تمنيت لو عايَنْتَ زمن الاستعمار الأوروبي لأفريقيا؟ ترامب يُحييه في غزة

الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي

ضريح توماس سانكارا: استعادة الذاكرة الأفريقية وسط أطلال الخيانة والتبعية!
في قلب واغادوغو، حيث كانت الدولة البوركينابية تُدار لعقود بعقلٍ مستعار وإرادةٍ خائفة، أزاحت حكومة الكابتن إبراهيم تراوري الستار عن ضريح توماس سانكارا. الرئيس الأسبق للبلاد والذي اغتيل قبل ما يقارب أربعين عامًا في انقلاب مدعوم فرنسيًا، ودفن في زاوية مُهمَلة بلا شاهد ولا سياق. وهكذا اليوم، يُستعاد رماده ببرجٍ من الطين الأفريقي، في لحظة تحمل في ظاهرها تكريمًا لبطل، وفي باطنها صراعًا مع التاريخ نفسه.
وفي الافتتاحية كان واضحًا أن الضريح ليس معلمًا معماريًا يُضاف إلى جغرافيا المدينة، بل تدخلٌ مباشر في معركة الرواية. هو فعلٌ سياسي بامتياز، يُعيد توزيع رمزية القوة، ويحرّك المياه الراكدة في ذاكرة قارة بكاملها لم تتعافَ بعد من عطب الاستعمار، ولا من التبعية المعاصرة المقنّعة.
حين تكون الذاكرة أداة مقاومة
النظر في ضريح سانكارا – في تقديري- لا يمكن أن يكون معزولًا عن علم النفس السياسي. الشعوب التي قُتلت رموزها، أو شُوِّهت سيرتهم، هي شعوب مجروحة الهوية. والاستعمار الأوروبي، كما يشير فرانز فانون، لم يقتصر على نهب الموارد، بل عمِل أيضًا على إعادة تشكيل ذاكرة الشعوب المهزومة. حيث خضعت الذاكرة الجمعية حينها لعمليات تبييض ممنهج، فتحوّل المقاوم إلى فوضوي، والعميل إلى مؤسس للدولة الحديثة.
وسانكارا – في هذا السياق – تجاوز مجرّد رئيس قُتل، ليتحول إلى رمزٍ لمشروع سياسي مختلف، يُجسّد فكرة السيادة، لا بوصفها خطابًا مجردًا، بل ممارسة اقتصادية واجتماعية وثقافية. ولهذا بالتحديد، لم يُقتل لأنه فشل، بل لأنه بدأ ينجح. وحين أُعيد رفاتُه اليوم إلى موضعٍ مركزي في المدينة، فإن العملية لا تتعلّق فقط بتكريمه، بل بتثبيت ذاكرته كـ”مُحرّض مستمر” على مساءلة ما جرى، وما لم يجرِ بعد.
إذن ما فعله النظام البوركينابي الحالي بقيادة النقيب تراوري، في لحظة سياسية حسّاسة، هو قلبٌ لأدوار رمزية دامت لعقود. فحين يُزال اسم “شارل ديغول” عن أحد شوارع العاصمة ليُستبدل بـ”جادة سانكارا”، فالمقصود ليس فقط استعادة اسم، بل إزاحة صورة ذهنية كاملة لعلاقة مختلّة بين المستعمِر والمستعمَر.
ففي فرنسا مثلاً، يُقدّم شارل ديغول على أنه “محرّر الأمة” وقائد الكرامة الفرنسية، لكن في أفريقيا، هو أحد رموز استدامة السيطرة ما بعد الاستعمار بل ومجرم حرب في دولة مثل الجزائر. والإشكال لا يكمن في وجود رموز فرنسية، بل في غياب ما يعادلها أفريقيًا. هنا تظهر المفارقة: الدول الأوروبية امتلكت رفاهية إعادة تدوير رموزها حتى غدت بعض التماثيل تُقرأ كأيقونات قومية، فيما بقيت أفريقيا تسكن هوامش التاريخ، إما برموز مجهولة، أو بوجوه رسمها الاستعمار لها. وهنا يأتي ضريح سانكارا ليرفض هذا التوازن المختل. فالعبرة ليست بتقليد الغرب في تقديس الرموز، بل بتحدي الوعي المزيف الذي يقيس البطولة على معيار الاعتراف الأوروبي.
غياب الرموز القومية في أفريقيا جنوب الصحراء تحت وطأة الاستعمار:
عانى كثير من دول أفريقيا جنوب الصحراء من ندرة الرموز القومية الجامعة نتيجة عقود من الاستعمار الأوروبي الذي سعى لطمس الرموز الثورية المحلية أو تهميشها. فقد اتبعت القوى الاستعمارية سياسة ممنهجة لنزع الشرعية عن أبطال المقاومة الأفارقة، إما عبر تصفيتهم جسديًا (كما حدث مع لومومبا في الكونغو وعبد القادر في الجزائر وغيرهما)، أو من خلال تشويه صورتهم ووضع أسماء المستعمرين ورموزهم محلهم في الفضاء العام.
وورثت الدول الإفريقية المستقلة حديثًا هذه المشكلة: إذ أن الحدود المصطنعة التي رسمها الاستعمار غالبًا ما جمعت جماعات إثنية وثقافية مختلفة تحت دولة واحدة دون سردية تاريخية موحّدة أو أبطال وطنيين مجمع عليهم. في ظل هذه الظروف، كان من السهل أن تستمر هيمنة الرموز الاستعمارية حتى بعد الاستقلال، سواء في أسماء المدن والشوارع والمؤسسات، أو حتى في المناهج التعليمية التي مجّدت تاريخ أوروبا على حساب تاريخ أفريقيا. على سبيل المثال، ظلت شوارع عديدة في عواصم أفريقيا تحمل أسماء قادة استعماريين (كشارل ديغول في واغادوغو وداكار، وليوبولد الثاني في كنشاسا سابقًا، إلخ) لعقود بعد الاستقلال.
هذا الأمر يعني ضمنيًا أن الذاكرة الجمعية لتلك الشعوب بُنيت حول رواية يكتبها المنتصر الأبيض، فيما جرى تهميش رموز النضال المحلية. وكانت النتيجة فراغًا رمزيا أو ارتباكًا في الهوية الوطنية، ملأته أحيانًا شخصيات سلطوية بعد الاستقلال حاولت فرض نفسها كأبطال، لكنها غالبًا ما فشلت في الارتقاء لمكانة الرموز التاريخية الحقيقية.
ولهذا نرى العديد من الدول الأفريقية لا تحتفي بقادة استقلالها بنفس القوة التي تحتفي فيها أمم أخرى برواد نهضتها، إما بسبب أن أولئك القادة تم اغتيالهم (كما في حالة سانكارا ولومومبا وسيلفانوس أوليمبيو في توغو وغيرهم)، أو بسبب انقلابهم إلى ديكتاتوريين شوهوا صورتهم (كما في حالة العديد من “الأباء المؤسسين” الذين أساءوا استخدام السلطة بعد الاستقلال).
وفي أفريقيا، حيث اعتمدت حركات المقاومة كثيرًا على الزعماء التقليديين أو القادة الروحيين المحليين، قام الاستعمار بتصفية هؤلاء أو استبدالهم بعملاء موالين له. ولهذا دخلت معظم الدول الإفريقية مرحلة الاستقلال وهي تفتقر إلى بانثيون (مجمع) من الرموز الوطنية المتوافق على قدسيتها شعبيا. حتى المناهج المدرسية التي وضعها الاستعمار لم تتحدث عن أبطال أفارقة إلا نادرًا، بل ركّزت على “مزايا الاستعمار في تمدين أفريقيا”، في حين صوّرت المقاومين كخارجين عن القانون. هذا الإرث الثقيل جعل الأجيال اللاحقة لا تعرف الكثير عن رموزها التحررية، وفاقد الشيء لا يعطيه في مجال بناء الهوية الوطنية. لكن ابتداءً من مطلع الألفية الجديدة، ومع ظهور جيل جديد من الشباب الأفارقة الواعين بماضيهم، بدأت حركة مراجعة واسعة لإرث الاستعمار ورموزه.
وشهدت مدن أفريقية عديدة حملات لإزالة أسماء المستعمرين واستبدالها بأسماء الأبطال المحليين. حصل ذلك في دكار -عاصمة السنغال- حين تمت إعادة تسمية شارع شارل ديغول باسم مناضل سنغالي، كما حدث الأمر ذاته في واغادوغو 2023 كما أسلفنا. هذه الجهود هي بمثابة محاولة متأخرة لسد النقص في الرموز القومية وإعادة الاعتبار للتاريخ الوطني. ومن شأن ضريح سانكارا في بوركينا فاسو أن يكون نموذجًا ملهمًا لدول أخرى في المنطقة لإحياء رموزها الثورية. فها هو شعب بوركينا، بعد سنوات من هيمنة رواية بليز كومباوري – الرجل الذي اغتال سانكارا لصالح فرنسا- رواية همّشت سانكارا وصادرت إرثه، يفرض تكريم بطله الوطني أخيرًا. وهذا التكريم الشعبي والرسمي قد يشجع شعوبًا أخرى على المطالبة بمواقع لذاكرة أبطالها المهملين وإعادة كتابة تاريخها بمنظورها الذاتي.
الضريح كفعل تأسيسي… لا تخليد فقط
ينجرف البعض إلى اعتبار ما حصل نوعًا من “ردّ الاعتبار العاطفي”، أو حتى محاولة سياسية من تراوري لبناء شعبية ظرفية عبر تمجيد سلفه. غير أن هذا التوصيف يغفل جوهر المسألة: نحن أمام فعل تأسيسي يُقارب ما يسمّيه المفكر والمؤرخ الأمريكي-الإيرلندي وأحد منظري الدراسات القومية والهوية الوطنية، بندكت أندرسون “إعادة تخييل الأمة”. بمعنى أن الضريح هنا ليس نهاية سردية، بل بدايتها. هو صياغة لنسخة بديلة من الهوية الوطنية، لا تُبنى على التعايش مع الخضوع، بل على افتكاك الرواية واستعادتها من غاصبيها.
ولقد كانت الدولة البوركينابية – كحال كثير من الدول الإفريقية – أسيرة رواية رسمها الغير: كتبها المستعمر، وراجعها التابع، ودرّسها المتردد. اليوم، يأتي الضريح كمحاولة لاقتطاع سرديّ جديد، يربط الجيل الحالي بجذوره الثورية، لا بوثائق البيروقراطية الدولية. ومن هنا اعتبر هذا الحدث لحظة نموذجية يمكن أن تعيد تشكيل وعيٍ جماعي أوسع. وإذا كان لفرنسا شارل ديغول وإن كان مجرم حرب، ولأمريكا جورج واشنطن، وللصين ماو تسي دونغ، فأفريقيا بحاجة لأن تقول: لدينا أيضًا من لم يخضع، من لم يساوم، من لم يُفرّط في الكرامة باسم الواقعية السياسية.
وفي الختام، غنّي عن الذكر هنا أن ما يُميّز هذا الحدث هو أنه تخطّى الحدود الوطنية لبوركينا فاسو. في حفل الافتتاح، حضرت وفود من دول مجاورة، وتم التصريح بأن سانكارا “رمز أفريقي”، لا فقط بوركينابي. فأعادتْ هذه اللغة للأذهان مشروع القومية الأفريقية الذي روّج له الزعيم الغاني السابق، كوامي نكروما، سيلاسي، وعبد الناصر في الخمسينات، لكنه سرعان ما انكسر أمام صعود الأنظمة الوطنية القطرية. وهنا يتساءل البعض، هل نحن أمام عودة خجولة لذاك الحلم؟ أم أن سانكارا سيبقى رمزًا تتقاذفه الخطابات دون أن يتحوّل إلى مرجعية حقيقية لوحدة سياسية قارية؟
في رأيي لا يزال الجواب مفتوحًا، لكن الضريح ذاته يقدّم احتمالًا جادًا لتجذير نوعٍ من الهوية الأفريقية البديلة: ليست الهوية التي تُفرض من الاتحاد الأوروبي عبر برامج “التنمية”، ولا التي تُهندس في مكاتب البنك الدولي، بل هوية تُكتب من تحت، من ذاكرة المقاومة، من مشروع سياسي لم يُستكمل بعد. وطبعًا، ليس المطلوب اليوم تمجيد سانكارا بوصفه شخصية بلا أخطاء. التفكير الرمزي السليم لا يقوم على تأليه الأفراد، بل على مساءلتهم، على تحويل تجاربهم إلى أدوات لفهم الذات الجماعية. في هذا الإطار، لا ينبغي أن يُقرأ الضريح كتثبيت لنموذج سلطوي جديد يتلبّس صورة سانكارا، بل كمحرّك لعقل نقدي يُطالب باستكمال الطريق، لا الاكتفاء بتكراره.
هل ضربة أمريكية وشيكة لإيران؟
1) حكيم نجم الدين، "ماذا وراء مزاعم ترامب حول "الإبادة الجماعية" لمسيحيي نيجيريا؟"، الجزيرة نت، 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، https://shorturl.at/qxHQ3
(أين تاريخ الدخول؟)
2) المصدر السابق.
3) United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR), Nigeria Situation Report: Displacement and Violence in the North-East, Geneva: UNHCR, 2024, https://www.unhcr.org
4) "Nigeria: Religious and Ethnic Composition," BBC News Africa, April 2023, https://www.bbc.com/africa.
5) The Conversation Africa, "Why Nigeria’s Religious Violence Is More Complex Than Muslims vs Christians," December 2024, https://theconversation.com/africa.
6) Human Rights Watch (HRW), Nigeria: Mass Atrocities and Displacement in the North East, New York: HRW, 2024, https://www.hrw.org.
7) "Remi Tinubu: Nigeria’s First Lady and Pastor in the Redeemed Christian Church of God," Premium Times Nigeria, July 2023, https://www.premiumtimesng.com.
8) United States Department of State, 2024 Report on International Religious Freedom – Nigeria Section, Washington, DC, 2024.
9) John Campbell and Matthew T. Page, Nigeria: What Everyone Needs to Know, Oxford: Oxford University Press, 2021.
10) Armed Conflict Location & Event Data Project (ACLED), Nigeria: Conflict Trends and Patterns 2024, Washington, DC: ACLED, 2024, https://acleddata.com.
11) United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Humanitarian Needs Overview: Nigeria 2024, Geneva: United Nations, 2024, https://www.unocha.org.
12) United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR), Nigeria Situation Report: Displacement and Violence in the North-East, Geneva: UNHCR, 2024, https://www.unhcr.org.
13) Associated Press, "Boko Haram, Islamic State group and Nigerian military clash in Borno State," apnews.com/article/nigeria-boko-haram-islamic-state-group-military-borno.
14) International Crisis Group (ICG), Facing the Challenge of the Islamic State in West Africa Province, Africa Report no. 273, Dakar/Brussels: ICG, May 16, 2019, crisisgroup.org/report/273.
15) المصدر نفسه.
16) "U.S. Presidential Advisor Massad Boulos Dismisses Religious Persecution Claims in Nigeria," Voice of Nigeria, October 17, 2025, von.gov.ng/nigeria-religious-claims.
17) United States Department of Justice. Foreign Agents Registration Act (FARA) eFile Public Documents. Washington, DC, 2020–2025. https://efile.fara.gov
18) Reuters, "Nigeria Rejects US Religious Freedom Designation, Says It Is Based on ‘Faulty Data’," November 5, 2025, reuters.com/world/africa/nigeria-rejects-us-religious-freedom-designation.
19) Family Research Council, Statements and Publications on Religious Freedom and Nigeria, Washington, DC, 2024–2025, frc.org/nigeria.
20) The Times of Israel (Blogs), "Nigeria Can’t Hide Behind the Pretense of Sovereignty," November 4, 2025, blogs.timesofisrael.com/nigeria-cant-hide-behind-the-pretense-of-sovereignty.
21) Hudson Institute, "A Shocking Reversal: The US Officially Turns a Blind Eye to Nigeria’s Endangered Christians," Washington, DC, 2021, hudson.org/nigeria-christians.
22) "Ted Cruz Blames Nigeria for ‘Mass Murder’ of Christians: What’s the Truth?," 8 October 2025, aljazeera.com/news/2025/10/8/ted-cruz-nigeria-christians.
23) United States Department of Justice, Foreign Agents Registration Act (FARA) eFile Public Documents, Washington, DC, 2020–2025, efile.fara.gov.
24) Franklin Graham, Media Statements and Public Remarks on Nigeria and Christian Persecution, Samaritan’s Purse, 2018–2025, samaritanspurse.org.
25) "EXCLUSIVE: IPOB Hires Another Lobbying Firm in Fresh ₦300m Deal," Premium Times Nigeria, May 25, 2021, premiumtimesng.com/news/headlines/463466.
26) The Jerusalem Post, "Is genocide threatening Nigeria’s Christians?", October 4, 2018, jpost.com/opinion/is-genocide-threatening-nigerias-christians-568695.
27) Africa Is a Country, "The Myth of Christian Genocide," October 29, 2025, https://africasacountry.com/2025/10/the-myth-of-christian-genocide.
28) François Mabille, "Géopolitique des religions en Afrique : mutations, pouvoirs et territorialités (2000–2025)," IRIS, November 7, 2025, iris-france.org/geopolitique-des-religions-en-afrique.
29) مصدر سابق.
30) المصدر نفسه.
31) United States Department of Justice, Report of the Attorney General under the Foreign Agents Registration Act, Washington, DC, 2019, justice.gov/nsd-fara.
32) United States Senator Ted Cruz, "Sen. Cruz Introduces Bill Against Persecution of Nigerian Christians," October 8, 2025, cruz.senate.gov/nigerian-christians-bill.
33) Office of Senator Ted Cruz, "Statement on President Trump Action Against Nigeria for Christian Persecution," Washington, DC, October 31, 2025, cruz.senate.gov/statement-nigeria-persecution.
34) مصدر سابق.
35) People’s Bank of China, "PBOC and CBN Renew Bilateral Currency Swap Agreement," December 27, 2024, pbc.gov.cn/swap-agreement.
36) Reuters, "China Development Bank Releases $255 mln for Nigeria Rail Project," January 8, 2025, reuters.com/nigeria-rail-255mln.
37) Xinhua, "China-built Port and Free Trade Zone Drive Economic Growth in Nigeria," December 2, 2024, news.cn/africa/20241202/port-free-trade-zone-nigeria.
38) Associated Press, "Nigeria Is Admitted as a Partner Country of the BRICS Bloc," 2025, apnews.com/article/f6c45439.
39) Brookings Institution, "US–China engagement in Africa: A crossroads," March 3, 2025, brookings.edu/us-china-engagement-africa.
40) مصدر سابق.
41) Reuters, "China, Nigeria Push Regional Monetary & Financial Cooperation," September 3, 2024, reuters.com/china-nigeria-cooperation.
42) China, "China Tightens Export Controls on Rare-Earth Metals: Why This Matters," Al Jazeera English, October 10, 2025, aljazeera.com/china-rare-earths.
43) Small Wars Journal, "Capitalizing on Non-alignment Policy of Nigeria to Balance Economic Relations with the United States of America and the People’s Republic of China," January 13, 2023, smallwarsjournal.com/nigeria-nonalignment.
44) مصدر سابق.
45) Punch Newspapers, "China Backs Nigeria, Warns Against Foreign Interference," premiumtimesng.com/china-backs-nigeria-warns-against-foreign-interference.
46) African Union Commission, African Union Reaffirms Nigeria’s Sovereignty and Rejects Foreign Interference, November 7, 2025, au.int/nigeria-sovereignty.
47) Economic Community of West African States (ECOWAS), Statement on Respect for Nigeria’s Sovereignty amid U.S. Remarks, November 2025, ecowas.int/newsroom/nigeria-sovereignty.
48) Goldman Sachs, The Path to 2075: Slower Global Growth, But Convergence Remains Intact, New York: Goldman Sachs Research, 2024, shorturl.at/hqOQ9.
التطبيع مع إسرائيل أفريقيًا: قد يكون أخطر من التطبيع العربي
في خضم موجة التحولات الأفريقية الكبرى، وأمام حشدٍ من الزعماء الأفارقة وقف بنيامين نتانياهو يلقي خطابه في رحاب القمة الأفريقية الإسرائيلية، معلنًا بحماسة نيته مواصلة نبوءة أب الصهيونية تيودور هرتزل حين قال “بعدما أُحررّ الشعب اليهودي، سأتوجه نحو أفريقيا لتحرير السود”
وتعهدّ نتنياهو -هو أيضًا بدروه – بأن يساعد القارة للانعتاق من قوى الظلام التي تهدد بإعادتها إلى العصور الوسطى، قاصدًا بذلك الحركات المسلحة التي تهددها.
وهكذا وعلى مدى سنواتٍ، تبنت إسرائيل منهجًا ثلاثي الأضلاع في تعميق علاقاتها مع القارة؛ أمني ومالي ثم ديني.
(١)
فأولًا، عمد المدربون العسكريون الإسرائيليون في الشركات الأمنية الخاصة إلى توسيع رقعة نفوذهم، مشكلين جسورًا مع الأوساط الحاكمة في أفريقيا. حيث شهدت القارة تأثيرًا بالغًا من “مجموعة مير” و”بلاك كيوب” الإسرائيليتين التي تعملان في مجال التدريب العسكري، واللتان كانتا نقطة محورية في تعزيز العلاقات مع الدوائر الأمنية الأفريقية، ومع رؤساء تلك الدول.
وبحلول العام 2024، كانت قوات الكوماندوز الإسرائيلية قد أنهت تدريب قوات محلية في أكثر من اثنتي عشرة دولة أفريقية. وتُظهر التقارير كيف أن دولًا مثل إثيوبيا، رواندا وكينيا، إلى جانب دول أخرى مثل أوغندا زامبيا وتوغو، تُظهر دعمًا لإسرائيل أو تمتنع عن التصويت ضدها في الأمم المتحدة، وأحد المؤشرات على ذلك ضغط هذه الدول لمنح إسرائيل صفة مراقب لدى الاتحاد الأفريقي، صفة ستُجمّد لاحقًا بفعل جهودٍ جنوب-أفريقية جزائرية، وهي قصة لم تنته حيثياتها بعدُ في رأيي.
(٢)
ويتجلى الضلع الثاني للنفوذ الإسرائيلي في أفريقيا في استثمار رجال الأعمال الإسرائيليين ضمن الأوساط الحكومية وقطاع الأعمال، بما في ذلك مبيعات الأسلحة بتسهيلات كبرى مقابل تمرير أجندات إسرائيل، ومن بين هؤلاء يبرز بشكل لافت دان غيرتلر، الذي يُعد وجهًا بارزًا لهذا التوغل الإسرائيلي في شؤون القارة الأفريقية، والذي نشأ في كنف عائلة عُرفت بتقاليدها العريقة في تجارة وتلميع الألماس، حيث تلقى تعليمه المبكر في هذا المجال من والده وجده.
من منطلق إرثه العائلي الذي يعود إلى عصر الاستعمار، شق غيرتلر طريقه في مجال استغلال الألماس في شرق أفريقيا، مستفيدًا من الفترة الطويلة التي حكم خلالها رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية السابق، جوزيف كابيلا، فحصل على عقودٍ كبيرة وأحيانًا مثيرة للجدل لتصدير الألماس والذهب والنفط والكوبالت وغيرها من المعادن النفيسة. استطاع من خلال هذه العقود ترسيخ نفوذه -ومن ورائه إسرائيل- في شرق أفريقيا وما وراءها، مكونًا ثروة تقدرها مجلة “فوربس” بنحو ملياري دولار في عام 2023. لم تتعززّ مكانة غيرتلر في أفريقيا إلا بفضل علاقاته الوثيقة مع شخصيات متنفذة، التي كان بعضها متورطًا في جرائم حرب بالكونغو.
كان لتحقيق الصحفي مارتن بلوت في يونيو 2022 دورٌ كبير في الكشف عن مساهمة شخصيات إسرائيلية نافذة كانت تعمل ضمن الحكومة الإسرائيلية تحت حكم بنيامين نتنياهو، في تقديم الدعم لغيرتلر.
من هذه الشخصيات يوسي كوهين، الذي كان مديرًا للموساد، وقد قام بثلاث زيارات إلى الكونغو الديمقراطية في عام 2019 للتوسط لصالح غيرتلر لدى الرئيس جوزيف كابيلا. هذا الأمر يظهر دان غيرتلر ليس فقط كرجل أعمال يعمل لمصلحته الخاصة، بل كأداة للدولة الإسرائيلية والموساد، لإحداث تأثير عميق في الدوائر السياسية الأفريقية.
(٣)
أما الضلع الثالث والأكثر خطورة في تقديري الخاص، هو استغلال الدين كأداة للسيطرة، وهذا يقتصر -غالبًا- على مسيحيي القارة الذين يمثلون نسبة 60% من الديانات في القارة.
فمع مطلع القرن العشرين، برزت على الساحة الأفريقية كنائس جديدة تُعرف بالكنائس الخمسينية الأفريقية، والتي أخذت على عاتقها مزج المعتقدات الأفريقية مع تعاليم العهد القديم، محاولةً للاندماج بين الثقافة الأفريقية والمسيحية.
وقد أظهرت الإحصاءات الراهنة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أنّ الخمسينية تُمثّل 36% من المسيحيين الذين يصل عددهم 564 مليونا و5 آلاف، مما يظهر نمواً ملحوظاً مقارنة بعام 1970 حيث كانوا يشكلون فقط 13% من المسيحيين في المنطقة.
وتتميز هذه الكنائس بأن لها جذوراً أقرب مع العقيدة اليهودية مقارنةً بالطوائف الدينية الأخرى، حيث ينجذب الخمسينيون نحو اليهودية استناداً إلى تفسيرات مباشرة للكتاب المقدس، ويرفضون نظرية “استبدال الشعب” التي تزعم أن اليهود فقدوا مكانتهم كشعب مختار نتيجة رفضهم للمسيح، مصرين على أن العهد الإلهي مع اليهود ما زال سارياً ويرون في النظرية مغالطة تم ترويجها عبر الكنائس التبشيرية الغربية. وهذه المعتقدات لها تأثيرات سياسية بالغة الأهمية، مثل الاعتقاد بأن دعم اليهود وإسرائيل يجلب البركات، استناداً إلى “عهد الله لإبراهيم” في سفر التكوين.
تُعدُّ نيجيريا -أكثر البلُدان الأفريقية كثافةً بالسكان- مثالاً بارزاً لنمو الحركة الخمسينية في أفريقيا، حيث تأثير قادة دينيين مثل كريس أوياخيلومي، تي بي جوشوا، وإينوخ أديبويه، يمتد عالمياً.
هؤلاء القادة، الذين يجذبون ملايين المتابعين، قد زاروا إسرائيل ونقلوا تجاربهم عبر وسائل الإعلام.
حتى إن بعضهم شغل مناصب رفيعة في الدولة، مثل الرئيس النيجيري السابق غودلوك جوناثان، الذي كان له دور محوري في التصويت على قرارات تتعلق بإسرائيل في مجلس الأمن الدولي.
وعلى نحو نيجيريا، دولة أوغندا، حيث تُقام دوريًا “مؤتمرات التوبة” لدعم إسرائيل.
هذه المؤتمرات تجمع ضباطًا ووزراء أوغنديين مسيحيين مع دبلوماسيين إسرائيليين، وتتخللها لحظات بكاء حيث يُطالب المشاركون العفو من اليهود عن الأفعال التي ارتكبتْ في عهد الرئيس الأُوغندي المسلم عيدي أمين، الذي قطع العلاقات مع إسرائيل وسعى لعزلتها.
وفي غانا أيضًا، يتجلى النفوذ الديني بشكل بارز، حيث الرئيس نانا أكوفو أدو، وهو من المنتمين للخمسينية، يُظهر دعمًا قويًا لإسرائيل. في عام 2018، أعلن عن خطط لبناء كاتدرائية وطنية متعددة الطوائف في غانا، وتم استيراد الحجر الأساس للمشروع من القدس المحتلة، وقدمته السفيرة الإسرائيلية شاني كوبر زوبيدا، كهدية ذات طاقة روحانية مميزة، تعبيرًا عن مستوى الترابط الروحي والسياسي بين غانا وإسرائيل.
(٤)
ختامًا، إنّ هذه الأنماط من التأثير الأمني، الديني، والمالي، ليست فقط مظهرًا من مظاهر التطبيع مع إسرائيل أفريقيًا، بل تمثل أيضًا تطبيعًا مع العنف وتبريرًا له، خاصةً في مواجهة الأحداث الأخيرة في غزة. وفي تأكيدٍ صارخٍ على استغلال الدين لصالح التأييد لإسرائيل، ما قاله القس النيجيري إينوخ أديبويه، خلال زيارته للمستوطنات الإسرائيلية، معتبرًا بأن “المشاكل بين اليهود والعالم تنبع من كونهم مفضلين لدى الله، مما يجلب لهم عداء الشيطان”، في إشارةٍ منه إلى خصومتهم مع المسلمين الفلسطينيين.
وبعد ثلاثة أشهر من اندلاع العدوان الراهن على غزة، نشرت صحيفة “أفريكا ريبورت” تقريرًا يفيد بأن الشباب المنتمين لهذه الكنائس يُظهرون استعدادًا للسفر إلى إسرائيل للمشاركة في حربها ضد ما يسمونهم “أعداء الشعب المُفضل لدى الله”.
ما يُظهر أن تبرير العنف قد تجاوز السياسة ليصل إلى الفعل المباشر، وهو ما قد يكون له تأثيرات أخطر وأعمق من تلك المرتبطة بالتطبيع العربي.
ففي حين يبرر العرب تطبيعهم بالأمن والمصالح المشتركة، لا يبدو أن هذه التبريرات ستؤدي إلى إرسال أبنائهم للقتال بجانب إسرائيل. لكن في المقابل؛ تُطالب الكنائس الخمسينية أتباعها بالمشاركة مؤكدين أن ذلك سيجلب لهم البركات الإلهية.
إذن، مواقف الكنائس الخمسينية، التي تدافع عن الحرب الإسرائيلية بشراسة، تُبِيْنُ لنا أن تبرير العنف يمكن أن يتجاوز مجرد التطبيع إلى تبنيه كموقف أخلاقي مستند إلى مفاهيم دينية مشوهة، ما يؤدي إلى دعم ضمني لأعمال قد تصل إلى حد الإبادة الجماعية، وربما المشاركة فيها يومًا.
انتهى،،،