‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. عطية عدلان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. عطية عدلان. إظهار كافة الرسائل

السبت، 15 أغسطس 2026

القِصاصُ أَوْجَبُ أم المصالح السياسية؟

 القِصاصُ أَوْجَبُ أم المصالح السياسية؟

د. عطية عدلان

باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية


بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد

تجري في هذه الأيام محاكمات لرموز (نظام الأسد)، وقد قضت المحكمة بإعدام بعض هذه الرموز، وبالحكم غيابيًّا على بعض الهاربين منهم، وعلى أثر ذلك بدأت بعض المؤسسات الدولية كمؤسسة العفو الدولية تناشد النظام السوري الحالي بعدم تنفيذ أحكام الإعدام، وبعدم محاكمة أيّ شخص غيابيًّا، ومع علم جميع المسلمين بأنّ القصاص حقٌّ في دين الله؛ فإنّ الحاجة قائمة للبيان على المستوى الداخليّ والخارجيّ، فالإعلان عن حكم الله في هذه النوازل والأحداث - ولاسيما مع وقوع اللغط – أمر في غاية الأهمية. 

    والواقع أنّ كثيرًا من المنظمات الدولية - ومعها دساتير وقوانين كثير من دول العالم - لا تقرّ عقوبة الإعدام، وتَعُدّها من العقوبات المنافية لحقوق الإنسان، من هذه المنظمات منظمة العفو الدولية، هذه المنظمة ليست كسائر المنظمات الدولية الأخرى، فهي في الغالب لا تكيل بمكيالين مثلما تفعل أغلب المنظمات الدولية، غير أنّها تُعَدُّ - في نهاية المطاف - من المنظمات الواقعة تحت الهيمنة الثقافية الغربية؛ لذلك فهي معترضة على إصدار المحاكم السورية الحالية أحكامًا بالإعدام على مجرمي النظام السوري البائد، فهل يجوز للمحاكم السورية أن تأخذ في الاعتبار هذه التقارير الصادرة عن تلك المنظمات الدولية؟ هل يجوز هذا من الناحية الحكمية؟ ثم إن لم يجز من هذه الناحية فهل يجوز سياسةً عدم تحريك الدعوى ضدّ هؤلاء المجرمين؛ أو التلكؤ في تنفيذ الأحكام عليهم؟ هل يجوز هذا من قبيل الموازنة بين المصالح والمفاسد؟

    أولًا: لا ريب أنّ القصاص في القتل العمد واجب ثابت بالإجماع، فالقتل العمد العدوان المستوفي لشروط القصاص يوجب القصاص، ويثبت لأولياء الدم حق استيفائه، وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، ومستند الإجماع قول الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌كُتِبَ ‌عَلَيْكُمُ ‌الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يَا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)) (البقرة: 178-179)، والقصاص في القتلى هو إيقاع العقوبة على القاتل بالمثل، بأن يُقتل القاتلُ بقتيله، والآية الأولى تتحدث عن القصاص بطريقة تأسيسية، فهي تؤسس للقصاص العادل، فتخبر أولًا بأنّ الله كتب (أوجب وفرض) على الأمة الإسلامية أن تقيم شريعة القِصاص، من خلال مؤسساتها التي يجب عليها أن تقيمها لهذا الغرض ولغيره من الأغراض التي جُماعها: (أن أقيموا الدين)، وأن تقيمها على العدل المطلق، وأصلُ هذا العدل وأساسه وجوهره أن يُقتل الحرُّ القاتل بالمقتولِ الحرِّ الذي قُتل على يده، وأن يُقتل العبدُ القاتل بالمقتولِ العبدِ الذي قُتل على يده، وأن تُقتل المرأةُ القاتلة بالمقتولةِ التي قُتِلتْ على يدها، وألّا تتجاوز هذه العقوبةُ القاتلَ إلى غيره، سواء كانت الواقعة: حرًّا قتل حرًّا أو عبدًا قتل عبدًا أو امرأة قتلت امرأة، فلا يؤخذ امرؤٌ بجريرة غيره، ولا تزر وازرة وزر أخرى، فالحرّ الذي قَتَلَ يُقْتَلُ بالحر الذي قُتِلَ على يده، وهكذا في العبد والمرأة، فإن قتل الحر عبدا أو قتل المسلم ذميًّا فتلك تفاصيل تُلتمس من كتب الفروع، وهي هنا غير مؤثرة في النازلة، أمّا الآية الثانية فهي تؤكد على وجوب القصاص بذكر حكمته، وهي بإيجاز: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ)، وهي عبارة أضبط وأحوط وأبلغ وأرفع من قول العرب: "القتلُ أَنْفَى للقتل"، فالقصاص فيه حياة للإنسان، فيه حياة للمجتمعات، وكذلك يعد من مستند الإجماع ودليل الحكم تلك الأحاديث الكثيرة الواردة بتشريع الحكم، مثل حديث: (وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ ‌فَهُوَ ‌بِخَيْرِ ‌النَّظَرَيْنِ: إِمَّا يُودَى وَإِمَّا يُقَادُ)([1])، والقَوَدُ هو القِصاص، وحديث: (‌لَا ‌يَحِلُّ ‌دَمُ ‌امْرِئٍ ‌مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ) ([2])، فقتل النفس بالنفس (القصاص) مشروع بنصّ الحديث، وغيرهما من الأحاديث.

    ثانيًا: جمهور الفقهاء([3]) قالوا تقتل الجماعة بالواحد، منهم مالك وأبو حنيفة، والشافعي، والثوري، وأحمد، والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وغيرهم، وبه قال عمر حتى روي أنه قال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا، وقال به من الصحابة أيضاً عليّ وابن عباس والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهم، ومن التابعين سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، استدلَّ الجمهور بما رواه البخاريّ عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن غلاما قُتل غيلة، فقال عمر رضي الله عنه: «لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتهم»([4])، وروى البيهقي عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قتل نفراً خمسة أو سبعة برجل قتلوه قتل غِيْلة وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا"([5])، وروى الدارقطنيّ عن سعيد بن المسيب أن إنسانا قتل بصنعاء وأن عمر قتل به سبعة نفر، وقال:  «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا»([6])، وتمالأ بهمزة مفتوحة بعد اللام معناه توافق([7])، والمتمالئون: أي المتعاقدون والمتفقون([8])، وقد فعل عمر هذا والصحابة في المدينة، ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة، وذلك كالإجماع أو حلّ محلّ الإجماع([9])، بل هو إجماع سكوتيّ في عهد الصحابة، وأقوى الإجماعات إجماع الصحابة ولاسيما إذا كان على عمل من الأعمال التي قام بها خليفة من الخلفاء الراشدين المهديين الذين دلّنا رسول الله على سنتهم.

   وبرغم أنّ الحديث الذي اتكأ عليه الجمهور موقوف على عمر رضي الله عنه، فهو من قبيل فعل الصحابيّ، وفعل الصحابيّ ليس حجة في الراجح، إلا أنّ فعله جاء مشفوعاً بقوله، فهو من قبيل قول الصحابيّ الذي لم ينازعه فيه أحدٌ من الصحابة، إضافة إلى أنّه اعتمد على سدّ الذرائع وعلى المصلحة؛ "فالمستند فيه المصلحة المرسلة؛ إذ لا نص على عين المسألة"([10])، و"مفهوم أن القتل إنما شرع لنفي القتل كما نبه عليه الكتاب في قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} وإذا كان ذلك كذلك فلو لم تقتل الجماعة بالواحد لتذرع الناس إلى القتل بأن يتعمدوا قتل الواحد بالجماعة"([11])، ثمّ إنّ المعنى الذي من أجله شرع القصاص يقتضي إلحاق المشاركين في الحكم بالمنفرد؛ لأنَّ "الشرع إنما أوجب القتل على القاتل، والشريك ليس بقاتل على الكمال، لكنهم قالوا: إنما اقتص من القاتل لأجل الزجر وعصمة الدماء، وهذا المعنى يقتضي إلحاق المشارك بالمنفرد"([12])، كما اعتمدوا على قول الله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} فالمقصد الحفاظ على الحياة، "وسبب الحياة أنه إذا علم القاتل بوجوب القصاص عليه إذا قتل كف عن القتل ... فلو لم تقتص من الجماعة بالواحد، لما كان في القصاص حياة، ولكان القاتل إذا هم بالقتل شارك غيره فسقط القصاص عنهما وصار رافعا لحكم النص"([13])، ولا ريب أنَّ "القتل بغير حق لا يكون في العادة إلا بالتغالب والاجتماع لأن الواحد يقاوم الواحد غالبا"([14]).  

    ثالثًا: فإذا كان الجماعة الذين يشتركون في قتل الواحد لدوافع شخصية يقتلون به مهما كثروا؛ فكيف بالجماعة الصغيرة تقتل مئات الآلاف من الشعب، بالتمالؤ والتعاون على الإثم والعدوان؟ وكيف إذا لم يكن القتل قد وقع بمجرد دوافع شخصية وإنما وقع في سياق التآمر على الشعب والممالأة لأعداء الأمة، والتكريس لنظام استبداديّ عنصري كافر؟ فلا ريب أنّ جميع المجرمين من نظام الأسد الذين تورّطوا في قتل أبناء الشعب السوري يقعون تحت طائلة حكم القصاص، بلا فرق بين من باشر القتل ومن أمر به ومن حرّض عليه ومن عاون بأيّ صورة من الصور المؤثرة في تحقيق القتل، وهذا مما لا شك فيه ولا ارتياب.

    رابعًا: المتأمّلُ في أقوال العلماء يجد أنّ مردّ ذلك التمالؤ والتواطؤ، فمن رأى صورة من الصور يتحقق فيها تمالؤ الجماعة على قتل الواحد قال بالقصاص منهم جميعاً، وهذه نماذج من أقوالهم: روى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر قال: أخبرني زياد بن جبل، عمن شهد ذلك قال: كانت امرأة بصنعاء لها ربيب فغاب زوجها، وكان ربيبها عندها، وكان لها خليل، فقالت: إن هذا الغلام فاضحنا، فانظروا كيف تصنعون به؟ فتمالوا عليه وهم سبعة مع المرأة قال: قلت له: كيف تمالئوا عليه؟ قال: لا أدري غير أن أحدهم قد أعطي شفرة قال: فقتلوه وألقوه في بئر بغمدان ..."([15])، فاللافت للنظر هنا هو الجواب عن سؤال: كيف تمالئوا؟ والجواب: لا أدري غير أنّ أحدهم قد أعطى شفرة؛ بما يفهم منه أنهم ما تصوروا أنّ الجميع باشر القتل، وإنما تصوروا التمالؤ يتحقق بمجرد التعاون والاتفاق، وقال الصنعانيّ معلقاً على حديث ابن عمر: "وفي هذا دليل أن رأي عمر أنه تقتل الجماعة بالواحد وظاهره: ولو لم يباشره كل واحد؛ ولذا قلنا إن فيه دليلا لقول مالك والنخعي وقول عمر: لو تمالأ أي توافق دليل على ذلك" ([16]). فظاهر قول عمر يدل على أنّه لا يشترط أن يكون الجميع قد باشر القتل، بما يعني أنّ التمالؤ في مفهومهم هو التعاون مع الاتفاق.

    ويقول الإمام الشافعي - فيما نقله عنه الماورديّ - ولو جرحه أحدهما مائة جرح والآخر جرحا واحداً فمات كانوا في القود سواء "([17])، وقد أورد الماوردي كلاماً مطولاً بسط فيه الاحتالات التي عنَّت له، لكنّها صور قديمة أغلبها لا يقع الآن"([18])، لكننا نخرج من ذلك بفائدة عملية، وهي أنّ المسألة متجددة، وأنّ الصور المختلفة مردها جميعاً إلى الممالاة، ويعدد شيخ الإسلام ابن تيمية صوراً من التواطؤ والتمالؤ الذي يضع صاحبة في دائرة القصاص؛ فيقول: "وإن كان بعضهم غير مباشر لكنه متسبب سببا يفضي إلى القتل غالبا: كالمكره وشاهد الزور إذا رجع والحاكم الجائر إذا رجع: فقد سلم له الجمهور على أن القود يجب على هؤلاء"([19])، وابن قدامة يفصل أكثر فيما يتعلق بشهادة الزور فيقول: "وإن شهد رجلان على رجل بقتل أو جرح، أو سرقة قد توجب القطع، أو زنى يوجب الرجم أو الجلد، ونحو ذلك، فاقتص منه، أو قطع بالسرقة، أو حد فأفضى إلى تلفه، ثم رجعا عن الشهادة، لزمهما ضمان ما تلف بشهادتهما، كالشريكين في الفعل، ويكون الضمان في مالهما، لا تحمله عاقلتهما؛ لأنها لا تحمل اعترافا، وهذا يثبت باعترافهما. وقد روي عن علي - رضي الله عنه - أن شاهدين شهدا عنده على رجل بالسرقة، فقطعه، ثم أتيا بآخر، فقالا: يا أمير المؤمنين، ليس ذاك السارق، إنما هذا هو السارق، فأغرمهما دية الأول، وقال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما. ولم يقبل قولهما في الثاني، وإن أكره رجل رجلا على قتل إنسان، فقتله، فصار الأمر إلى الدية، فهي عليهما؛ لأنهما كالشريكين، ولهذا وجب القصاص عليهما"([20])، فشاهد الزور الذي أفضت شهادته إلى قتل إنسان أو قطعه تعتبر قتلاً يوجب القصاص، ولو تعدد الشهود يعتبروا مشاركين فيالقتل فيقتص منهما، ويأتي كلام ابن مفلح الحنبليّ أكثر تركيزاً على المناط، فبعد أن قرر الحكم قال: "وهذا إذا كان فعل كل واحد منهم صالحا للقتل به، وإلا فلا ما لم يتواطئوا على ذلك "([21])، أي إذا ثبت التواطؤ كان عليهم القصاص جميعاً حتى ولو لم يكن فعل كل واحد منهم صالحاً للقتل استقلالاً.

   وبناء على ما سبق من وجوب القصاص من الجماعة المجرمة التي تمالأت وتواطأت واتفقت على قتل أبناء الشعب السوريّ؛ فإنّ المحرضين لا ينعتقون من طائلة هذا الحكم، ولنبدأ بالإعلام؛ فهل كان بإمكان النظام المجرم أن يرتكب كلّ هذه الجرائم لولا أنّ الإعلام مهد لهذا ووطّدَ له؟ وهل كان من الممكن أن يتمادى المجرمون في القتل لولا أنّ هذا الإعلام بالتعاون - القطعيّ الثبوت - مع القيادات العسكرية والأمنية الباطشة هو الذي مهد الأرض للإجرام، فهو الذي أغرى وحرض، وهو الذي برر وشرعن، بل هو - في الحقيقة التي لا تخفى إلا إذا خفيت الشمس في يوم لا غيم فيه ولا ضباب - ذراع من أذرع القوى الباطشة، وقل مثل ذلك بل أكثر منه في شأن من أفتى بوجوب قتل الثوار والعلماء، وبرر بالحكم عليهم بأنّهم خوارج، وبأنّ الواجب على الأمّة قتالهم وقتلهم، وقام بتنزيل النصوص قسراً عليهم، وهي التي لا تتنزل إلا على من يقاتلهم ويقتلهم، إنّ الجنديّ المسلم البسيط قد تمّت تعبئته بمعاني الحقد والكراهية ضد إخوانه المسلمين حال كونه حاملاً للسلاح محملاً بأمر عسكريّ أن يضرب، وإنّ القاصي والداني ليعلم أنّ هؤلاء المفتين ليسوا سوى ذراعاً آخر للنظام، ولو أنّ هؤلاء الإعلاميين الفجرة وهؤلاء المفتين الفسقة قالوا ما قالوه والسيوف في أغمادها لكان الخطب أهون، ولكان التنزيل للحكم أبعد، ولكنّهم قاموا بما قاموا به من التحريض والتحضيض، والشرعنة والتبرير، والإغراء والإغواء في حالٍ كانت فيها السيوف مسلولة، والأسنّة مشرعة، وأصابع الجند على أزناد البنادق، والأوامر بالقتل قد ازدحمت على أفواه الطغاة.

   فإذا لم يكن هذا الذي وقع هو التمالؤ والتواطؤ والاجتماع على القتل فأين نجده، إننا إن افتقدناه في هذه الحال؛ فمن الأولى أن نفتقده في الحال التي حكم فيها الخلفاء الراشدون، ولو صُوِّبنا بتركهم لخُطِّئ الصحابة الكرام في اجتهادهم وحكمهم وإجماعهم، لقد قتُل الأبرارُ بأيدي الفجارِ، والقتلة الفجارُ هم الحكام من عائلة الأسد وأعوانهم من قادة النصيرية الباطنية المارقة، ومعهم بعض المفتين والإعلاميين وغيرهم، فكل من ثبت عليه التورط في هذه الدائرة - التي اجتمع كل من فيها على اختلاف تخصصاتهم ليقوم كل منهم بدوره - داخلٌ حتمًا في دائرة المسئولية، التي هي القصاص العادل.

    خامسًا: قد يكون هناك بعض المصالح التي يُتوقع أن تنجم عن الاستجابة للضغوط الدولية في هذا الشأن، مصالح سياسية واقتصادية وأمنية وغير ذلك، لكنّ الواقع يشهد بأنّ جميع هذه المصالح متوهمة وليست حقيقية، ومثلها المفاسد التي يُتوقع أن تنجم عن المضيّ في تنفيذ القصاص، والقواعد الفقهية الثابتة الماضية تنصّ على أنّه: "لا عبرة بالتوهم"، و"لا عبرة بالظنّ البَيِّن خطؤه"، فقد أثبتت التجارب - ولاسيما بعد الربيع العربي وبعد سلسلة الانقلابات على الربيع العربيّ - أنّ الخضوع للضغوط الدولية في مثل هذه المسائل الثورية المفصلية مَقْتَلٌ من المقاتل التي تؤتى من قِبَلِها الثوراتُ.

    أمّا المصالح الشرعية المؤكدة التي لأجلها نناشد النظام السوريّ للمضيّ في المحاكمات وتنفيذها بكل حسم وحزم وبلا أدنى تهاون أو هوادة، فهي كثيرة وعظيمة، منها حياة أنفس الشعب السوري في قابل الأيام؛ (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يَا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، ومنها قطعُ دابر القوم الذين ظلموا، وهي سنة إلهية ماضية؛ (فَقُطِعَ ‌دابِرُ ‌الْقَوْمِ ‌الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (الأنعام: 54)، فَقَطْعُ دابر الظالمين المجرمين مقصدٌ من مقاصد السنن الشرعية والسنن الإلهية في العمران البشري، ومن هذه المصالح الكبرى الاحتراز من عودة النظام السابق في أيّ صورة من الصور، وللسوريين فيما جرى بمصر عبرة؛ فإنّ الثورة المصرية قَطعت ذيلَ الحية وتركت رأسها؛ فلم تلبث الحية أن استعادت قوتها وأَنْشَبَتْ في جسد الأمة أنيابها، ومنها شفاء صدور المؤمنين الذين قتل منهم مئات الآلاف وهجر منهم الملايين وهدمت بلادهم؛ لا لشيء إلا لأنّهم مسلمون سنة أرادوا أن ينالوا حريتهم، والطمأنينة المجتمعية والسكينة الشعبية والرضا العام مقاصد شرعية وسياسية واستراتيجية عالية؛ فمشاعر السكينة والطمأنينة والرضا تطلق الشعب من آسار وأغلال الذكريات الأليمة المحبطة، وتأخذ الأمة السورية إلى آفاق العزّ والتمكين؛ ومن هنا نهيب بالحكومة السورية وبالقضاء السوري وبكافة أجهزة الدولة ألا يلتفتوا إلى المجتمع الدولي ولا إلى مؤسساته.

    والأهم من ذلك كلّه أنّ القصاص من الطغاة المجرمين على وفق أحكام الشريعة، وتطهير البلاد من جراثيم الفساد أحد أهم تجليات التدرج في تطبيق الشريعة دون تراخ أو تسويف.  والله تعالى أعلم



([1]) متفق عليه البخاري برقم (6880) ومسلم برقم (1355) كلاهما عن أبي هريرة مرفوعًا

([2]) متفق عليه البخاري برقم (6878) ومسلم برقم (1676) كلاهما عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا

([3]) الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (4/ 245) - بداية المجتهد ونهاية المقتصد (4/ 182) - البناية شرح الهداية (13/ 125) - الحاوي الكبير (12/ 27) - روضة الطالبين وعمدة المفتين (9/ 159) - الروض المربع شرح زاد المستقنع (ص: 633)

([4]) صحيح البخاري (9/ 8) برقم (6896)

([5]) السنن الكبرى للبيهقي (8/ 73) برقم (15973)

([6]) سنن الدارقطني (4/ 279) برقم: (3463)

([7]) فتح الباري لابن حجر (12/ 228)

([8]) الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (4/ 245)

([9]) تفسير ابن كثير (1/ 358) - العناية شرح الهداية (10/ 243)

([10]) تفسير المنار (7/ 164)

([11]) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (4/ 182)

([12]) المستصفى للغزالي (ص: 330)

([13]) الحاوي للماوردي (12/27) 

([14]) البناية شرح الهداية (13/ 125)

([15])  مصنف عبد الرزاق الصنعاني (9/ 477) – وانظر: الاستذكار (8/ 155)

([16]) سبل السلام (2/ 353)

([17]) الحاوي الكبير (12/ 29)

([18]) الحاوي الكبير (12/ 29 - 31)

([19])مجموع الفتاوى (20/ 382)

([20]) المغني لابن قدامة (8/ 432)

([21]) المبدع في شرح المقنع (7/ 202)

الجمعة، 14 أغسطس 2026

رابعة منصة الانطلاقة

 رابعة منصة الانطلاقة


أستاذ الفقه والسياسة الشرعية

لم أشأ أن أكتب عن رابعة في ذكرى الفض المؤلمة؛ ولعلكم تتفقون معي في أنّ رابعةَ حاضرةٌ في ضمير الأمة حضوراً حياً دافعاً مستمراً، وأنّها ستبقى لهذا الجيل وللأجيال القادمة مصدر إلهام، لا مجرد ذكرى يحييها المنتمون إليها مرة كل عام.

   أجل .. ستبقى رابعة مصدر الإلهام ومنصة الانطلاق إلى الآفاق البعيدة، ليس فقط لما تحمله من رمزية أولما تبثّه من المعاني الكبار التي تؤسس للأمجاد، ولكن لذلك ولأمر آخر لا يصح أن نجهله أو نتجاهله فتضيع الفرصة التاريخية، ألا وهو صناعة المنصة، منصة الانطلاقة الكبرى.

    لقد وقعنا جميعاً في خطأ كبير يوم أن حمَّلنا رابعة ما لا تحتمله، وعولنا عليها فيما هو خارج عن اختصاصها، وطالبناها بكسر الانقلاب وإعادة الشرعية وتحقيق أحلام الثورة والثوار؛ وربما نكون يومها معذورين بسبب وَقْعِ الصدمة، وبسبب الطبيعة البشرية التي يصعب التغلب عليها، وهي المشار إليها في قول الله تعالى: ( وَكانَ ‌الْإِنْسانُ ‌عَجُولاً).

    لكننا بعد أن وعينا السياق الكبير للأحداث؛ لسنا معذورين، وإذا كنّا قد أخطانا في تقديرنا للمواقف فيما مضى؛ فإنّ الاستمرار في البناء على هذا التقدير الخاطيء جريمة ترتكب من القادة في حق الجند، ومن أولي الأمر في حق الرعية، ومن الجيل الحاليّ في حق الأجيال القادمة.

    ها نحن قد أدركنا أنّ رابعة لم يكن منوطاً بها كسر الانقلاب، وأنّ ترتيب الخالق لها ليس كترتيب المخلوقين، فما الذي صنعته رابعة؟ وكيف صنعته؟ سؤال له ما بعده في تصور المرحلة، وفي الترتيب لها على نحو لا يجعل عجلة الحراك تدور في فراغ بلا تأثير.

    ومن المؤكد أنّ رابعة لم يكن منوطاً بها كسر الانقلاب؛ لأنّه ليس من العقل ولا من الشرع أن يكون عدوٌّ غاشم يملك السلاح ويهيمن على البلاد ويُدعَم دولياً وإقليمياً ومحلياً لا يواجَهَ إلا بتجماعات بشرية محصورة في (شعب رابعة العدوية) بلا عُدّة ولا عتاد ولا أُسس ولا عماد.

    وإذا كنّا يومها قد استسلمنا للوهم الكبير؛ فتخيلنا أنّ عدونا الذي أحرق مراكبه كلها؛ فلم يبق للعودة ثغراً يرتد منه آمناً يمكن أن يعطي ظهره للمواجهة أو يتردد في المضيّ قدماً لمجرد هتافات تدوي هنا وهناك ثم يمتصها الفضاء مثلما تمتص الصحراء الجرداء قطرات الماء .. إذا كنّا فيما مضى لم نر الصورة بوضوح فها نحن نراها اليوم كما يرى المرء منّا ما حوله من الشخوص والأشياء؛ فيجب - إِذَنْ - أنّ نصحح رؤيتنا للمسار كله؛ وإلا فنحن نرى بالعينين الشيء الواحد شيئين مختلفين، وهذا عوار بيّن.

    إنّ ما صنعته رابعة هو عين ما أنيط بها، هو - على وجه الدقة - صناعة المنصة، منصة الانطلاقة الكبرى، هذه المنصة تتمثل في النواة الصلبة التي يناط بها التغيير الحقيقيّ، إذا ما توافرت لها الظروف وتوفرت من حولها العوامل والمقومات اللازمة، هذه النواة الصلبة هي التي افتقدتها ثورة الخامس والعشرين من يناير، حيث توافرت فيها الكتلة الحرجة دون أن تتوسطها النواة الصلبة، فكانت ثورةَ اللحظة الخاطفة، استلهمت من الفطرة العامة وضمير الأمة العام طريقها قبل أن يقفز على ظهرها أصحاب المشاريع الخاصة، وفيما يبدو أنّ خزّان الخبرة لدى قوى الشرّ أمدّ العسكر ومن معهم بالحكمة اللازمة لمواجهة (الأزمة!) فلم يجدوا صعوبة في القضاء على الثورة، ولو كانت تلك الكتلة الحرجة مشدودة إلى نواة صلبة تتوسطها، ومقودة بقيادة حكيمة تنتمي إلى تلك النواة الصلبة لما وقع ما وقع، ولقد كان بإمكان الإسلاميين أن يرتبوا الأوضاع بما يفوت على المجرمين ما يرتبون له، وإذْ لم يفعلوا فها هو الحق تبارك وتعالى - بعد أن أذاقهم جزاء بعض ما قصروا فيه وعفا بفضله عن كثير - يعيد ترتيب الأوضاع بما يضمن لأهل الحق أن يمضوا في طريقهم على تؤدة؛ ليحققوا ما لم تحققه الموجة الأولى من الثورة، فوقع الانقلاب، ونزل الإسلاميون عن العرش المزيف إلى رابعة؛ ليبدأ المسير من جديد؛ فلتتشكل هنا المنصة، ولتتكون هنا القاعدة الصلبة، هنا في رابعة، محضن الجيل الفذّ الذي سيناط به التغيير.

    ولم يغب عن هذا المحضن عنصر واحد من عناصر البناء: التجميع - التصفية - الوحدة - الجماعية - التربية - التوعية – التعاهد .. فلقد تجمع أهل الخير والحق والعدل من كل مكان ومن كل فصيل، اجتذبتهم رابعة بقوة الحق وسلطانه، فلم تترك منهم أحداً يحجبه عنها حاجب ماديّ أو معنويّ، فمن لم يشهدها بنفسه شهدها بقلبه وشعوره ووجدانه، وكذلك نفضت رابعة بقوة النازلة وشدة الابتلاء كل من لم يتمتع بالصدق وينعم بالاستقامة، ثم طفقت تربي تربية إسلامية ميدانية مفتوحة، فتشكلت المنصة وتكونت القاعدة الصلبة وتعاهدت على التضحية وتبايعت على الموت في سبيل الله.

    ثمّ جاء الفضّ على هذا النحو ليتخذ الله تعالى من هذه القاعدة عربون النصر، وهو التمحيص للمؤمنين والاصطفاء للشهداء منهم؛ (وَلِيَعْلَمَ ‌اللَّهُ ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌وَيَتَّخِذَ ‌مِنْكُمْ ‌شُهَداءَ ‌وَاللَّهُ ‌لا ‌يُحِبُّ ‌الظَّالِمِينَ، ‌وَلِيُمَحِّصَ ‌اللَّهُ ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌وَيَمْحَقَ ‌الْكافِرِينَ).

    وخرجت هذه القاعدة من رابعة لتنطلق في فجاج مصر وتسيح في شوارعها؛ تلتمس الفتح الذي لا يعلم إلا الله متى سيكون، ولكنّ الذي نعلمه ولا نرتاب فيه أنّه كائن، وأنّ هذه القاعدة الصلبة سيتحقق بها وبما سيتكاثف على متنها من الخلق كل ما كان يحلق في سماء رابعة.

    وإذا كان الحراك اليوم قد فتر لعوامل كثيرة - ليس هنا موضع الحديث عنها - فإنه لم يمت ولن يموت؛ بل ليس من طبيعة الأمور أن يموت، وربما كان عدونا أكثر منا بصيرة بهذه الحقيقة؛ إذ يستمر في المطاردة ولو لأشباح الثائرين، ولا يصح أن نغرق في الخطأ فنعمى عن هذه الكتلة الصلبة رغم أنها بكل مكوناتها حاضرة وماثلة في عين الدنيا، حاضرة بالمكون البشريّ الذي - وإن غاب عن المشهد قليلاً - فإنه لم ولن ينسى قضيته، ومن باب أولى لن يستسلم لليأس أو ينساب في ركب الباطل، ومع المكون البشريّ مكون عقديّ وفكريّ ومنهجيّ، ربما لم يكن في يوم من أيام الصحوة الإسلامية بهذا الوضوح وهذا التجانس وهذه الصراحة.

    وإِذَنْ؛ فالواجب علينا شرعاً أن ننطلق من هذه المُسَلَّمة الواقعية، وأن نؤمن بأنّ لدينا قاعدةً صلبة تصلح لأن تكون عصبَ التغيير ومنصةَ التحرير ومنطلقَ التحولِ الكبير، ثمّ ننطلق من هذه المسَلَّمة إلى الأمام، وفي هذا الجو المتفائل الواعي، وبهذه الروح الواثقة المتحررة من الأوهام ندرس الظواهر على اختلافها، بما في ذلك ظاهرة عجز الحراك عن الحسم، وظاهرة افتقار الحراك للحاضنة الشعبية، وظاهرة تقلص المد الثوري وتراجعه، هل يستلزم لعلاج هذه الظواهر مراجعة الخطاب وإعادة صياغته؟ أم يستلزم تغيير الأدوات والآليات بما يناسب الظرف ويلبي الطموح؟ أم يحتاج إلى إعادة هيكلة للمشروع الإسلامي والثوري؟ أم يتطلب قيادة رمزية جديدة؟ أم غير ذلك مما لا بد منه؟ 

وهذا كله مما يجب على كبار الأمة وأهل الحل والعقد فيها، من العلماء المخلصين والدعاة النابهين والسياسيين الراشدين.

ويبقى أنّ سنة الله تعالى تقضي بتأجيل النصر ريثما يتأهل أهل الحق لتلقي هذا النصر وتوظيفه، فهل نحن على هذه الحالة التي نال بها الأوائل نصر الله: 

(يا أَيُّهَا ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌مَنْ ‌يَرْتَدَّ ‌مِنْكُمْ ‌عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ      أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ      يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ)؟ وهل نحن مستعدون ومؤهلون - إن أعطانا الله التمكين - أن نكون على هذه الحالة: (الَّذِينَ إِنْ ‌مَكَّنَّاهُمْ ‌فِي ‌الْأَرْضِ ‌أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ)؟ والتساؤل هنا للكبار، لأنّ العهدة تقع عليهم أولاً.

    وإذْ أتقدم بهذا أَعُدُّ نفسي أول الملومين وآخر المحمودين، ولست بمتطاول بالنصح على المسلمين، ولكنها الاستجابة الضرورية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة)، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

هل يجوز لحماس الاستسلام وتسليم سلاح المقاومة وفقًا لخطة ترامب؟

بسم الله الرحمن الرحيم

هل يجوز لحماس الاستسلام

وتسليم سلاح المقاومة وفقًا لخطة ترامب؟



د. عطية عدلان  

باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

فإنّ هذه النازلة تخضع للنظر في المآلات، وقياس المصالح والمفاسد، مع استصحاب جملة من الأحكام الشرعية الثابتة، ولكي يصحّ الحكم ويسلم من المشوشات يجب أن نفهم واقع النازلة فهمًا صحيحًا، ثم نقوم بتكييف المسألة؛ تمهيدًا للحكم، وسوف نلخص مسار الفتوى في هذه النقاط:

أولًا: جاءت البنود التي تخصّ حقوق الفلسطينيين فضفاضة هلامية غير منضبطة ولا محددة، وذلك مثل: 

(ستكون غزة منطقة خالية من التطرف والإرهاب ولا تشكل تهديدًا لجيرانها) 

(ستفرج إسرائيل عن عدة مئات من السجناء الأمنيين الفلسطينيين المحكوم عليهم بالسجن مدى الحياة) (سيتم منح العفو لأعضاء حماس الذين يلتزمون بالتعايش السلمي) 

(سيتم تشجيع سكان غزة على البقاء في القطاع وتوفير فرصة لهم لبناء مستقبل أفضل هناك) 

(ستسلم قوات الدفاع الإسرائيلية تدريجياً الأراضي التي تحتلها حالياً)، 

فجميعها وعود محلقة في الهواء وغير محددة ولا مزمنة، وذلك في الوقت الذي جاءت فيه البنود الخاصة بحقوق الصهاينة محددة وحاسمة وصارمة، وذلك مثل: 

(لن يكون لحماس أي دور في حكم غزة على الإطلاق) (في غضون 48 ساعة من قبول إسرائيل للاتفاق علناً، سيتم إعادة جميع الرهائن الأحياء والمتوفين).

    وهذا يعني إعطاء إسرائيل الفرصة للتلاعب ببنود الاتفاق بعد إتمام الصفقة من جانب واحد بتسليم سلاح المقاومة وتسليم الرهائن وخروج حماس من المعادلة، وقد تواترت شهادات الواقع والتاريخ بأنّ الصهاينة والأمريكان لا عهد لهم ولا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة، وعليه فإنّ بنود الاتفاق مشحونة بالمفاسد خالية من المصالح، وسيكون مآلها إنهاء المقاومة، وتصفية القضية الفلسطينية، وتكريس الهيمنة الصهيونية في فلسطين كلها وفي المنطقة بأسرها، وإعطاء نتنياهو نصرًا سهلًا؛ يدفعه لمزيد من التوغل في المشروع المزعوم، وبالتأكيد هذا الاتفاق الذي لا توجد أيّ ضمانات لتنفيذ إسرائيل ما يتعلق بها إن وقع - لا قدّر الله - سيكون سببًا في دخول المنطقة كلها في الاتفاق الإبراهيمي ثم الدين الإبراهيمي، طوعًا أو كرهًا، لاسيما وقد شهدنا استسلامًا تامًّا من الأنظمة العربية والإسلامية لخطة ترامب، على الرغم مما فيها من خروقات.

ثانيًا: لكن في المقابل توجد مفاسد جمّة ستترتب قطعًا على رفض الاتفاق، منها المزيد من القتل للأبرياء وسفك الدماء والتدمير والتهجير، مع التوقع - بغلبة الظنّ - ألّا يتحقق للمقاومة نصر عسكريّ وحسم للمعركة مع الصهاينة، ومنها إبعاد حلم الاستقلال والخلاص من الاحتلال، وتقريب الحلم الصهيونيّ العنيد بالْتهام الضفة وربما هدم الأقصى؛ تمهيدًا لنزول مسيحهم المزعوم حسب النبوءات التي يؤمنون بها، غير أنّ اعتبار هذه المفاسد والنظر إلى هذه المآلات يكتنفه كثير من العوارض، منها أنّ أحدًا لا يشكّ ولو للحظة في أنّ إسرائيل مستمرة في الذبح والتشريد مهما كان الوضع، وتاريخها بل وواقعها الحاليّ يؤكد ذلك، فمن المتوقع بغلبة الظنّ أيضًا - إن لم يكن يقينًا - أنّه بمجرد تسليم المقاومة لسلاحها وتسلم الصهاينة للرهائن سيواصل نتنياهو الذبح، وستتضامن معه جميع طوائف الشعب الصهيونيّ، وسيُعْمِل المستوطنون السلاح في أبناء الوطن، وستدعمهم أمريكا، ولن تستحي أن تأكل وعودها، ولن تعدم الحيل للتملص منها.

ثالثًا: من المعلوم أنّ المقاومة هي التي اتخذت قرارها بالحرب وانفردت بإرادتها المستقلة بخوض (طوفان الأقصى)، وقد تكلّم البعض في مدى وجاهة هذا القرار من حيث التوقيت وحجم العمليات والنظر في المآلات، لكنّها دافعت باستماته عن قرارها - ونحن معها - فإن سلّمتْ اليوم سلاحها بعد أن راهنت الشعوب المسلمة عليها فسيكون ذلك خذلانًا للجيل كلّه؛ يجعله يتراجع على مستوى الأحلام والطموحات، وعلى مستوى الحراك الرامي إلى التغيير، وسيكون صدمة لشعوب العالم التي اتخذت غزّة (أيقونة) للحرية والكرامة والعزّة، فإن سلمت المقاومة سلاحها فسيكون ذلك خذلانا للإنسانية التي بدأت تتهيّأ للتفاعل الإيجابيّ مع الإسلام وقضاياه، وهذا بالنظر للمآلات يعدّ مفسدة عظيمة.

    وبناء على ماورد في أولًا وثانيًا وثالثًا يتبين لنا أنّ المفاسد المترتبة على الاستجابة لخطة ترامب مفاسد عظيمة، وليس فيها مصالح حقيقية، إن هي إلا مصالح مرجوحة وغالبها مصالح متوهمة وغير حقيقية، أمّا المفاسد المترتبة على رفض هذه الخطة فهي واقعة على كلّ حال سواء استجابت المقاومة للخطة أم رفضتها، بل إنّه يغلب على الظنّ أن وقوعها في المآل في حال قبول الخطة سيكون أشدّ من وقوعها حال الرفض، وقد تقرر في الشريعة أنّه إذا تزاحمت المصالح والمفاسد والمنافع والمضار وجب عندئذ اختيار أهون الشرّين وارتكاب أخفّ الضررين، ودفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما، فبموجب ميزان المصالح والمفاسد والنظر في المآلات يجب رفض هذه الخطة.

رابعًا: إذا نظرنا إلى الاتفاق - إن وقع - على أنّه هدنة؛ فإنّ جميع بنوده قاضيةٌ بفسادها وعدم توافر شروط صحتها وانعدام مشروعيتها، وإن نظرنا إليه على أنّه عقد إذعان حتمته الضرورة؛ فإنّ ما يدفعه هذا الاتفاق من مفاسد بمراعاة أحكام الضرورة واقع لا محالة ونافذ على أيّ حال، بل إنّ احتمال وقوعه مع الرخصة أشد من احتمال وقوعه مع العزيمة، وإذا نظرنا إلى القتال وعدم الدخول في اتفاق فإنّ الأصل الثابت فيه أنّه فرض عين لكونه جهاد دفع، ولا يرتقي اتفاق كهذا إلى المستوى الذي يسقط الفرض.

خامسًا: التكييف الصحيح لعملية تسليم المقاومة لسلاحها أو تخلي حماس عن أرض الإسلام في غزة أو التراجع عن الرباط والمقاومة - تحت أيّ مسمى أو اتفاق - هو الفرار من الزحف؛ لأنّ المقاومة الآن في في الميدان، وتراجعها عن هذا الموقف ليس تحيّزًا إلى فئة ولا تحرّفًا لقتال، فالواجب قطعًا هو الثبات حتى لو أدّى ذلك إلى فناء المقاومين، قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ‌زَحْفاً ‌فَلا ‌تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)) (الأنفال: 15-16)، هذه هي الآية التي يستدلّ بها على وضع كهذا، أمّا قول الله تعالى في السورة نفسها: 

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)) (الأنفال: 65-66)، فهذا لا يستدلّ به على الفرار من الزحف، وإنّما يستدلّ به على اتخاذ قرار الحرب قبل بدء القتال، فالآيتان تضعان معيارًا لمعرفة مدى تحقق شرط الاستطاعة للدخول في الحرب، وجاء هذا المعيار متحركًا بين حدّين أعلى وأدنى لاختلاف حال الأمة من وقت لآخر.

سادسًا: ويبقى أنّ حماس تستطيع أن تجد مخارج تعفيها من الصدام السياسي الصريح الذي قد يكلفها فقدان تعاطف بعض الدول، من ذلك أنّها حركة مقاومة، ولا تملك إلا الاتفاق على هدنة أو على وقف الحرب أو الاتفاق على تبادل أسرى، وحكمها لغزّة إنّما جاء في هذا الإطار، مثلما جاء حكم عباس في إطار التماهي مع التطبيع؛ ومن ثمّ فإنّها لا تملك الصلاحية لاتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالشعب الفلسطيني كله، كقرار تسليم السلاح وإنهاء المقاومة، وقرار التنحي عن مسئولية القطاع وتركه لأيّ جهة دولية أو غير دولية، والشعب ليس في حالة تسمح له باتخاذ قرار فيه تحديد للمصير؛ فالعدل أن يبقى التفاوض في حدود الهدنة وتبادل الأسرى، أمّا ما وراء ذلك فهو تَقَحُّمٌ من حماس لأمر لا صلاحية لها فيه.

سابعًا: وبناء على ما سبق يجب الثبات، ويحرم الانصياع لأهل الكفر، قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) ‌بَلِ ‌اللَّهُ ‌مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)) (آل عمران: 149-150)، وعلى التوازي يجب على شعوب العالم الإسلاميّ - ولاسيما العلماء وأهل الرأي والشورى - أن يعلنوا الرفض القاطع لهذه الخطة المدمرة، والتضامن الكامل مع المقاومة وأهل غزة ومع القضية الفلسطينية على وجه العموم، ويجب على الأمة بأسرها أن تبذل قصارى جهدها لنصرة المقاومة، بكافّة السبل المتاحة: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌اسْتَجِيبُوا ‌لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ) (الأنفال: 24)، وليس هناك مما يحي الأمة أكبر وأهم من نصرة أهل غزة ضد الصهاينة المجرمين .. 

والله أعلم.