‏إظهار الرسائل ذات التسميات تقارير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تقارير. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 24 يوليو 2026

بعد عقود من الغياب.. سر عودة اليهود إلى دمشق لترميم مقابرهم

 بعد عقود من الغياب.. سر عودة اليهود إلى دمشق لترميم مقابرهم


بدأت مؤسسة سورية/أمريكية، يقودها يهودي سوري أمريكي، عملية ترميم المقبرة اليهودية الرئيسة في دمشق، ضمن مساعٍ لإعادة إحياء ما تبقى من إرث الطائفة اليهودية في سورية في يوليو 2026م.


وتُشرف مؤسسة «موزاييك» على تنفيذ المشروع الذي يستهدف واحدة من أبرز المقابر اليهودية في سورية، وتضم مئات القبور التي يعود بعضها إلى عقود طويلة.

ويأتي هذا بالتوازي مع تحركات رسمية ومجتمعية شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية شملت تأسيس أول منظمة مرخصة لحماية التراث اليهودي، وزيارات متكررة ليهود سوريين مقيمين في الخارج إلى أماكن العبادة والمقابر والأحياء التي عاشوا فيها.

وتعمل مؤسسة «موزاييك» بين سورية ونيويورك، ورئيسها هو اليهودي السوري الأمريكي جوزيف جاجاتي، وقد بدأت أعمال تنظيف المقبرة وتدعيم عدد من القبور المتهالكة، وترميم السور الخارجي، وتركيب منظومة إنارة وكاميرات مراقبة.

وتُعرف نفسها بأنها منظمة غير ربحية تُعنى بالحفاظ على التراث الثقافي والديني السوري، وتسعى إلى توثيق وحماية المواقع التاريخية، وتعزيز الحوار بين مكونات المجتمع السوري، وبناء جسور بين السوريين داخل البلاد وخارجها.

وسبق أن أثارت زيارات المؤسسة واتصالاتها داخل سورية، إلى جانب مشاركة مؤسسها في مبادرات لإحياء التراث اليهودي السوري، اهتمامًا إعلاميًا وتساؤلات حول طبيعة نشاطها وهويتها، وهل تعمل لحساب أي حكومة أو جهاز استخبارات أو جهة سياسية.

وكانت «وكالة الأنباء الفرنسية» نقلت عن اليهودي السوري الأمريكي جاجاتي أن المقبرة لم تتضرر جراء الحرب التي شهدتها سورية منذ عام 2011م، وأن آخر عملية دفن فيها جرت قبل نحو عام ونصف عام لنقص أعداد اليهود بسورية.


وانقطعت زيارة اليهود لها خلال العقود الثلاثة الماضية، قبل أن تبدأ وفود من اليهود السوريين المقيمين في الخارج بزيارة سورية بعد التغيرات السياسية الأخيرة، لتفقد أملاكهم ودور العبادة وقبور أسلافهم.


وبحسب الحاخام السوري الأمريكي هنري حمرا، فإن المنظمة التي أسسها عدد من أبناء الجالية اليهودية السورية في الخارج تهدف إلى توثيق الأملاك اليهودية، ومتابعة استعادة ما صودر منها خلال حكم النظام السابق، إضافة إلى حماية الكنس والمزارات اليهودية وترميمها وإتاحتها للزيارة.


تاريخ المقبرة اليهودية


وتقع المقبرة اليهودية الرئيسة في حي الأمين داخل البلدة القديمة بدمشق، بالقرب من باب شرقي، وتُعد أكبر وأهم مقبرة يهودية تاريخية في سورية، وتضم قبورًا يعود تاريخ بعضها إلى مئات السنين لعدد من كبار الحاخامات والعلماء اليهود الذين عاشوا في دمشق.


وهي ضمن الحي اليهودي التاريخي في دمشق، الذي كان يتركز بين حي الأمين وحارة اليهود قرب باب شرقي، وتمثل أبرز معالم الوجود اليهودي التاريخي في دمشق، وقد أصبحت مقصدًا لزوار يهود من أصول سورية، بعد السماح لهم بزيارة سورية، وتضم شواهد قبور مكتوبة بالعبرية والعربية، ما يجعلها مصدرًا مهمًا لدراسة تاريخ يهود دمشق.


رغم تراجع عدد اليهود في سورية إلى أعداد قليلة جداً خلال العقود الأخيرة، لا تزال المقبرة قائمة، وخضعت لأعمال ترميم وصيانة محدودة في السنوات الأخيرة، كما زارها بعض أفراد الجالية اليهودية السورية المقيمين في الخارج بعد سقوط نظام بشار الأسد وبدء انفتاح نسبي على الزيارات الدينية والتراثية.


الوجود اليهودي في سورية


ويعود الوجود اليهودي في سورية، وفق المؤسسة، إلى أكثر من 2500 عام، وتركز تاريخيًا في 3 مدن رئيسة هي دمشق وحلب والقامشلي، وازدهرت الجالية خلال العهدين العثماني والانتداب الفرنسي، حيث امتلكت معابد ومدارس ومؤسسات خيرية وأسهمت في التجارة والصناعات والحرف.


وقبل قيام «إسرائيل» عام 1948م، كان عدد اليهود في سورية يُقدر بنحو 30 ألف نسمة، ثم بدأ العدد يتراجع بصورة حادة بعد حرب 1948م، وما تبعها من توترات وقيود على السفر والملكية، وصولًا إلى السماح لليهود بمغادرة البلاد عام 1992م، في عهد الرئيس حافظ الأسد، فهاجر معظم من تبقى منهم إلى الولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا اللاتينية، مع حظر السفر إلى «إسرائيل» في ذلك الوقت.


وتشير أحدث التقديرات، الصادرة عامي 2025 و2026م، إلى أن عدد اليهود المقيمين داخل سورية يتراوح بين 5 و7 أشخاص فقط، وجميعهم تقريبًا من كبار السن ويقيمون في دمشق، بينما لا توجد حياة دينية منظمة أو حاخام مقيم أو مؤسسات يهودية فاعلة داخل البلاد، ما يجعل الوجود اليهودي في سورية شبه منعدم.

وبعد التغيير السياسي في سورية أواخر عام 2024م، بدأت السلطات اتخاذ خطوات لإحياء التراث اليهودي والحفاظ عليه، شملت تسهيل زيارات يهود سوريين من المهجر، وإطلاق مبادرات لترميم المعابد والمقابر اليهودية، والنظر في إعادة بعض الممتلكات التاريخية، في إطار جهود أوسع للحفاظ على التنوع الديني والثقافي في البلاد.


  اقرأ أيضاً   


الثلاثاء، 21 يوليو 2026

ثلاث ركائز تآكلها يعيد قراءة مصير الدولة العبرية

 ثلاث ركائز تآكلها يعيد قراءة مصير الدولة العبرية

 . أحمد الفقي

هل يواجه الأمن القومي الإسرائيلي مرحلة تآكل تدريجي رغم تفوقه العسكري، بعد تصاعد الانقسامات الداخلية واستنزاف الحروب وتغير البيئة الإقليمية والدولية، بما يفرض إعادة تقييم قدرة الدولة العبرية على الحفاظ على استقرارها الإستراتيجي مستقبلاً؟


لم يكن مؤتمر هرتسليا لعام 2026 مجرد مناسبة سنوية لتقييم البيئة الأمنية الصهيونية، بل بدا أقرب إلى جلسة مراجعة داخلية لعقيدة أمن قومي تواجه أكبر اختبار لها منذ تأسيس الدولة. فالمفارقة التي هيمنت على معظم الأوراق والنقاشات تمثلت في أن الدولة العبرية، التي تمتلك تفوقًا عسكريًا غير مسبوق وتفوقًا تكنولوجيًا واستخباراتيًا واضحًا، تجد نفسها في الوقت ذاته أمام مؤشرات متزايدة على تراجع قدرتها على تحويل هذا التفوق إلى استقرار استراتيجي مستدام. 
هذه المفارقة دفعت العديد من الباحثين الصهاينة إلى الانتقال من سؤال "كيف تنتصر إسرائيل؟" إلى سؤال أكثر عمقًا: "كيف تحافظ إسرائيل على قدرتها على الاستمرار؟". 
وتكشف الأدبيات الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني (INSS) أن الأمن القومي لم يعد يُقاس بالتفوق العسكري وحده، وإنما بمنظومة متكاملة تضم القوة العسكرية، والاقتصاد، والمناعة الوطنية، والشرعية الدولية، والعلاقات مع الحلفاء، بما يعني أن أي اختلال في أحد هذه الأعمدة ينعكس مباشرة على بقية المنظومة.

ولعل أخطر ما كشفت عنه السنوات الأخيرة هو انتقال مركز التهديد من الحدود إلى الداخل. فبدل أن يكون الانقسام المجتمعي نتيجة للأزمات الأمنية، أصبح في نظر عدد متزايد من الباحثين الصهاينة أحد مسبباتها. 

ويُعد مقياس معايير المناعة الوطنية الذي طوره الباحثان الصهيونيان شاؤول كيمحي ويوحنان إشيل من أهم الأدوات العلمية المستخدمة لقياس المناعة الوطنية، إذ يعتمد على ثلاثة عشر مؤشرًا تقيس الثقة بالمؤسسات، والانتماء للدولة، والتماسك الاجتماعي، والثقة بالمستقبل، والقدرة على تحمل الأزمات. وقد خلص الباحثان إلى أن "العوامل المعززة للمناعة الوطنية، مثل مناعة المجتمع والإحساس بالتماسك، ترتبط ارتباطًا إيجابيًا بالمناعة الوطنية، بينما يرتبط الشعور بالخطر والانقسام ارتباطًا سلبيًا بها". 
ولم يعد هذا الاستنتاج نظريًا؛ إذ أظهرت استطلاعات INSS بعد الحرب أن الثقة بالجيش بقيت مرتفعة عند نحو 75%، بينما انخفضت الثقة بالحكومة إلى نحو 23%، وأعرب أكثر من 80% من الصهاينة عن قلقهم من الانقسامات الداخلية، في حين لم يتجاوز متوسط تقييم الأمن القومي 5.7 من 10. 
هذه الأرقام تكشف أن التحدي لم يعد يتمثل في امتلاك القوة، بل في المحافظة على البيئة المجتمعية والسياسية التي تسمح باستخدامها بفعالية.

ولذلك لم يكن مستغربًا أن يحذر رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق، عاموس يدلين من أن "تقويض التماسك الداخلي، وأزمة قوات الاحتياط، والإضرار بكفاءة الجيش، والخلاف مع الولايات المتحدة، كلها عناصر تُضعف الردع بصورة خطيرة". 
وتكتسب هذه العبارة أهميتها لأنها صادرة عن أحد أبرز منظري العقيدة الأمنية الصهيونية، الذي أكد في أكثر من دراسة أن الأمن الصهيوني قام تاريخيًا على ثلاثة مرتكزات هي الردع، والإنذار المبكر، والحسم، وهي مرتكزات تفترض وجود جبهة داخلية متماسكة واقتصاد قادر على تمويل الحرب، وقيادة سياسية تحظى بالثقة. وإذا اختل أحد هذه العناصر، فإن فعالية المنظومة الأمنية بأكملها تصبح موضع تساؤل، حتى لو بقي التفوق العسكري قائمًا.

أما العامل الثاني، فيتمثل في التحول من الحروب القصيرة إلى الاستنزاف طويل الأمد. فقد بُنيت العقيدة العسكرية الصهيونية منذ عهد ديفيد بن غوريون على أن الدولة العبرية، بحكم ضيق مساحتها وقلة مواردها البشرية، لا تستطيع تحمل حروب ممتدة، ولذلك كان الحسم السريع جزءًا من فلسفة الأمن القومي وليس مجرد خيار عسكري. إلا أن الحرب الأخيرة كسرت هذه القاعدة؛ إذ جرى استدعاء نحو 318 ألفًا من قوات الاحتياط في الأشهر الأولى، وهو أكبر استدعاء منذ عقود، بينما حذر بنك إسرائيل من أن استمرار الحرب يفرض أعباء هيكلية طويلة الأجل تتمثل في ارتفاع الإنفاق الدفاعي، وتراجع الإنتاجية، واتساع العجز المالي، وتباطؤ النمو الاقتصادي. كما بدأت قطاعات اقتصادية تعاني نقصًا في القوى العاملة نتيجة طول فترة التعبئة. 
والأهم من ذلك أن وثيقة الأمن القومي الصادرة عن معهد الأمن القومي الصهيوني دعت صراحة إلى "تحويل الإنجازات العسكرية إلى إنجازات سياسية"، وهو اعتراف ضمني بأن استمرار العمليات العسكرية من دون أفق سياسي يحمل في ذاته كلفة استراتيجية متراكمة، ويقوض القدرة على ترجمة الإنجاز التكتيكي إلى استقرار طويل الأمد.

ويبرز العامل الثالث في التحولات التي تشهدها البيئة الاستراتيجية المحيطة بالدولة العبرية. فمنذ عقود، شكلت الولايات المتحدة العمق الاستراتيجي الأهم للدولة العبرية، ليس فقط من خلال الدعم العسكري والتكنولوجي، وإنما أيضًا عبر الغطاء السياسي والدبلوماسي، والتفوق النوعي الذي ضمنته واشنطن للدولة العبرية في المنطقة. غير أن مراكز الدراسات الصهيونية نفسها تناقش اليوم احتمال أن تصبح البيئة الدولية أقل استقرارًا بالنسبة للدولة العبرية، مع تغير أولويات السياسة الأمريكية، واتجاه واشنطن إلى توزيع مواردها بين مسارح تنافس عالمية متعددة، وهو ما يدفع الدولة العبرية إلى التفكير في كيفية الحفاظ على تفوقها في بيئة قد لا تكون فيها المظلة الأمريكية بالحجم نفسه الذي عرفته خلال العقود الماضية. وفي هذا السياق، يكتسب صعود قوى إقليمية مثل تركيا أهمية خاصة، ليس باعتباره بديلًا مباشرًا للدور الأمريكي، وإنما بوصفه عاملًا يعيد تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط. فقد طورت أنقرة خلال العقد الأخير قاعدة صناعات دفاعية متقدمة، ووسعت حضورها العسكري وشبكات تعاونها مع عدد من الدول، بما جعلها لاعبًا مؤثرًا في ملفات الأمن الإقليمي. وإذا اقترن ذلك بتعميق أشكال التعاون الدفاعي أو الأمني بين قوى إقليمية مؤثرة، فقد يؤدي إلى بيئة استراتيجية أكثر تعقيدًا بالنسبة لإسرائيل، ويؤثر في حسابات الردع، ومسارات التطبيع، وآليات بناء التحالفات. ولا يعني ذلك أن هذه المسارات ستنهار، لكنه يعني أن البيئة التي استفادت منها الدولة العبرية خلال السنوات الماضية قد تصبح أكثر قابلية للتغير تبعًا لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.

وتكتسب هذه القراءة وزنًا إضافيًا إذا ما استحضرت ملاحظة مستشار الأمن القومي الصهيوني السابق إيال حولاتا، الذي قال إن "أي حكومة إسرائيلية لم تعتمد حتى اليوم مفهومًا رسميًا متكاملًا للأمن القومي"، في إشارة إلى أن إدارة الأمن القومي اعتمدت طويلًا على التقاليد المؤسسية أكثر من اعتمادها على عقيدة استراتيجية موحدة تربط بين القوة العسكرية، والاقتصاد، والمجتمع، والدبلوماسية. 
لذلك فإن التحدي الذي تواجهه الدولة العبرية اليوم لا يتمثل في نقص الدبابات أو الطائرات أو التكنولوجيا، وإنما في الحفاظ على التوازن بين عناصر القوة المختلفة في لحظة تتعرض فيها جميعها لضغوط متزامنة.

وبناءً على ذلك، فإن قراءة المؤشرات الكمية والنوعية مجتمعة لا تقود إلى استنتاج حتمي بانهيار الدولة العبرية، لكنها تشير إلى أن منظومة الأمن القومي الصهيونية تواجه عملية تآكل تدريجي إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون معالجة. 
فحين تتراجع مؤشرات المناعة الوطنية التي يقيسها NR-13، وتتسع فجوة الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، وتتحول الحروب إلى استنزاف مفتوح بلا مخرجات سياسية واضحة، وتصبح البيئة الإقليمية والدولية أكثر تنافسًا وأقل استقرارًا، فإن التفوق العسكري وحده لا يكفي لضمان الاستقرار الاستراتيجي. 
ومن هنا تبدو المفارقة التي لخصها مؤتمر هرتسليا 2026 أكثر وضوحًا، قد تمتلك الدولة فائضًا من القوة، لكنها في الوقت نفسه تواجه اختبارًا متصاعدًا لقدرتها على الحفاظ على مقومات أمنها القومي في بيئة تتغير بوتيرة أسرع من قدرتها على التكيف معها.


فلسطين   أمريكا  إسرائيل

الأحد، 19 يوليو 2026

حَجَر رشيد.. هل سبقَ “ابنُ وحشيّة” شامبليون في فكّ رموز الهيروغليفية؟

 حَجَر رشيد.. هل سبقَ “ابنُ وحشيّة” شامبليون في فكّ رموز الهيروغليفية؟

19 يوليو 1799م: اكتشاف حَجَر رشيد

 

1- تم اكتشاف (حَجَر رشيد) بواسطة الضابط مهندس “بيير فرانسوا بوشار”، ونجح العالم الفرنسي الأثري “شامبليون”، الذي جاء مع الغزو الفرنسي لمصر، في فكّ رموز اللغة الهيروغليفية

2- (العلمانيون والأثريون والجهلاء يطلقون على الاحتلال الفرنسي لمصر: “الحملة الفرنسية”)

3– ساهم اكتشاف هذا الحَجَر في فكّ طلاسم اللغة المصرية القديمة، وذلك عن طريق مقارنتها باللغة الديموطوقية، وكان من نتيجة ذلك؛ دراسة الحضارة الفرعونية.

4– البداية كانت عندما كلّفَ الجنرال مينو، ثالث قادة الاحتلال الفرنسي لـ مصر، بعد الطاغيتين: نابليون وكليبر، الضابط مهندس “فرانسوا بوشار” بإجراء أعمال ترميم وإصلاح في قلعة جوليان “قايتباي حاليًا”، وأثناء العمل عثرَ على هذا الحَجَر البازلتي تحت أنقاض القلعة، وكان يبلغ ارتفاعه (1 متر) وعرضه (73 سنتيمترًا) وسُمكه (27 سنتيمترًا)، فلما رآه” بوشار” أدرك ما لهذا الحجر من أهمية.

5- ذكرَ الدكتور “سليم حسن” في موسوعته: “مصر القديمة” عددا من المحاولات في فك رموز الكتابة الهيروغليفية

وقال مؤلف “مصر القديمة” إن أول من حاول فك رموز هذا الحجر هو “سلفستر دي ساسي” عام 1802م، وكان عالمًا باللغة العربية، ولكن محاولاته باءت بالفشل

6- أول محاولة جادة متكاملة لفك رموز حجر رشيد، هي التي قام بها الدبلوماسي السويدي العالم “توماس أكربال” في سنة 1820م، الذي تعرّفَ على بعض الحروف، أما العالم البريطاني “توماس ينك”، فقد اكتشف أن الكتابة الهيروغليفية هي حروف لأصوات، ولكنه أخطأ في الخصائص الصوتية لهذه الرموز.

7- استطاع العالم الفرنسي “جان فرانسوا شامبليون” (1790م – 1832م) فَكَّ رموز اللغة المصرية القديمة، في عام 1822م، عن طريق مضاهاة الحروف ببعضها البعض وخاصةً الأسماء، وأدى هذا الاكتشاف إلى ثورة علمية وتاريخية، ومعرفة رموز الهيروغليفية.

8- كان “شامبليون” يعرف اللغة القبطية، فطابقها باللغة اليونانية الموجودة على الحَجَر، ثم ميـّـزَ أسماء الحُكّام البطالمة المكتوبة باللغة العامية المصرية، واستطاع أن يحصل على عِدّة حروف، وعن طريق مضاهاتها ببعض أسماء أخرى؛ وصلَ إلى أبجدية الحروف القبطية، وبالتالي أبجدية الحروف الهيروغليفية التي كان يستخدمها فراعنة مصر.

9- كانت الكلمات المكتوبة على حجر رشيد بثلاث لغات:

1- الهيروغليفية

2- الديموطيقية

3- اليونانية

فاللغة الهيروغليفية كانت لغة المعابد والمراسلات،

واليونانية كانت هي لغة البطالمة الذين كانوا يحتلون مصر، أما الديموطيقية فهي (العاميّة المصرية وكانت مزيجا من عدة لغات ولهجات)

10- استولى البريطانيون على حجر رشيد، بعد خروج الفرنسيين، عام 1801م، وتم نقل الحَجَر للمتحف البريطاني، سنة 1802م، حتى الآن، وسرقة الآثار المصرية كانت أمرًا اعتياديًا في عهدي الاحتلال الفرنسي والبريطاني، ويُعد حجر رشيد واحدًا من أكثر من مئة ألف قطعة أثرية مصرية وسودانية يحتفظ بها المتحف البريطاني، استولى على نسبة كبيرة منها خلال الحقبة الاستعمارية البريطانية بين عامي 1883م و1953م.

خلال الحملة الفرنسية نُقلت إلى فرنسا أربع مسلات تُعرف بـ”مسلات باريس” للملك رمسيس الثاني، كما نُقل رأس الملك خوفو المعروض عند مدخل الجناح المصري في متحف اللوفر، إلى جانب عشرات الآلاف من القطع الأثرية الأخرى.

أما بريطانيا، فلم تكتف بالاستيلاء على حجر رشيد، بل يضم المتحف البريطاني اليوم سبع قاعات كاملة مخصصة لعرض التماثيل والمومياوات والآثار المصرية، في واحدة من أكبر مجموعات الآثار المصرية خارج مصر.

وعلى مدار أكثر من قرن، طالبت الحكومات المصرية المتعاقبة باستعادة حجر رشيد، إلا أن بريطانيا لا تزال ترفض إعادته حتى اليوم.

المكتشف الحقيقي للهيروغليفية؟!

11- أول عالم عربي اهتم بالهيروغليفية والنصوص المصرية، هو (جابر بن حيّان) الذي عاش بين منتصف القرن السابع ومنتصف القرن الثامن الميلادي، واستفاد من أبحاثه العديد من العلماء العرب، منهم  “ابن وحشية” و”ذو النون المصري “

12- لم يكن فرانسوا شامبليون «1790م – 1832م»، أول من اكتشف أسرار اللغة الهيروغليفية، كما يُشاع، بل سبقه إلى ذلك العالم العربي العراقي المسلم «أبو بكر أحمد بن علي بن قيس» – ابن وحشية – أول من كشفَ أسرار «الكتابة المقدّسة» الهيروغليفية.

يُعرَف بـ «ابن وحشية النبطي» أو «ابن وحشية الكلداني»، عاش بين القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، الثالث والرابع الهجريين، وقد كشفَ في مخطوطته النادرة (كشف المستهام في معرفة رموز الأقلام) عن أحرف وأسرار 89 لغة قديمة من بينها اللغة المصرية القديمة «الهيروغليفية».

13- تجاوز «ابن وحشية»، في مخطوطته النادرة اكتشاف الحروف الهيروغليفية، ومقاطعها الصوتية، إلى اكتشاف الرموز التي كان يستخدمها الفراعنة في وصف بعض الأشياء؛ مثل أسماء الكواكب، والنجوم، والمعادن، والحيوانات، والجمادات، وتجاوز ذلك إلى تفسير الرموز التي كانت تستخدم بعض المعاني المطلقة؛ مثل الروح والخير والشر والقدرة وغير ذلك.

14- كتاب (كشف المستهام في معرفة رموز الأقلام) تمت طباعته في لندن عام 1806م، وفي فرنسا قبل اكتشاف الهيروغليفية على يد شامبليون ب 16 عاما!!!

وهو الكتاب الذي استعان به شامبليون، ونسبَ الاكتشاف لنفسه، كما ذكرَ الدكتور عكاشة الدالي، عالم المصريات في كتابه الذي أصدره في سنة 2004م: «الألفية المفقودة.. مصر القديمة في كتابات العرب»، وتحدّث فيه عن اكتشاف «ابن وحشية»،

15- ما سبق به «ابن وحشية»؛ «شامبليون» وباقي علماء أوروبا بثمانية قرون، يتطابق مع ما وصل إليه علم المصريات في الحروف والرموز الهيروغليفية باللغتين الإنجليزية والفرنسية.

16- تمتلك المكتبة الوطنية في باريس مخطوطة «ابن وحشية»: «شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام»، تحت رقم «1605/131»، وأيضا تمتلك المكتبة الوطنية في النمسا المخطوطة برقم «68»، الأمر الذي لم ينتبه إليه أحدٌ، باستثناء الدكتور الدمشقي، عضو مجمع اللغة العربية، “يحيى مير عَلَم”، أستاذ آداب اللغة وعلومها بكلية التربية الأساسية بالهيئة الوطنية للتعليم التطبيقي والتدريب في الكويت، في بحثه: (شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام: أقدم مخطوط كشف رموز الهيروغليفية لابن وحشية النبطي) .. ويؤكد الدكتور “يحيى مير علم”، أن العلماء المسلمين والعرب اهتموا وفكّوا رموز اللغة الهيروغليفية، وتحدّثَ عن مخطوطات عربية في إسطنبول وباريس؛ تضم جداول تكشف المقابل الصوتي لرموز الهيروغليفية، تمكنَ ثلاثة علماء من المسلمين العرب من وضعها في العصور الوسطى التي كانت «مظلمة» في أوروبا.. وكان الأوربيون يعتقدون أن الرموز الهيروغليفية رموز سحر وشعوذة.

17- العالم اللغوي والكيميائي العراقي «ابن وحشية» له العديد من المؤلفات أهمها:

«شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام»

«شمس الشموس وقمر الأقمار في كشف رموز الهرامسة»،

«الفلاحة النبطية»

«الأصول الكبير»

«الأصول الصغير»

وغيرهم.

18- يقول الدكتور عكاشة الدالي، عالم المصريات، والمحاضر بجامعة لندن: (رأيتُ كتاب “شوق المستهام إلى معرفة رموز الأقلام” لأحمد بن وحشية النبطي، بعيني، وطالعتُ فيه بنفسي،، وهنيئاً لعلماء أوروبا الذين ترجموا هذا الكتاب إلى لغتهم، فقد ترجمه الإنجليز منذ قرنين، ووقفوا بواسطته على آثار الأمم الماضية، فأعمال المستشرقين ووقوفهم على حل رموز الآثار، ما هي إلا نتيجة بحثهم في هذا الكتاب ووقفهم عليه، وإخفائه عنا حتى لا نسبقهم فيه).

19- في حوارٍ أجرته معه صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، في فبراير 2004م، قال عالم الآثار المصري الدكتور عكاشة الدالي: إن مؤلفات عدد من علماء العرب في العصور الوسطى تناولت الحضارة المصرية القديمة، وذهب إلى أن بعضهم نجح في فك جانب من رموزها قبل العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون بما لا يقل عن ألف عام، وأوضح أن العالم العراقي ابن وحشية توصّل إلى كثير من المبادئ التي اعتمد عليها شامبليون لاحقًا في قراءة الكتابة الهيروغليفية وفك رموز حجر رشيد.

20- ورغم وجود كتاب ابن وحشية (شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام) الذي فك فيه طلاسم 89 لغة، منها الهيروغليفية والنصوص المصرية القديمة؛ بتفاصيلها وأسرارها، ما زلنا نردد كالببغاوات: شامبليون شامبليون.

21- يرى عدد من علماء المصريات المعاصرين ومؤرخي الآثار أن العالم العراقي ابن وحشية لم ينجح في فك رموز الكتابة الهيروغليفية بالمعنى العلمي، ويؤكدون أن الفضل في فك شفرة حجر رشيد يعود إلى العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون.

ويستند هذا الرأي إلى أن شامبليون تمكن من قراءة نصوص حجر رشيد عبر المقارنة بين نصوصه الثلاثة: الهيروغليفية، والديموطيقية، واليونانية، كما توصل إلى أن الهيروغليفية ليست مجرد رموز تصويرية، بل نظام كتابة يجمع بين العلامات الصوتية والرمزية، وهو الاكتشاف الذي شكّل الأساس العلمي لقراءة النصوص المصرية القديمة،

ولهذا يُعد شامبليون، وفق الرؤية السائدة في الأوساط الأكاديمية، المؤسس الأول لعلم المصريات الحديث..

وفي المقابل، يرى هؤلاء الباحثون أن كتاب ابن وحشية «شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام»، المؤلف في القرن الثالث الهجري/العاشر الميلادي، لا يقدم تفسيرًا علميًا دقيقًا للغة المصرية القديمة، إذ يضم أسماء لملوك وروايات ومعلومات يعدها مؤرخون من قبيل الأساطير أو الروايات غير الموثقة..

كما يشيرون إلى أن ابن وحشية لم يضع منهجًا علميًا متكاملًا لفك الهيروغليفية، فلم يتوصل إلى أبجدية صوتية صحيحة، ولم يحدد القواعد النحوية للغة المصرية القديمة، ولم يثبت قدرته على قراءة نص أثري كامل قراءة صحيحة وفق المعايير العلمية الحديثة.

22- أما موقع وزارة الأوقاف المصرية، فقد أورد عددًا من النقاط التي يرى أصحابها أنها تعزز فرضية أسبقية ابن وحشية في فهم بعض رموز الهيروغليفية قبل شامبليون، ومن أبرزها:

1- أن كتاب «شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام» تُرجم إلى اللاتينية في وقت مبكر، ونُشرت ترجمته قبل ميلاد شامبليون بعقود، وظلت محفوظة في مكتبات أوروبية، ولا سيما في باريس وروما.

2- أن عددًا من الباحثين، منهم الدكتور عوني عبد الرؤوف والدكتور رشدي راشد، أشاروا إلى وجود أوجه تشابه لافتة بين بعض التفسيرات الرمزية التي طرحها ابن وحشية، وما توصل إليه شامبليون لاحقًا.

3- أن بعض الرموز الهيروغليفية التي فسرها ابن وحشية تتوافق، كليًا أو جزئيًا، مع قراءات أثبتها شامبليون فيما بعد، وهو ما يرى مؤيدو هذه الفرضية أنه يصعب تفسيره بالصدفة وحدها.

4- أن شامبليون لم يُشر، بحسب هذا الطرح، إلى أي استفادة من الأعمال العربية السابقة، رغم وجود ترجمات متاحة لها في أوروبا.

5- أن اهتمام شامبليون بدراسة اللغتين القبطية والآرامية يُعد، في نظر أنصار هذا الرأي، دليلًا على انفتاحه على التراث الشرقي، بما قد يشمل الاطلاع على مؤلفات ابن وحشية.

23- الأغرب والأعجب أن كتاب ابن وحشية: (شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام)، تمت ترجمته لمعظم لغات العالم إلا العربية، ولم يُنشَر للآن في مصر، ولا أية دولة عربية!!!!!!!

24- إن اختفاء كتاب ابن وحشية «شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام» عن التداول لغزًا محيّرًا، لكن اللغز الأكبر أن هذا الكتاب، رغم شهرته في الدراسات الغربية ووجود ترجمة لاتينية له منذ قرون، لم يُترجم إلى العربية للآن، ولم يُطبع

مِمَّ الخوف؟

إغلاق صنبور التمويل الفرنسي لعلماء الآثار والمثقفين؟!

ترجموا الكتاب وانشروه، ثم دعوا الباحثين والقراء يحكمون بأنفسهم: هل سبق ابنُ وحشية شامبليون في فهم رموز اللغة المصرية القديمة، أم أن شامبليون هو السابق وصاحب الإنجاز الحاسم؟

أليس الاحتكام إلى النصوص أولى من الاحتكام إلى الشعارات؟

أم أن بقاء الكتاب حبيس الرفوف أكثر راحة من فتح باب نقاش علمي قد يقود إلى نتائج لا تعجب بعض الروايات السائدة؟

لسنا بحاجة إلى وصاية على عقولنا؛ أعطونا الكتاب، ثم اتركوا الدليل يتكلم.

—————

يسري الخطيب