‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. عطية عدلان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. عطية عدلان. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

الفرقان في سورة «الفرقان»..

 الفرقان في سورة «الفرقان».. 

د.عطية عدلان

مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي

لم يكن أكبر ضرر تعرض له الحقُّ في يوم من الأيام متمثلاً في الحرب الصريحة التي يعلنها الباطل عليه، صحيح أنّ الحرب التي يعلنها الباطل على الحقّ ضرر كبير، لكنّ الضرر الأكبر يتمثل في التلبيس؛ لأنّ التلبيس يعطي الباطل فرصةً للبقاء، ويكسبه قدرةً على المناورة والمداورة والروغان، ويحرزه بعيدًا عن مرمى سهام الحقّ، ويؤجل، بل ربما يعطل الحسم الذي سيكون لصالح الحقّ حتمًا.


لذلك، كان لا بدّ من بلوغِ البيان حدَّ الفرقان، الذي يفرق بين الحقّ والباطل؛ وهكذا القرآن: 

(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ {3} مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ) (آل عمران).


وسورة «الفرقان» مكّية باتفاق، ولعلّ نزولها كان في المرحلة المكِّية المتوسطة، التي احتدم فيها الجدل بين الحقّ والباطل، ففي تلك المرحلة في سياق معركة العقيدة المشتعلة في مكة نزلت سور عديدة، كالأنعام والرعد والفرقان وغيرها من السور، تميزت بخوضها معركةَ العقيدة بكلّ تجلّياتها وصورها، بالردّ المفحم على الشبهات، والمقارنة الجادة الصارمة بين التوحيد والشرك، وبيان ما عليه أهل الشرك من تناقض في التصورات والأوضاع، فكانت هذه السور فرقانًا فرّق الله به بين الحقّ والباطل.

لكن يبقى أنّ سورة «الفرقان» كانت متميزة من بين كلّ هذه السور بأنّ الفرقان هو موضوعها الرئيس، وبأنّ مهمتها متركزةٌ على بيان أنّ القرآن فرقانٌ؛ ولذلك سميت السورة بهذا الاسم الباهر الساطع «الفرقان»، وذُكِرَ القرآنُ بهذا الوصف في أولها.

ومن تأمّل السورة وجدها فرقانًا حقيقيًّا، فرّق بين الحقّ والباطل، وفرّق بين أهل الحقّ وأهل الباطل، واستمرّ على هذا الطريق ليثمر في النهاية صورة تُعدّ معيارًا وميزانًا تعاير بمقياسها وتوزن بميزانها كلّ المجتمعات؛ فبقدر ما يقترب منها مجتمع من المجتمعات أو جيل من الأجيال يكون منحازّ للحقّ مجانبًا للباطل، وبقدر ما يبتعد عنها مجتمع من المجتمعات أو جيل من الأجيال يكون منحازًا للباطل مجانبًا للحقّ، هذه الصورة هي صورة «عباد الرحمن» التي ختمت بها سورة «الفرقان».


ومن هنا نستطيع أن نقول: إنّ الموضوع الرئيس لسورة «الفرقان»، الذي تدور في فلكه كلّ الموضوعات في السورة وتتحقق به وحدتها الموضوعية هو «القرآن فرقانٌ فرّق الله به بين الحقّ والباطل وبين أهل الحقّ وأهل الباطل»، فُرْقانٌ بقوة الحجة وسطوع البرهان، فرقان بما فيه من بيان وتبيان، فرقان بعقيدته الصحيحة السليمة وشريعته السمحة القويمة، ومنهاجه الواضح البيّن.


‌(تَبارَكَ ‌الَّذِي ‌نَزَّلَ ‌الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً) (الفرقان: 1)، هكذا جاءت البداية قويّة ومدوية ومُطْلِقَةً جملةً من الحقائق ذات الوزن الثقيل، 

أولاها: أنّ هذا القرآن فرقانٌ، ويلزم من كونه فرقانًا أن يبلغ في البيان والتبيان وقوة البرهان مبلغًا يُمَكِّنه من التفريق بحسم وعزم بين الحقّ والباطل.


ثانيتها: أنّ هذا القرآن الذي أنزله الله فرقانًا ليس لأمّة بعينها دون باقي الأمم، بمعنى أنّه رسالة عالمية نزلت لتكون للعالمين أجمعين.


ثالثتها: أنّ أشرف ما يوصف به إنسان هو العبودية للرحمن، فهذا السياق سياق رسالة، تضمن الإنزال والإنذار والفرقان؛ ومع ذلك لم يقل: «نَزَّل الفرقان على رسوله»، وإنّما قال: (عَلى عَبْدِهِ)؛ لأنّ أشرف ما يوصف به الإنسان هو عبوديته للرحمن.


رابعتها: تلك البركة التي تحلّ بالإنسانية، بما أنزل الله من الفرقان، وبما يحمله هذا الفرقان من هدايات يتحقق بها الإنذار النافع، هذه البركة السابغة تحملها أول كلمة في السورة «تبارك»، التي تعني: تَكَاثَرَ خيرُه وتَعَاظَمَ عطاؤُه، وامتدّ واتسع فضله.


وبعد هذا المطلع القويّ المدوي تبدأ سورة «الفرقان» في ممارسة عملها في التفريق الحاسم بين الحقّ والباطل، فتَعْرِضُ صورتين متقابلتين بينها بُعْدٌ لا نهائيّ، الصورة الأولى للحق والثانية للباطل، الأولى تعكس القدرة الإلهية المطلقة والثانية تعكس العجز المطلق للآلهة المزعومة:

 (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً {2}‏ وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً) (الفرقان).


وفي السورة جولات للرد على الأباطيل والشبهات، أبرزها هذه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً {32}‏ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) (الفرقان)، ومن المعلوم بالضرورة أنّ القرآن لم ينزل جملة واحدة، وإنّما نزل مفرقًا ومنجمًا على مدى 23 سنة، فلماذا حدث هذا؟ ولماذا لم ينزل القرآن جملة واحدة؟ وقد اتخذوا من هذا السؤال سبيلًا إلى الطعن في الرسالة؛ إذْ -في زعمهم- لو كان الرسول صادقًا في دعواه بأنّ هذا القرآن من عند الله العليّ القدير لنزل جملة واحدة، ولما نزل مفرقًا هكذا، فنزوله مفرقًا ينقص مصداقيّته.

والحكمة من نزول القرآن مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا جاءت هنا بهذا الإيجاز المعجز: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً {32}‏ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً)، فالرسول ومن معه من المؤمنين يحتاجون في كل موقف إلى تثبيت، فلو نزل القرآن جملة واحدة لم يتحقق به التثبيت إلا مرة واحدة، والدعوة في أول أمرها وهي تشقّ عباب الجاهلية تتعرض لأهوال جسام وغربة بين الأنام؛ فحاجتها لتكرار التثبيت لدى كلّ موقف أشدّ، وهذا معنى قوله تعالى (كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ)، هذه هي الحكمة الأولى.


أمّا الحكمة الثانية فهي متمثلة في أنّ تربية المؤمنين تحتاج إلى تؤدة وأناة وتدرج، فلا بد أن يتدرج نزول الوحي وأن يتّئد، كما قال تعالى في الإسراء: (وَقُرْآناً ‌فَرَقْناهُ ‌لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً) (الإسراء: 106)، وهنا في الفرقان قال سبحانه: (وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً).


أمّا الحكمة الثالثة فجاءت متمثلة في قول الله سبحانه: (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً)؛ أي أنّ من أسباب نزول القرآن مفرقًا مواجهة الشبهات التي يثيرها الجاهليون أولًا بأول، فكلما جاءوا بمثل من الشبهات والترهات جاءهم الوحي بالجواب الحقّ.


وإنّ من البيان والتبيان والفرقان أن يساق البرهان على ربوبية الرحمن: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً {45} ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً {46} وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً {47} وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً {48} لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً) (الفرقان)، (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً {53} وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً) (الفرقان).


وتستمرّ السورة بتقنيات عديدة في عملية الفرقان، إلى أن تُختم بهذه اللوحة المشرفة، صورة كلية لعباد الرحمن تشتمل على الخطوط العريضة لمنهجهم في الحياة، فهذه أسس النظام الأخلاقيّ لهم: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً)، (الفرقان: 63) 

وهذه ذروة النظام الشعائريّ: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً {64} وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً {65} إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً) (الفرقان).


وهذا صمام أمان النظام الاقتصاديّ لديهم: (وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً) (الفرقان: 67)، وهنا أهم مقومات الحفاظ على المجتمع: (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ) (الفرقان: 68)، (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً) (الفرقان: 72).


وهذه النواة الأولى للرشد المنهجي المعرفي الأبيستمولوجي: (وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً) (الفرقان: 73)، وهذه في النهاية منهجية بناء الأمل: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً) (الفرقان: 74)، هؤلاء هم عباد الرحمن، صفاتهم معيارٌ للحقّ، وفرقان بين أهل الحق وأهل الباطل، أمّا الذين أقصاهم الفرقان فلا قيمة لهم: (قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً) (الفرقان: 77).




الأحد، 6 سبتمبر 2026

الوهن اسبابه وعلاجه في سورة العنكبوت

 الوهن اسبابه وعلاجه في سورة العنكبوت   

د. عطية عدلان


مَنَابِعُ التَّشَدُّدِ والغُلُوِّ

 مَنَابِعُ التَّشَدُّدِ والغُلُوِّ

د. عطية عدلان

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

في البَدْءِ كانت كلمة، وهي: (اعدل يا محمد)، غير أنّها لم تكن كلمة طائشة، وإنما كانت كاشفة لداء عضال يصيب هذه الأمّة؛ فيربك مسيرتها و(يُدَعْشِن) جهادها، ويجعل السيفَ واللسان مَسْلُولَيْنِ على أولياء الله مَغْمُودَيْنِ على أعدائه.

   كانت لحظة عابرة، تلك التي رمى فيها ذلك الأعرابيّ الجلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بشتائم كُسِيَتْ برداء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: "اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ" "واللهِ إنَّ هذه لقِسْمةٌ ما عُدِلَ فيها وما أُرِيدَ فيها وجهُ الله"، كانت لحظة عابرة، لكنها كانت كاشفة ومعبرة، ولقد اجتمع فيها على رسول الله أقوامٌ صدق فيهم بعد ذلك قول أمير المؤمنين عمر: "تَقِلُّونَ عند الفَزَعِ وتَكْثُرون عند الطَّمَع".

   ولم يكن إِمَامُ الخوارجِ (ذو الخويصرة حرقوص التميميِّ) إلا لساناً ناطقاً باسم تلك الجماعة البائسة التي وُجِدت بذورها الأولى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي ينزل؛ مما يدل على أنِّ أسباب نشأتها لا تنحصر فيما ينسب إلى المجتمعات أو الدول من طغيان أو ظلم، وأنَّ هذه الأسباب ترجع قبل كل شيء إلى طبائعَ وبيئاتٍ وتراكيبَ نفوسٍ، غير أنَّها تمتد بعد ذلك لتشمل عوامل مجتمعية ودعوية وسياسية.

   والموقف الذي قال فيه هذا الجلف ما قاله هو ذات الموقف الذي تكلم فيه الأنصار بصوت خفيضٍ مُتْرعٍ أدباً وحلماً، فقد روى البخاريّ ومسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَتَحَ حُنَيْنًا قَسَمَ الْغَنَائِمَ، فَأَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّ الْأَنْصَارَ يُحِبُّونَ أَنْ يُصِيبُوا مَا أَصَابَ النَّاسُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَهُمْ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا، فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي؟ وَعَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي؟ وَمُتَفَرِّقِينَ، فَجَمَعَكُمُ اللهُ بِي؟».

   فَهُم - ابتداء  - لم يُنْقَل عنهم إلى رسول الله أدنى إساءة، والأَرْوَعُ من هذا إجابتهم رسولَ الله وهو يَسْتَجْوبُهم: "فَقَالَ: «أَلَا تُجِيبُونِي؟» فَقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ" أي أنَّنا لا نَمُنُّ على الله ورسوله بجهادنا وإنفاقنا وإنِّما الْمِنَّةُ لله ثم لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك جاء الجواب على هذا النحو: فَقَالَ: «أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْإِبِلِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهُمْ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ».

   أمّا أولئك المارقون فجاء الجواب تجاههم على نحو آخر: " إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابًا لَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ الْمِرْمَاةُ مِنَ الرَّمِيَّةِ " وفي رواية: «إن من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام، ويَدَعُون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».

   ولقد كانت كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصفهم غاية في الدقة إلى حدِّ الإعجاز، فهم قوم دخلوا في الدين بشدة وخشونة وعنف؛ لذلك لم يتشربوا تعاليمه وتشريعاته، ولم يستمكنوا من فهم مقاصده ومآلات أحكامه، فلم يجاوز القرآن الذي يرتلونه آناء الليل وأطراف النهار قيعان حناجرهم، وإنما جاوزوا هم بشدتهم تلك حدوده فمرقوا منه كما يمرق السهم الذي رُمِيَ بِشِدَّة مُبَالغٍ فيها من الرمية (الغزالة) دون أن يُرَى عليه أَثَرُ شَحْم أو دم.

   وإذا كان التحذير قد ورد ممن ظهروا في أول الإسلام، فإنّه ورد كذلك ممن يظهرون آخر الزمان، فعن عليّ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ».

   هؤلاء هم الخوارج القدماء والجدد، وهذه هي طبيعتهم التي تعتبر المبرر الأول لوجودهم، غير أنَّ وجودهم الذي لم يخل منه زمان من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا وإلى آخر الأزمان ليس بدرجة واحدة من حيث قوته وامتداده ومن حيث عمق أثره على المجتمعات والأمم.

   لذلك يجب بحث العوامل التي تستدعي الظاهرة وتنشر خطرها وتعمق أثرها، فإنّه بالرغم من كثرة العوامل وظهور أثرها نراها لا تحظى بأدنى اهتمام من الأمّة على جميع المستويات العلمية والدعوية والتربوية والسياسية، اللهم إلا الشتم والسب واللعن وغير ذلك مما لا يجدي شيئاً إلا زيادة نفور الشباب عن كل خطاب يواجه هذه الأزمة.

    أول منبع من منابع الغلو والتشدد - بعد عامل التركيبة المعقدة لنفوس المتنطعين - هو الغلو في الجانب المقابل، أي أنّ الغلو بالإفراط والتَّشَدُّد ينشأ كَرَدِّ فعل للغلو بالتفريط والتَّمَيُّع، على قانون:"كل فعل له رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه"، فالتفريط المتمثل في الإرجاء ينشأ عنه إفراط بالتكفير، لذلك كلما تفشى الفكر الإرجائي الذي يبرئ الكفار والزنادقة من وصف الكفر ينشأ عنه في المقابل الفكر التكفيري الذي يكفر الموحدين ويرميهم بالزندقة تمهيداً لرميهم بالرصاص.

   إنَّ الدهشة التي تتملكنا عندما نسمع وصم الكفر يهب من أفواه الدواعش كما تهب الزوابع بلا مناسبة ولا سبب؛ يجب أن تتملكنا من أناس على الجانب الآخر قد ذهبوا في الزنادقة الذين يمثلون الاحتلال في بلاد المسلمين، وينكلون بالدعاة إلى الله ويدعمون دعاة الضلالة من كل اتجاه؛ ذهبوا في الحكم عليهم مذهبا يوشك أن يرفع وصم الكفر عن أبي جهل وأمية بن خلف.

   وإنَّ السخط الذي يسري في أوصالنا عندما نرى شاباً يَقْتُلُ مجاهداً مسلماً وهو يصيح: الله أكبر، يجب أن يسري مثله وبنفس الدرجة عندما نرى المنبطحين الذين استسلموا تحت قناع السلمية، وتركوا دينهم وأوطانهم وأعراضهم نهبة لكل فاجر غادر، وحتى لا يصحو أحد على حقيقتهم المقززة قاموا بتشويه كل الأحكام المتعلقة بالجهاد في سبيل الله تعالى، وبتقزيم دورها في حياة الأمّة.

   وإن الاشمئزاز الذي يصيبنا عندما نطالع الفقه السياسي المنغلق لأولئك المنظرين لما أسموه بالدولة الإسلامية في العراق والشام؛ يجب أن يصيبنا وبدرجة أشد عندما نجد المنظرين للفكرة الإسلامية العصرانية يتنكرون للنظام الإسلامي جملة، ويمجدون النموذج الغربيّ ويضفون عليه قداسة ما أضفوها على الخلافة الراشدة.

   إنَّ الانحراف لا يقاوم بالانحراف، وإنّ الخطأ لا يعالج بخطأ مثله، وإنَّ الله تعالى قد وصف هذه الأمَّة بوصف يجعلها على الدوام ميزاناً عدلاً: "وكذلك جعلناكم أمَّة وسطاً لتكونوا شهداء على النَّاس" فمن لم يتمتع بهذه الوسطية لن يحظى بالشهادة على الناس ولو ادعاها، فلنستقم نحن قبل أن ندعو الخلق إلى الاستقامة.

   ثاني هذه المنابع غياب دور العلماء في التصدي للمسائل الكبار، وأعني بالمسائل الكبار تلك التي اقتحمها الصغار بحماسة عارية من الفهم، وانبراء لمعالي الأمور بغير أدوات الاجتهاد بله التفقه، فإنّك لتعجب أشدّ العجب عندما تجد كبار العلماء معنيين بالمسائل التي تسند في الأصل إلى صغار طلبة العلم، بينما المسائل العظام في السياسة الشرعية والجهاد والتغيير مهجورة إلا من أولئك المتهورين الفارغين.

   وإذا كان نورهم في هذه الزاوية خافتاً، فإنّه في ميدان القيادة والتوجيه يكاد يكون  منطفئاً، فلا ريب أنَّ صيحة الشباب من كل اتجاه: أين العلماء ؟ صيحة لها رصيد كبير من الواقع المؤلم للأمة الإسلامية؛ لأنّ العلماء هم أهل الحل والعقد وهم أولياء الأمر على الحقيقة، وما الأمراء والسلاطين إلا نواباً لهم يسوسون الأمّة بالوكالة عنهم وعن الأمة، ومن تتبع أقوال العلماء في تفسير أولي الأمر في الموضعين من سورة النساء، ثم طالع شيئاً من الفقه السياسيّ الإسلاميّ في مظانه علم ذلك بيقين.

   ثالث هذه المنابع الضعف العام في فقه السياسة الشرعية وغياب الرؤية والمشروع لدى الإسلاميين أجمعين، والحقيقة أن كل هذه الأمراض المستعصية تعد منبعاً واحداً؛ لكونها متلازمة، ولو أننا عدنا إلى خبر ذي الخويصرة لوجدنا النازلة متعلقة بالسياسة الشرعية، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أجزل  العطاء للمؤلفة قلوبهم من أمثال الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، وفي المقابل لم يعط الأنصار، وهذا تصرف يجري على قواعد السياسة الشرعية، وكذلك واقعة الخروج الأولى كان سببها نازلة في محيط السياسة الشرعية، وهي نازلة التحكيم، وقد أخطأ الخوارج في فهمها إذ اعتبروها من قبيل الأحكام الثابتة بينما هي من قبيل السياسة الشرعية التي لا يشترط النص فيها،  ما دام العمل نفسه محققا للمصلحة وليس مصادما للشرع، فقالوا: "لا حاكم إلا الله" فجاء ردِّ سيدنا علي رضي الله عنه: "حق أريد به باطل"

   ومن منابع هذا الفكر أيضاً الخطأ في الفهم، وهو قد يكون في فهم النص، وقد يكون في تكييف الواقع، وقد يكون في التنزيل، أي  تنزيل الحكم على الواقع، وأحسب أن خطأ ذي الخويصرة كان في فهم الواقع وفي التنزيل أيضاً، أمّا خطأ الحرورية الذين قالوا: "لا حكم إلا لله" فكان في فهم النص وفي تنزيله، وهكذا تأتي الأخطاء في واقع (الدواعش) خوارج العصر في هذه الأمور الثلاثة، فهم ابتداء يخطئون في تكييف واقع الناس، فيسقطون عليهم أحكام التكفير لأسباب لا تقتضي ذلك؛ ثم يرتبون على هذا الخطأ أخطاء أخرى تتعلق بالأحكام وفهم النصوص، وبتنزيل هذه الأحكام على الواقع؛ لذلك تجد أحكام المرتدين تتنزل عندهم على مجاهدين من أمثال أحرار الشام، وأحكام الكفر تتنزل عندهم على مناضلين مجتهدين في ميدان السياسة الشرعية أمثال أردوغان وحزبه العدالة والتنمية، ثم تأتي الأفعال الشنيعة التي نبأ بها الحديث: " يَدَعُون أهل الأوثان ويقتلون أهل اللإسلام".

   وأخيراً فإنَّ من أخطر منابع الغلو ذلك الظلم والقهر الذي يقع من الأنظمة الفاجرة المستبدة، التي تأتي على ظهر الدبابة فتستعبد الشعوب وتحرمها حرية الكلمة وحرية الدعوة بل وحرية العبادة، وتسوقهم عبر مشروعات صهيونية وصليبية ورافضية صفوية ضد الاتجاه الذي يسوقهم فيه كتاب الله تعالى، وأخيراً تقتلهم بلا رحمة ولا هوادة بأسلحة ودعم الدول التي تحتل بلاد الإسلام بأيدي هؤلاء الحكام الفجرة.

   هذه هي أهم منابع الغلو والتشدد، ذكرتها بإيجاز؛ بما يناسب مقام المقال الصحفيّ، ولعلي في المستقبل القريب أتناول الموضوع بشيء من البسط والإسهاب، والله المستعان، وعليه وحده نتوكل  وبه نعتصم.

     

 

 

الخميس، 3 سبتمبر 2026

واجب الأمة تجاه نبيها محمد (صلى الله عليه وسلم)

واجب الأمة تجاه نبيها محمد (صلى الله عليه وسلم)

د. عطية عدلان 

مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول

أستاذ الفقه والسياسة الشرعية

في زحام الصدام بين الكفر والإسلام، تتطايَر في الفضاء إساءاتٌ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ممن لا خلاقَ لهم، وإنَّا لعلى يقينٍ جازم بأنَّ هؤلاء الأقزامَ لا يبلغ أحدهم أن يكون شعثًا في نعْل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبأن هذه الإساءات لن تزيد اسمَه إلا سطوعًا، ولن تزيد دينه إلا عُلوًّا وظهورًا، ولكننا مع ذلك لا نَقبل ولا نُطيق أن يتطاول أحد على نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - ولن نسكت على ذلك التطاول الفجِّ، وإن ذهبَتْ في سبيل ذلك الأرواحُ، وسوف نتصدَّى لكل من تُسوِّل له نفسه أن ينال منا في شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولن نجد على وجه الأرض مسلمًا يتقاعس عن هذا مهما كان الثمن.

    لكن الذي لا يَصِح أن ننساه أو نَغفُل عنه، هو واجباتنا تُجاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومثلُ هذه الإساءات والاعتداءات تزيدنا تمسكًا بحب نبيِّنا، وتزيدنا مِن ثَمَّ حرصًا على أن نعرف هذه الواجبات، وأن نقوم بها خيرَ قيامٍ، فما هي هذه الواجبات؟

إن علينا تُجاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجباتٍ كثيرةً، بيَّنها الله - عز وجل - في كتابه: 

أول هذه الواجبات أن نؤمن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إيمانًا يكون له أثرُه في القلب؛ بالحب والتوقير والتعظيم؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الحديد: 28).

    ولا بدّ أن يُحدِث هذا الإيمان في القلب أثرًا بالحب والتعظيم؛ يقول شيخ الإسلام: "الإيمان وإن كان أصله تصديقَ القلب، فذلك التصديق لا بد أن يُوجب حالاً في القلب وعملاً له، وهو تعظيم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإجلاله ومحبَّته، وذلك أمر لازم...، فإذا لم تحصل هذه الحالُ والعمل في القلب، لم ينفع ذلك التصديقُ ولم يُغن شيئًا؛ وإنما يمنع حصوله إذا عارَضه معارض من حسدِ الرسول، أو التكبُّر عليه، أو الإهمال له، وإعراض القلب عنه ونحو ذلك، ومتى حصل المعارض، كان وجود ذلك التصديق كعدمه".

ثاني هذه الواجبات: الطاعة والاتِّباع له، والتحاكُم إليه، والانقياد لحُكمه برضًا وتسليم؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (النساء: 64)، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (النساء: 80)، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63)، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31)، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).  

    ثالثها: أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحبَّ للمؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق؛ كما دلَّ عليه قول الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ (التوبة: 24)، مع الأحاديث الصحيحة المشهورة؛ كما في الصحيح من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر رضي الله عنه: (لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك)، وكقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يُؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجْمعين).

    رابعها: تعزيره وتوقيره، "والتعزير: اسم جامع لنَصره وتأييده، ومنْعه من كل ما يؤذيه، والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطُمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يُعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يُخرجه عن حدِّ الوقار"، والتوقير والتعظيم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان دأْبَ السلف حتى بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - قال مصعب بن عبدالله: "كان مالك إذا ذكر النبي يتغيَّر لونه وينحني، حتى صعُب ذلك على جلسائه، فقيل له يومًا في ذلك، فقال: "لو رأيتُم ما رأيت، لَما أنكرتم عليّ ما ترون"، وقال مالك عن أيوب السختياني: "غير أنه كان إذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - بكى حتى أرحمه، فلما رأيتُ منه ما رأيت من إجلاله للنبي - صلى الله عليه وسلم - كتبت عنه "، وغير ذلك كثير.

     خامسها: عدم التقدُّم بالرأي المجرد على ما جاء به من كتابٍ وسُنة، وعدم رفْع الصوت عنده، وعدم دعائه وندائه بمثْل ما يدعو الناس بعضُهم بعضًا؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ (الحجرات: 1 – 2)،

     سادسها: ألا نُؤذيه بمثل ما يُعامل به بعضنا بعضًا، مما هو مباح بيننا؛ فإن الله تعالى "حرَّم على الأمة أن يُؤذوه بما هو مباح أن يعامل به بعضهم بعضًا؛ تمييزًا له؛ مثل: نكاح أزواجه من بعده، فقال تعالى:﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 53).

    سابعها: ألا نُؤثِر أنفسنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وألا نتخلَّف عن نُصرة دينه الذي بذَل عمره كلَّه من أجله؛ قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ (التوبة: 120).

    ثامنها: الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والتسليم عليه، وسؤال الوسيلة له؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (الأحزاب: 56)، وعن عبدالله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنه سمِع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا سمعتُم المؤذِّن، فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليّ؛ فإنه مَن صلَّى عليّ صلاة، صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منـزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة، حلَّت له الشفاعة).

    تاسعها: التمسُّك بسُنته، وترْك الابتداع في دينه؛ ففي حديث العرباض، قال - صلى الله عليه وسلم : (فعليكم بسُنتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحدثاتِ الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة)، عاشرها: الاستجابة له في العمل بشريعته وتطبيقها في مناحي الحياة. والله أعلم

السبت، 15 أغسطس 2026

القِصاصُ أَوْجَبُ أم المصالح السياسية؟

 القِصاصُ أَوْجَبُ أم المصالح السياسية؟

د. عطية عدلان

باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية


بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد

تجري في هذه الأيام محاكمات لرموز (نظام الأسد)، وقد قضت المحكمة بإعدام بعض هذه الرموز، وبالحكم غيابيًّا على بعض الهاربين منهم، وعلى أثر ذلك بدأت بعض المؤسسات الدولية كمؤسسة العفو الدولية تناشد النظام السوري الحالي بعدم تنفيذ أحكام الإعدام، وبعدم محاكمة أيّ شخص غيابيًّا، ومع علم جميع المسلمين بأنّ القصاص حقٌّ في دين الله؛ فإنّ الحاجة قائمة للبيان على المستوى الداخليّ والخارجيّ، فالإعلان عن حكم الله في هذه النوازل والأحداث - ولاسيما مع وقوع اللغط – أمر في غاية الأهمية. 

    والواقع أنّ كثيرًا من المنظمات الدولية - ومعها دساتير وقوانين كثير من دول العالم - لا تقرّ عقوبة الإعدام، وتَعُدّها من العقوبات المنافية لحقوق الإنسان، من هذه المنظمات منظمة العفو الدولية، هذه المنظمة ليست كسائر المنظمات الدولية الأخرى، فهي في الغالب لا تكيل بمكيالين مثلما تفعل أغلب المنظمات الدولية، غير أنّها تُعَدُّ - في نهاية المطاف - من المنظمات الواقعة تحت الهيمنة الثقافية الغربية؛ لذلك فهي معترضة على إصدار المحاكم السورية الحالية أحكامًا بالإعدام على مجرمي النظام السوري البائد، فهل يجوز للمحاكم السورية أن تأخذ في الاعتبار هذه التقارير الصادرة عن تلك المنظمات الدولية؟ هل يجوز هذا من الناحية الحكمية؟ ثم إن لم يجز من هذه الناحية فهل يجوز سياسةً عدم تحريك الدعوى ضدّ هؤلاء المجرمين؛ أو التلكؤ في تنفيذ الأحكام عليهم؟ هل يجوز هذا من قبيل الموازنة بين المصالح والمفاسد؟

    أولًا: لا ريب أنّ القصاص في القتل العمد واجب ثابت بالإجماع، فالقتل العمد العدوان المستوفي لشروط القصاص يوجب القصاص، ويثبت لأولياء الدم حق استيفائه، وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، ومستند الإجماع قول الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌كُتِبَ ‌عَلَيْكُمُ ‌الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يَا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)) (البقرة: 178-179)، والقصاص في القتلى هو إيقاع العقوبة على القاتل بالمثل، بأن يُقتل القاتلُ بقتيله، والآية الأولى تتحدث عن القصاص بطريقة تأسيسية، فهي تؤسس للقصاص العادل، فتخبر أولًا بأنّ الله كتب (أوجب وفرض) على الأمة الإسلامية أن تقيم شريعة القِصاص، من خلال مؤسساتها التي يجب عليها أن تقيمها لهذا الغرض ولغيره من الأغراض التي جُماعها: (أن أقيموا الدين)، وأن تقيمها على العدل المطلق، وأصلُ هذا العدل وأساسه وجوهره أن يُقتل الحرُّ القاتل بالمقتولِ الحرِّ الذي قُتل على يده، وأن يُقتل العبدُ القاتل بالمقتولِ العبدِ الذي قُتل على يده، وأن تُقتل المرأةُ القاتلة بالمقتولةِ التي قُتِلتْ على يدها، وألّا تتجاوز هذه العقوبةُ القاتلَ إلى غيره، سواء كانت الواقعة: حرًّا قتل حرًّا أو عبدًا قتل عبدًا أو امرأة قتلت امرأة، فلا يؤخذ امرؤٌ بجريرة غيره، ولا تزر وازرة وزر أخرى، فالحرّ الذي قَتَلَ يُقْتَلُ بالحر الذي قُتِلَ على يده، وهكذا في العبد والمرأة، فإن قتل الحر عبدا أو قتل المسلم ذميًّا فتلك تفاصيل تُلتمس من كتب الفروع، وهي هنا غير مؤثرة في النازلة، أمّا الآية الثانية فهي تؤكد على وجوب القصاص بذكر حكمته، وهي بإيجاز: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ)، وهي عبارة أضبط وأحوط وأبلغ وأرفع من قول العرب: "القتلُ أَنْفَى للقتل"، فالقصاص فيه حياة للإنسان، فيه حياة للمجتمعات، وكذلك يعد من مستند الإجماع ودليل الحكم تلك الأحاديث الكثيرة الواردة بتشريع الحكم، مثل حديث: (وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ ‌فَهُوَ ‌بِخَيْرِ ‌النَّظَرَيْنِ: إِمَّا يُودَى وَإِمَّا يُقَادُ)([1])، والقَوَدُ هو القِصاص، وحديث: (‌لَا ‌يَحِلُّ ‌دَمُ ‌امْرِئٍ ‌مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ) ([2])، فقتل النفس بالنفس (القصاص) مشروع بنصّ الحديث، وغيرهما من الأحاديث.

    ثانيًا: جمهور الفقهاء([3]) قالوا تقتل الجماعة بالواحد، منهم مالك وأبو حنيفة، والشافعي، والثوري، وأحمد، والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وغيرهم، وبه قال عمر حتى روي أنه قال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا، وقال به من الصحابة أيضاً عليّ وابن عباس والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهم، ومن التابعين سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، استدلَّ الجمهور بما رواه البخاريّ عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن غلاما قُتل غيلة، فقال عمر رضي الله عنه: «لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتهم»([4])، وروى البيهقي عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قتل نفراً خمسة أو سبعة برجل قتلوه قتل غِيْلة وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا"([5])، وروى الدارقطنيّ عن سعيد بن المسيب أن إنسانا قتل بصنعاء وأن عمر قتل به سبعة نفر، وقال:  «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا»([6])، وتمالأ بهمزة مفتوحة بعد اللام معناه توافق([7])، والمتمالئون: أي المتعاقدون والمتفقون([8])، وقد فعل عمر هذا والصحابة في المدينة، ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة، وذلك كالإجماع أو حلّ محلّ الإجماع([9])، بل هو إجماع سكوتيّ في عهد الصحابة، وأقوى الإجماعات إجماع الصحابة ولاسيما إذا كان على عمل من الأعمال التي قام بها خليفة من الخلفاء الراشدين المهديين الذين دلّنا رسول الله على سنتهم.

   وبرغم أنّ الحديث الذي اتكأ عليه الجمهور موقوف على عمر رضي الله عنه، فهو من قبيل فعل الصحابيّ، وفعل الصحابيّ ليس حجة في الراجح، إلا أنّ فعله جاء مشفوعاً بقوله، فهو من قبيل قول الصحابيّ الذي لم ينازعه فيه أحدٌ من الصحابة، إضافة إلى أنّه اعتمد على سدّ الذرائع وعلى المصلحة؛ "فالمستند فيه المصلحة المرسلة؛ إذ لا نص على عين المسألة"([10])، و"مفهوم أن القتل إنما شرع لنفي القتل كما نبه عليه الكتاب في قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} وإذا كان ذلك كذلك فلو لم تقتل الجماعة بالواحد لتذرع الناس إلى القتل بأن يتعمدوا قتل الواحد بالجماعة"([11])، ثمّ إنّ المعنى الذي من أجله شرع القصاص يقتضي إلحاق المشاركين في الحكم بالمنفرد؛ لأنَّ "الشرع إنما أوجب القتل على القاتل، والشريك ليس بقاتل على الكمال، لكنهم قالوا: إنما اقتص من القاتل لأجل الزجر وعصمة الدماء، وهذا المعنى يقتضي إلحاق المشارك بالمنفرد"([12])، كما اعتمدوا على قول الله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} فالمقصد الحفاظ على الحياة، "وسبب الحياة أنه إذا علم القاتل بوجوب القصاص عليه إذا قتل كف عن القتل ... فلو لم تقتص من الجماعة بالواحد، لما كان في القصاص حياة، ولكان القاتل إذا هم بالقتل شارك غيره فسقط القصاص عنهما وصار رافعا لحكم النص"([13])، ولا ريب أنَّ "القتل بغير حق لا يكون في العادة إلا بالتغالب والاجتماع لأن الواحد يقاوم الواحد غالبا"([14]).  

    ثالثًا: فإذا كان الجماعة الذين يشتركون في قتل الواحد لدوافع شخصية يقتلون به مهما كثروا؛ فكيف بالجماعة الصغيرة تقتل مئات الآلاف من الشعب، بالتمالؤ والتعاون على الإثم والعدوان؟ وكيف إذا لم يكن القتل قد وقع بمجرد دوافع شخصية وإنما وقع في سياق التآمر على الشعب والممالأة لأعداء الأمة، والتكريس لنظام استبداديّ عنصري كافر؟ فلا ريب أنّ جميع المجرمين من نظام الأسد الذين تورّطوا في قتل أبناء الشعب السوري يقعون تحت طائلة حكم القصاص، بلا فرق بين من باشر القتل ومن أمر به ومن حرّض عليه ومن عاون بأيّ صورة من الصور المؤثرة في تحقيق القتل، وهذا مما لا شك فيه ولا ارتياب.

    رابعًا: المتأمّلُ في أقوال العلماء يجد أنّ مردّ ذلك التمالؤ والتواطؤ، فمن رأى صورة من الصور يتحقق فيها تمالؤ الجماعة على قتل الواحد قال بالقصاص منهم جميعاً، وهذه نماذج من أقوالهم: روى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر قال: أخبرني زياد بن جبل، عمن شهد ذلك قال: كانت امرأة بصنعاء لها ربيب فغاب زوجها، وكان ربيبها عندها، وكان لها خليل، فقالت: إن هذا الغلام فاضحنا، فانظروا كيف تصنعون به؟ فتمالوا عليه وهم سبعة مع المرأة قال: قلت له: كيف تمالئوا عليه؟ قال: لا أدري غير أن أحدهم قد أعطي شفرة قال: فقتلوه وألقوه في بئر بغمدان ..."([15])، فاللافت للنظر هنا هو الجواب عن سؤال: كيف تمالئوا؟ والجواب: لا أدري غير أنّ أحدهم قد أعطى شفرة؛ بما يفهم منه أنهم ما تصوروا أنّ الجميع باشر القتل، وإنما تصوروا التمالؤ يتحقق بمجرد التعاون والاتفاق، وقال الصنعانيّ معلقاً على حديث ابن عمر: "وفي هذا دليل أن رأي عمر أنه تقتل الجماعة بالواحد وظاهره: ولو لم يباشره كل واحد؛ ولذا قلنا إن فيه دليلا لقول مالك والنخعي وقول عمر: لو تمالأ أي توافق دليل على ذلك" ([16]). فظاهر قول عمر يدل على أنّه لا يشترط أن يكون الجميع قد باشر القتل، بما يعني أنّ التمالؤ في مفهومهم هو التعاون مع الاتفاق.

    ويقول الإمام الشافعي - فيما نقله عنه الماورديّ - ولو جرحه أحدهما مائة جرح والآخر جرحا واحداً فمات كانوا في القود سواء "([17])، وقد أورد الماوردي كلاماً مطولاً بسط فيه الاحتالات التي عنَّت له، لكنّها صور قديمة أغلبها لا يقع الآن"([18])، لكننا نخرج من ذلك بفائدة عملية، وهي أنّ المسألة متجددة، وأنّ الصور المختلفة مردها جميعاً إلى الممالاة، ويعدد شيخ الإسلام ابن تيمية صوراً من التواطؤ والتمالؤ الذي يضع صاحبة في دائرة القصاص؛ فيقول: "وإن كان بعضهم غير مباشر لكنه متسبب سببا يفضي إلى القتل غالبا: كالمكره وشاهد الزور إذا رجع والحاكم الجائر إذا رجع: فقد سلم له الجمهور على أن القود يجب على هؤلاء"([19])، وابن قدامة يفصل أكثر فيما يتعلق بشهادة الزور فيقول: "وإن شهد رجلان على رجل بقتل أو جرح، أو سرقة قد توجب القطع، أو زنى يوجب الرجم أو الجلد، ونحو ذلك، فاقتص منه، أو قطع بالسرقة، أو حد فأفضى إلى تلفه، ثم رجعا عن الشهادة، لزمهما ضمان ما تلف بشهادتهما، كالشريكين في الفعل، ويكون الضمان في مالهما، لا تحمله عاقلتهما؛ لأنها لا تحمل اعترافا، وهذا يثبت باعترافهما. وقد روي عن علي - رضي الله عنه - أن شاهدين شهدا عنده على رجل بالسرقة، فقطعه، ثم أتيا بآخر، فقالا: يا أمير المؤمنين، ليس ذاك السارق، إنما هذا هو السارق، فأغرمهما دية الأول، وقال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما. ولم يقبل قولهما في الثاني، وإن أكره رجل رجلا على قتل إنسان، فقتله، فصار الأمر إلى الدية، فهي عليهما؛ لأنهما كالشريكين، ولهذا وجب القصاص عليهما"([20])، فشاهد الزور الذي أفضت شهادته إلى قتل إنسان أو قطعه تعتبر قتلاً يوجب القصاص، ولو تعدد الشهود يعتبروا مشاركين فيالقتل فيقتص منهما، ويأتي كلام ابن مفلح الحنبليّ أكثر تركيزاً على المناط، فبعد أن قرر الحكم قال: "وهذا إذا كان فعل كل واحد منهم صالحا للقتل به، وإلا فلا ما لم يتواطئوا على ذلك "([21])، أي إذا ثبت التواطؤ كان عليهم القصاص جميعاً حتى ولو لم يكن فعل كل واحد منهم صالحاً للقتل استقلالاً.

   وبناء على ما سبق من وجوب القصاص من الجماعة المجرمة التي تمالأت وتواطأت واتفقت على قتل أبناء الشعب السوريّ؛ فإنّ المحرضين لا ينعتقون من طائلة هذا الحكم، ولنبدأ بالإعلام؛ فهل كان بإمكان النظام المجرم أن يرتكب كلّ هذه الجرائم لولا أنّ الإعلام مهد لهذا ووطّدَ له؟ وهل كان من الممكن أن يتمادى المجرمون في القتل لولا أنّ هذا الإعلام بالتعاون - القطعيّ الثبوت - مع القيادات العسكرية والأمنية الباطشة هو الذي مهد الأرض للإجرام، فهو الذي أغرى وحرض، وهو الذي برر وشرعن، بل هو - في الحقيقة التي لا تخفى إلا إذا خفيت الشمس في يوم لا غيم فيه ولا ضباب - ذراع من أذرع القوى الباطشة، وقل مثل ذلك بل أكثر منه في شأن من أفتى بوجوب قتل الثوار والعلماء، وبرر بالحكم عليهم بأنّهم خوارج، وبأنّ الواجب على الأمّة قتالهم وقتلهم، وقام بتنزيل النصوص قسراً عليهم، وهي التي لا تتنزل إلا على من يقاتلهم ويقتلهم، إنّ الجنديّ المسلم البسيط قد تمّت تعبئته بمعاني الحقد والكراهية ضد إخوانه المسلمين حال كونه حاملاً للسلاح محملاً بأمر عسكريّ أن يضرب، وإنّ القاصي والداني ليعلم أنّ هؤلاء المفتين ليسوا سوى ذراعاً آخر للنظام، ولو أنّ هؤلاء الإعلاميين الفجرة وهؤلاء المفتين الفسقة قالوا ما قالوه والسيوف في أغمادها لكان الخطب أهون، ولكان التنزيل للحكم أبعد، ولكنّهم قاموا بما قاموا به من التحريض والتحضيض، والشرعنة والتبرير، والإغراء والإغواء في حالٍ كانت فيها السيوف مسلولة، والأسنّة مشرعة، وأصابع الجند على أزناد البنادق، والأوامر بالقتل قد ازدحمت على أفواه الطغاة.

   فإذا لم يكن هذا الذي وقع هو التمالؤ والتواطؤ والاجتماع على القتل فأين نجده، إننا إن افتقدناه في هذه الحال؛ فمن الأولى أن نفتقده في الحال التي حكم فيها الخلفاء الراشدون، ولو صُوِّبنا بتركهم لخُطِّئ الصحابة الكرام في اجتهادهم وحكمهم وإجماعهم، لقد قتُل الأبرارُ بأيدي الفجارِ، والقتلة الفجارُ هم الحكام من عائلة الأسد وأعوانهم من قادة النصيرية الباطنية المارقة، ومعهم بعض المفتين والإعلاميين وغيرهم، فكل من ثبت عليه التورط في هذه الدائرة - التي اجتمع كل من فيها على اختلاف تخصصاتهم ليقوم كل منهم بدوره - داخلٌ حتمًا في دائرة المسئولية، التي هي القصاص العادل.

    خامسًا: قد يكون هناك بعض المصالح التي يُتوقع أن تنجم عن الاستجابة للضغوط الدولية في هذا الشأن، مصالح سياسية واقتصادية وأمنية وغير ذلك، لكنّ الواقع يشهد بأنّ جميع هذه المصالح متوهمة وليست حقيقية، ومثلها المفاسد التي يُتوقع أن تنجم عن المضيّ في تنفيذ القصاص، والقواعد الفقهية الثابتة الماضية تنصّ على أنّه: "لا عبرة بالتوهم"، و"لا عبرة بالظنّ البَيِّن خطؤه"، فقد أثبتت التجارب - ولاسيما بعد الربيع العربي وبعد سلسلة الانقلابات على الربيع العربيّ - أنّ الخضوع للضغوط الدولية في مثل هذه المسائل الثورية المفصلية مَقْتَلٌ من المقاتل التي تؤتى من قِبَلِها الثوراتُ.

    أمّا المصالح الشرعية المؤكدة التي لأجلها نناشد النظام السوريّ للمضيّ في المحاكمات وتنفيذها بكل حسم وحزم وبلا أدنى تهاون أو هوادة، فهي كثيرة وعظيمة، منها حياة أنفس الشعب السوري في قابل الأيام؛ (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يَا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، ومنها قطعُ دابر القوم الذين ظلموا، وهي سنة إلهية ماضية؛ (فَقُطِعَ ‌دابِرُ ‌الْقَوْمِ ‌الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (الأنعام: 54)، فَقَطْعُ دابر الظالمين المجرمين مقصدٌ من مقاصد السنن الشرعية والسنن الإلهية في العمران البشري، ومن هذه المصالح الكبرى الاحتراز من عودة النظام السابق في أيّ صورة من الصور، وللسوريين فيما جرى بمصر عبرة؛ فإنّ الثورة المصرية قَطعت ذيلَ الحية وتركت رأسها؛ فلم تلبث الحية أن استعادت قوتها وأَنْشَبَتْ في جسد الأمة أنيابها، ومنها شفاء صدور المؤمنين الذين قتل منهم مئات الآلاف وهجر منهم الملايين وهدمت بلادهم؛ لا لشيء إلا لأنّهم مسلمون سنة أرادوا أن ينالوا حريتهم، والطمأنينة المجتمعية والسكينة الشعبية والرضا العام مقاصد شرعية وسياسية واستراتيجية عالية؛ فمشاعر السكينة والطمأنينة والرضا تطلق الشعب من آسار وأغلال الذكريات الأليمة المحبطة، وتأخذ الأمة السورية إلى آفاق العزّ والتمكين؛ ومن هنا نهيب بالحكومة السورية وبالقضاء السوري وبكافة أجهزة الدولة ألا يلتفتوا إلى المجتمع الدولي ولا إلى مؤسساته.

    والأهم من ذلك كلّه أنّ القصاص من الطغاة المجرمين على وفق أحكام الشريعة، وتطهير البلاد من جراثيم الفساد أحد أهم تجليات التدرج في تطبيق الشريعة دون تراخ أو تسويف.  والله تعالى أعلم



([1]) متفق عليه البخاري برقم (6880) ومسلم برقم (1355) كلاهما عن أبي هريرة مرفوعًا

([2]) متفق عليه البخاري برقم (6878) ومسلم برقم (1676) كلاهما عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا

([3]) الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (4/ 245) - بداية المجتهد ونهاية المقتصد (4/ 182) - البناية شرح الهداية (13/ 125) - الحاوي الكبير (12/ 27) - روضة الطالبين وعمدة المفتين (9/ 159) - الروض المربع شرح زاد المستقنع (ص: 633)

([4]) صحيح البخاري (9/ 8) برقم (6896)

([5]) السنن الكبرى للبيهقي (8/ 73) برقم (15973)

([6]) سنن الدارقطني (4/ 279) برقم: (3463)

([7]) فتح الباري لابن حجر (12/ 228)

([8]) الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (4/ 245)

([9]) تفسير ابن كثير (1/ 358) - العناية شرح الهداية (10/ 243)

([10]) تفسير المنار (7/ 164)

([11]) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (4/ 182)

([12]) المستصفى للغزالي (ص: 330)

([13]) الحاوي للماوردي (12/27) 

([14]) البناية شرح الهداية (13/ 125)

([15])  مصنف عبد الرزاق الصنعاني (9/ 477) – وانظر: الاستذكار (8/ 155)

([16]) سبل السلام (2/ 353)

([17]) الحاوي الكبير (12/ 29)

([18]) الحاوي الكبير (12/ 29 - 31)

([19])مجموع الفتاوى (20/ 382)

([20]) المغني لابن قدامة (8/ 432)

([21]) المبدع في شرح المقنع (7/ 202)