‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. المهدي عزوز إعلامي وباحث. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. المهدي عزوز إعلامي وباحث. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 31 أغسطس 2025

المقاومة وشرط التفاوض القوي

 المقاومة وشرط التفاوض القوي

إعلامي وباحث

يعتبر شعار "السلام من خلال القوة" الشعار الأحدث في سياق مشاريع السلام التي تم التسويق لها خلال جولات الصراع العربي الإسرائيلي. فقد جرى تنشيط القضية الفلسطينية على قاعدة "الأرض مقابل السلام" بعد هزيمة 1967.

ولكن مع المنعطفات الكاسحة لتسعينيات القرن العشرين جرت الاستعاضة عن مبدأ الأرض مقابل السلام بشعار السلام مقابل السلام. فكان مؤتمر مدريد 1991. واليوم نشهد ولادة مفهوم جديد التقى على صياغته كل من ترامب ونتنياهو وهو شعار "السلام من خلال القوة".

ومما لا شك فيه أن تلك التحولات التي شهدها المفهوم ليست إلا تكييفات تعكس مدى الافتتان بالقوة. مثلما تكشف عن درجة الاختلال في موازين القوى بين الجلاد والضحية.

الأرض مقابل السلام

لقد قامت مشاريع "السلام" الأولى بين العرب والإسرائيليين على فكرة "الأرض مقابل السلام". وكانت متسقة إلى حد ما مع المقررات الأممية بشأن القضية الفلسطينية: "242" و"338″ ثم مشروع روجرز الذي جرى تبنيه بين الفترتين، بوجهيه (المشروع والمبادرة).

ففي الـ "242" أكد مجلس الأمن الدولي "إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط" على أساس:

  • " انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في النزاع الأخير.
  • واحترام واعتراف بسيادة ووحدة أراضي كل دولة في المنطقة، واستقلالها السياسي وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها، حرة من التهديد بالقوة أو استعمالها".

ففي حين عنت النقطة الأولى "الأرض"، فقد عنت النقطة الثانية "السلام". وهو القرار الذي سيُبنى عليه القرار "338" الذي أعقب حرب 1973، وجاء بدوره كي يشدد على إيقاف الحرب والبدء الفوري في مفاوضات "بهدف إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط".

وبين 1967 والـ"242″، و1973 والـ"338″، كان وزير الخارجية الأميركي روجرز يبني تصوراته في السلام المفترض، انطلاقا من مخرجات الـ242. ومن المخرجات نفسها بنى هنري كيسنجر المبادئ العامة لاتفاقية كامب ديفيد 1979.

لقد جاء مشروع روجرز في السلام استمرارا لأطروحة الـ"242″. فأكد في النقطة الأولى ضرورة "انسحاب إسرائيل من أراضٍ عربية محتلة في حرب يونيو/حزيران، وذلك مقابل ضمانات عربية للوصول إلى التزام مبرم للسلام". إنها الصيغة نفسها التي فرضتها نتائج الهزيمة العسكرية للعرب في 1967. وجعلت من الأرض السليبة جزءا من معادلة التفاوض في سياق مقايضة الأرض بالسلام.

وليس غريبا أن تبادر دولة الاحتلال ذات الأحلام التوسعية إلى رفض تلك الصيغة ما سبب خلافا حادا بينها وبين الإدارة الأميركية. فقد كانت الحكومة الصهيونية ترفض إطلاق كلمة "انسحاب" التي اعتمدتها مبادرة روجرز. وفضلت مقابل ذلك صيغة "إعادة تمركز القوات".

فهذه الأخيرة ستكون- عكس الانسحاب- خاضعة "لمائة تفسير على الأقل" مثلما قال ليفي إشكول. ورغم ذلك الصدام، فإن الحكومة الصهيونية قد قبلت في الأخير بالصيغة الأميركية، لا حبا في السلام، بل لأن "الغلظة في التعامل مع السياسة الأميركية مغامرة لا ينبغي لإسرائيل أن تقدم عليها بالمواجهة"، والكلام لهيكل.

وبعد شهر من ذلك التاريخ أبدت مصر موافقتها على ذاك المشروع. وكتب وزير خارجيتها محمود رياض إلى روجرز يقول: "إن انسحاب إسرائيل من كل الأراضي العربية التي احتلتها نتيجة لعدوان 5 يونيو/حزيران 1967، هو ضرورة حيوية لتحقيق أي تسوية سلمية في المنطقة".

والحقيقة أن مشروع "الأرض مقابل السلام" لم يستقر على تلك الصيغة، ولا هو تبلور نهائيا إلا مع إمضاء اتفاقية كامب ديفيد بين مصر ودولة الاحتلال 1979.

فقد جاء ذلك المشروع استدراكا على نجاح الكيان في الاستيلاء على أراضٍ عربية: (سيناء المصرية، والجولان السورية، إضافة إلى الضفة الغربية والقدس التي كانت تحت الوصاية الهاشمية، فضلا عن احتلال قطاع غزة)، خلال حرب خاطفة صبيحة الخامس من يونيو/حزيران 1967.

وبذلك أصبح انسحاب جيش الاحتلال من الأراضي التي تم احتلالها في 1967، هو الشرط الأساسي لأي معاهدة للسلام. فدولة الكيان تتخلى عن الأراضي التي احتلتها إثر الهزيمة، في مقابل اعتراف عربي بوجود تلك الدولة في الشرق الأوسط.

وهو ما كرسته اتفاقية كامب ديفيد، إذ حصلت مصر بقيادة الرئيس السادات على استعادة شبه جزيرة سيناء مقابل إبرام اتفاق السلام مع إسرائيل. في المقابل، لم تحظَ بقية الأراضي العربية التي احتلت عام 1967 – مثل الجولان والضفة الغربية والقدس وقطاع غزة – بالزخم ذاته على طاولة المفاوضات.

وكان ثمن الانسحاب من سيناء قاسيا جدا على مصر والأمة. فهو يبدأ من إخراج مصر من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي حتى "الحماية الشخصية" للرئيس. ناهيك عن تسليم الأسرى، ورفع الحصار البحري والقبول بالحل المنفرد، وغيرها.

ورغم التنازل العربي، فإن مبدأ "الأرض مقابل السلام" لم يعد يستجيب للهواجس الأمنية للاحتلال.

السلام مقابل السلام

منذ معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية 1979 حتى أوسلو 1993 مرورا بمؤتمر قصر الصنوبر 1989، بدا وكأن منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها رافعة رسمية للنضال الفلسطيني، قد استنفدت أغراضها.

فالمنظمة التي فرضت استقلالها السياسي والتنظيمي عن الأنظمة العربية منذ 1964، واقتلعت الاعتراف العربي بها ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني منذ قمة الرباط 1974، انتهى بها المسار إلى اكتساب وضعية المفاوض الوحيد باسم الشعب الفلسطيني.

وكلما فُتح أمامها باب نحو التفاوض، كان يُغلق دونها باب نحو المقاومة. ومعه تجري تغيرات عميقة في الفلسفة والسلوك والخطاب والخيارات… لقد مثلت تلك البيئة التي قرأت الصهيونية تفاصيلها جيدا، مدخلا للمناورات وفرض التنازلات.

وانكشف ضعف الكادر الفلسطيني المفاوض أمام دهاء المفاوض الصهيوني. فسهل عليه الانتقال من شعار الأرض مقابل السلام إلى مفهوم جديد قائم على فكرة "السلام مقابل السلام".

لقد أصبح شعار "السلام مقابل السلام" هو الشعار الطاغي على الخطاب الصهيوني منذ جولات الاستطلاع الأولى للإعداد لاتفاق السلام. شعار جيء به أساسا لقبر ذلك الشعار الأثير "الأرض مقابل السلام" الذي أعقب الهزيمة. ولسان حال الصهاينة يقول إن العرب لم تعد لهم أرض يساومون بها أو يقايضون بها السلام.

ومما لا شك فيه أن ذلك المسار لم يكن إلا نتيجة لجملة من المقدمات. فبالإضافة إلى حالة الهوان العربي، كانت التحولات الدولية والإقليمية تجري لغير صالح العرب. وهو ما هيأ الأوضاع لطرح مشروع للسلام ينهي القضية الفلسطينية.

لقد بدت الدول العربية في تلك المرحلة أقرب إلى التهميش منه إلى الفاعلية. وإذ خلت الساحة من أي مشروع عربي للسلام يحافظ على الثوابت ولا يفرط في الحقوق، فقد برز مشروع السلام الصهيوني الأميركي الذي انتهك الثوابت وفرط في الحقوق.

فقد كان المفاوض الإسرائيلي قادرا على تفتيت الجبهات، واستثمار الدور الحيادي لمصر من أجل فرض بعض المكاسب. ومما لا شك فيه أن "الموازين العربية قد اختلت بخروج أكبر دولة عربية من حساباتها".

وهو ما عمل المفاوض الصهيوني والراعي الأميركي على استثماره. فخلال المسار التفاوضي كانت مصر- حسب شيمون بيريز- "الدولة الوحيدة التي يمكن للمنظمة وإسرائيل والولايات المتحدة اللجوء إليها طلبا للمساعدة في اللحظات الحرجة".

كانت أغلب الدول العربية تمارس ضغوطا على المنظمة على أنحاء مختلفة، إلى حد أن هيكل وصفها "بقوة الطرد" التي دفعتها نحو "مجال الجذب الإسرائيلي".

لقد جرى التفاوض "في ظل موازين قوى لم تكن يقينا في مصلحة الطرف الفلسطيني، مما كان محتما أن يقود في خاتمة المطاف إلى اتفاق أبسط ما يمكن أن يقال عنه إنه مغامرة".

وفعلا فقد كان الحصاد السياسي لتلك المغامرة أشبه ما يكون بالقبول الطوعي "بالحكم الذاتي" الذي سيصادر فعليا أي حديث عن "دولة فلسطينية". فقد سادت قناعة لدى صناع القرار في دولة الاحتلال أن الدولة الفلسطينية مهما كانت منزوعة السلاح لن تكون إلا النهاية الوجودية للكيان.

وهكذا فقد جرى ترحيل القضايا المصيرية: (حق العودة، الحدود، المستوطنات، القدس) إلى ما سمي بقضايا الحل النهائي. إنه "الحل المغامر" مثلما وصفه هيكل. وهو ما أكده بيريز بقوله لقد حصلنا "على تنازلات لم نكن نستطيع بدونها توقيع أي اتفاقية… تنازلات أمنية وقضية إبقاء القدس خارج اتفاقية الحكم الذاتي، والإبقاء على المستوطنات حيث هي".

لقد توج ذلك المسار باتفاقية أوسلو 1993. وبرز على سطح الخطاب العربي (بما فيه الفلسطيني) مفهوم "السلام العادل والشامل"، أو "سلام الشجعان" مثلما كان يردد "الختيار".

ولم تكن تلك الشعارات إلا محاولات يائسة لتنفيس كربات الخديعة. أما الحقيقة الماثلة على الأرض، فهي أن مشروع السلام لم يكن إلا اعترافا فلسطينيا بدولة الاحتلال، وأن مقررات أوسلو لم تكن إلا نهاية لحلم الدولة الفلسطينية على أرض 1967.

كما أن "السلام مقابل السلام" قد حل محل "الأرض مقابل السلام". لأن "الذي يسيطر على الأرض هو الذي يملك مقدرات السلام، أي أن العرب لم يكن في قدرتهم أن يعطوا السلام في مقابل الأرض". وتلك مفاعيل حاسمة فرضتها البيئات الجديدة وحقائقها على الأرض.

السلام من خلال القوة

خلال لقائه الأخير في الولايات المتحدة مع وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قال نتنياهو "سأقول إن الرئيس ترامب وأنا كنا دوما نتحدث عن السلام من خلال القوة: القوة أولا ثم يأتي السلام. ونأمل أن نجني ثمار هذه القوة قريبا في مجال السلام".

وفي المواجهة المحتدمة مع المقاومة في غزة أكد نتنياهو أن مفاوضات الإفراج عن الرهائن "لن تجري من الآن فصاعدا إلا تحت النار". فـ"الضغط العسكري" -من وجهة نظره- هو وحده الكفيل باستعادة الرهائن.

الضغط العسكري والقصف والنار مترادفات للقوة ما فتئ نتنياهو يذكّر بها في مفتتح كل جولة من جولات التفاوض. إنه الكساء الأبدي للفكرة الصهيونية الذي يمكن أن تجده في تفاصيل الخطاب.

في قلب تنظير بيريز لفكرة "الشرق الأوسط الجديد"، أي للسلام المفترض مع العرب، أقر قائلا "لم ندخل الحرب مع مصر لنستولي على نصف سيناء، ولم ندخل في مواجهة مع سوريا للحصول على الجولان، لكن فعلنا ذلك من أجل ضمان الأمن والاستقرار".

فعلى تلك القاعدة كان يجري التحول من قوة العسكر إلى قوة الحكمة مثلما يقول. ورغم نعومة القفاز، فإننا لن نجد أفضل من بيريز للحديث عن تلك الصيرورة: صيرورة السلام من خلال القوة. من هنا نميل إلى القول إن شعار "السلام من خلال القوة" كان الأقرب إلى العقيدة الأمنية للكيان.

ولذلك لم تستطع الصيغ الأخرى أن تثبت أو أن تؤدي دورا محوريا في كبح الصراع، رغم الدعوات الأممية التي رافقتها. فكل شعار من الشعارات السابقة لم يكن إلا استجابة مؤقتة لظروف دولية وإقليمية، أما الذي يحدد الوجهة الصحيحة، فهو ميزان القوى.

وما دام أن ميزان القوى يعمل لصالح النقيض الحضاري للأمة، فإن الحقيقة التي ظلت ثاوية خلف المناورات هي القوة القادرة على فرض السلام، أو فرض الاستسلام من خلال "تدفيع" قوى الرفض الثمن.

ففي كل الحروب التي كان جيش الاحتلال يخرج منها مكللا بالنصر، كانت تعقبها دعوات صهيونية للسلام. فكأن الاستسلام الذي كان يعرض على العرب لم يكن إلا استثمارا في نتائج الحروب القاسية، أي في الهزائم.

يذكر بيريز أن قوات الاحتلال خلال الهزيمة شنت "حملة عسكرية خاطفة وأذهلت العالم بنصرها المدوي، ولكنها لم تفز بالسلام وراح وزير الدفاع وقتذاك موشيه ديان ينتظر عبثا مكالمة هاتفية من الزعماء العرب"، يعلنون فيها الإذعان الطوعي للقوة القاهرة.

فقد كان بوسع عبدالناصر، رغم الجروح الغائرة للهزيمة، أن يمارس الاستنزاف، وأن يصدح من مؤتمر الخرطوم "لا صلح لا اعتراف لا تفاوض". فنصر 1967 لم يكن آخر الحروب لدولة الاحتلال، ولا هو لبّى احتياجاتها الأمنية. إنه الأسلوب نفسه يستعاد مع كل جولة من جولات الصراع.

فبعد الضربة الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية، ظل ترامب يحدّ سكاكينه منتظرا جثو الإيرانيين على الركب في مسرح الذبح الأخير؛ أي الاستسلام.

فالرئيس ترامب بدوره، قد أسس دعوته للسلام على عقيدة "السلام من خلال القوة". وكم توعد الرجل حركة حماس وغزة "بالجحيم". وهو ما يعني أن السلام (الاستسلام) الذي تأتي الحرب نقيضا له، يصبح من نتائجها المباشرة. ونحسب أن التقاء النهجين -الأميركي والصهيوني- في لحظة فارقة يجد مبرراته في التاريخ والأيديولوجيا.

إن "السلام" الأميركي والصهيوني لا يجد له معنى إلا في اعتماد القوة العارية لإنزال الضعيف على حكم القوي. إنه الاستبعاد الممنهج لمبدأ العدالة في العلاقات الدولية. فالحرب من وجهة نظر حنه آرنت "لعبة لا يقوم هدفها العقلاني في إحراز النصر، بل في ردع الطرف الآخر".

وقد أصبحت القوة المرادفة للعنف في العقل الأميركي الصهيوني محض تحدّ للقانون الدولي. فحين حركت المحكمة الجنائية الدولية دعاوى ضد دولة الاحتلال بتهمة الإبادة، اتهمها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بتهديد أمنهم القومي وأمن حليفتهم.

إنه الرد نفسه نطالعه لدى وزير خارجية رونالد ريغان آنذاك جورج شولتز إبان محاكمة نيكاراغوا لبلاده أمام محكمة العدل الدولية. لقد وصف شولتز الوسائل القانونية بأنها طوباوية. ورأى أن الذين يعوّلون على ذلك النهج "يتجاهلون عنصر القوة في المعادلة". وكم كانت فرانشيسكا ألبانيزي محقة حين اعتبرت أنه "لا مكان للعدالة عندما تكون إسرائيل في قفص الاتهام".

في الختام

إن دولة الاحتلال "تصر على سلام إسرائيلي من منطق القوة والغلبة". ولم تكن تحولات وجهة النظر الإسرائيلية تجاه السلام إلا استجابة للمتغيرات مثلما يفهمها العقل السياسي الصهيوني. فليست تلك التحولات ترفا ذهنيا أو خطأ في الحسابات، بقدر ما كانت مقاربات تستجيب لاحتياجات الكيان الأمنية والإستراتيجية.

وفي المقابل لم تأتِ المبادرات العربية في السلام إلا لتكريس الاعتراف بدولة الاحتلال بوصفها جسما طبيعيا في فضاء حضاري تقول حقائق التاريخ والجغرافيا إنها ليست من النسيج نفسه. ومما لا شك فيه أن "حقائق التاريخ والجغرافيا سوف تعود إلى تأكيد نفسها" مثلما يقول هيكل.

فقد ظهر بالكاشف أن العرب لا يملكون مفتاح السلام، وهم أيضا لا يملكون القدرة على تحرير الأرض. وهو ما يعني أنهم يذهبون إلى سلام معدمين سياسيا وإستراتيجيا، وفاقدين لعناصر القوة في التفاوض، أي أنهم ذاهبون إلى الاستسلام.

فلماذا يستمر العرب في وهْم أن السلام المعروض على الأمة هو الخيار الوحيد في كل مرحلة؟        

أما المقاومة فقد رأت المسألة بعين مختلفة، ولسان حالها يقول: إذا أردت أن تفاوض فقاتل.

كيف أصبحت المقاومة الجيش البديل الذي لا يُهزم؟


الجمعة، 29 أغسطس 2025

كيف أصبحت المقاومة الجيش البديل الذي لا يُهزم؟

 كيف أصبحت المقاومة الجيش البديل الذي لا يُهزم؟

إعلامي وباحث

الناطق العسكري باسم كتائب القسام أبو عبيدة 

أمام الهزائم العسكرية والسياسية للأنظمة العربية، كانت الشعوب العربية تفرز أدواتها في المواجهة. فمنذ ثلاثينيات القرن العشرين تحولت القضية الفلسطينية من رخاوة الأنظمة إلى صلابة التنظيمات.

ففي المواجهة لم تسقط الزعامات والأيديولوجيات فقط، بل سقطت أيضا الجيوش النظامية ومعها سقط دورها في التحرير. 

وخلف عجز الأنظمة كانت تتراءى حماسة الشعوب. وخلف ضعف الجيوش كانت تبرز جسارة القوى الضاربة.

فكأن التنظيمات السياسية والأيديولوجية قد جاءت لملء الفراغ. فقد أحيت نكبة 1948 في الأمة مفهوم الجهاد. وحررت هزيمة 1967 المبادرة الشعبية وأيقظت مفهوم التحرير. وفجرت معاهدة كامب ديفيد 1978 حركات المقاومة مع بداية الثمانينيات. وعلى طول تاريخ القضية الفلسطينية، كانت تتعايش أطروحتان: واحدة للمقاومة، وأخرى للسلام.

النكبة

لقد وجدت الجامعة العربية نفسها بعد بضع سنوات من تأسيسها أمام أصعب اختبار لها: القضية الفلسطينية. لم يكن تأسيسها من أجل تحرير فلسطين، بل كان محاولة بريطانية لتجاوز ضغائن الخديعة البريطانية للشريف حسين.

فكان ميلاد الجامعة تعويضا عن دولة الوحدة بوجهيها القومي والإسلامي. ومن ثم لم تكن فلسطين على جدول أعمال تلك المنظمة الإقليمية الناشئة. ولا شك في أن عجز المنظمة وأنظمتها على معالجة المسألة منذ بواكيرها قد دفع نحو تدويل القضية. فكان قرار التقسيم نوفمبر/ تشرين الثاني 1947 حجر الأساس للكيان الغاصب. لتندلع بعده إحدى أعتى المواجهات.

قررت الحكومات العربية في اجتماع "العالية" 1947 أن تكوّن فصيلا شبابيا حسن التدريب والأداء. وتولت جامعة الدول العربية تأسيس "جيش الإنقاذ" بقيادة فوزي القاوقجي. ولكن الضغط البريطاني كان كفيلا بإسقاط ذلك المشروع. وهو المصير نفسه الذي لقيته لجنتهم العسكرية بقيادة "طه الهاشمي" واللواء إسماعيل صفوت باشا.


وحتى النجاحات التي حققتها تلك الجيوش في الجولات الأولى للصراع ذهبت أدراج الرياح بفعل المناورات الغربية (الهدنة الأولى والثانية). فكانت نكبة 1948 فاتحة الهزائم العربية. إذ لم تكن الحكومات العربية في حجم القضية.

فما بين العجز الذاتي والارتهان للقرار البريطاني والخيانة الصريحة، كانت الحكومات العربية تُسقط من حسابها أي مواجهة جدية للأطماع الصهيونية في فلسطين، وتتنصل من مسؤولياتها القومية والإسلامية.

فقد خضعت أغلب الحكومات العربية لإرادة الغزاة. وظلت "تستجدي الحلول من القوى الإمبريالية التي كانت ولا تزال تشكل رأس حربة في أزمة القضية الفلسطينية"

ففلسطين لم تكن "المحرك الرئيسي لسياسات الدول العربية، بل كان الدافع وما يزال هو تأمين الأنظمة الحاكمة في الدول الوطنية في مرحلة ما بعد الاستعمار". وتلك الحسابات كانت السبب المباشر في تأخير الاستجابة لداعي الجهاد في فلسطين.

التنظيمات الشعبية ونقد الدولة

أمام عجز الأنظمة العربية كانت التنظيمات قبل النكبة وبعدها تدخل على خط الصراع. فكتب ميشال عفلق سنة 1946 يقول: "لا ينتظر العرب ظهور المعجزة: فلسطين لا تنقذها الحكومات بل العمل الشعبي". وساد اعتقاد لدى حسن البنا أن الأنظمة العربية ليست جادة في مقاومة الاحتلال.

وأكد كامل الشريف "أنه لا خير يرجى في هذه الحكومات". فالعوائق أو "المصائب" أو "العبث" الذي يجد ترجمته في فساد أنظمة الحكم القائمة، وهيمنة الاستبداد السياسي، واختلاف الدول العربية فيما بينها… كل تلك العوامل في تضافرها كانت "كافية لإيقاع الهزيمة".

وقد كان نقد الموقف العربي الرسمي من القضية الفلسطينية مقدمة لسحب القضية من الأنظمة ووضعها بين أيادي الفعاليات الشعبية المدنية والعسكرية. ففي فلسطين بادرت "الهيئة العربية العليا" برئاسة الحاج أمين الحسيني بتشكيل قوات "الجهاد المقدس" بقيادة عبدالقادر الحسيني.

وخلال الأشهر الخمسة الأولى للحرب تمكنت تلك القوات من تكبيد العصابات الصهيونية خسائر فادحة. ولكن مع دخول جيوش الدول العربية فلسطين 15 مايو/ أيار 1948 "ظهرت سياسة إقصاء الفلسطينيين عن ميادين المعركة ومنع الأموال والأسلحة عنهم".

وقد جاء تقرير عبدالقادر الحسيني للجامعة العربية في أبريل/ نيسان 1948 يقطر مرارة وأسى بسبب خذلان لجنتها العسكرية التي ماطلت في إمداده بالمال والسلاح. وفي ذلك التقرير حمّل الجامعة مسؤولية ضياع فلسطين. ليستشهد بعدها بيومين في معركة القسطل.

أما عربيا فقد زحف المتطوعون العرب نحو فلسطين. وبرزت في الأثناء كتائب الإخوان المسلمين كقوة وازنة في الصراع. فرغم تضييق السلطات، نجحت طلائع الإخوان في التسلل إلى داخل فلسطين، حيث تمكنت قوة من المتطوعين بقيادة أحمد عبدالعزيز من الوصول إلى خان يونس. والتحقت بهم قوة أخرى من شرق الأردن بقيادة عبداللطيف أبوقورة. ثم حلت قوة أخرى من سوريا بقيادة زعيم الإخوان مصطفى السباعي.

وفي غزة استقرّت قوة البكباشي عبدالجواد طبالة. وعلى أرض فلسطين أدارت تلك الطلائع معارك ضارية ضد العصابات الصهيونية. وقد علق هيكل على تلك الاشتباكات بالقول: "لقد أثبت بعضهم نفسه تحت نيران القتال". وهكذا فقد كانت الجماهير العربية خلال النكبة متقدمة على حكامها.

النكسة

لقد أجهزت قوات الاحتلال في صباح الخامس من يونيو/ حزيران على القوات الجوية المصرية بضربة خاطفة. فدمرت مئات الطائرات المصرية في قواعدها. وضربت المطارات وعطلت قواعد الصواريخ أرض-جو.

مشهد أجمله أنور عبدالملك في قوله: "كانت القوات المصرية المسلحة قد ضُربت بشكل خطير، واحتلت سيناء، وشلت قناة السويس، ومُحي سلاح الطيران عمليا كوحدة مقاتلة، وتفجرت أعمال الخيانة والإجرام والتآمر، وانتشرت في كل مكان". كل ذلك في سويعات معدودات. وبإخراج القوات الجوية المصرية من الخدمة، فقد تركت بقية القوات في العراء من دون أي غطاء جوي.

وجاء قرار الانسحاب غير المدروس من سيناء ليزيد من الكلفة البشرية للهزيمة. ومع انهيار الدرع الواقي الذي كان يحمي عمق الأمة، فقد أصبح عمق الجغرافيا العربية – فضلا عن أطرافه- مهددا. فزحفت قوات العدو نحو سيناء بعد أن دمرت بقية القوات المسلحة المصرية.

واندفعت نحو الضفة الغربية فاحتلتها واستولت على القدس الشرقية بعد أن انهارت الدفاعات الأردنية في اليوم التالي. وكذلك فعلت في قطاع غزة. أما القوات التي اتجهت نحو سوريا فقد "تمكنت من احتلال مرتفعات الجولان دون مواجهة أي مقاومة تتناسب مع القوات العسكرية الضاربة المحتشدة هناك".

ولم تضع الحرب أوزارها إلا بعد أن أحكمت قوات الاحتلال سيطرتها على مساحات جديدة. وحسبنا من القراءات لتلك الكارثة المدمرة وصف هشام شرابي للهزيمة بـ "أيام حزيران السوداء". فكيف انعكست الهزيمة على الاختيارات النضالية للفلسطينيين؟

مثلت هزيمة 1967 منعطفا إستراتيجيا في الوعي السياسي الفلسطيني. وكان من نتائج الهزيمة "ظهور المقاومة الفلسطينية المسلحة وتعاظمها، وبروز الهوية الوطنية الفلسطينية التي قررت أن تأخذ زمام المبادرة بعد أن تبين لها مدى الضعف العربي". فقد قضت الهزيمة على إيمان الفلسطينيين بالحكومات "التقدمية" التي كانت معقد الآمال. "وأثبتت فشل الأنظمة العربية وعجزها عن تحرير فلسطين".

وينقل يزيد صايغ عن خليل الوزير أنه كان يرفض "الاعتماد على الدول العربية وجيوشها". وهكذا فقد ساعدت تلك البيئة على الاعتراف بالحركة الوطنية الفلسطينية كلاعب أساسي في الشرق الأوسط.

ويحسب للحركة أنها نجحت في "فرض نفسها كمعبرة عن الطموحات الوطنية للشعب العربي الفلسطيني". وهو ما أسهم في تشكيل الرؤى السياسية والميدانية للمنظمة. ففي المستوى الأيديولوجي قلبت حركة فتح ذلك الشعار الذي لطالما تغنى به القوميون العرب "الوحدة طريق فلسطين" إلى شعار "فلسطين طريق الوحدة". شعار ستتأسس عليه الكثير من التحولات التكتيكية والإستراتيجية. ومنذ أن استعادت منظمة التحرير المبادرة، اختارت الاستقلال السياسي والتنظيمي عن الجامعة العربية وأنظمتها.

وأما ميدانيا فقد بدأ مفهوم العمل الفدائي يتبلور كبديل من الحروب النظامية. وعلى تلك القاعدة كانت انطلاقة الثورة الفلسطينية مطلع 1965. وساد إجماع لدى أغلب الفصائل الفلسطينية مفاده أن تحرير الأرض لا يكون إلا عبر الكفاح المسلح. وهو المضمون المركزي الذي تبناه "الميثاق الوطني الفلسطيني".

وتفجرت سجالات سياسية حول نظرية التحرر الوطني من خلال دراسة النظريات الثورية وتجارب الشعوب المستعمرة. وهو ما أنتج مجموعة من الأدبيات دارت أغلبها حول حرب الشعب، وحرب التحرير الشعبية وغيرها.

وفي ضوء تلك الأدبيات جرى تأسيس عدة قواعد للعمل الفدائي في أغلب دول الطوق. وكانت ملحمة الكرامة 1968 ترجمة عملية لتلك التوجهات الجديدة. وهو ما زاد في ترسيخ النهج المقاوم حتى أصبح "الكفاح المسلح مصدر الشرعية السياسية ورمز الهوية الوطنية، والمادة الجديدة للمجتمع الفلسطيني المتخيل".

والحقيقة أن الأداء الفصائلي بعد الهزيمة لم يقطع الصلة تماما مع الأنظمة الراديكالية. فغالبا ما كانت التصورات الثورية تأخذ بعين الاعتبار الظروف التي تمر بها الأنظمة. ولكن رياح يونيو/ حزيران بقدر ما أذكت نار الاستنزاف، فقد هيأت للعبور.

حرب العبور

لقد عرفت مصر بعد وفاة عبدالناصر تحولات سياسية مهمة. فالمناخات الراديكالية في مصر والعالم العربي بدأت في الضمور لصالح اتجاه عربي ميّال إلى "الاعتدال" في مقاربة الصراع. وكانت القناعة الحاصلة لدى السادات أن "تدمير الدولة اليهودية هدف غير قابل للتحقيق". وفي تلك السياقات لم تكن حرب العبور إلا عملية جراحية القصد منها الإعداد لمسرح التسوية.

مثلت حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 أول انتصار مصري على قوات الاحتلال بعد ثلاثة حروب متتالية. فقد بدأ الهجوم المصري ظهيرة السادس من أكتوبر/ تشرين الأول على مواقع العدو في سيناء قصد تحييدها وحرمانها من أي قدرة على الرد أو الحركة قبل تحقيق العبور إلى شرق القناة. فكان "وقع المفاجأة بنوعيها الإستراتيجية والتكتيكية قد تحقق إلى نهايته".

ومنذ ليلة السابع من أكتوبر/ تشرين الأول عبرت من الجيش المصري نحو شرق القناة خمس فرق مشاة ومئات من الدبابات وعدد من كتائب الصواريخ وأسلحة إسناد أخرى.

استبشر الفلسطينيون بتلك التطورات الميدانية. واعتبرت منظمة التحرير الفلسطينية أن إعلان الحرب على دولة الكيان كان "فرصة عظيمة أمام الفدائيين الفلسطينيين لتصعيد فاعليتهم القتالية".

ولكن العبور لم يعقبه تطوير للهجوم المصري مثلما خُطّط له. فقد جرى الالتفاف على الانتصار المذهل للمصريين بداية الحرب. ومن خلال "الثغرة" التي أحدثها جيش الاحتلال في جدار المواجهة، بدأ في إحراز تفوق ملموس غرب القناة.

وكشفت تلك الأيام الصعبة عن انعدام التناغم بين المؤسسات. فقد أربك تدخل السادات في إدارة المعركة حسابات العسكر. وحكم على حرب العبور ألا تتجاوز خط العبور.

لقد آل النصر إلى لهاث لا ينقطع وراء سراب "السلام". وانتهى تحطيم جدار بارليف 1973 إلى هدم "جدار الكراهية الحديدي" 1977، مثلما كان يتوهّم السادات. فعوض البناء على "العبور" اندفع العرب نحو التسوية.

وقد أدرك كيسنجر مبكرا أن الإجراءات العسكرية التي اتخذها المصريون سوف "تؤدي آجلا أو عاجلا إلى مفاوضات سياسية". والحق أن مآلات العبور لم تكن مثل مآلات النكبتين. فهي لم تدفع إلى السطح بقوى جديدة تتناقض رأسا مع تصورات الأنظمة العربية للقضية.

بل إن كامب ديفيد قد فتحت الباب على مصراعيه نحو التسوية. فهي لم تكن إلا بداية الهرولة العربية نحو الصلح والاعتراف والتفاوض مع دولة الاحتلال.

وهنا تقول حقائق التاريخ إن منظمة التحرير الفلسطينية قد أضحت متماهية مع الرسمية العربية. وإن عرفات لم يكن مختلفا عن السادات. فكلاهما كان ينشد "التسوية". وإن اختلفت التكتيكات والإستراتيجيات.

لقد ظلت الهوة تتسع بين الأنظمة العربية وشعوبها في التعامل مع القضية الفلسطينية. فكلما وهنت الأنظمة قامت الشعوب تنشد التحرير من خلال المقاومة. فمن نكبة 1948 ولدت القوى الشعبية القومية والإسلامية. ومن نكسة 1967 صلب عود منظمة التحرير الفلسطينية.

ولكن حرب العبور كانت فاتحة للتسوية المعممة. تسوية ستستمر مفاعيلها من كامب ديفيد 1977 حتى أوسلو 1993، مرورا بقصر الصنوبر بالجزائر 1989. وردا على مشاريع التسوية كان أسلوب آخر من المقاومة ينضج على مهل.