الجمعة، 29 أغسطس 2025

فوق السلطة 456 ماذا فعل حاخام يهودي بفتيات قاصرات؟

 فوق السلطة 456 ماذا فعل حاخام يهودي بفتيات قاصرات؟


سلط برنامج “فوق السلطة” في حلقة (2025/8/29) الضوء على قضايا شغلت الرأي العام في منطقة الشرق الأوسط وأحدثت ضجة كبيرة.

بانر: فوق السلطة ترامب يشبه الصراع بين إيران وإسرائيل بمشاجرة الأطفال حلفاء حزب الله ينفضون عنه وخصومه يقاتلون إلى جانبه

ومن بين تلك القضايا، أفردت الحلقة مساحة للحديث عن الحاخام الإسرائيلي البارز حاييم أبرجيل الذي اغتصب قاصرات إسرائيليات، وقال عندما افتضح أمره "لقد فعلت كل ذلك بمباركة وإذن من الرب".

ولم يكتفِ أبرجيل بذلك، بل كان يجبر الفتيات على ممارسة الرذيلة فيما بينهن أمامه "تحقيقا لرضا الإله"، على حد زعمه، كما جاء في تحقيق القناة الـ12 الإسرائيلية.

وتبدأ أعمار القاصرات اللواتي اغتصبهن الحاخام من 13 عاما، إذ كان يقول لهن إن "اغتصابه لهن سر ديني لا يفهمه كثير من الناس، لذلك يجب التكتم"، كما عرض عليهن أموالا لشراء صمتهن.

وفي هذا الإطار، تساءل مقدم البرنامج نزيه الأحدب: "أي إله وأي دين هذا الذي يأمر باغتصاب الأطفال؟"، مضيفا "ماذا سيفعل هذا الوحش بأطفال غير اليهود إذا كانت هذه هي أفعاله مع أبناء رعيته؟".

ويتزعم هذا الحاخام مجموعة من الكنس اليهودية خلفا لأبيه الحاخام، ويقصده آلاف اليهود للاستماع إليه، كما أنه من مؤيدي مشاركة اليهود المتشددين (الحريديم) في الجيش الإسرائيلي، وأعلن انخراطه في العمل السياسي والترشح للانتخابات مع حزب ديني جديد.

واعترف أبرجيل لوالدي إحدى ضحاياه باغتصابه لها، ثم تراجع عن شهادته مع محاميه، في وقت تشير فيه تقارير صحفية إلى أن المحكمة الشرعية اليهودية لم تبدأ محاكمته بعد.

مواسم التنجيم والشعوذة

وفي فقرة ثانية، اهتمت الحلقة بمواسم التنجيم والشعوذة التلفزيونية، وقال مقدم البرنامج إنها لم تعد مقتصرة على رأس السنة.

وأضاف "عندما تفتح المنابر لكل عابر تكون النتيجة مذيعة تحدق عينيها بدهشة غريبة في وجه مشعوذة تخبر عن المستقبل ومصاير الدول، وهي لا تعلم إذا كانت ستعيش حتى الصباح".

وعرضت الحلقة مقطعا مصورا لمنجمة مصرية تحدد عبر "سلكين معدنيين" مصير الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فتجزم أنه لن يكمل ولايته الرئاسية الثانية.

كما عرضت لقطات من توقعات "المشعوذة" ليلى عبد اللطيف، ليعلق مقدم البرنامج بالقول إنها "تفتري على العقل والمنطق".

وتناولت الحلقة عددا آخر من المواضيع، ومن أبرزها:

  • تسونامي أمراض عصبية يجتاح جنود جيش الاحتلال.
  • مفكر يهودي شهير: قتل الأطفال صار هواية الإسرائيليين.
  • "ترامب واحد" هاتف ذكي جديد بـ500 دولار.

من جامع آيا صوفيا.. علماء المسلمين يوجهون رسائلهم للعالم أجمع

من جامع آيا صوفيا.. علماء المسلمين يوجهون رسائلهم للعالم أجمع

ياسين اكتاي


تستضيف جزيرة الديمقراطية والحرية منذ أسبوع مؤتمرا بالغ الأهمية؛ حيث يعقد 150عالما مسلما من 50 دولة، اجتماعات تشاورية مكثفة على مدار اليوم تحت عنوان "غزة.. 
مسؤولية إسلامية وإنسانية"، بتنظيم من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ـ الذي ينتمي معظم العلماء المشاركين إليه ـ ووقف علماء الإسلام في تركيا برئاسة الأستاذ الدكتور نصر الله حاجي مفتي أوغلو. 
ويعد انعقاد هذه المباحثات حول غزة في جزيرة الديمقراطية والحرية حدثا كبيرا بحد ذاته ويحمل دلالات عميقة.


فهذه الجزيرة كانت ذات يوم مسرحًا دُفعت فيه أثمان باهظة ومأساوية في سبيل الحرية، كما شهدت في الماضي أدنى مستويات الانحطاط البشري. 
واليوم، تتحول هذه الجزيرة إلى منبر يحتضن خطابات العلماء الحكيمة والملهمة من أجل الحرية، ودعواتهم الصادقة بشأن غزة، التي ترتكب فيها أبشع الجرائم بحق الإنسانية،.

ورداً على بعض الأصوات الجاهلة التي 
أولا أن هذه الجزيرة أُعيد تصميمها بالكامل منذ فترة، لتصبح شاهدًا حيًّا على مقاومة أعداء الإنسانية والحرية الذين حكموا سابقا، ولتحيي ذكرى كرامة الإنسان وتخلّدها. 
لقد تحولت الجزيرة إلى متحف للحرية، وأُنشئ فيها فندق ومركز مؤتمرات جميل، ينبغي على الناس زيارة هذا المكان ليشهدوا قصة عميقة الدلالة عن إحدى رحلات الإنسان من الحضيض إلى ذروة الكرامة الإنسانية.

هذا المكان ليس وجهة سياحية، ولا يُقصد للترفيه أو الاستجمام. ولعل الفرق بينه وبين مراكز المؤتمرات الأخرى هو أن الحاضرين يركزون بشكل كامل على هدفهم، إذ لا يوجد ما يشتت انتباههم. فهو ليس منتجعًا لقضاء العطلات أو الترفيه؛ ورغم أنه جزيرة، لا يوجد فيه شاطئ للسباحة، ولا أماكن للتسوق. ومن هذه الناحية يعتبر مركزًا مثاليًا مخصصًا لمن يهدفون إلى تحقيق أقصى استفادة من الاجتماعات والمشاورات.

وقد أمضى العلماء المسلمون أسبوعاً كاملاً في رحاب هذه الجزيرة، مستغرقين في نقاشات معمقة حول قضية غزة؛ فقد عاشوا مع آلامها صباحاً ومساءً، وكرّسوا جلّ جهودهم للتفكير في سبل نصرتها. غير أنّ النقاشات لم تقتصر على غزة وحدها، بل شملت أيضاً وضع الأمة الإسلامية ودور العلماء فيها، والإمكانيات المتاحة لهم. ومن ثمّ، شكّل الحديث عن غزة فرصة لمراجعة الذات والنظر في المرآة، تماماً كما يحدث في مختلف بقاع العالم.

لقد أصبحت غزة، بما تتعرض له من إبادة جماعية منذ 700 يوم، وبما تظهره من مقاومة شامخة ونبيلة، وبما يظهره العالم من عجز تجاهها، بمثابة مرآة لنا جميعًا.

ويستمر المشهد بثلاثة أبعاد متوازية منذ 700 يوم: يواصل الكيان الإسرائيلي الصهيوني العنصري ومرتكب الإبادة، فعل ما يليق به، بينما يستمر من يقدمون له الدعم اللامحدود في دعمهم. وفي الوقت الذي يقدم فيه النظام الصهيوني العالمي دعمه لإسرائيل، تتجلى خيانة القادة العرب يومًا بعد يوم بشكل أوضح. 
وعلى الضفة الأخرى، يواصل أهل غزة مقاومتهم ببسالة، وتواصل الشعوب التي تتألم بحرقة ولا يسعها السكوت عن هذا الظلم، بذل قصارى جهدها لوقفه.


إن عبارة "بذل قصارى الجهد" تُعَدّ كلمة مفتاحية في هذه القضايا بلا شك. ولكن حين يُبذل فوق الوسع ولا يتوقف الظلم، تبدأ الأحاديث بالهمس بأنه لا جدوى من تلك الجهود. 
ومن نافلة القول بيان مدى خطورة هذه الحالة النفسية بقدر ما هي غير ضرورية. 
فعدم بلوغ الجهود حتى الآن النتائج النهائية، لا يعني بحال أنّها كانت بلا أثر أو بلا قيمة. 
إذ يقول ربنا جلّ وعلا: «إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون».

في الواقع، ونتيجة للجهود المبذولة حتى الآن، باتت إسرائيل والنظام الذي يدعمها على شفا هزيمة تاريخية. 
فإسرائيل تسير بخطى سريعة نحو نهايتها. إن الانتقادات والاحتجاجات والمقاطعات التي تواجهها إسرائيل في جميع أنحاء العالم، في مجالات الإعلام والسياسة والأوساط الأكاديمية والثقافية، تُظهر كيف تم اختراق القباب الحديدية التي بنتها إسرائيل بعناية. لقد أصبحت غزة وفلسطين اليوم كلمتين مفتاحيتين لكل خطاب نقدي موجّه إلى النظام العالمي المهيمن، بل إنّ الحركات اليسارية العالمية نفسها وجدت في غزة مصدر إلهام جديد في مواجهتها لنظام الاستغلال السائد. وهكذا، يمكن القول إنّ إسرائيل تتجه بسرعة متزايدة نحو عزلة غير مسبوقة على الصعيد الدولي.

هذا الكلام موجه بالدرجة الأولى إلى أولئك الذين يحاولون تصوير الجهود المبذولة ضد الإبادة المأساوية في غزة كأنها بلا معنى. ولا يعني ذلك أنّ هذه التحركات تكفي وحدها لوقف آلة القتل الإسرائيلية، فهذا واقع لا ينبغي تجاهله.


وقد يكون مؤتمر العلماء المسلمين في "جزيرة الديمقراطية والحرية" فعالية من بين فعاليات كثيرة أُقيمت نصرة لغزّة، لكن النظرة التي تستخف بهذه المبادرات، إنما هي تعبير عن خطاب ساخر متهكّم، تُقلّل من قيمة أي جهد مبذول، وتشوّه صورته. ومثل هذا الخطاب لا يفضي إلا إلى شلّ الإرادة، وإطفاء الحماسة، ودفع الناس إلى العجز والجمود، حتى ينتهي بهم المطاف إلى حيث تريد إسرائيل وحكومتها.

هناك نوع غريب من اللغة النقدية يصل حتى إلى أقرب الناس إلينا، فيقولون مثلاً: 
«هل خطر ببالهم الآن فجأة بعد كل هذا الوقت؟» أو 
«ماذا سيفعلون لغزة وهم يتحدثون في الفنادق؟» أو «العلماء بعيدون جدًا عن الواقع».

أولًا: هذا ليس أول اجتماع أو نشاط يقوم به الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من أجل غزة، بل هو واحد من سلسلة فعاليات أخرى. فمنذ اليوم الأول، وعلماء الدين يتألمون ويسعون لفعل أي شيء لنصرة غزة.


ثانيًا: إن نصرة غزة ليست حكرًا على طرف دون آخر، فالجميع قادر على أن يقوم بدور ما، ولا ينبغي الاستهانة بأي جهد مهما بدا صغيرًا. لقد مرّ أكثر من سبعمئة يوم، والمجاهدون هناك لا يزالون صامدين، يدفعون بأرواحهم وأموالهم أثمانا باهظة. ولكن هم أنفسهم يطلبون من الجميع، في كل مكان، أن يبذلوا قصارى جهدهم، لذا لا ينبغي لأحد أن يلتفت إلى عبارات التثبيط من قبيل: "افعل هذا بدلاً من ذاك"، بل الواجب على كل فرد أن يبذل أقصى ما بوسعه حيثما كان.

إن ما يقوم به العلماء اليوم هو واجب عظيم، لا يستطيع القيام به سواهم. ومن خلال قيامهم بذلك، فإنهم يكملون حلقة مفقودة في العالم الإسلامي.

ثالثًا: كل واحد من هؤلاء العلماء له سيرة شخصية زاخرة بالنضال والتضحيات، ودفع ثمنًا باهظًا في سبيل الحق. كثيرون منهم سُجنوا من أجل قضيتهم، وفقدوا أحباءهم، واضطر بعضهم إلى العيش خارج بلادهم. هؤلاء ليسوا من "علماء السلطة"، ولكل واحد منهم قاعدة شعبية واسعة، ومتابعين ومحبين.

واليوم، بعد أسبوع من المداولات والمشاورات، سيُعلن هؤلاء العلماء نتائج اجتماعهم وتوصياتهم إلى الأمة الإسلامية وشعوبها وقادتها، وإلى العالم أجمع، عقب صلاة الجمعة في جامع آيا صوفيا.

إن الرسالة الأبلغ التي ستصل إلى الدنيا كلها، حتى لو لم يتحقق أي شيء آخر هي: أن للأمة الإسلامية علماء، وإن لهؤلاء العلماء كلمة مسموعة وموقفًا حاضرًا.
المصدر: يني شفق




برنامج تفاكر مع د. مصطفى المرابط

 برنامج “تفاكر”

مع د. مصطفى المرابط

انقلاب القيم : من دولة الأمة إلى دولة السوق 



حين يصبح المال سيّد الدولة والنخبة خادمةً للسوق، تنهار الحدود بين السياسة والربح، وتُزيَّف القيم باسم الكفاءة.
 يتساءل الدكتور مصطفى المرابط، رئيس مركز مغارب لدراسات الاجتماع الإنساني: 
هل ما زال هناك دور للنخبة في زمن تتحكم فيه الخوارزميات ويُزيَّن فيه الاستبداد بوجه ليبرالي؟

ويضيف: 
ألم تصبح النخبة أداة في يد رأس المال تزينه وتعبد الطريق له؟ 
أين تولد النخبة اليوم، وأين تتم عملية إعادة هندسة وظائفها وأدوارها؟ 
وهل يمكن أن تُولد نخبة من رحم الناس، لا من مختبرات السوق؟

حروب طرابلس: عندما كانت تدفع أمريكا الجزية

 حروب طرابلس: عندما كانت تدفع أمريكا الجزية

شريف عبدالعزيز

قد تندهش حين تسمع طرابلس تتردد في نشيد مشاة البحرية الأمريكية،

لكن ما الذي حدث هناك ليدوِّنوه في نشيدهم الرسمي؟

في مطلع القرن التاسع عشر، خاضت الولايات المتحدة الأمريكية أولى حروبها الخارجية ضد دولة عربية إسلامية هي ليبيا،من هنا تبرز معركة طرابلس كأول مواجهة مباشرة بين أمريكا والعالم الإسلامي فما الذي حدث؟

هل تعلمون أن النشيد الذي يتلوه مشاة البحرية الأمريكية يذكر مدينة طرابلس في إشارة للحرب البحرية التي خاضتها ليبيا ضد أمريكا في الفترة من ١٨٠١-١٨٠٥م والتي أدت بخسارة الأمريكان لأكبر سفن أسطولهم وهي السفينة (فيلادلفيا)، وجاء في النشيد:

من سهول مونتيزوما

إلى شواطئ طرابلس

نخوض حروب بلادنا

في الجو والبر والبحر

نقاتل من أجل الحق والحرية

أول حرب خاضتها أمريكا ضد دولة عربية إسلامية

قد يندهش القارئ إذا عرف أن أول حرب خاضتها أمريكا خارج قارتها، جرت بعد ثلاث سنوات، فقط، من إعلان استقلالها. ودامت أحداثها ما بين ١٧٩٩ و١٨٠٥، ضد دولة عربية إسلامية؛ وهي ليبيا التي كانت وقتها ولاية عثمانية تابعة لسلطان إسطنبول، بدأت الحرب حملة بحرية، ثم تطورت إلى حملة عسكرية برية لغزو الأراضي الليبية من جهة الحدود المصرية. وكان هدفها تغيير نظام الحكم القائم، في ليبيا، باسم “محاربة القرصنة”؛ وهو ما يماثل، في معناه، اليوم، شعار “محاربة الإرهاب”!

حين كانت سواحل المتوسط تحت سيطرة المسلمين

كانت الدولة العثمانية عام ١٧٧٦م تتشكل من عدد كبير من “الولايات” التي تتمتع بدرجة عالية من الحكم الذاتي وتنتشر في القارات الثلاثة القديمة، وتضم معظم أوروبا الشرقية حالياً، بالإضافة إلى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عدا المغرب، وهذا يعني بأن ٨٠% من سواحل البحر الأبيض المتوسط كانت خاضعة لسيطرة المسلمين، لدرجة أن الدول الإسلامية الإقليمية (الولايات) التابعة للدولة العثمانية، وبخاصة دول شمال إفريقيا، كانت تتعامل مع البحر المتوسط باعتباره بحيرة إسلامية، وتفرض جزية على الإبحار فيه، وهي ممارسة كان معترفاً بها كواقع عام ١٧٧٦م لدرجة أن بريطانيا ومعظم دول شمال أوروبا كانت تدفع الجزية لدول شمال إفريقيا. فهولندا كانت تدفع ٦٠٠ جنيه، ومملكة صقلية ٤ آلاف جنيه، ومملكة سردينيا ٦ آلاف جنيه، والولايات المتحدة الأمريكية تقدم آلات ومهمات حربية قيمتها ٤ آلاف جنيه و١٠ آلاف جنيه أخرى نقداً مصحوبة بهدايا قيمة، وتبعث فرنسا بهدايا ثمينة عند تغيير قناصلها، وتقدم البرتغال هدايا من أحسن الأصناف، وتورد السويد والنرويج كل سنة آلات وذخائر بحرية بمبالغ كبيرة، وتدفع مدينتا هانوفر وبرن بألمانيا ٦٠٠ جنيه إنجليزي، وتقدم أسبانيا أنفس الهدايا سنوياً.

عندما كانت أمريكا تدفع الجزية للمسلمين

لم يكن نظام الجزية يستثني أحداً بما فيها السفن الأمريكية التي كانت تدخل المتوسط. قبل عام ١٧٧٦ عندما كانت المستعمرات الأمريكية جزءاً من بريطانيا، كانت الجزية تدفع من قبل الأخيرة وتغير الأمر بعد الانفصال وإعلان الأمريكيين الاستقلال عن بريطانيا، حيث تَوجّب على السفن الأمريكية دفع الجزية للمسلمين.

ولأن الأمريكيين لم يكونوا قد امتلكوا قوة بحرية رسمية بعد، فقد انبرى المواطنون الأمريكيون وبخاصة التجار منهم لهذه المهمة، وقاموا بتجميع أسطول خاص (خلال الفترة من ١٧٧٦-١٧٨٣) وتشكيل قوة بحرية غير رسمية لمواجهة البحرية الجزائرية وحماية مصالحهم التجارية في المتوسط. غير أن الأسطول الأمريكي خسر معركته في المتوسط ومعها سائر سفنه التي تعرضت للغرق في المواجهة مع البحرية الجزائرية. وفي العام ١٧٨٤ تكررت عمليات الاستيلاء على السفن الأمريكية، فدفعت الحوادث هذه الكونجرس الأمريكي للمسارعة في تمرير قانون خاص بإنشاء الأسطول الأمريكي الرسمي عام ١٧٨٤ بهدف معلن هو حماية التجارة في المتوسط. غير أن الكونجرس أصدر أوامره في ذات الوقت للدخول في مفاوضات مع ولايات الشمال الأفريقي حول مسألة دفع الجزية.

حين خضعت أمريكا لشروط الجزائر

ولما كانت الولايات المتحدة عاجزة عن استرداد سفنها بالقوة العسكرية، وكانت تحتاج إلى سنوات طويلة لبناء أسطول بحري يستطيع أن يواجه الأسطول العثماني اضطرت إلى الصلح وتوقيع معاهدة مع الجزائر في ٥ سبتمبر ١٧٩٥م، وقد تضمنت هذه المعاهدة ٢٢ مادة مكتوبة باللغة التركية، وهذه الوثيقة هي المعاهدة الوحيدة التي كتبت بلغة غير الإنجليزية ووقعت عليها الولايات المتحدة الأمريكية خلال تاريخها الذي يتجاوز قرنين من الزمان، وفي الوقت نفسه هي المعاهدة الوحيدة التي تعهدت فيها الولايات المتحدة بدفع ضريبة سنوية لدولة أجنبية، وبمقتضاها استردت الولايات المتحدة أسراها، وضمنت عدم تعرض البحارة الجزائريين لسفنها. وقع جورج واشنطون أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية معاهدة صلح مع بكلر حسن والي الجزائر في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، بمقتضاها تدفع إلى الجزائر على الفور ٦٤٢ ألف دولار ذهبي، و١٢٠٠ ليرة عثمانية، وذلك مقابل أن تطلق الجزائر سراح الأسرى الأمريكيين الموجودين لديها، وألا تتعرض لأي سفينة أمريكية تبحر في البحر المتوسط أو في المحيط الأطلسي.

السلام الأمريكي مع المغرب ورحلة جورج واشنطن إلى اسطنبول

وفي يونيو ١٧٨٦ طلب الكونغرس من آدمز وجيفرسون وفرانكلين التوصل إلى السلام مع المغرب، وهو ما حصل بالفعل حيث تم توقيع معاهدة سلام مع حاكم المغرب تم بموجبها إطلاق سراح السفينة بيتسي مقابل جزية قدرها ٢٠ ألف دولار، كما أرسل الأمريكيون بعثة دبلوماسية إلى طنجة. كانت جورج واشنطن أولى سفن الأسطول الأمريكي التي تمخر في مياه البحر الأبيض المتوسط وكان ذلك في العام ١٨٠٠. والمثير هنا أنها لم تكن في مهمة عسكرية بل كانت تحمل جزية للجزائريين قدرها نصف مليون دولار. مع أن الجزائر كانت تتمتع وقتها بقدر واسع من الحكم الذاتي إلا أنها كانت لا تزال جزءاً من الدولة العثمانية المسلمة، وبالتالي تسهم في تمويل ميزانية اسطنبول. بعد تسليم الجزية الجديدة أبلغ “باي” الجزائر قبطان السفينة جورج واشنطن بأن رحلته لم تنته بعد وبأن عليه التوجه إلى اسطنبول حاملاً للخليفة السلطان العثماني هدايا وأموالاً. وخشية التعرض للمصادرة في حالة الرفض، وافق القبطان الأمريكي مجبراً فكان أن أبحر في اليوم التالي بسفينته المحملة بالأغنام والزرافات والببغاوات وبأكثر من مليون دولار من الذهب والمجوهرات والبضائع. ولعل مما ضاعف من ألم ومعاناة القبطان طوال الرحلة إلى اسطنبول مشاهدة مرافقيه الجزائريين وهم يؤدون الصلوات الخمس بانتظام باتجاه مكة التي كان عليه ضبط مسار السفينة باتجاهها في كل مرة.

يوسف القرماني في مواجهة توماس جيفرسون

في تلك الفترة كانت ولاية ليبيا تحت حكم يوسف القرماني (١٧٩٥ -١٨٣٢) وهو أشهر شخصية في سلالة القره ماللي التي حكمت ليبيا لأكثر من ١٢٠ سنة (١٧١١ -١٨٣٥). وعرف يوسف باشا باعتباره أول رئيس دولة يعلن الحرب على الولايات المتحدة المستقلة حديثاً في حرب استمرت بين عامي (١٨٠١ -١٨٠٥). وقد أراد أن يحصل بدوره على جزية من الأمريكان والأوروبيين نظير مرور سفنهم أمام السواحل الليبية، وهو الطلب الذي قوبل بالرفض من الأمريكان.

أرسلت الولايات المتحدة أسطولها الحربي إلى البحر المتوسط، وكان يدخل في عداده فرقاطتان جهزت كل منهما بـ ٤٤ مدفعا، وهما (بريزيدينت) و(فيلادلفيا)، وواحدة صغيرة مجهزة بـ ٣٢ مدفعا هي (إيسكس)، وأخرى شراعية مجهزة بـ ١٢ مدفعا هي (انتربرايز). كان رئيس الجمهورية “توماس جيفرسون”، الذي باشر للتو أعماله الرئاسية كثالث رئيس للولايات المتحدة، يأمل بإرسال أفضل قواته إلى البحر المتوسط؛ كي تعزز هذه القوة من هيبة الولايات المتحدة في المنطقة، وقد قال لمساعديه: “سوف نلقن هذا الأبله -يقصد حاكم طرابلس- درساً لن ينساه في فنون القتال، وسنجعله نصراً مدوياً ندشن به حقبة جديدة لأسطولنا وتواجدنا العسكري في أكثر مناطق العالم حيوية، وبهذا أيها السادة نكون قد خطونا الخطوة الأولى نحو بناء الإمبراطورية الأمريكية”.

محاولة إيجاد موطئ قدم للإمبراطورية الجديدة

صدر إلى الأميرال “ريتشارد ديل” بقيادة هذه الحملة، والتوجه إلى البحر المتوسط؛ لإلقاء الرعب في قلوب حكام الشمال الأفريقي، وإيجاد موطئ قدم للإمبراطورية الجديدة. لقد كان انتقاءً مدروساً بعناية، ذاك القرار الذي تم بموجبه تسمية هذا الأميرال؛ أحد أبطال حرب الاستقلال، والذي يتمتع بخبرة واسعة في مجال البحرية العسكرية. ناهيك عن علاقته الحميمة بالرئيس جيفرسون، إذ ينحدر كلاهما من بلدة “فيرجينيا”.

كان والي طرابلس القوي، قد شعر بأن الأمريكيين يماطلون في دفع الجزية المفروضة على مرور السفن الأمريكية التجارية بالبحر المتوسط، فعمد إلى إهانتهم في رمز شرفهم الوطني، عندما أمر في ١٤ مايو ١٨٠١ جنوده بأن يحطموا سارية العلم الأمريكي القائمة أمام القنصلية الأمريكية في طرابلس، إشارة إلى إعلان الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية. انطلقت بعدها الطرادات الليبية التابعة للبحرية الليبية التي كان قائدها الريس مراد تجوب البحر بحثاً عن السفن الأمريكية للاستيلاء على غنائمها وإجبار حكومة واشنطن على دفع جزية سنوية.

إعلان يوسف باشا الحرب على أمريكا

أعلن يوسف باشا الحرب على أمريكا، وطفق المنادون يجوبون الشوارع، قارعين طبول الحرب، فيما شرعت المآذن تلهب حماس الناس بآيات من الذكر الحكيم، تحرضهم على قتال الصليبيين. وهكذا يكون الباشا قد دق بالفعل أجراس الحرب، التي لم يسمع قائد الأسطول الأمريكي “ديل” بأصدائها إلا في الـ ٣٠ من يونيو، وذلك عندما دخل جبل طارق للتزود بالمؤن. وهلع ديل مما سمع، إذ لم يكن يتوقع أن تجري الأمور بكل هذه السرعة. وصدرت الأوامر منه على الفور بإغراق وحرق وتدمير أكبر عدد من المراكب الطرابلسية، التي من المحتمل أن تواجههم في عرض المتوسط.

قائد القوة البحرية يرفع العلم الأبيض مستسلماً لحاكم طرابلس

أرسلت الولايات المتحدة وحدة بحرية مكونة من أربع سفن كبيرة هي: إيسيكس، بريزدنت، فيلادلفيا، وإنتربرايز بهدف فرض حصار على ميناء طرابلس وقصف المدينة وصولاً إلى إجبار يوسف باشا على الاستسلام. بدأت المهمة عملياتها بخدعة برفع السفينة إنتربرايز العلم البريطاني، الأمر الذي مكنها من الاقتراب من السفينة طرابلس لمسافة قريبة جداً قبل أن ترفع العلم الأمريكي وتقوم بمهاجمة السفينة وتوقع ٣٠ إصابة بين بحارتها الـ:٨٠. وفوق ذلك تم أسر قبطانها الريس محمد سوسة، وجلده أمام أنظار الجميع. بعدها أرسلت القوة البحرية الأمريكية وحدة إنزال على الشاطئ وقامت بحرق ١١ فلوكة محملة بالحبوب.

ما إن استفاقت بحرية يوسف باشا من صدمة الهجوم الأمريكي المفاجئ، حتى تحركت القوارب في محاولة ناجحة لاختراق الحصار، ونجحت بدورها في فرض حصار على السفن الأمريكية. أما قوة المارينز التي نفذت الإنزال على الشاطئ فقتلت جميعها؛ لتسجل بذلك أولى ضحايا تتكبدها المارينز في الشرق الأوسط. انتهت الحملة الأمريكية المذكورة بمشهد قائد القوة البحرية وهو يرفع العلم الأبيض مستسلماً لحاكم طرابلس.

أكبر كارثة بحرية بأمريكا: أسر السفينة الحربية يو.إس.إس فيلادلفيا

في أغسطس ١٨٠٣ قادت السفينة الحربية يو.إس.إس فيلادلفيا قوة بحرية أميركية جديدة باتجاه الشرق الأوسط. وما إن دخلت مياه المتوسط حتى التقت بالسفينة التجارية المغربية “المركوبة” فهاجمتها واحتجزت ركابها. وفي الطريق إلى طرابلس هاجمت القوة الأمريكية عدداً من القوارب قبالة سواحل طرابلس، فما كان من هذه القوارب إلا أن انسحبت أمامها في حركة تكتيكية على ما يبدو مقتربة من الشواطئ ما أمكن. ومع ذلك لاحقتها السفينة فيلادلفيا. كان ذلك عصر يوم ٣١ أكتوبر١٨٠٣، فأطبقت تسع قوارب طرابلسية على السفينة واعتقلت القبطان و٣٠٧ من المارينز وجردتهم جميعاً من ملابسهم واقتادتهم أسرى إلى الشاطئ، ثم قامت القوارب بسحب السفينة إلى الشاطئ حيث قرر الوالي يوسف باشا إعادة تسميتها بـ: “هبة الله”، وكانت هذه أكبر كارثة بحرية تحل بأمريكا حتى حادثة بيرل هاربر في الحرب العالمية الثانية.

تفجير السفينة انتربيد بما تحمل من أطنان المتفجرات

عرضت واشنطن على يوسف باشا فدية تصل إلى ١٠٠ ألف دولار لإطلاق سراح القبطان ورجاله الأسرى فرفض، مطالباً بمليون ونصف دولار، الأمر الذي دفع الأمريكيين لعمل عسكري جديد ضد طرابلس. وفي جنح الظلام قامت السفينة انتربيد بإنزال وحدة من المارينز على شواطئ طرابلس، في وقت كانت السفينة نفسها تحمل ١٥ ألف رطل من المتفجرات. كانت الأوامر تقضي بتدمير أسطول طرابلس في عتمة الليل. وقبل أن تستطيع وحدة المارينز الإتيان بأي شيء تعرضت للنيران من قبل القوارب الطرابلسية التي كشفت أمرها، وكانت النتيجة مصرع جميع أفراد المارينز وتفجير السفينة انتربيد بما تحمل من أطنان المتفجرات. وعندما طلب قائد الوحدة الأمريكية من والي طرابلس السماح بدفن جثث جنوده القتلى أصرّ يوسف باشا على ترك الجثث للكلاب.

التخطيط للإطاحة بيوسف باشا

الغيظ الأمريكي من يوسف باشا قد بلغ مداه، فحاولوا التخطيط للإطاحة به عن طريق المكر والخداع والمؤامرات، بعد أن فشلوا في مواجهته عسكرياً، وبدأت الخطة الخبيثة عن طريق قنصل أمريكا في تونس “جون إيلتون”، وذلك بالتآمر مع أحمد شقيق يوسف القرماني، الذي كان قد تم نفيه إلى مصر بعد تولي شقيقه يوسف الحكم. قام إيتون بتشكيل قوة غزو تضم عددا قليلاً من الأمريكيين وعدداً كبيراً من المرتزقة. في مقابل تعهد أحمد لإيتون بإطلاق سراح الرهائن المارينز بمجرد الوصول للسلطة مكان أخيه. قبل أحمد القرماني أن يلعب دور العميل، ومع ذلك لازمه الخوف، طوال فترة انخراطه في المؤامرة.

الخوف من فشل المغامرة الذي كان يتوقعه في كل لحظة، إلى جانب إحساسه بعار موالاة الكفرة، التي تعد من كبائر المعاصي، وتكاد تماثل الكفر بالله في عقيدة المسلمين، خصوصاً في ذلك العصر الذي كان الصراع بين الدولة العثمانية المسلمة وأوروبا الصليبية. إلا إن إغراء الأمريكان كان أكبر من هذه المخاوف، فواصل أحمد عمالته للأمريكان.

“إما رأسي أو رأسك”

وكان إيتون قد أعد ترتيباته مع قيادة الأسطول لإرسال سفينة حربية محملة بالمؤن والأسلحة لانتظاره في خليج بومبا، على بعد ٣٠ ميلاً غرب طبرق. وهو ما حصل بالفعل حيث وصلت السفينة محملة بالمؤن والطعام التي تم تزويد الجيش بها قبل أن يواصل تقدمه باتجاه “درنة” ثاني أكبر موانئ المنطقة، والذي سيكون نقطة انطلاق الهجوم على طرابلس. وصل جيش إيتون الميناء المذكور بتاريخ ١٥ أبريل حيث طالب إيتون حاكم درنة الاستسلام فجاءه رد الأخير: “إما رأسي أو رأسك”.

فشل أول محاولة أميركية لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط

وعندما أخذت السفن الحربية الأمريكية التي كانت وقتها ترابط مقابل شواطئ الميناء المذكور استهداف دفاعات المدينة بالقصف، بدأ إيتون هجومه الذي انتهى بهزيمة منكرة، حيث أصيب هو شخصياً بينما قتل وجرح معظم جنوده، فما إن بدأت المواجهة حتى وصل جيش من ثلاثة آلاف مقاتل أرسله يوسف باشا من طرابلس وقام بتطويق جيش إيتون ووجدت الولايات المتحدة نفسها مجبرة على التوصل لاتفاق مع يوسف باشا الذي ألزم الأمريكان بغرامات مالية تقدر بثلاثة ملايين دولار ذهبا، وضريبة سنوية قدرها ٢٠ ألف دولار سنويا، وظلت الولايات المتحدة تدفع هذه الضريبة حماية لسفنها حتى سنة ١٨١٢م ، لتؤول بذلك أول محاولة أميركية لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط إلى الفشل الذريع.

معركة طرابلس وأثرها التاريخي في العلاقات الأمريكية الإسلامية

تُعد معركة طرابلس علامة فارقة في تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، حيث مثلت أول مواجهة عسكرية رسمية بين الطرفين. رغم التحديات والخسائر التي تكبدها الأمريكيون، إلا أن هذه الحرب أسهمت في تشكيل وعي جديد لدى الولايات المتحدة بأهمية البحر المتوسط والمنطقة العربية في سياستها الخارجية. وتبقى طرابلس، برمزيتها التاريخية، شاهدة على فترة حاسمة من تاريخ الصراعات البحرية بين القوى الناشئة والإمبراطوريات القديمة.

المصدر

ملتقى الخطباء، شريف عبدالعزيز .


العوامل الداخلية والخارجية لإخفاق المشروع الصليبي في القرون الوسطى



إنها الحرب.. صناعة الهستيريا في مصر

 إنها الحرب.. صناعة الهستيريا في مصر


وائل قنديل

في بلد يتغذّى على الهستيريا، ذهبت استغاثة حمصرفيد رفاعة الطهطاوي، أحد صنّاع التنوير والعقلانية في مصر الحديثة، أدراج الرياح، إذ ابتلع المناخ المعبّأ بالجنون صيحة السفير محمد رفاعة رئيس ديوان رئاسة الجمهورية الأسبق المحبوس في ظلمات الزنزانة منذ 12 عاماً، والتي يقول فيها: 

"أنا السفير محمد رفاعة الطهطاوي، المحبوس في قطاع 2 بسجن بدر 3، والمضرب عن الطعام منذ أكثر من 45 يومًا مع 58 من زملائي، احتجاجاً على ما نتعرّض له من انتهاكات وتجاوزات جسيمة وحرمان من حقوقنا الطبيعية.

بعد أن نفت وزارة الداخلية وجود إضراب عن الطعام أو محاولات انتحار بين المحبوسين في القطاع، في حين أنّ عدد محاولات الانتحار تجاوز 16 حالة، ومنهم من حاول الانتحار داخل قاعة المحكمة أمام القاضي، كما أنّ كل أفراد القطاع الـ58 مستمرّون في الإضراب عن الطعام منذ 45 يوماً، وبعضهم تمّ نقله إلى العناية المركّزة بعد تدهور وضعه الصحي.

وحتى يقف الرأي العام المحلي والدولي على حقيقة ما يحدُث، أطالب بتشكيل لجنة تقصّي حقائق دولية لزيارة قطاع 2 بسجن بدر 3، ترفع تقريرها إلى المفوضية السامية ومجلس حقوق الإنسان في جنيف، وهذا ليس انتقاصاً من سيادة مصر أو استقواءً بهيئة أجنبية، لأن الأمم المتحدة منظّمة دولية تمثّل الإرادة المشتركة لكلّ الدول الأعضاء فيها، ومصر عضو مؤسّس.

وعندما نطالب بالتحقيق في التزام النظام المصري بأحكام معاهدات حقوق الإنسان، فإننا بالتأكيد نطالب الحكومة باحترام الدستور والقانون. 

وإنني أتوجّه، برجاء خاص إلى الدكتور محمد البرادعي، بحكم وزنه السياسي ومكانته وما هو معروف عنه من نزاهة أصيلة، بأن يتفضّل برئاسة اللجنة المقترحة، وأن يشملها بدعمه ورعايته، كما أرجو أن تضم اللجنة في عضويتها السفير شكري فؤاد وجورج إسحق.

كما أتوجّه برجاء إلى الرجل الشريف عون االخصاونة، رئيس وزراء الأردن الأسبق، والقاضي بمحكمة العدل الدولية بلاهاي، ورئيس مؤتمر فيينا للمعاهدات الدولية، أن يتفضّل برئاسة اللجنة ودعم مطلبنا في تشكيلها، إذا حالت الظروف بين الدكتور البرادعي ورئاسة اللجنة، فما أعلمه عنه أنه من قومٍ لا يردّون رجاءً، ولو كلفهم ذلك جهداً ومشقة عظيمة".

توقّف كثيرون بالأسى والحزن عند الأسماء المقترحة للجنة، إذ لم يصل إلى علم السجين النبيل أنّ كلًا من شكري فؤاد وجورج إسحق رحلا عن الدنيا منذ سنوات، كما رحل محمد البرادعي عن مصر وغادر عون الخصاونة منصبه منذ العام 2012، مع حفظ الألقاب لهم جميعاً، لنكون أمام طرفٍ من حكاية وطن خيّم عليه الظلم والظلام، لكنه يطنطن طوال الوقت بأنّه جنّة الحريات وحقوق الإنسان والعدالة.

كان المتصوّر أنّ رسالة حفيد الطهطاوي المغيّب عن العالم الخارجي تماماً منذ 12 عاماً سوف تحرّك ساكنًا عند البرادعي الذي ألقت به أمواج الاستبداد على الضفة الأخرى من العالم منذ عشر سنوات، أو تستثير فيه غضباً أو فعل استجابة من أيّ نوع لاستغاثة زميل له في سلك الدبلوماسية المصرية، فيُطلق نداءً إلى ضمير العالم، أو يتبنّى محاولة لإنقاذ حياة عشرات من السياسيين الذين شاركوه حلم التغيير، غير أنّ شيئاً من هذا لم يقع.

كان من المتصوّر، كذلك، أن يستشعر النظام بعض الحرج وبعض الخجل، فيردّ أو يشرح أو يوضّح، غير أنه، كالعادة، كان سميك الجلد متين الجدران العازلة، بما لم يجعله يهتز أو يهتم، إذ كان مشغولاً بالجهاد تحت رايات أبطاله المغاوير المُدجّجين بالأسلحة البيضاء للذود عن سفاراته في العواصم الأوروبية ضدّ جيوش "الإخوان" التي تحاصرها وتهاجمها بالصواريخ العابرة للقارّات والمحمّلة برؤوس نووية، والمدعومة من أساطيل بريطانيا وأميركا وإسرائيل ضمن تحالف دولي شرير يستهدف إسقاط مصر.

تختلف هذه الموجة من الهستيريا التي يرفل فيها الوطن هذه المرّة عن سابقاتها، إذ لم يصنعها النظام ويصدّرها إلى جمهوره، كما كان يحدُث من قبل، بل صنعتها مجموعاتٌ من فرسان الوطنية الملوّثة بالجهل والقبح، وصدّرتها إلى السلطة فتبنّتها واحتضنتها باعتبارها مشروعاً نضاليّاً، وسارت خلف صانعيها من أشخاصٍ هم بمقتضى قوانين الدول الموجودين فيها خارجون عن القانون ومتهمون جنائيّاً.

كان مثيراً للسخرية والحزن أنّ الدولة المصرية اعتبرت المحبوسين بتهمة الشروع في ارتكاب أفعال إجرامية بالسلاح الأبيض رموزها الوطنية وأبطالها القوميين، لتنتفي الفوارق في لحظةٍ بين صراخ أحدهم لحظة القبض عليه وخطاب الرجل الأوّل في الخارجية المصرية، التي أعلنت أنها في حالة حربٍ مع متظاهر واحد يهتف ضدّ النظام أمام السفارة المصرية، واستنفرت كلّ قواها الإعلامية والسياسية وجيوشها الإلكترونية.

قبل عشر سنوات، كان هذا النظام يشبه مطرباً بائساً يردّد أغنية وحيدة، بالإكراه، ومع سبق الإصرار والترصّد، على جمهور أكثر بؤساً، لا يملك حقّ الاعتراض، أو المطالبة بالتجديد في الكلمات واللحن والأداء، فالمطرب الذي يعتمد على عضلاته أكثر مما يستخدم صوته يرى في نفسه فنّاناً، وفي الجمهور قطيعًا من الرعاع، ينبغي أن يصفقوا لكلّ هذا السخام المتدفّق من حنجرة أتى عليها الصدأ.

الآن تجاوزنا هذه الحالة وصرنا وكأنّنا أمام وطن وقع على رأسه فاختلت مراكز الإدراك والتفكير فيها، وصار يتخبّط في سيره وفي كلامه، وهو يظنّ أنه ينثر على الناس زهوراً من الحكمة والجدارة.

الخميس، 28 أغسطس 2025

سَلامٌ بلا خُيولٍ ، أيُّ ذُلِّ؟!

 سَلامٌ بلا خُيولٍ ، أيُّ ذُلِّ؟!

 أدهم شرقاوي 

إنَّ كلَّ الذي يحدثُ في غزَّة الآن لا علاقة له بالأسرى والجُثث، لا بالمعابر ولا بالمخافر، الأمرُ كلُّه يتعلَّقُ بسلاحِ المقاومة!

لم تعُدْ هناك حاجةٌ للسيوف

من الحواراتِ التي تخطفُ قلبي، ذاكَ المقطعُ من مسلسلِ الزِّيرِ سالم، حين قالَ الزِّيرُ لابنِ أخيه الجرو: لا يسمحون لكم بركوبِ الخيل؟

بل يسمحون، ونستطيعُ شراءَ الخُيول إذا أردنا!

والسُّيوف، هل اشتروا سيوفكم أيضاً؟ هل يسمحون لكم بحمل السُّيوف ؟

لا تُبالغْ يا عمَّاه، إنها مسألةُ خيولٍ فقط، وقد كانتْ صفقةً من أجلِ الماء، ولم نجد المسألةَ خطيرةً طالما السَّلامُ قائمٌ بيننا!

– سلامٌ بلا خُيول ، أيُّ ذلٍّ؟!

– ولكن لم تعُدْ هناك حاجةٌ للسيوف يا عمَّاه؟

فما للبَكريِّين وخيولكم إذاً؟

بما أنَّ الحرب انتهتْ فنحن في غنىً عنها!

– الحرب انتهتْ، وهل انتهتْ مطامحُ الرِّجال؟ هل وصلتم لحياةٍ آمنةٍ مطمئنَّة؟

نعم!

وكريمة، فيها أنفةٌ وكبرياءٌ وقدرةٌ على اتخاذ قرارٍ، فيها عظمةٌ وأحلامٌ وطموحات؟

ما لنا ولهذا كلِّه؟

– ما لكم وللحياة إذاً!

سلاح المقاومة ليس للمفاوضات

إنَّ كلَّ الذي يحدثُ في غزَّة الآن لا علاقة له بالأسرى والجُثث، لا بالمعابر ولا بالمخافر، الأمرُ كلُّه يتعلَّقُ بسلاحِ المقاومة!

يريدون منَّا سلاماً بلا خيول!

معادلة الرَّغيف مقابل البندقيَّة!

ونحن نعرفُ، وهم يعرفون، أنَّ ما يأتي بهم إلى طاولات المفاوضات هي هذه البندقيَّة، في اللحظة التي يأخذونها من أيدينا ويعطوننا الخُبز، فقد شرعوا في تسميننا ليذبحوننا!

لقد تعلَّمنا الدَّرس جيِّداً من كل ما حدث في هذا العالم!

  • في بيروت، أقنعُوا منظمة التحرير أن تأخذ بنادقها وترحل، لا حاجة للبنادق، مخيماتكم محميَّة بالقانون الدولي!

ولم تكد البواخر ترسو في تونس، حتى كان جيش الاحتلال وعملاؤه، يذبحون الرّجال، ويبقرون بطون النساء في صبرا وشاتيلا!

  • في أوكرانيا، القوة النَّووية الثالثة في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي!

أقنعهم الأوروبيون والأمريكان أنَّ الذي يحمي الدول ليس الأسلحة وإنما الاتفاقيات!

أخذوا منهم الأسلحة وأعطوهم اتفاقاً!

وحين جاءت الحرب اكتشف الأوكرانيون أنَّ الاتفاق الذي لا تحميه البندقية لا يساوي قيمة الورق الذي كُتب عليه!

  • في أمريكا، أقنعوا الهُنود الحمر أن يتخلوا عن أقواسهم وسهامهم ورماحهم!

قالوا لهم: الدستور يكفل حقوق الجميع!

لم يطل الوقت حتى اكتشفَ الهنود الحمر أنَّ هذا الدستور سيُكتب بدمائهم!

  • في الأندلس، أقنعوا ملوك الطوائف أن لا علاقة لأحدهم بالآخر، قالوا لهم: ألقوا السِّلاح ولا تثريب عليكم اليوم!

صدَّق السفهاء هذه الوعود!

وبعد وقت قصير وجدوا أنفسهم يُقتادون كالخراف إلى محاكم التفتيش!

لا يوجد نموذج واحد في التاريخ لشعبٍ ألقى سلاحه ونجا!

العكس من هذا تماماً، أثناء المفاوضات في الدوحة بين طالبان وأمريكا لتأمين انسحابها من أفغانستان، قال لهم الأمريكان في أول جلسة: عليكم أن تتخلوا عن سلاحكم كشرطِ لاستمرار المفاوضات!

قالتْ لهم طالبان: ما أجلسكم معنا إلا السِّلاح!

أثناء الاحتلال الأمريكي لفيتنام، كان الأمريكان يشترطون أن يتوقف الفيتناميون عن إطلاق النَّار أثناء المفاوضات!

كان الفيتناميون يرفضون هذا ويقولون لهم: نحن لا نُفاوض إلا تحت أزيز الرَّصاص!

وعليه، بندقية المقاومة في غزَّة ليس للمفاوضات، والرصاص مقابل الرغيف يُساوم فيها المواشي لا الأحرار!

أما نحن، الأحرار كثيراً، الأحرار جداً، لن نترك السَّاح ولن نُلقي السلاح!