء كثيرة عن كل شيء باستثناء إصلاح الكاسيت. إذن لماذا اخترت هذا النشاط البشري بالذات يا أخي ؟ . لأنه يجهل قدراته الحقيقية .
هناك محافظ محترم قال مؤخرًا إن إسرائيل لو هاجمتنا بالصواريخ فإن الريح ستحمل الصاروخ لأرضهم. شاهد اللقطة هنا.
هناك بالتأكيد حالات استثنائية . أشخاص يشعرون أنهم أذكياء وهم أذكياء فعلاً.

رأيت هذا الكليب لتوفيق عكاشة وهو يوضح أن الله أعطاه درجة عالية من الذكاء، ويعبر عن ذكائه بعبارة عبقرية هي أن (الله منحني ذكاء لم يستطع منحه لأي واحد من البشر). بصرف النظر عن تحفظي على هذه الجملة العجيبة (الله سبحانه لا يستطيع) التي أفلتت منه، فإن توفيق عكاشة شديد الذكاء فعلاً. غيّر تفكير الشعب المصري لعشرين عامًا ونال ما يريد بالضبط ووصل للبرلمان. إن تأثير (دوننج كروجر) لا ينطبق على هذه الحالة. 

الأبنودي لم يسمع عن طوننج وكروجر، لكنه لخص المبدأ كله بعبارته العبقرية التي يصف بها غرور الضابط وجهله وتوحشه: “ربنا مديه جهل غانيه عن كل العلم”.


الأربعاء، 9 ديسمبر 2020

مش سعيد

 مش سعيد 


د : أحمد خالد توفيق

نُشر في 22 أكتوبر 2014

ولأن الفقر يؤذي النفوس ويجعل المرء أقل تسامحًا، فإن الناس تنبهر بالأثرياء وتحسدهم لكنها كذلك تسعد جدًا عندما تحدث لهم كارثة ما.

ليس كل الحقد منصبًا على المليونيرات وأصحاب اليخوت. يبدو أن كل أمثلتي تتعلق بالسمك هذه الأيام!. كان صاحبي يمشي في السوق يومًا فرأى رجلاً من الطبقة المتوسطة يقف غارقًا في العرق والشعور بالرضا، وهو ينتظر إتمام شواء خمسة كيلو جرامات من السمك البوري المشوي غالي الثمن، كأنه فارس ينتظر العودة بالغنائم لمضارب قبيلته. 

وقف عدد كبير من الفقراء يرمقون المشهد في حسد برغم أن الرجل صاحب السمك لم يبتعد عن طبقتهم كثيرًا، وهنا رأى صاحبي رجلاً من هؤلاء الواقفين يقترب ويرمق السمك في غل وكراهية ثم يقول:

ـ”هذا سمك مزارع!. عديم اللون والرائحة والطعم!”

كأنه يقولها ليرضي نفسه ويشعر صاحب السمك بالتعاسة. هنا انفجر فيه صاحبي غيظًا. ومالك أنت؟ هذا الرجل دفع مبلغًا باهظًا ليدعو أهل بيته ورفاقه للغداء، وأنت تريد أن تعكر صفوه بأي شيء. لم يطالبك أحد بأن تدفع ثمن هذا السمك أو تأكله. إنما ما يحدث هو نموذج صارخ للفقر القبيح الذي يورث النفس كراهية.

قال (تشارلي شابلن) حقيقة قاسية هي أن 80% من البشر فقراء، ولهذا يحبون أن يروا الأثرياء يفقدون كرامتهم في السينما. إعرض في فيلمك امرأة فقيرة بائسة تلبس الأسمال، تمشي ثم تتعثر في حجر. لن يضحك أحد وعلى الأرجح سوف يبكي بعض المشاهدين. والآن هات رجلاً بدينًا متغطرسًا يمشي بألاطة لابسًا بدله أنيقة، ودعه يتعثر على قشرة موز، ولسوف تضج قاعة السينما بالضحك.

يشعر معظم الناس بسعادة ساحقة عندما يتم القبض على هذا أو ذاك من المليونيرات، أو يتبين أن زوجته خدعته أو ما إلى ذلك. أما لو تبين أنه مريض بمرض عضال، يمصمص الناس شفاههم ويتمنون له الشفاء، لكنهم في قراره أنفسهم مسرورون جدًا.

لسان حالهم يقول: هؤلاء امتلكوا كل شيء، وعلى الأرجح لأنهم لصوص سرقوا ما لدينا، ولولاهم لكنا أكثر ثراء. مثلما تقول قصة البنسات الثلاثة لبريخت: ثروة الأغنياء هي بنسات الفقراء. يقول الفقراء لأنفسهم كما قلنا: هؤلاء امتلكوا كل شيء، لكنهم غير سعداء. إنهم تعساء وزوجاتهم تخونهم مع مستخدمين فقراء مثلنا، فهم لا يشعرون بكرامتهم. على الأرجح هم يعانون كذلك من عجز جنسي يفتقر لفحولة أي سائس سيارات منا، ويمرضون بأمراض خطيرة لا علاج لها.

هذه الفكرة يريح بها معظم الفقراء أنفسهم، على أساس عدالة توزيع السعادة. أفلام زمان الأبيض والأسود روجت لهذه الفكرة كثيرًا، وسوف تجد دائمًا نغمة: “من الأفضل أن تأكل جبنًا وبالك مرتاح من أن تأكل كبابًا وبالك غير مرتاح”. أو “لقد كنا سعداء عندما كنا فقراء. المال لا يجلب السعادة”.


ويصدق الفقراء هذا الكلام ويغيبون في النشوة. بالطبع كان باشوات ما قبل الثورة يهمهم جدًا أن يرضى الفقراء بحالهم ولا يتساءلوا او يثوروا. في مسلسل (علي بيه مظهر) الجميل الذي كتبه (لينين الرملي) وقام ببطولته الفنان (محمد صبحي)، يقول ممتاز الثري لصاحبه الفقير (على مظهر) :

ـ”صدقني يا (علي). برغم هذا الثراء كله فأنا. لست سعيدًا”

يضحك (علي مظهر) في مرارة ويقول:

ـ”تصدق أنا عاوز أبقى غني زيك عشان أقول الكلمتين الخايبين دول!. حقيقي يا جماعة انا مش سعيد”

المشكلة هي أن هناك دومًا الغني السعيد، والفقير التعس الذي تصيبه كل الأمراض والسرطان، بينما قد يستطيع الغني مثلاً أن يزرع كلية جديدة لو أصيب بفشل كلوي، أو يعالج السرطان في أفضل مركز بالخارج.

الأقسى أنه قد يكون هو الذي يعبث مع زوجة الفقير!.

المال لا يجلب السعادة لكنه كذلك لا يلغيها. هناك عشوائية تامة في توزيع السعادة في حياتنا الدنيا، لهذا ننتظر جميعًا العدالة الحقيقية في الآخرة.

في مجتمع حساس مثل مجتمعنا، حيث الفقر المدقع يتجاور مع الثراء الفاحش، يكون على الأثرياء المحظوظين القلائل التعامل بحذر شديد وحيطة منعًا لاستفزاز المشاعر. استعراض العضلات الاقتصادية يجلب لهم السخط ويدمر المجتمع تدميرًا. على الناس أن تحدث الآخرين بنعمة ربها، لكن عليها ألا تغيظهم بها!







الثلاثاء، 19 نوفمبر 2019

قاعدة الــ 99



قاعدة الــ 99 


سأل ملك وزيره:
لماذا أجد أن خادمي سعيداً أكثر مني في حياته ؟
وهو لا يملك شيئا وانا الملك لدي كل شئ ومع ذلك متكدر المزاج ؟
فقال له الوزير :
جرِّب معه قاعدة الـ 99 ،
فقال الملك وماهي قاعدة الـ 99 ؟
قال الوزير : ضع 99 دينارًا ذهبيا في صرة عند بابه في الليل
واكتب على الصرة 100 دينار هدية لك ، واطرق بابه
وانظر ماذا سيحدث ..
فعل الملك ما قاله له الوزير فأخذ الخادم الصرة فلما عدها قال : ( لا بد أن الدينار الباقي وقع في الخارج ) ،
فخرج هو وأهل بيته كلهم يفتشون ، وذهب الليل كله وهم يفتشون فغضب الأب لأنهم لم يجدوا هذا الدينار الناقص ..
فثار عليهم بسبب الدينار الناقص بعد أن كان هادئًا ..
وأصبح فى اليوم الثاني الخادم متكدّر الخاطر لأنه لم ينم الليل فذهب إلى الملك عابس الوجه متكدر المزاج غير مبتسم ناقم على حاله .
فعلم الملك ما معنى الـ 99 .
وهي أننا ننسى ( 99 نعمة ) وهبنا الله إياها ونقضي حياتنا كلها متكدرين نبحث عن نعمة مفقودة !
نبحث عن مالم يقدره الله لنا ،
وما منعها عنا الا لحكمة لا يعلمها الا الله ،
ونكدر أنفسنا وننسى ما نحن فيه من نِعم .
....
استمتعوا بالتسعة والتسعين نعمه ،
واسألوا الله من فضله واشكروه على نعمه التي لاتحصى ..

" وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ "

د/أحمد خالد توفيق

الأحد، 16 يونيو 2019

الروائي المصري أحمد خالد توفيق؟

الروائي المصري أحمد خالد توفيق؟
احتفل اليوم محرك بحث "غوغل" بالذكرى الـ 57 لميلاد الطبيب والروائي المصري الراحل أحمد خالد توفيق، الملقّب بـ"العراب"، والذي ألهم الشباب كيف يقرؤون.
ونشر "غوغل" صورة الكاتب الراحل في واجهة الموقع مصحوبة بمجموعة من أشهر شخصيات أعماله، وقد اشتهر بأدب الرعب والخيال العلمي.
"محمد" نجل توفيق وجه الشكر عبر فيسبوك لـ"غوغل" على تخليدها لذكرى والده بهذه اللفتة المميزة.
"العرّاب" في سطور:
  • ولد أحمد خالد توفيق يوم 10 يونيو/حزيران 1962 في مدينة طنطا بمحافظة الغربية في مصر، وتوفي أحمد خالد توفيق في الثاني من أبريل عام 2018 بأزمة قلبية مفاجئة .
  • تخرج في كلية الطب عام 1985، وحصل على الدكتوراه في طب المناطق الحارة عام 1997.
  • استقطب بأعماله الشباب المتعطش للقراءة بعيدًا عن السياسة وهمومها، وأطلق عليه محبوه لقب "العرّاب"، ويعد من رواد قصص الرعب والخيال العلمي في الوطن العربي بشكل عام.
  •  من أشهر إبداعاته: سلسلة ما وراء الطبيعة، وسلسلة فانتازيا، ورواية يوتوبيا، ورواية السنجة، ورواية إيكاروس، ورواية في ممر الفئران، ورواية شآبيب.
  • أيضًا ترجم عشرات الكتب والروايات، وله مقالات في بعض الصحف والمواقع الإلكترونية، ومن الروايات التي قام بترجمتها: نادى القتال، ديرمافوريا، عداء الطائرة الورقية، سلسلة رجفة الخوف.
  • تميز أحمد توفيق بأسلوبه السردي السهل، وهو ما عرضه للانتقاد، لكنه كان يرى أن الكتابة علاج لاضطرابات الكاتب النفسية لأنه يكتب لنفسه أولًا.
  • نال جائزة الرواية العربية في معرض الشارقة الدولي للكتاب في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 عن روايته "مثل إيكاروس"، الصادرة عن دار الشروق في مصر.بعض أبرز مقولات أحمد خالد توفيق:
    • أريد أن أجمع قدرًا من المال يكفي لعلاج الأمراض التي أصابتني أثناء جمعه!
    • أحب مباريات كرة القدم المعادة، حتى أقوم من البداية بتشجيع الفريق الذي سيفوز!
    • لكي تكون كاتبًا ساخرًا يجب أن تملك القدرة على السخرية من نفسك أولاً...! كل من لا يملكون هذه القدرة سخريتهم سمجة لزجة كريهة.
    • يبحث الرجل عن فتاة مهذبة طيبة جميلة وبنت ناس.. ما إن يجد هذه الجوهرة حتى يكافئها بأن يهديها نفسه!
    • انتهت صداقتنا ليس بمشاجرة أو موقف عنيف، وإنما هي حالة من القرف والملل التدريجي... ما ينتهي ببطء لا يعود بسرعة.. لا يعود أبدًا..!
    • الأرجح أن الشخص الحنون لا يفرق بين إعطاء الحنان وتلقيه... هذه ظاهرة عجيبة.
    • الرضا كوب من الماء الصافي.. يمكن لأي شيء أن يفسده.
    • الثقة بالنفس كلام فارغ.. سوف يدهشك كم الأشياء التي لا تعرفها أو لا تجيدها.. المهم أن تثق بقدرتك على أن تكون أفضل..
    • حتى اليوم انظر بانبهار إلى كل من تخرج في كلية الآداب باعتباره شخصًا خارقًا تلقى أسرار الكهنوت.
      العراب الروائي المصري أحمد خالد توفيق
    • ليتنا أنا وأنت جئنا العالم قبل اختراع التلفزيون والسينما لنعرف هل هذا حب حقًا أم أننا نتقمص ما نراه؟
    • لا يكفيك أن تنساها.. يجب كذلك أن تنسى أنك نسيتها!
    • أقسى شيء في العالم أن تقنع من تحبه بأن يحب الأشياء التي تحبها أنت!
    • تعريف التفاؤل؟ .. إذا قال القائد لجنوده إن العملية خطرة وإنه يتوقع أن يموت 99 من مائة منهم. فإن التفاؤل يجعل كل واحد ينظر لرفاقه دامعًا ويقول لنفسه: يحزنني فقد الرفاق!
    • الشجاعة العظمى هي ألا تخشى أن تبدو جبانًا! ألا يجرفك حماس الآخرين الأهوج الذي يدفعك لتكون منهم.
    • غريب هو ذلك العالم المتشابك الكامن تحت فروة رأسي.. أبدًا لن أتمكن من فهم ذلك الكائن الذي هو أنا.
    • اعمل الخير وارمه في البحر.. بشرط أن يراك أحدهم وأنت تفعل ذلك.. عندها سيخبر الآخرين أنك لا تفعل الخير فقط، بل وترميه في البحر أيضًا!
    • كان ملحداً متعصبًا.. وقد راح – أثناء مناقشتي معه - يقسم لي بالله العظيم أنه على حق!

    • المصدر
       
      الجزيرة مباشر
      مقالات الدكتور  أحمد خالد توفيق

    فليتألموا



    الأربعاء، 20 فبراير 2019

    يوتوبيا

     رواية يوتوبيا للدكتور أحمد خالد توفيق 

    الكتاب :يوتوبيا 
    المؤلف: أحمد خالد توفيق
    مقدمة
    كيف ستكون مصر عام 2023؟
    لقد عزَلَ الأغنياء أنفسهم في (يوتوبيا) الساحل الشمالي تحت حراسة المارينز الأمريكيين، يتعاطون المخدرات ويمارسون المتع المحرمة إلى أقصاها، بينما ينسحق الفقراء خارجها ينهش بعضهم لحم بعض من أجل العيش، دونما كهرباء أو صرف صحي أو رعاية طبية من أي نوع. ولكن حين يتسلل الراوي وصديقته (جرمينال) خارج (يوتوبيا) بدافع الملل وبحثا عن (صيد بشري)
    مناسب يحدث ما يهدد الوضع المستقر بالانفجار.
    فيما يشبه هول علامات يوم القيامة، تدق هذه الرواية المثيرة ناقوس الخطر، تكاد تشك إذ تنهيها أهي بالفعل رواية متخيلة، أم إن كاتبها تسلل من المستقبل القريب لينقل لك هوله بحياد مذهل؟

    قراءة عمرو النواوي

    رواية يوتوبيا يجب التوقف عندها كثيرًا، ليس فقط لروعتها ولكن للملكة الإبداعية الاستثنائية لكاتبها الدكتور أحمد خالد توفيق.
    ربما تكون من عُشاق الرعب فعرفت دكتور أحمد توفيق من خلال سلسلته المميزة (ما وراء الطبيعة)، أو رحلت في دنيا الخيال مع عبير عبد الرحمن بطلة سلسلة روايات (فانتازيا)، أو إلى أفريقيا السوداء مع دكتور علاء عبد العظيم حيث السلسلة المميزة المليئة بالمعلومات الطبية المثيرة (سافاري). والروايات المذكورة مناجم علمية مليئة بالكثير من المعلومات المتعددة المفيدة التي تلقي الضوء على عقلية موسوعية للكاتب، وإطلاع جم على الكثير من المصادر الأدبية والعلمية، وخاصة الأدب الإنجليزي وأدب الرعب الأمريكي.
    قريحة مثل هذه القريحة لن تهدأ ببعض السلاسل الأدبية المحدودة – على قيمتها العالية – كتلك المذكورة بأعلى، ولكن القلم مازال يحمل المزيد من الإبداع. وأحد إبداعات هذا القلم هو رواية يوتوبيا.

    الحبكة والفكرة العامة لرواية يوتوبيا

     على طريقة هربرت جورج ويلز في روايته المشهورة (آلة الزمن) ينطلق بنا أحمد خالد توفيق إلى المستقبل ليصف الوضع الذي ستصبح عليه مصر بعد أقل من 50 عامًا. تحليله للأحداث اقتصادي قائم على اختفاء الطبقة البرجوازية (الطبقة الوسطى) بشكل كامل، وازدياد جشع الرأسمالية بشكل غير مسبوق ليزداد الغني غنى، والفقير فقرًا، ولكن بشكل ثوري.
    إذ يحدث اختلال في المعيشة يؤدي إلى اختفاء الأنظمة الحاكمة وانقسام الشعب المصري إلى فئتين منفصلتين.
    الفئة الأولى هي فئة الصفوة، وأبناء وأحفاد الصفوة. وهي الفئة التي تملك كل الموارد التي تكفل لها حياة الملوك، وهي تُمثل عمالقة الرأسماليين الذين زاد ثراؤهم بشكل فاحش، وهؤلاء تم تجميعهم في مدينة منفصلة في الساحل الشمالي تُسمى (يوتوبيا). وسُميت المدينة يوتوبيالكم الرفاهية المتواجد بها، حيث كل المتع وسُبل الراحة متاحة، ولا يعمل أهلها – من الجيل الجديد من الشباب – في أي وظيفة إلا التمتع بكل ما منحته لهم الحياة بدون تعب. ويتم حمايتهم بقوات حماية أجنبية معظمهم من قوات المارينز المتقاعدة.
    الفئة الثانية وهي الفئة المطحونة من الشعب، التي تمثل أبناء وأحفاد موظفي الحكومة ومحدودي الدخل الذين لم يتمكنوا من الاستمرار في حياة تنهشها الرأسمالية بمبادئها الجافة. يُسمون “الأغيار” ويتواجد الكثير منهم في يوتوبيا لغرض خدمة السادة، ويتم التعامل معهم على أنهم لا شيء، فعرضهم ودمهم مستباح، ولا يوجد قانون واحد يحميهم، ولا يتم الاعتناء بهم أو رعايتهم بأي سبيل من السبل اللهم إلا إعطائهم بعض القروش التي تدفعهم إلى الاستمرار في خدمة سادة يوتوبيا.

    ملخص رواية يوتوبيا

    يعشق الدكتور أحمد خالد توفيق أسلوب الراوي المتحدث بلسانه وبرؤيته عما يجري حوله من أحداث. فتبدأ أحداث الرواية بالتوازي بين شخصيتين:
    الشخصية الأولى:
     لشاب من مدينة يوتوبيا ولم يذكر الدكتور توفيق اسمه، ولكن ذكر مجتمعه بالتفصيل، وعبّر عن نقطة تجاهل الاسم بجملة فريدة فقال:
    “من أنا؟ .. دعنا من الأسماء .. وما قيمة الأسماء عندما لا تختلف عن أي واحد آخر؟”
    تعريفيًا هو ابن رجل أعمال شديد الثراء اسمه مراد، وأمه تُدعى لارين.
    تبدأ أحداث الرواية على لسان الراوي بوصف حياة بالغة الثراء، شديدة الرفاهية، شديدة السفه، واستخدم معها كل ما يرتبط بعلو الشأن والمكانة من صيغ مبالغة.
    في يوتوبيا تستطيع عمل أي شيء وكل شيء تحلم به. تأكل أطايب الطعام، تتنزه في أرقى الأماكن، تشتري كل ما ترغب فيه ليس لحاجة ولكن لمجرد رغبة التملك والقدرة على شراء هذا الشيء ليس إلا، تضاجع من تحلو لك من الفتيات من سكان يوتوبيا، فلا رقيب عليك من أهلك، ولا رقيب عليها من أهلها.
    المخدرات يتم تداولها في يوتوبيا كما يتم تداول السجائر في المجتمعات الحالية، فترى الماريجوانا وLSD، والإكستازي شديدي التداول. أما أشهرها فهو مخدر يُسمى الفلوجستين، يفعل الأعاجيب بعقل من يضع قطرة منه على جلده.
    وكنتيجة طبيعية لإباحة كل شيء، فقد انتقلت النفس بتلقائية نحو الممارسات الشاذة من الأفعال، في الشكل والتصرفات، فلا عجب إذا وجدت سكان يوتوبيا الأصحاء الأشداء شديدي الوسامة يضاجعون الخادمات الأفريقيات العجفاوات. بل يتطور مستوى الفُجر ببعضهم ليبدأ في مضاجعة الأموات.
    وكنتيجة طبيعية لحياة كل شيء فيها مباح، فقد تحولت هذه الحياة أيضًا إلى حياة .. شديدة الملل.
    الملل هو العنصر الذي بُنيت عليه أحداث الرواية، ففي ظل هذه الأجواء المريحة، لا يوجد شيء مثير أكثر من …… القيام بعملية صيد.
    مصطلح “عملية صيد” يُشار إليه في الكتاب بأحط ممارسة أخلاقية تُحاك ضد أي إنسان. فهي تشير إلى قيام بعض الشباب بمغامرة في أرض “الأغيار” لقتل أحدهم، والعودة بقطعة من جسده كتذكار يتباهي به الصياد بين أقرانه كأحد الفرسان الذي استطاع اقتحام أرض العدو والعودة منها سالمًا، بل ومعه تذكار يُثبت نجاح مغامرته.
    كان نتيجة لهذا التباهي تنامي رغبة الصيد في قلب بطل الرواية، فيحث إحدى صديقاته المقربات – جرمينال – على بدء مغامرة في أرض الأغيار فتقتنع من باب الإثارة، وتبدأ المغامرة.
    الشخصية الثانية:
    تُمثل جابر الأعرج الذي فقد عينه في مشاجرة فاجتمع لديه العرج والعور ليصبح شكله مألوفًا لمواطن يحيا في بقايا مجتمع.
    المقدمة التي يتحدث فيها جابر عن نفسه ومجتمعه – بأسلوب الراوي كما هي العادة – تثير الشجن إلى أقصى حد. فبينما يصف جابر القاع الذي وصل إليه المجتمع في تلك المرحلة التخيلية، فهو فعليًا يصف حال الكثير من الشباب الذين ينهش الفقر في أحشائهم وأجسامهم بلا بارقة أمل في تغير الأوضاع – ولو بشكل طفيف – للأحسن.
    يصف جابر حياته بجمل متفرقة ترى فيها كم المعاناة الذي يحياه الفرد من الأغيار، بشكل وصل إلى أن العثور على كلب ضال يعتبر وجبة شديدة الثراء لمجتمع فقد مباديء الآدمية وحقوق الإنسان.



    جابر يعاني من مشكلة عويصة للغاية، وهو أنه لا يستطيع أن … يحلم. الواقع الكابوسي قتل أحاسيسه ومشاعره، فصار يتحرك بعشوائية كالحيوانات الضالة يجاهد بغريزته فقط كيا يحيا يومًا إضافيًا يتناول فيه بقايا جلد دجاجة، أو يدخن فيه سيجارة حشيش، أو تقع يده على جرعة من كنز الفلوك – اختصار الفلوجستين عند الأغيار – فينتقل بتأثيره الانتشائي من أرض الأغيار إلى أرض الأحلام.
    يلتقي البطلان بعد محاولة المواطن اليوتوبي – بطل القصة والراوي الأول فيها – الاعتداء على فتاة ليل من الأغيار، وقبل الاتصال بقوات المارينز يهجم عليهما جمع من الأغيار، وتكاد مذبحة أن تقع، ولكن يتدخل جابر لإنقاذهم، واتقاء شر هذا الجمع الغفير عن طريق إغرائهم بجرعة من الفلوجستين كانت بحوزة الغريبين.
    تستطيع أن نقول أن القصة الحقيقية تبدأ هنا، فمنذ هذه اللحظة تتجلى عبقرية وإبداع الدكتور أحمد خالد توفيق في تفسير العلاقة المعقدة التي تقع بين الطرفين وكيف ينظر كل منهما إلى الآخر. وقد حرص الكاتب على صنع توازن في العقلية الثقافية بين البطلين، فكلاهما مثقف وواسع الإطلاع ويقرأ بنهم، أي أن القدرات العقلية تكاد تكون متماثلة.
    بداية من هذا الجزء يعمد جابر إلى إبقاءهم أطول فترة ممكنة في عالم الأغيار، لكي يرى أبناء الكبار كيف تحيا بقايا الطبقة الكادحة من الشعب المصري، بينما الطرف الآخر مُنَعّم لا يدري شيئًا عنها.
    فيصطحبه إلى منزله، ويشرح له طبيعة الحياة، ويعثر له على عمل، ويتلكأ في تهريبهم على الرغم من سهولة هذه العملية على جابر.
    من الناحية الأخرى يزداد اشمئزاز واحتقار المواطن اليوتوبي على جابر وما يصنعه معهم وبهم، وإن تظاهر بالعكس حتى ينال مبتغاه.

    رأيي في رواية يوتوبيا للدكتور أحمد خالد توفيق

    القصة تحوي الكثير من المشاهد التي يمكنك استنباط آلاف المعاني منها، والوقوف على كل مشهد منها لقول الكثير والكثير عنه، وتفسيره بأكثر من معنى. هذه الرواية لا تكفيها مرة واحدة للقراءة، بل أنت في حاجة إلى العودة إلى قراءتها كل فترة، وخاصة بعد كل تغير مجتمعي يحدث حولك.
    القصة سيفهم معناها جيدًا من أمكنه التجول في عالم الفقراء شديدي الفقر، والأثرياء فاحشي الثراء، وسيشعر بقرب شديد من حدوث هذه الكارثة.
    أما الكاتب العبقري، فقد انتزع مشاهد من الحياة الواقعية من مصادر موثوقة، وقام بلصقها في صفحات الرواية في مواضع مختار بعناية، وكأنه ينزعك من إثارة الأحداث الوهمية المتسارعة، ليلقي بك في إثارة حقيقية مرعبة، تشير إلى الوضع الحقيقي الذي نحياه، والمصير الكارثي الذي ينتظرنا.


    يوتوبيا رواية مسموعة تأليف الدكتور أحمد خالد توفيق




    يوتوبيا - ملخص كرتونى لرواية الدكتور أحمد خالد توفيق


    الأربعاء، 14 نوفمبر 2018

    #امريكا


    أحمد خالد توفيق

    قد تتفق أو تختلف مع هذا الكلام إلا أنه جدير بالقراءة
    #امريكا

    من الخصائص المهمة في الإمبراطورية الأمريكية كونها تقدم ـ كما يقول الأستاذ هيكل ـ نمطًا معيشيًا وثقافيًا بالغ الجاذبية.

    إنها الإمبراطورية الأولى في التاريخ التي تستعمل هذا النوع من السلاح، وفي الماضي كان من السهل أن تمقت الإمبراطورية الرومانية بكل رموزها؛ فلم تكن كتابات ماركوس أوريليوس أو خطب بلليني الأكبر تتسرب إلى دارك، أما اليوم فأنت تشتم الولايات المتحدة ثم تقضي الليل كله مع فيلم أمريكي شائق.

    يذكر أبناء جيلي أيام الحرب الباردة حينما كان الماركسيون يعدونك بجنة البروليتاريا التي ستتحقق بعد الكثير من الدم والعرق والدموع، بينما كان الأمريكيون يقدمون لك بالفعل جنتهم الصناعية ذات اللون والطعم والرائحة، حيث تسبح الحسناوات الشقراوات في بحار البيبسي كولا بينما يرقص ميكي ماوس ويحلق سوبرمان في الجو. إنه (العالم الحر)… تلك اللفظة الأمريكية الاستعمارية التي سادت لتصف كل ما ينضوي تحت جناح الولايات المتحدة خارج الستار الحديدي، أما ما وراء الستار الحديدي فحفنة من الجنرالات الساديين المصابين بالشذوذ الجنسي والذين يتكلمون الإنجليزية (المكسرة)، ومواطنون لا يرغبون في شيء إلا الفرار إلى العالم الحر.

    في فيلم وثائقي بريطانيًا عن احتلال العراق، وكان المراسل البريطاني يختبئ مع المارينز خلف دبابة بينما طلقات المقاومة تنهمر عليهم..
    هنا قال أحد رجال المارينز دعابة ليزيل التوتر، لكنها تستدعي وقفة عميقة: " تصور أننا لم نقصف قط أية مدينة فيها (ماكدونالد) ؟! ". وقد اندهش المراسل البريطاني لهذه المعلومة التي ثبت أنها حقيقية.

    إن ماكدونالد رمز استعماري قوي يعني أن هذه الدولة غير مارقة، وله ذات ثقل القنصلية البريطانية في الماضي..
    بل إن ظهوره في بلد ما يعطيها نوعًا من صكوك الأمان ضد الغزو. ولهذا لا نندهش كثيرًا عندما نعرف أن الصين اعتبرت البطة دونالد عميلة للمخابرات المركزية ومنعت دخولها البلاد لفترة طويلة إبان الثورة الثقافية.

    إن الثقافة الأمريكية ـ على مستوى القراءة أو المشاهدة أو الطعام ـ هي أمضى سلاح في ترسانة الحرب الأمريكية، والولايات المتحدة قادرة بالفعل على فرض أولوياتها الثقافية .. إنها الدولة الوحيدة التي تشتمها وأنت تستمتع بأفلامها وتتلذذ بمشروبها الشهير.

    أنت تشعر بأن من يرتادون محلات الوجبات الجاهزة الأمريكية لا يفعلون ذلك لأنهم يحبونها، بل لما يحظون به من (ممارسة للأمركة) على أرض وطنهم، وهم يدفعون ثمن هذه الممارسة غاليًا .. إن هذه المحلات لا تبيع طعامًا لكنها تبيع جوًا وطقوسًا وهي تعرف هذا .. يلبس الشاب (الكاجوال وير) مع كاسكيت البيزبول المقلوب على رأسه، ويحمل شطيرة الهامبورجر وفي اليد الأخرى كوب البيبسي يبرز منه الشفاط فيشعر بأنه واحد من هؤلاء السادة في مانهاتن، ويا حبذا لو استعمل لفظة Shit مع كل عبارة ..

    باختصار هم يرتادون هذه المحلات لكي يكونوا من القوم الذين يرتادون هذه المحلات ..
    لماذا صار الشباب يصافحون بعضهم على طريقة High five أي تلك المصافحات العالية التي يستعملها لاعبو السلة الأمريكيون ؟…
    لماذا يلبس الشباب القلنسوات الصوفية على غرار الزنوج الأمريكيين مطربي (الراب) ؟

    عندما أشاهد أفلام الأمريكيين وحلقاتهم الكوميدية من طراز كوميديا الموقف Sitcom أجد غريبًا جدًا أن يفهم المواطن العربي هذه المواضيع أو يتذوقها لكن هذا يحدث..
    مشكلة الفتى المراهق الذي لا يستطيع مواعدة Dating أية فتاة في الصف ..
    مشكلة الفتاة في الذهاب إلى حفل الرقص السنوي ..
    مشكلة الطفل الذي لا يحقق أهدافًا في لعبة البيزبول ..

    ثم الدعابات السمجة: " أطرف شيء حدث لي في طريقي لهذا الحفل ..تصوروا أنني لم أجد زيتونًا للمارتيني! " فينفجر الجمهور ضحكًا ومعه يضحك (عباس) أو (حلمي) من فرط طرافة الموقف.. لا زيتون للمارتيني؟ .. يا للسخرية!.

    ثم الكلام عن " بطل الكلية الذي يزن مائة رطل وطوله ستة أقدام .. " فتحاول أنت جاهدًا فهم ما يمثله هذا بالمتر والكيلوجرام .. ثم يظهر مقدم حفل الأوسكار الذي مهمته هي التّظَارُف ـ ستيف مارتن غالبًا ـ ليقول لنا : " لقد شعرت كأنني في رون هوارد شو ! .." هنا ينفجر الجمهور ضحكًا ويوشك على الاختناق .. أنت مطالب بأن تعرف ما تعنيه هذه الدعابة أو تختنق ضحكًا مع الجمهور..

    حتى على مستوى مجلات الأطفال ، لماذا لا يتزوج دونالد صديقته ديزي أبدًا ؟.. إنه يحاول الفوز بحبها ومن جديد ندخل في نطاق (المواعدة).. لكن ولا كلمة عن الزواج .. أين الآباء والأمهات في هذه القصص ؟..

    ويلاحظ من يتابع الأفلام الأمريكية الحديثة أن هناك نغمة تقديس واضحة لثلاثة أنماط من البشر : الزنجي واليهودي والشاذ جنسيًا ..
    راجع فيلم (أفضل ما يكون) حيث تجد ثلاثة الأنماط معًا.

    يسهل قبول العنصر الأول بشرط ألا يتحول إلى عنصرية مضادة، وإن كان العارفون ببواطن الأمور يؤكدون أنها مجرد قشرة سطحية تخفي عطن العنصرية .. يسهل قبول العنصر الثاني بشرط ألا يتحول إلى صهيونية أو تعصب أعمى .. أما العنصر الثالث فابتلاعه عسير جدًا.. لكننا نتعلم كيف نبتلعه بالتدريج، وعلى طريقة راسبوتين في ابتلاع جرعات متزايدة من السم يوميًا..

    إن الثقافة الأمريكية قوية إلى درجة أنها تخدر المواطن الأمريكي نفسه .. هذا المواطن الذي يمسك بعلبة البيرة الباردة ويلبس الكاسكيت بالمقلوب ويصلح هوائي التلفزيون لمشاهدة مباراة كرة القدم ..

    كرة القدم التي يلعبها على عكس العالم كله. وهو يؤمن فعلاً بأن أمريكا تقود العالم الحر وأن ديموقراطيتها هي النموذج الأعلى للشعوب الأخرى..

    هذا المواطن التعس الذي آمن بخطر الشيوعية، ثم بعد سنوات راح يتساءل: كيف قادنا ماكارثي إلى هذا كله ؟ …
    هل كنا مجانين ؟..
    ثم نسى الأمر برمته وحارب في فيتنام وبعدها بسنوات راح يتساءل كيف وصلنا لهذا ؟..
    كيف كنا بهذا الحمق ؟..
    ثم سرعان ما نسى وأرسل ابنه إلى العراق .. ولسوف يتذكر الأمر بعد عام أو عامين ليتساءل : كيف تركنا بوش يقودنا إلى هذا الجحيم ؟..

    بعد خسارة كيري أمام بوش قرأت رأيًا لأحد المواطنين الأمريكيين يقول: لقد كان كيري رائعًا في المناظرات .. لكننا نؤمن أن المناظرات لا تدل على شيء لهذا كان لابد أن يخسر !..

    تأمل معي منطق الأطفال هذا : من يفز في المناظرة لابد أن يخسر الانتخابات لأن المناظرات لا تدل على شيء!..
    إذن هل كان على كيري أن يخسر المناظرات ؟..
    وما جدواها إذن .. ؟..

    كائن مغرور ساذج مخدوع ..
    هذا هو المواطن الأمريكي ..
    المواطن الأمريكي المتوسط الذي ليس خبيرًا في مؤسسة (راند) وليس طبيبًا في (مايو كلينيك)..

    لكنه صار النمط الثقافي الأكثر جاذبية على ظهر هذا الكوكب،
    وصار على الشباب أن يفرح لما يفرحه ، ويقلق من أجل ما يقلقه حتى لو كان عدم وجود زيتون لشراب المارتيني..

    إنها العولمة التي وصفها د. (جلال أمين) بأنها تسري في اتجاه واحد: منهم إلينا .. بينما المفترض أن تسري في الاتجاهين .. لكن الأمريكي يؤمن أنه ليس لدى الشعوب الأخرى ما تقدمه له إلا فطيرة إيطالية جديدة أو وجبة مكسيكية أو أسلوبًا صينيًا جديدًا في التأمل ..

    لقد تغلغلت الثقافة الأمريكية في خلايانا وخلايا شبابنا بلا شك .. والمشكلة أن المقابل الفكري المتمثل في الاتحاد السوفييتي لم يعد موجودًا.. 


    كانت هناك سماء وأرض،
    وكان هناك أبيض وأسود،
    وكان هناك ماء ونار ..
    اليوم لم يعد لدينا إلا الأرض والأسود والنار..
    فلابد أن الناس في روسيا الآن يحاولون تحويل الرطل والقدم إلى الكيلوجرام والمتر، أو يبحثون عن زيتون لشراب المارتيني !
    ـــــــــــــ
    د. أحمد خالد توفيق
    من كتاب (دماغى كده)
    قراءة اون لاين

    الجمعة، 21 سبتمبر 2018

    كان يمثل !!

                               من روائع العراب                       
                           كان يمثل !!                

    بعد يومين من الزفاف جلست «هدى» في الفراش وقد أسندت ذقنها إلى ركبتيها مفكرة بعمق.. نظراتها مثبتة على «كمال» زوجها الذي صار كذلك من يومين، وكان ما زال نائماً

    لاحظت أن ذقنه نامية مما جعله يبدو كالسفاحين المكسيكيين في أفلام رعاة البقر.. وكان يلتهم تلك الأجسام الغامضة التي يأكلها النيام دائماً.. لاحظت كذلك أن جفنه لا ينغلق جيداً، لهذا ظل جزء من عينيه بادياً لعينيها وهو أبيض تماماً. صدره يعلو ويهبط كالمضخة وصوت الشخير ينبعث منه

    لاحظت كذلك أن إبهام قدمه كبير جداً ولا يتناسق مع بقية الأصابع. بعد قليل صحا من النوم فجلس على حافة الفراش وراح يمارس عملاً فريداً، هو أنه يهرش شعر رأسه ثم تنحدر يديه لتهرشا ذقنه محدثة ذلك الصوت المزعج (فريشت فريشت)

    نهض إلى الحمام.. لم تره يدخل الحمام قط أيام الخطبة، وقد بدا لها هذا عملاً غير رومانسي البتة. دقائق ثم سمعت صوت السيفون وانفتح الباب.. ها هو ذا يقف أمام مرآة الحمام وقد دهن ذقنه بالكريم .. يصفر وهو ينتقي موسى حلاقة مناسبة.. يبدأ في الحلاقة وهو يرمق كل ما يدور خلف ظهره عن طريق المرآة كأنه يقود سيارته

    عندما انتهى مشى والمنشفة فوق كتفه، كأنه راهب بوذي، ليجلس على مائدة الإفطار. وضع في طبقه طناً من الفول المدمس، وثلاث بيضات ثم جذب رغيفين.. لم ينس أن يقطع طناً من الجبن يضعه على حافة الطبق

    "هل يوجد بصل هنا؟"
    هكذا جلست شاعرة بالصدمة.. هي لم تتزوج هذا الرجل.. لم يكن هو الرجل الذي عرفته في الخطبة، والذي لم يكن يأكل أبداً بل يكتفي بتأمل عينيها.. الأسوأ أنه يعبث باللقمة في طبق الفول قبل أن يأكلها، ويتأمل البيضة في غرام قبل أن يدسها في فمه. طعام هذا الرجل يحتاج إلى متعهد تغذية لا إلى زوجة

    تأمل كيف يهشم البصلة بقبضته وكيف يضرب البيضة في جبهته كي يقشرها.. مستحيل.. لا بد أن هذا كابوس

    عندما عادت هدى إلى المكتب بعد شهر العسل، سألتها عن الزواج، فهزت رأسها وابتسمت بما يعني أن الأمور سيئة جداً

    قلت لها في قلق
    ـ"هل بدأ بتعاطي الماريجوانا؟.. هل يلعب القمار مع رفاق السوء كل ليلة وأرغمك على بيع مجوهراتك؟... كم زجاجة خمر يشرب قبل النوم؟"ـ

    هزت رأسها أنه لا شيء من هذا. لكن هناك ما هو أسوأ.. زوجها فظ وغير رومانسي بالمرة

    قلت لها في صبر
    ـ"المشكلة أن الأفلام العربية أفسدت تفكيرك.. رشدي أباظة يصحو من النوم بالبذلة وربطة العنق أو البيجامة المكوية.. كمال الشناوي لا تتبعثر شعرة من رأسه أبداً.. مهما حدث لعماد حمدي، فهو «جنتلمان» لا ينسى أن يفتح باب السيارة لشادية كي تركب.. أفظع شيء يمكن أن يحدث لأنور وجدي هو أن تسقط خصلة شعر على عينه"ـ

    ـ"كان كمال مثلهم وأكثر"ـ

    قلت لها في صبر
    ـ"ماذا تتوقعين ؟.. الناس يروننا ساعة أو ساعتين في اليوم، فنحاول أن نظهر بأفضل صورة ممكنة.. لا تتوقعي من خطيبك أن يبصق ويشتم ويصفعك ويمسك بزجاجة خمر يمشي بها مترنحاً لمجرد أن يكون صريحاً.. بالطبع نحن نمثل.. نتجمل أمام الناس، ثم يصير من حقنا التام أن نتعب ونتخلى عن أقنعتنا عندما ننفرد بأنفسنا. لو قلت لي إن زوجك ينام بالبذلة أو لا يأكل أو يمشي حاملاً باقة ورد طيلة اليوم، لأصابني الذعر وطلبت منك أن تأخذيه لطبيب نفسي"ـ

    قالت في قلق
    ـ"تصور .. هو أسبوع واحد وقد اكتشفت الكثير .. فماذا يأتي به الغد؟"ـ

    ابتسمت في رقة وقلت
    ـ"هذه مسألة متروكة للحظ... قد تكتشف الزوجة أن زوجها الرقيق هو في الحقيقة سفاح هارب أو يأكل لحم البشر.. ربما هو هتلر الذي فر من الحلفاء.. ربما هو مصاص دماء أو ميت منذ عشرة أعوام.. أو ربما هو مجرد وغد آخر.. كما قلت لك: لن تعرفي هذا إلا بعد عام على الأقل.. لا أريد أن أسبب لك توتراً.. فلنترك الأمور تمضي في مسارها الطبيعي إلى أن يعلن عن حقيقته السوداء التي أخفاها طويلاً"ـ

    الخميس، 20 سبتمبر 2018

    كلهم ناجحون

    كلهم ناجحون 

    د/ أحمد خالد توفيق

    كقاعدة لم ألق قط حتى اليوم عربياً هاجر للخارج وفشل
    صديقي هذا لم يكن طالباً متميزاً قط في أية لحظة من لحظات الدراسة.
     
    أذكر أننا كنا في مشرحة الكلية قبل امتحانات التشريح النهائية، فاقتحم المكان في حماسة حتى بلغ الجثة.. فأشار إلى شريان عملاق في البطن وتساءل
    ـ «ما اسم هذا الشريان؟»

    نظرنا له في عدم فهم وحسبنا أنه يمزح، ثم قلنا له أنه الشريان الأبهر (الأورطى)، وهو شريان معروف أعتقد أن أي صبي في العاشرة يعرفه.. لولا ما في ذلك من مبالغة لاعتقدت أن اسمه مكتوب عليه. فبدت عليه الراحة وقال وهو يتنهد
    ـ «هذه معلومات كافية لهذا اليوم!»

    ثم انصرف!... هكذا كانت دراسته طيلة الكلية، وهي دراسة لا توحي بعبقرية زائدة أوخفية. بعد التخرج أخبرنا أنه ذاهب ليجرب حظه في فرنسا.. قابلته بعد ستة أشهر فأخبرني بشكل عارض أنه قد حصل على درجة الدكتوراه في الطب، وأنه نائب مدير مستشفى عملاق في ليون

    قلت لنفسي: إنها تلك الطاقة الغامضة الموجودة لدى العرب، والتي تتفجر عندما يعملون في الخارج. صحيح أن الحصول على الدكتوراه من فرنسا خلال ستة أشهر أمر عسير التصديق، لكن من يدري أية قدرات غامضة لدى الإنسان العربي

    بعد هذا رأيت ذلك المطرب المغمور الذي قال إنه قدم عروضه في أستراليا، ووقف الأستراليون يصفقون له ساعتين متواصلتين، وبعضهم شرع في تعلم العربية ليغني بذات اللغة الساحرة، ثم نال وسام الشرف من ملكة أستراليا.. هل هناك ملكة في أستراليا؟.. يؤكد للمذيعة أنها من دول الكومون ويلث وبالتالي هي مثل إنجلترا في كل شيء

    هناك صديق لي اختفى منذ عشرة أعوام، ثم عاد ليؤكد أنه يملك أكبر دار نشر في كندا.. وهل لديك خبرة بالنشر؟ لا.. لكنه أقنعهم هناك أن عنده خبرة واسعة بالأمر.. هكذا عهد له الكنديون بدار نشر مفلسة فجعلها أهم دار نشر في العالم.. هل قابلت ستيفاني مايرز؟ طبعاً... هل قابلت ستيفن كنج؟ إنه متضايق مني لأني لم أتصل به منذ عام.. هل قابلت هارولد مكنزي؟.. طبعاً.. أقول له إنه لا يوجد كاتب باسم هارولد مكنزي، فيقول في استخفاف: بالطبع هناك واحد.. واضح أنك لا تتابع الأدب العالمي على الإطلاق وإنني لمندهش

    الصديق الآخر طبيب.. إنه في صراع نفسي شديد لأن مدير مايو كلينيك توسل له كي يبقى معهم وأن يصير المدير من بعده.. بلغ الأمر بالمدير الوقور أن جثا على ركبتيه وانفجر باكياً.. يقول صاحبي في أسى
    ـ «تصور أن يقبل هذا الرجل العظيم أناملك كي توافق على البقاء؟.. فعلاً صراع نفسي شديد.. شديد.. شديد!»

    ـ «ولماذا لم تبق يا أخي؟»

    يقول في كبرياء
    ـ «أنت تقول هذا؟.. كنت أحسبك أكثر انتماء للوطن!»

    كل من يذهب للخارج ينجح نجاحاً ساحقاً ويثير انبهار الغربيين.. لا أحد يفشل أبداً.. هذه هي القاعدة التي تعلمتها

    هناك مشككون مغرضون يقولون إن معظم هذه القصص كذب.. من المستحيل التأكد منها، وهناك مثل مصري يقول: «اللي يعرف خالي يقول له»، بمعنى أنه لا أحد يعرف الآخر في الخارج ويمكن لأي واحد أن يزعم أي شيء.. لا يمكن أن تبلغ بك درجة الحماس أن ترسل لوزارة الثقافة الكندية تسألها عن دور النشر هناك، أو ترسل لمدير مايو كلينيك تسأله عن اسم نائبه الحالي. لكني أرفض أن يبلغ بي سوء الظن هذا الحد

    لهذا أحجمت عن السفر للخارج أو العمل هناك. ماذا سيكون شأني وماذا أقول لأولادي لو فشلت؟ وكيف أنظر للمرآة عالماً أنني العربي الوحيد الذي لم يستطع نيل وسام الملكة، أوالفوز بمنصب مدير مايو كلينيك، أو الحصول على الدكتوراه في ستة أشهر؟

    كلهم ناجحون عباقرة.. فلن أسمح لنفسي بأن أكون الفاشل الوحيد بينهم

    يقول لي ذلك الشاب المتحمس: أريد السفر للخارج حيث البلاد التي تعرف قدري

    أقول له في جزع: ولماذا تريد أن يعرف أحد قدرك؟ لا داعي للفضائح

    لكني أعرف أنه سيسافر وبعد ثلاثة أشهر سيخبرني أنهم يريدونه رئيساً لوزراء أسبانيا، لكن وقته لا يسمح.. هكذا القصة دائماً

    نُشر في 18 سبتمبر 2010
    د/ أحمد خالد توفيق



























    السبت، 4 أغسطس 2018

    يا ليلُ الصبّ

    يا ليلُ الصبّ

    د.أحمد خالد توفيق
    إضاءات - 13 أكتوبر 2017



    عبد الفتاح السيسي في العاصمة الإدارية الجديدة، ومشاهد من افتتاح فندق «الماسة كابيتال»

    اكتسبت كلمة الصبّ معاني مضحكة بعد ما تكررت في بيانات الحكومة. 
    كل قرار يدمر اقتصادك، ويخسف الأرض بما في جيبك، ويفقرك هو في النهاية «يصب في مصلحة المواطن». 
    وهو تعبير لحق بأخوته سيئي السمعة على غرار «لا مساس»، و«الاهتمام بمحدودي الدخل». كل شيء صار «يصب في مصلحة المواطن» حتى الخراب والإفلاس، وحتى ارتفاع ثمن مكالمة المحمول 30% يصب.. وفاتورة الكهرباء تصب..

    الدعابة الأخرى ارتبطت بكارثة رفع الأسعار التي تحدث دائمًا يوم الخميس من كل أسبوع، وقد قرأت لأحد الظرفاء تعليقًا يقول في يوم خميس:
    فوّل عربيتك، اشحن موبايلك، خزّن سجايرك، غطّي مصلحتك وشوفلك حتة تستخبى فيها.


    يقول بعض المتفائلين أو المخدوعين أو المنافقين إننا لا نرى سوى السلبيات ونعترض على كل شيء، لكن الأمور تسوء فعلاً.. لا شك في هذا ومن لا يراه مغيب أو ثراؤه لا يسمح له برؤية محيط الفقر من حوله. مع مقولة إننا يجب أن نصمد ونصبر لنبني بلدنا، وهذا شيء قد نقبله لولا أنني أسمع هذه المقولة طيلة خمسة وخمسين عامًا والأمور تسوء بانتظام، وكل نظام حكم يقول إن تركته ثقيلة بسبب أخطاء النظام السابق.

    أقول: يجب أن تقدم لي شيئًا مقابل الصبر، ويجب أن تظهر بعض العدل لا أن تدلل طبقات بعينها. لا يجب أن يجوع أولاد حسنين كي يتمتع أولاد مراد بيه بالتصييف في الكوت دازير. 
    يجب كذلك أن تصغي للناس وما يقول الخبراء والمثقفون، أما طريقة الاستعلاء الأبوي، و«أنتم لا ترون الصورة كاملة» فقد مضى عهدها منذ زمن.

    هناك عبارات بالغة الذكاء والأهمية يقابلها المرء على شبكة الإنترنت. للأسف لم أحتفظ باسم صاحب تعليق رائع يقول فيه ما معناه:
    الثلاجة تالفة. سوف تشتري الدجاج فيفسد في اليوم التالي فتتهم البائع النصاب. تشتري لبنًا يفسد في ساعات فتتهم البقال اللص. تشتري خضرًا تتعفن بعد أيام فتشتم بائع الخضر. عليك أن تواجه الحقيقة: الثلاجة تالفة.. مهما حاولت فلا جدوى ما دامت الثلاجة تالفة.. التصرف الوحيد هو أن تصلح الثلاجة أو تبتاع ثلاجة جديدة.

    الحل الثالث الذي وجدته الحكومة هو أن تترك الثلاجة التالفة بما فيها، وتبتاع لنفسها – من جيب المواطن – ثلاجة جديدة باهظة الثمن يقتصر التعامل معها على الخاصة. 
    يمكنك بسهولة أن ترى بوادر هذا الحل: لا جدوى من إصلاح المستشفيات.. دعها كما هي وابنِ مستشفيات استثمارية. لا جدوى من إصلاح التعليم.. ابنِ مدارس لغات تتقاضى المصاريف بالدولار.

    لا جدوى من القاهرة كلها.. ابن قاهرة جديدة لتعيش فيها كأنك في منتجع في الكاريبي. لا جدوى من محاولة السيطرة على الأسواق.. اتركها تتولّ أمر نفسها حتى لو قرر الجزار أن يبيع اللحم بخمسمئة جنيه غدًا.. «اللي مامعاهوش مايلزموش». لا جدوى من إنقاذ الآثار.. دع دولة أخرى تتول أمرها.

    لا جدوى من إعادة تشغيل المصانع.. استورد كل ما تريد. لا جدوى من المواطنين أصلاُ.. فليغرقوا أو تأخذهم مصيبة، ومن يعترض هو عميل للإخوان ويكره مصر، ولتصدر الأمر لـ«العيال بتوع الإعلام» كي يمزقوه إربًا.

    لا جدوى من أن نجد مصدرًا للدخل القومي بعد ما دمرت السياحة والصناعة.. إذن فمصدر دخلك الوحيد هو المواطن. الطبقة الوسطى ذابت نهائيًا وصارت ضمن خط الفقر. في كل يوم يرتفع منسوب الماء ليبلغ آخرين. فقط اعتصر هذا المواطن واسحقه ثم اشكره على صبره الذي أذهل العالم. 
    قل له إن المواطن في أوروبا يدفع ضرائب عالية جدًا.. الرد على هذه النقطة جاهز، وهو أن تعطي مواطنك رواتب وخدمات وديمقراطية أوروبا.

    لو استمر الوضع كما هو أربعة أعوام أخرى – وهو على الأرجح سيستمر – فمن المستحيل أن تتحمل البلد، ولا مفر من الوقوف في طوابير معونات الأمم المتحدة للحصول على اللبن والقمح.

    وفي الوقت الذي يُطالب فيه المواطنون بالتبرع بجنيه والفكة لمصر، وفي الوقت الذي يقفز فيه سعر كل شيء برغم أن سعر الدولار هبط فعليًا، نجد صفقة سلاح مع روسيا، قيل إنها أضخم صفقة في تاريخ روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، ضد من هذا السلاح؟.

    ولمصلحة من يتم إنشاء العاصمة الإدارية باهظة التكاليف التي تقع في الصحراء، وبرغم هذا يتكلف فندق الماسة مليارًا؟ ومن أين تتم مكافأة لاعبي الفريق القومي؟ لماذا لا تتعامل بعدالة فتأخذ القدر الأكبر من الأغنياء؟ ولماذا لا تتقشف الحكومة بدلاً من كل هذا البذخ الذي تذهلنا نماذجه المستفزة كل يوم؟.

    كل هذا السفه في الإنفاق مقابل اعتصار كل قرش من المواطن الغلبان يحول المجتمع إلى بحر من العواصف.. ويجعل الأرض التي نقف عليها غير مستقرة بتاتًا.

    الحقيقة أن من يدخل الشبكات الاجتماعية يفاجأ بثورة عارمة وغضبًا مستعرًا على الحكومة ونظام الحكم، ومن المؤكد أن الحكومة تقرأ وتتابع ما يقال. هذا الغضب المخيف ينعكس على الحكومة نفسها، التي بدا واضحًا أنها تخشى تبعات تعاليها ورعونتها، وبدلاً من إصلاح الأمور واتباع نصائح الخبراء الشرفاء، فهي تتخذ سياسة انعزالية واضحة، حيث تتجه النية إلى الفرار في قلعة حصينة في الصحراء بعيدًا عن غضب الناس. قلعة يدفع الناس الغلابة ثمنها طبعًا.

    في النهاية يصب كل شيء في مصلحة الحكومة ومنافقيها. فلندعُ الله أن يتوقف الصبّ وأن تكف الحكومة عن الاهتمام بمحدودي الدخل قليلاً. بالتأكيد نحن مستعدون للتحمل من أجل بلدنا.. من أجل بلدنا وليس بلدهم.