إسرائيل تدمر نفسها بلا عودة
الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي
السبت، 30 أغسطس 2025
إسرائيل تدمر نفسها بلا عودة
الجمعة، 1 أغسطس 2025
قاطعوني بالصراخ: شهادتي من داخل الكابيتول عن تواطؤ أميركا مع نتنياهو
قاطعوني بالصراخ: شهادتي من داخل الكابيتول عن تواطؤ أميركا مع نتنياهو
شهاداتنا المعارضة لاعتماد ولاية نيوجيرسي لتعريف "التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست" (IHRA)، والذي يخلط بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، قُوطعت، وتم إسكات ميكروفوناتنا، وتمت مقاطعتنا بالصراخ مما يثبت صحة حججنا.
أدليت بشهادتي الأسبوع الماضي في مبنى الكابيتول بولاية نيوجيرسي في ترينتون ضد مشروع القانون A3558، والذي يهدف إلى تبني تعريف "التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست" لمعاداة السامية، وهو تعريف يخلط بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية.
قلت: "هذا اعتداء خطير على حرية التعبير، لأنه يسعى إلى تجريم الانتقادات المشروعة لسياسات إسرائيل. حملة إدارة ترامب للقضاء ظاهريا على معاداة السامية في الجامعات ما هي إلا حيلة لإسكات حرية التعبير وترحيل غير المواطنين، حتى لو كانوا في البلاد بشكل قانوني.
هذا القانون يخلط بشكل خاطئ بين العِرق ودولة سياسية. لنكن واضحين، القمع في الجامعات موجه أساسا ضد الطلاب وأعضاء الهيئة التدريسية الذين يعارضون الإبادة في غزة، وقد تم اعتقال 3 آلاف منهم، وفرض الرقابة، أو تعليقهم، أو طردهم. كثير من هؤلاء الطلاب يهود. ماذا عن حقوقهم؟ ماذا عن حمايتهم الدستورية؟".
وأضفت: "أقمت علاقات عديدة مع صحفيين وقادة سياسيين إسرائيليين. كنت أعرف، على سبيل المثال، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحاق رابين، الذي تفاوض على اتفاقية أوسلو. رابين اغتيل 1995 على يد قومي إسرائيلي متطرف عارض الاتفاق. وكان رابين يصرّح مرارا بأن الاحتلال يضر بإسرائيل. زملائي الإسرائيليون كثيرا ما ينتقدون سياسات دولتهم في الصحف الإسرائيلية بلغة قد يعتبرها هذا القانون معادية للسامية".
تابعت قائلا: "الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي، الذي خدم في الجيش الإسرائيلي ويكتب في صحيفة هآرتس، دعا إلى فرض عقوبات على إسرائيل لوقف المجازر في غزة، قائلا: افعلوا بإسرائيل كما فعلتم مع جنوب أفريقيا".
وقلت: "مثل هذه التصريحات، وغيرها الكثير التي يمكنني اقتباسها من زملاء وأصدقاء إسرائيليين، ستجعلهم بموجب هذا القانون مجرمين معادين للسامية".
رئيس اللجنة، الديمقراطي روبرت كارابينتشاك، قطع الميكروفون عني، وطرق بالمطرقة مطالبا بإنهاء كلمتي، بينما سمح لجماعات صهيونية بمقاطعة حديثي، وسمح لهم بالسخرية من المسلمين الحاضرين.
كنت أجادل بأن هذا القانون سيقيد حريتي في التعبير، بينما كنت أُمنع من التعبير.
هذا التناقض العقلي يعرّف العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
كما قاطع رئيس اللجنة شهادة راز سيغال، المؤرخ الإسرائيلي والمتخصص في دراسات الإبادة، ووجه توبيخا قاسيا إلى مهدي ربي، الذي قُتل شقيقه أمير، البالغ من العمر 14 عاما، على يد جنود إسرائيليين في أبريل/ نيسان 2025.
قال مهدي، بصوت مرتجف من التأثر: "شقيقي البالغ 14 عاما، من بلدة سادلبروك في نيوجيرسي، قُتل برصاص الجيش الإسرائيلي. كل ما كان يفعله هو قطف الزيتون مع أصدقائه، وهو تقليد فلسطيني عمره آلاف السنين.
لن أراه مجددا، لن يشهد والداي تخرجه في المدرسة الثانوية أو الجامعة. النائبة سواين، حاول والدي والمركز المجتمعي الفلسطيني-الأميركي التواصل معك مرارا، ولم نجد سوى الصمت. وبما أنكِ التزمتِ الصمت، فلا يحق لك حتى التصويت على هذا القانون قبل أن تلتقي بعائلتي الواقعة ضمن دائرتك الانتخابية"فقاطعه كارابينتشاك قائلا: "أطلب منك الالتزام بمضمون مشروع القانون".
تابع مهدي: "هذا القانون يهدد حقي المكفول في التعديل الأول من الدستور في انتقاد إسرائيل لما فعلته بأخي. لدي الحق في وصف إسرائيل كما أشاء. عندما تعكس سياساتها سياسات النازيين، لي الحق في قول ذلك كما هو. أدعوكم للتصويت ضد القانون، إحياء لذكرى أخي".
أثار تصفيق الحاضرين لمهدي غضب كارابينتشاك، فقرر تقليص وقت جميع الشهادات المعارضة من ثلاث دقائق إلى دقيقة واحدة فقط.
قال: "الوقت الآن دقيقة واحدة فقط. من يرِد التحدث، فليقل فقط: "أنا أعارض القانون أو أنا أؤيده".
ثم أضاف بسخرية: "هيا، المزيد من التصفيق. لن أطردكم. والآن أنتم قمتم بإسكات الآخرين الذين لهم الحق في الحديث. دقيقة واحدة فقط. ولن أقول بلطف "أنهِ كلمتك". سأقطع الميكروفون فورا".
جريمتنا الوحيدة كانت أننا تجرأنا على ذكر ما لا يُذكر: الإبادة الجماعية في غزة.
الصهاينة في القاعة أساؤوا لفظيا وجسديا للمسلمين الذين جاؤوا لمعارضة مشروع القانون. أحدهم دفع نفسه عمدا مرارا إلى أجساد الحاضرين خارج المبنى أثناء التجمع المناهض للقانون.
إيمي غالاتين، وهي عضو في لجنة العلاقات الإنسانية في ويست أورنج- وهي لجنة تأسست لتعزيز قيم التنوع والمساواة والشمول- عرضت صورا على جهازها اللوحي وقالت للحاضرين من حولها: "انظروا، إنه محمد!".
عندما ألقى الحاخام يتسحاق دويتش كلمة مؤثرة لإنقاذ أهل غزة، سخر النائبان الديمقراطيان ليزا سواين وآفي شنايل منه وضحكا أثناء حديثه.
الصهاينة، الذين رسموا صورا خيالية ليهود يعيشون في خوف وتهديد دائم، ولم يتعرضوا لأي إسكات، رغم أن تصريحاتهم كانت مبالغا فيها للغاية وغالبا من نسج خيالهم، رحبوا بتبني القانون؛ لأنه يمنح الشرطة أدوات لتجريم "خطاب الكراهية"، الذي يشمل- بحسب أمثلة "التحالف الدولي لإحياء ذكرى "الهولوكوست"- انتقادات لسياسات إسرائيل.
اعتمدت 35 ولاية، إضافة إلى مقاطعة كولومبيا وجامعات مثل هارفارد وكولومبيا، تعريف "التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست.
كتب الاتحاد الأميركي للحريات المدنية (ACLU): "يتضمن تعريف "التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست" IHRA لمعاداة السامية انتقادات محمية لسياسات إسرائيل، مثل: إنكار حق الشعب اليهودي في تقرير المصير، أو تشبيه سياسات إسرائيل المعاصرة بالنازية، أو استخدام معايير مزدوجة مع إسرائيل لا تُطبق على غيرها من الديمقراطيات".
وتابع الاتحاد: "إذا تبنت وزارة التعليم هذا التعريف وبدأت التحقيق في الشكاوى بموجبه، فإن إدارات الجامعات قد تُسكت مجموعة من الخطابات المحمية قانونيا، مثل انتقاد معاملة الحكومة الإسرائيلية للفلسطينيين أو تشبيهها بالنظام النازي أو النقاش حول حق إسرائيل في الوجود".
كينيث إس. ستيرن، محامٍ أميركي ومؤلف تعريف IHRA الأصلي، وهو صهيوني معلن، أعرب عن أسفه لاستخدام التعريف "بشكل فج" لتقييد الحريات الأكاديمية ومعاقبة الخطاب السياسي، بما في ذلك "الخطاب المؤيد لفلسطين".
أعضاء اللجنة الخمسة، الذين بدا أنهم اتخذوا قرارهم قبل دخول القاعة، مرروا القانون بالإجماع، ليُعرض لاحقا على مجلس النواب للتصويت. وكما هو متوقع مع كل سياسي يرضخ للوبي الإسرائيلي، سيتم مكافأتهم على هذا الغدر.
أميركا، مثل إسرائيل، تعيش في واقع موازٍ. تنكر الإبادة الجماعية التي تُبث مباشرة، وتُشهّر بمن يكشفها- حتى لو كان باحثا يهوديا في الهولوكوست مثل البروفيسور سيغال- وتصفه بمعاداة السامية.
وأنا أعلم، بكل أسف، إلى أين يقود هذا. لقد رأيت ذلك في الدكتاتوريات التي غطيتها كصحفي في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا والبلقان على مدى عقدين.
من يقاتل من أجل مجتمع مفتوح يتم إسكاته، ويُتهم بالخيانة، ويُدرج على القوائم السوداء، ويُعتقل أحيانا. وإن تمكن من الهرب، يعيش في المنفى. فيما يُكافأ المتملقون والانتهازيون والفاشيون المسيحيون والمليارديرات والصهاينة والبلطجية، الذين تولوا أعلى المناصب في حكومة ترامب، بالسلطة والثروة والفساد.
طبقتنا الحاكمة، الخاضعة للشركات، لا تملك أيديولوجيا حقيقية. الأحزاب السياسية ليست سوى مسرحية، وسيلة لإلهاء الشعب في ديمقراطية زائفة. الليبرالية وقيمها المزعومة أصبحت قوى منهارة مفلسة.
ما حدث في قاعة ترينتون كان تذكيرا محبطا بأنه لا شيء يوقف انحدارنا نحو الاستبداد: لا الصحافة، ولا الجامعات، ولا المحاكم، التي لم تعد قادرة على تنفيذ أحكام القضاة الشجعان، ولا الطبقة السياسية، ولا حتى الحزب الديمقراطي أو الانتخابات.
علينا أن نقاوم، ولو فقط حفاظا على كرامتنا ونزاهتنا، ولو فقط تضامنا مع المظلومين، ولو لإبطاء ترسيخ الاستبداد، ولو فقط للتمتع بالانتصارات الصغيرة التي لا تحققها إلا المقاومة.
لكن لا ينبغي أن نخدع أنفسنا.
الجمعة، 11 يوليو 2025
المرأة التي زلزلت إسرائيل وأميركا
المرأة التي زلزلت إسرائيل وأميركا
عندما يُكتب تاريخ الإبادة الجماعية في غزة، ستكون فرانشيسكا ألبانيزي – المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة – واحدة من أكثر الأصوات شجاعة ووضوحًا في الدفاع عن العدالة والتمسّك بالقانون الدولي، وهي الآن تتعرض لعقوبات من إدارة ترامب على خلفية قيامها بدورها في رئاسة المكتب الأممي المكلّف برصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين.
تتلقى ألبانيزي تهديدات بالقتل بشكل منتظم، وتتعرض لحملات تشويه مُحكمة تقودها إسرائيل وحلفاؤها، ومع ذلك فهي تسعى بشجاعة لمحاسبة كل من يدعم ويشارك في استمرار الإبادة الجماعية.
وهي تنتقد ما تسميه "الفساد الأخلاقي والسياسي للعالم" الذي يسمح باستمرار هذه الإبادة. وقد أصدر مكتبها تقارير مفصّلة توثّق جرائم الحرب في غزة والضفة الغربية، من بينها تقرير بعنوان "الإبادة كوسيلة للإزالة الاستعمارية"، أُعيد نشره كمُلحق في كتابي الأخير إبادة متوقعة.
أبلغت ألبانيزي منظمات خاصة بأنها قد تكون "مسؤولة جنائيًا" لمساعدتها إسرائيل في تنفيذ الإبادة في غزة. وأعلنت أنه إذا صحّ ما نُقل عن رئيس الوزراء البريطاني ووزير الخارجية السابق ديفيد كاميرون بأنه هدّد بقطع التمويل وسحب بريطانيا من المحكمة الجنائية الدولية بعد إصدارها مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، فإن ذلك قد يُعرّض كاميرون ورئيس الوزراء البريطاني السابق ريشي سوناك للملاحقة الجنائية بموجب نظام روما الأساسي، الذي يجرّم محاولات منع محاكمة مرتكبي جرائم الحرب.
ودعت ألبانيزي كبار مسؤولي الاتحاد الأوروبي إلى مواجهة تهم التواطؤ في جرائم الحرب بسبب دعمهم للإبادة الجماعية، مؤكّدة أن أفعالهم لا يمكن أن تمرّ دون عقاب. وكانت من أبرز الداعمين لأسطول "مادلين" الذي سعى لكسر الحصار عن غزة وتوصيل المساعدات الإنسانية، وكتبت أن القارب الذي اعترضته إسرائيل كان يحمل، إلى جانب الإمدادات، رسالة إنسانية للعالم.
إعلان
في أحدث تقاريرها، أدرجت ألبانيزي أسماء 48 شركة ومؤسسة، منهاPalantir Technologies Inc.، Lockheed Martin، Alphabet Inc. (Google)، Amazon، IBM، Caterpillar Inc.، Microsoft، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، إضافةً إلى بنوك وشركات تأمين وعقارات وجمعيات خيرية، كلّها – بحسب التقرير – تنتهك القانون الدولي وتحقّق أرباحًا بمليارات الدولارات من الاحتلال والإبادة الجماعية للفلسطينيين.
وزير الخارجية ماركو روبيو أدان دعم ألبانيزي للمحكمة الجنائية الدولية، والتي فُرضت عليها وعلى أربعة من قضاتها عقوبات أميركية العام الماضي لإصدارهم مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت.
وانتقد روبيو ألبانيزي لمحاولاتها محاكمة مواطنين أميركيين أو إسرائيليين يدعمون الإبادة الجماعية، واعتبر أنها غير صالحة لمنصبها كمقرّرة خاصة، متّهمًا إياها بأنها "تروّج لمعاداة السامية بلا خجل، وتدعم الإرهاب، وتُبدي احتقارًا صريحًا للولايات المتحدة وإسرائيل والغرب". ومن المتوقع أن تؤدي العقوبات إلى منع ألبانيزي من دخول الولايات المتحدة، وتجميد أي أصول تمتلكها هناك.
الهجوم على ألبانيزي يُنذر بعالم بلا قواعد، عالم يُسمح فيه لدول مثل الولايات المتحدة وإسرائيل بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية دون أي مساءلة أو رادع.
هذا الهجوم يكشف عن الخدع التي نمارسها لخداع أنفسنا والآخرين. إنّه يعرّي نفاقنا وقسوتنا وعنصريتنا. ومن الآن فصاعدًا، لن يأخذ أحد على محمل الجد تعهّداتنا المعلنة بالديمقراطية وحرية التعبير وسيادة القانون وحقوق الإنسان. ومن يستطيع لومهم؟ فنحن لا نتحدث إلا بلغة القوة، بلغة الهمج، بلغة المذابح الجماعية، بلغة الإبادة.
قالت ألبانيزي في مقابلة أجريتها معها أثناء مناقشة تقريرها "الإبادة كإزالة استعمارية":
"أعمال القتل، القتل الجماعي، التعذيب النفسي والجسدي، الدمار، خلق ظروف حياة لا تسمح لأهل غزة بالبقاء – من تدمير المستشفيات، والتهجير القسري الجماعي، والتشريد الجماعي، بينما يتعرّض الناس للقصف اليومي، ويُجَوّعون- كيف يمكننا أن نقرأ هذه الأفعال بمعزل عن بعضها؟"
الطائرات المُسيّرة المسلحة، الطائرات المروحية، الجدران والحواجز، نقاط التفتيش، الأسلاك الشائكة، أبراج المراقبة، مراكز الاحتجاز، الترحيل، الوحشية والتعذيب، رفض منح تأشيرات الدخول، الحياة الشبيهة بالفصل العنصري التي يعيشها المهاجرون غير النظاميين، فقدان الحقوق الفردية، والمراقبة الإلكترونية – كلّ ذلك مألوف للمهاجرين اليائسين على الحدود المكسيكية أو الساعين لدخول أوروبا، بقدر ما هو مألوف للفلسطينيين.
هذا ما ينتظر من سمّاهم فرانز فانون بـ"معذّبي الأرض".
أمّا من يدافعون عن المظلومين، كألبانيزي، فسيُعاملون كالمظلومين أنفسهم.
الخميس، 3 يوليو 2025
كيف تجني شركات عالمية أرباحًا هائلة من قتل الفلسطينيين؟
كيف تجني شركات عالمية أرباحًا هائلة من قتل الفلسطينيين؟
الاثنين، 30 يونيو 2025
معجزة العطف: ماذا تعلمت من شباب فلسطين والعالم العربي؟
كنت أدرس اللغة العربية أربع ساعات يوميًا، خمسة أيام في الأسبوع، مع أستاذي الفلسطيني عمر عثمان في القدس.
كنا نلتقي في منزلي على جبل المشارف المطل على البلدة القديمة كل صباح.
كان يأتي بكتبه وشيء من حديقته، زيتون أو خوخ أو مشمش أو كيس من الفستق الحلبي الذي كان يفك قشره بصبر أثناء عملنا ثم يضعه أمامي.
يوم مشمش مشمش، كنا نقولها ونحن نأكل مشمشه، وتعني حرفيًا غدًا سيكون غدًا جميلًا و سنأكل المشمش، ولكن نظرًا للمأساة الطويلة التي حلت بالفلسطينيين، تحولت هذه العبارة إلى غدٍ حزين لن يأتي أبدًا.
كان عمر، متعدد اللغات الذي كان يتحدث الألمانية والعبرية والإنجليزية بطلاقة، والذي عمل مدرسًا في بلاط الملك حسين في الأردن، مصممًا على أن أتعلم ليس فقط اللغة العربية، بل أيضًا آداب ورسميات المجتمع الفلسطيني.
كان يلقنني ما يجب أن أقوله عندما يقدم لي أحدهم الطعام: “سلام عليك، بارك الله فيك”، أو عندما تدخل امرأة إلى الغرفة: – “نورت البيت – أنت تضيء البيت” أو عندما يحضر لي أحدهم فنجانًا صغيرًا من القهوة العربية السميكة والسكرية: “بعيدًا دايم” عبارة كانت تعني ليتنا نشرب القهوة معًا دائمًا في مناسبة كهذه.
في مارس من عام 1991 كنت في البصرة بالعراق كمراسل لصحيفة نيويورك تايمز.
كنت قد دخلت الكويت مع قوات المارينز ثم تركتهم لتغطية القتال في البصرة.
تم أسري من قبل الحرس الجمهوري العراقي، الذين كانوا قد مزقوا الرقع المميزة لهم من زيهم العسكري حتى لا يتم التعرف عليهم مع نظام صدام حسين.
كنت أتعامل بأدب شديد، بسبب عمر، مع المحققين الذين كانوا يستجوبونني وسرعان ماتبادلت أطراف الحديث مع حراسي.
جعلتني براعتي في اللغة العربية إنسانًا، وعندما لم يكن لديّ ما أقوله كنت ألقي النكات الطويلة التي علمني إياها عمر ربما كانت لهجتي العربية هي السبب في ذلك، لكن حراسي وجدوا هذه النكات مسلية للغاية.
قضيت أسبوعًا كسجين، كنت أنام وآكل مع الجنود العراقيين، وكوّنت صداقات مع بعضهم، بما في ذلك الرائد الذي كان يقود الوحدة، وكانت هناك لحظات عديدة عندما كنت محاصرًا في قتال عنيف مع المتمردين، كانوا يحمونني ويحمونني ، كنت أسمعهم يتهامسون في الليل حول ما سيحدث لي عندما يتم تسليمي إلى الشرطة السرية أو المخابرات، وهو أمر كنا نعلم أنا وهم أنه لا مفر منه ونخشاه.
جاء ذلك اليوم؛ تم نقلي على متن طائرة مروحية إلى بغداد وتسليمي إلى المخابرات، التي ذكرتني عيونها الميتة وسلوكها البارد بالشرطة السرية في ألمانيا الشرقية. لم يكن هناك مزاح، تم تعذيبي ودُفِعتُ بالقوة إلى غرفة وتركوني هناك دون طعام أو ماء لمدة 24 ساعة.
استيقظت في اليوم التالي على صوت الأذان الخافت، الأذان مع أول ضوء شاحب يتسلل إلى المدينة.
“الله أكبر. لا إله إلا الله، محمد رسول الله”.
ذهبتُ إلى النافذة ورأيتُ الحراس المدججين بالسلاح في الفناء السفلي. لم أكن أعرف ما إذا كنت سأعيش أو أموت.
عند الفجر، كانت النساء وغالبًا الأطفال يصعدون إلى الأفران المسطحة في بغداد ليخبزوا الخبز في أفران الطين المدورة، كنت أشعر بالجوع، ناديت بالعربية على هؤلاء النساء “أنا صحفي أمريكي. أناأسير. لم آكل”.
ناولت إحدى الأمهات خبزًا طازجًا لابنها الصغير الذي هرع عبر الأسطح لإطعامي، بعد ساعات قليلة، تم تسليمي إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر وتم نقلي إلى الأردن حيث الحرية.
أين هم الآن؟
هؤلاء الرجال والنساء الذين أظهروا لي مثل هذا التعاطف، وتجاهلوا الدور الذي لعبه بلدي في اضطهادهم، ليروني واحداً منهم؟
كيف يمكنني أن أكرر هذا التضامن والتعاطف؟
كيف يمكنني أن أعيش لأكون مثلهم؟
أنا مدين لعمر، أنا مدين لكل هؤلاء الناس، الذين لم أكن أعرف بعضهم، بمعجزة العطف الإنساني، وبحياتي.
الثلاثاء، 17 يونيو 2025
أوراق إيران الرابحة وحماقة إسرائيل وأميركا
أوراق إيران الرابحة وحماقة إسرائيل وأميركا
المحافظون الجدد الذين خططوا للحروب الكارثية في أفغانستان، والعراق، وسوريا، وليبيا – ولم يُحاسبوا قط على إهدار 8 تريليونات دولار من أموال دافعي الضرائب، إضافة إلى 69 مليار دولار أُهدرت في أوكرانيا – يبدو أنهم يستعدون لجرّنا إلى فشل عسكري آخر، هذه المرة مع إيران.
لكن إيران ليست العراق، ولا أفغانستان، ولا لبنان، ولا ليبيا، ولا سوريا، ولا اليمن.
شنت إيران هجمات انتقامية على إسرائيل ردًا على موجات من الضربات الإسرائيلية التي استهدفت منشآت نووية وقتلت العديد من كبار القادة العسكريين الإيرانيين وستة علماء نوويين.
قال مسؤول إيراني كبير لوكالة رويترز: "انتقامنا بدأ للتو، وسيدفعون ثمنًا باهظًا لقتل قادتنا وعلمائنا وشعبنا". وأضاف أن "لا مكان سيكون آمنًا في إسرائيل"، وأن "انتقامنا سيكون مؤلمًا".
قال أليستر كروك، الدبلوماسي البريطاني السابق وعضو الاستخبارات البريطانية (MI6)، في مقابلة أجريتها معه عن المحافظين الجدد: "يعتقدون أن الحرب ستكون سهلة. يريدون إعادة فرض القوة والقيادة الأميركية. يرون أن تحطيم بلد صغير من حين لآخر مفيد لذلك".
وأضاف أن هؤلاء المحافظين الجدد، المتحالفين مع قيادة بنيامين نتنياهو في إسرائيل، "لا يتسامحون مع أي قوة منافسة، أو أي تحدٍ للقيادة الأميركية وعظمتها". وسيسعون لخلق "حقائق على الأرض" – أي حرب بين إسرائيل وإيران – من شأنها أن "تدفع ترامب نحو الحرب مع إيران".
رغم ضعف سلاح الجو الإيراني، الذي يتألف من مقاتلات قديمة، فإن إيران مزودة جيدًا بأنظمة الدفاع الجوي الروسية، وصواريخ صينية مضادة للسفن، وألغام ومدفعية ساحلية. ويمكنها إغلاق مضيق هرمز، أهم نقطة عبور للنفط في العالم والتي يمر منها 20% من الإمدادات العالمية.
هذا قد يضاعف أو يثلّث أسعار النفط ويشل الاقتصاد العالمي.
إسرائيل غير قادرة على تحمل حرب استنزاف، مثل الحرب التي استمرت ثماني سنوات بين إيران والعراق والتي انتهت – رغم الدعم الأميركي لنظام صدام حسين – بحالة جمود، أو مثل احتلالها جنوب لبنان لمدة 18 عامًا، والذي انتهى بانسحابها في مايو/ أيار 2000 بعد خسائر متكررة على يد حزب الله.
حين شنت إيران، ضمن عملية "الوعد الصادق"، أكثر من 300 صاروخ باليستي ومجنح على مواقع عسكرية واستخباراتية إسرائيلية في (13 و14 أبريل/ نيسان 2023)، ردًا على قصف إسرائيلي للسفارة الإيرانية في دمشق، اعترضت الولايات المتحدة معظمها.
قال جون ميرشايمر، الأستاذ في قسم العلوم السياسية بجامعة شيكاغو وخريج ويست بوينت: "إسرائيل لا تستطيع صد هجوم صاروخي إيراني".
وأضاف: "نحن أمام وضع مثير للاهتمام، فإسرائيل لا تستطيع الانتصار في هذه الحروب، لكنها تجعلها حروبًا طويلة الأمد تكون فيها معتمدة بشدة على الولايات المتحدة".
وأضاف: "لدينا أصول كثيرة في الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط، وكذلك في إسرائيل نفسها والبحر الأحمر.
يعتقد الإسرائيليون وحلفاؤهم من المحافظين الجدد أنهم قادرون على القضاء على برنامج التخصيب النووي الإيراني بالقوة، وقطع رأس الحكومة الإيرانية لتركيب نظام عميل.
في الوقت نفسه، تريد إسرائيل صرف أنظار العالم عن الإبادة الجماعية والمجاعة الجماعية التي تنفذها في غزة، والتطهير العرقي المتسارع في الضفة الغربية. وقد قُطع الاتصال بالإنترنت تمامًا في غزة، وباتت الضفة الغربية تحت حصار شامل.
قال ميرشايمر: "يدرك الإسرائيليون أنه إذا حصل تصعيد عام، فلن ينتبه أحد كثيرًا للفلسطينيين".
وأضاف: "سيكون الناس مستعدين لتبرير أكثر لإسرائيل مما لو كانت الأوضاع هادئة. لذا دعونا نصعد الأمور، لنخلق حالة صدام شاملة، والنتيجة أننا سنتمكن من تنفيذ تطهير واسع النطاق في غزة، وربما في الضفة أيضًا".
سيؤدي الهجوم الإيراني، في نهاية المطاف، إلى مئات ثم آلاف القتلى. وستلجأ إيران إلى الشيعة في المنطقة في إطار ما ستقدمه كـ"حرب ضد التشيع"، ثاني أكبر طائفة في الإسلام. والتي ينتشر أفرادها في دول الخليج، وباكستان، وتركيا. أما في العراق، فيشكل الشيعة الأغلبية.
سيدعم النظام العراقي ذو الأغلبية الشيعية إيران. وسيتواصل تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر من اليمن، مع استهداف إسرائيل بهجمات بالطائرات المسيرة. وسيتجدد هجوم حزب الله على شمال إسرائيل، رغم الأضرار التي لحقت به. ومن المتوقع وقوع هجمات إرهابية على القواعد الأميركية في المنطقة، وربما حتى على الأراضي الأميركية، إلى جانب تخريب واسع في إنتاج النفط بالخليج.
ستمتلك إيران قريبًا ما يكفي من المواد الانشطارية لصنع سلاح نووي. وستكون الحرب دافعًا قويًا لصنع قنبلة، خاصة مع امتلاك إسرائيل مئات الأسلحة النووية. وإذا حصلت إيران على قنبلة، فستليها تركيا ودول عربية أخرى. وستنهار الجهود لمنع انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط.
وكما يشير ميرشايمر، فإن الحرب ستعزز أيضًا التحالف بين إيران، وروسيا، والصين.
قال: "دفعت الولايات المتحدة كلًا من الصين، وروسيا، وكوريا الشمالية، وإيران إلى التقارب الشديد". وأضاف: "لقد شكلت كتلة مترابطة. وبفعل الحرب في أوكرانيا، تقاربت روسيا والصين، وبفعل ما يجري في الشرق الأوسط، تقاربت إيران وروسيا. الولايات المتحدة تساعد إسرائيل، لكن يجب أن ندرك أن روسيا تساعد إيران.
قد تستمر الحرب شهورًا، وربما سنوات. ستكون حربًا جوية في الأساس، بين الطائرات الإسرائيلية والصواريخ الإيرانية. لكن إخضاع إيران سيتطلب ربما نشر مليون جندي أميركي لغزو واحتلال البلاد. وسينتهي مثل هذا الاحتلال بهزيمة مذلة كما حدث في العراق، وأفغانستان.
الوهم الإسرائيلي المتمثل في قدرتهم على تدمير إيران بضربات جوية، نسخة محدّثة من "الصدمة والرعب" في العراق عام 2003. لكن كمية القنابل المطلوبة، خصوصًا لتدمير المنشآت النووية الإيرانية المحصنة تحت الأرض، ستكون هائلة. في عملية تصفية قيادة حزب الله في بيروت، بما في ذلك حسن نصر الله، استخدمت إسرائيل قنابل خارقة للتحصينات تزن 2000 رطل من نوع JDAM.
قال كروك: "إذا كنت ستطلق طائرات "إف-35″ محملة بصواريخ JDAM، فكل واحدة منها تزن حوالي 14 طنًا".
وأضاف: "المشكلة ليست فقط في الوزن، بل في الوقود الذي تستخدمه. يجب إعادة التزود بالوقود مرة أو مرتين، ثم خوض معركة جوية لقمع الدفاعات. نحن نتحدث عن عملية ضخمة. هل تستطيع أميركا فعل ذلك؟ الإيرانيون يملكون أنظمة دفاع جوي متعددة ورادارات قوية، بما في ذلك رادارات ما وراء الأفق".
فلماذا إذن نذهب إلى الحرب مع إيران؟ لماذا ننسحب من اتفاق نووي لم تخرقه إيران؟ لماذا شيطنة حكومة تعادي طالبان وتنظيمات تكفيرية أخرى، منها القاعدة وتنظيم الدولة؟ لماذا نزعزع الاستقرار في منطقة شديدة الهشاشة أصلًا؟
الجنرالات والساسة وأجهزة الاستخبارات والمحافظون الجدد ومصانع الأسلحة والمحللون المزعومون والنجوم الإعلاميون ولوبي إسرائيل، لن يتحملوا المسؤولية عن عقدين من الفشل العسكري.
إنهم بحاجة إلى كبش فداء. هذا الكبش هو إيران. الهزائم المهينة في أفغانستان والعراق، وانهيار الدولة في سوريا وليبيا، وانتشار الجماعات المتطرفة والمليشيات التي دربناها وسلحناها، واستمرار الهجمات الإرهابية عالميًا – يجب أن يتحملها أحد.
الفوضى التي أطلقناها، خصوصًا في العراق وأفغانستان، جعلت من إيران القوة الإقليمية الكبرى. لقد مكّنا خصمنا، ولا نعرف كيف نغير هذا سوى بمهاجمته.
القانون الدولي، وحقوق ما يقرب من 90 مليون إنسان في إيران، يتم تجاهلهما، كما تم تجاهل حقوق شعوب أفغانستان والعراق وليبيا واليمن وسوريا.
الإيرانيون، بغض النظر عن موقفهم من حكومتهم، لا يرون في الولايات المتحدة حليفًا أو محررًا. لا يريدون أن يُهاجَموا أو يُحتلوا. وسيردّون. وسندفع نحن، وإسرائيل، الثمن.
الخميس، 12 يونيو 2025
كيف تسقط أميركا على خطى روما؟
كيف تسقط أميركا على خطى روما؟
ما يحدث في أميركا نسخة محدثة من حكم الإمبراطور الروماني نيرون، الذي خصص نفقات هائلة من الدولة ليكتسب قوى سحرية؛ والإمبراطور الصيني تشين شي هوانغ، الذي موّل حملات متكررة إلى جزيرة خرافية لجلب إكسير الحياة الأبدية؛ ومحكمة القياصرة الروس الضعفاء، التي كانت تجلس تقرأ بطاقات التاروت وتحضر جلسات استحضار الأرواح بينما كانت روسيا تُستنزف بحرب أودت بحياة أكثر من مليوني شخص، في وقت كانت الثورة تختمر في الشوارع.
في كتابه "هتلر والألمان"، ينفي الفيلسوف السياسي إريك فوغيلين فكرة أن هتلر – الموهوب في الخطابة والانتهازية السياسية، لكنه قليل التعليم وفظ – قد سحر وأغوى الشعب الألماني. إذ يكتب فوغيلين أن الألمان دعموا هتلر و"الشخصيات الهامشية البشعة" التي أحاطت به؛ لأنه جسّد أمراض مجتمع مريض، مجتمع ينهار اقتصاديًا وفاقد للأمل.
يعرّف فوغيلين الغباء بأنه "فقدان للواقع". وهذا الفقدان للواقع يعني أن الشخص "الغبي" غير قادر على "توجيه أفعاله في العالم الذي يعيش فيه" بشكل صحيح. إن الديماغوجي، الذي يكون دومًا أحمقَ، ليس مسخًا اجتماعيًا، بل إنه يعبر عن روح العصر في المجتمع، وخروجه الجماعي من عالم عقلاني تحكمه الحقائق القابلة للتحقق. هؤلاء الحمقى، الذين يعدون باستعادة المجد المفقود والسلطة، لا يبدعون شيئًا، إنما يدمرون فقط.
إنهم يسرّعون من الانهيار. وبما أنهم محدودو القدرات العقلية، يفتقرون لأي بوصلة أخلاقية، غير أكْفاء على نحو فاضح وممتلِيئون بالغضب تجاه النخب القائمة التي يرونها قد أساءت إليهم ورفضتهم، فإنهم يعيدون تشكيل العالم إلى ملعب للمحتالين، والدجالين، والمهووسين بالسلطة.
يشن هؤلاء حربًا على الجامعات، ويحظرون البحث العلمي، ويروجون لنظريات سخيفة عن اللقاحات كذريعة لتوسيع نطاق المراقبة الجماعية ومشاركة البيانات، ويجردون المقيمين الشرعيين من حقوقهم، ويمكّنون جيوشًا من البلطجية – وهو ما أصبحت عليه هيئة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE)– لنشر الخوف وضمان الطاعة.
إن الواقع، سواء كان أزمة المناخ أو بؤس الطبقة العاملة، لا يقتحم أوهامهم. وكلما ساء الوضع، ازدادوا حمقًا. تلوم "حنة آرندت" المجتمع الذي يحتضن الشر الراديكالي طوعًا على هذا "اللاتفكير" الجماعي.
فاليائسون من ركود أوضاعهم، العالقون في حلقة من اليأس بلا أمل هم وأطفالهم، يتشرّبون شعورًا بأن عليهم استغلال كل من حولهم في سباق يائس للبقاء.
الناس يُعاملون كأدوات، وهو انعكاس للقسوة التي تمارسها عليهم الطبقة الحاكمة. يشير فوغيلين إلى أن المجتمع الذي تعصف به الفوضى والاضطراب يحتفي أخيرًا باللاأخلاقيين المنحطين: الأذكياء الماكرين، المخادعين، العنيفين.
في مجتمع ديمقراطي مفتوح، تُدان هذه السمات وتُجرّم. ومن يظهرها يُوصم بأنه "غبي"، وكما يلاحظ فوغيلين، "فالرجل (أو المرأة) الذي يتصرف بهذه الطريقة سيُقاطع اجتماعيًا". لكن المعايير الاجتماعية والثقافية والأخلاقية في مجتمع مريض تنقلب رأسًا على عقب.
إن الصفات التي تدعم مجتمعًا منفتحًا – مثل الاهتمام بالصالح العام، والصدق، والثقة، والتضحية بالنفس – يُسخر منها. إذ تصبح هذه القيم ضارة للبقاء في المجتمع المريض. عندما يتخلى المجتمع، كما يشير أفلاطون، عن الصالح العام، يطلق العنان دائمًا للشهوات اللاأخلاقية – العنف، الجشع، الاستغلال الجنسي – ويشجع التفكير السحري، وهو ما تناولته في كتابي "إمبراطورية الوهم: نهاية الثقافة وانتصار الاستعراض".
والشيء الوحيد الذي تُجيده هذه الأنظمة المحتضرة هو الاستعراض. هذه المهرجانات من "الخبز والسيرك" – مثل عرض ترامب العسكري الباذخ بقيمة 40 مليون دولار المزمع عقده في عيد ميلاده 14 يونيو/ حزيران – تُبقي السكان المضطربين مُسلّين.
إن تحويل أميركا إلى ديزني لاند، أرض الأفكار السعيدة الأبدية والمواقف الإيجابية، حيث كل شيء ممكن، هو ستار يخفي قسوة الركود الاقتصادي، وعدم المساواة الاجتماعية.
فالثقافة الجماهيرية، التي تهيمن عليها السلعنة الجنسية، والترفيه التافه والخالي من الفكر، والمشاهد العنيفة، تبرمج السكان ليحمّلوا أنفسهم مسؤولية الفشل.
في "العصر الحاضر"، يحذّر سورين كيركغارد من أن الدولة الحديثة تسعى للقضاء على الضمير، وتشكيل الأفراد وتحويلهم إلى "رأي عام" سهل التلاعب. هذا "الرأي العام" ليس حقيقيًا. إنه، كما يكتب كيركغارد، "تجريد هائل، شيء شامل لا شيء، سراب".
باختصار، نصبح قطيعًا من "أفراد غير حقيقيين لا يمكن أن يجتمعوا في موقف أو تنظيم حقيقي – ومع ذلك يظلون مجتمعين كوحدة واحدة". أما من يشككون في "الرأي العام"، من ينددون بفساد الطبقة الحاكمة، فيُرفضون باعتبارهم حالمين أو شاذين أو خونة. لكنهم وحدهم، وفق التعريف اليوناني لـ"البوليس" (الدولة/ المدينة)، من يمكن اعتبارهم مواطنين حقيقيين.
يكتب توماس باين عن أن الحكومة الاستبدادية هي فطر ينمو من مجتمع مدني فاسد. وهذا ما حدث للمجتمعات السابقة، وهو ما حدث لنا. من المغري إلقاء اللوم في هذا الانحدار على شخص واحد، وكأن التخلص من ترامب سيعيدنا إلى العقل والرصانة. لكن التعفن والفساد دمرا جميع مؤسساتنا الديمقراطية، التي ما عادت تعمل إلا شكليًا، لا جوهريًا.
إن "موافقة المحكومين" مزحة قاسية. الكونغرس نادٍ في جيوب المليارديرات والشركات. المحاكم ملحقات للشركات والأثرياء. الصحافة غرفة صدى للنخب؛ بعضها لا يحب ترامب، لكن لا أحد فيها يدعو إلى الإصلاحات الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تنقذنا من الاستبداد. الأمر كله يتعلق بكيفية تزيين الاستبداد، لا بمواجهته.
يكتب المؤرخ رامسي ماكمولين، في كتابه "الفساد وأفول روما"، أن ما دمّر الإمبراطورية الرومانية كان "تحويل القوة الحكومية، وتوجيهها الخاطئ".
لقد أصبحت السلطة وسيلة لإثراء المصالح الخاصة. هذا التوجيه الخاطئ يجعل الحكومة عاجزة – على الأقل كمؤسسة قادرة على تلبية احتياجات المواطنين وحماية حقوقهم. بهذا المعنى، حكومتنا عاجزة.
إنها أداة بيد الشركات والبنوك وصناعة الحروب والأوليغارشيين. إنها تفترس نفسها لتصب الثروة إلى أعلى. يكتب إدوارد جيبون: "كان انحدار روما النتيجة الطبيعية والحتمية لعظمتها المفرطة. لقد نضّجت الرفاهية مبدأ الانحلال؛ وتضاعفت أسباب الدمار مع اتساع الفتوحات؛ وما إن أزالت الحوادث أو الزمن الدعامات المصطنعة حتى خضع البناء الهائل لضغط وزنه الخاص. إن قصة الخراب بسيطة وواضحة: وبدلًا من التساؤل عن سبب تدمير الإمبراطورية الرومانية، يجدر بنا أن نتعجب من أنها استمرت طويلًا".
كان الإمبراطور الروماني كومودوس مفتونًا بنفسه. أمر بصنع تماثيل له مجسِّدًا شخصية هرقل، ولم يكن معنيًا بشؤون الحكم. كان يرى نفسه نجمًا في ساحة القتال، ينظّم معارك المصارعين التي يُتوّج فيها دائمًا، ويستعرض مهاراته في قتل الأسود بالقوس والسهم. لقد تحولت الإمبراطورية – التي أعاد تسميتها "مستعمرة كومودوس"- إلى وسيلة لتغذية نرجسيته النهمة وطموحه غير المحدود نحو الثروة.
باع المناصب والامتيازات علنًا، تمامًا كما يفعل بعض زعماء العصر الذين يخلطون بين الدولة ومصالحهم الخاصة، فيروّجون لمشاريعهم التجارية من داخل المنصب، ويمنحون الامتيازات لمن يُحسن العطاء في حملاتهم أو لمكتباتهم الرئاسية.
في النهاية، رتّب مستشارو الإمبراطور كومودوس لاغتياله خنقًا في حمامه على يد مصارع محترف بعد أن أعلن نيته تولي القنصلية مرتديًا زي المصارع. لكن اغتياله لم يوقف الانحدار. خلفه بيرتينكس، الذي اغتيل بعد ثلاثة أشهر. باع الحرس البريتوري منصب الإمبراطور في مزاد. استمر الإمبراطور التالي، ديديوس جوليانوس، 66 يومًا فقط.
وفي سنة 193 ميلادية، بعد اغتيال كومودوس، حكم خمسة أباطرة مختلفين. مثل الإمبراطورية الرومانية المتأخرة، جمهوريتنا ماتت. لقد سُلبت منا حقوقنا الدستورية – كالإجراءات القانونية الواجبة، ومبدأ "هبياس كوربوس" الذي كان يمثل حماية من الاعتقال التعسفي، والخصوصية، وحرية الانتخابات والاحتجاج – بقرارات قضائية وتشريعية.
هذه الحقوق موجودة بالاسم فقط. إن الهوة الهائلة بين القيم المزعومة لديمقراطيتنا الزائفة والواقع تجعل خطابنا السياسي، والكلمات التي نستخدمها لوصف أنفسنا ونظامنا السياسي، عبثًا محضًا.
كتب والتر بنيامين في عام 1940، وسط صعود الفاشية الأوروبية واقتراب الحرب العالمية: "لوحة تُدعى "الملاك الجديد" تُصوّر ملاكًا يبدو وكأنه على وشك الابتعاد عن شيء يحدق فيه. عيناه تحدقان، فمه مفتوح، جناحاه ممدودان. هكذا يتصور المرء ملاك التاريخ. وجهه متجه نحو الماضي. نحن نرى سلسلة من الأحداث، أما هو فيرى كارثة واحدة، تتراكم فوق كارثة، وتُلقي بالحطام أمام قدميه.
يرغب الملاك في البقاء، إيقاظ الموتى، وإصلاح ما حُطّم. لكن عاصفة تهب من الجنة، وقد علقت في جناحيه بعنف لدرجة أنه لم يعد قادرًا على إغلاقهما. تدفعه العاصفة قسرًا إلى المستقبل، بينما ظهره نحوه، ويتصاعد ركام الحطام أمامه نحو السماء. هذه العاصفة هي ما نسميه التقدم". لقد كان انحدارنا، وأمّيتنا، وتراجعنا الجماعي عن الواقع نتيجة مسار طويل.
التآكل المستمر لحقوقنا، خاصة حقوقنا كناخبين؛ تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات استغلال؛ بؤس الفقراء والطبقة المتوسطة؛ الأكاذيب التي تملأ فضاءاتنا الإعلامية؛ تدهور التعليم العام؛ الحروب العبثية اللانهائية؛ الديون العامة المروعة؛ وانهيار البنية التحتية.. كلها تعكس أيام الأفول الأخيرة لكل الإمبراطوريات. ترامب، وسط ذلك، يُسلينا ونحن نسقط.
الأحد، 1 يونيو 2025
هارفارد وأخواتها يدفعن ثمن "الغباء والجبن"
هارفارد وأخواتها يدفعن ثمن "الغباء والجبن"
وصحيفة نيويورك تايمز، التي عملت بها لمدة خمسة عشر عامًا، والتي يصفها ترامب بأنها "عدو الشعب"، تخضع طوعًا للرواية الصهيونية. ما تشترك فيه هذه المؤسسات ليس معاداة السامية، بل الليبرالية. وهذه الليبرالية، بعقيدتها القائمة على التعددية والشمول، مستهدفة من نظامنا السلطوي للمحو التام.
إن الخلط بين الغضب من الإبادة الجماعية ومعاداة السامية هو حيلة دنيئة لإسكات الاحتجاج، وإرضاء المتبرعين الصهاينة، وطبقة المليارديرات والمعلنين.
هذه المؤسسات الليبرالية، من خلال تسليح مصطلح "معاداة السامية"، قمعت وطردت النقّاد، وحظرت مجموعات طلابية مثل "الصوت اليهودي من أجل السلام"، و"طلاب من أجل العدالة في فلسطين"، وسمحت للشرطة باعتقال المئات من المحتجين السلميين في الحرم الجامعي، وفصلت أساتذة، وتذللت أمام الكونغرس. استخدم مصطلحات مثل "أبارتهايد" أو "إبادة جماعية"، وسيتم فصلك أو تشويهك.
في هذه الرواية الخيالية، يُصوَّر اليهود الصهاينة كمضطهدين. أما اليهود الذين يحتجون على الإبادة الجماعية، فيُشوَّهون ويُعاقبون. هناك "يهود جيدون" و"يهود سيئون". فئة تستحق الحماية، وأخرى تُقدّم للذئاب. هذا الانقسام الكريه يفضح المسرحية كلها.
في أبريل/ نيسان 2024، أدلت رئيسة جامعة كولومبيا، نعمت شفيق، بشهادتها أمام لجنة التعليم في مجلس النواب الأميركي، برفقة عضوين من مجلس الأمناء وأستاذ قانون. قبلت شفيق فرضية أن معاداة السامية تمثّل مشكلة كبيرة في كولومبيا ومؤسسات التعليم العالي الأخرى.
وعندما قال ديفيد غرينوالد، الرئيس المشارك لمجلس أمناء كولومبيا، إن شعارات مثل "من النهر إلى البحر" و"تحيا الانتفاضة" معادية للسامية، وافقته شفيق، وقامت بالتخلي عن الطلاب والأساتذة، بمن فيهم البروفيسور يوسف مسعد.
في اليوم التالي لجلسة الاستماع، أوقفت شفيق جميع الطلاب المشاركين في الاحتجاجات، واستدعت شرطة نيويورك (NYPD)، التي اعتقلت ما لا يقل عن 108 طلاب. كتبت شفيق في رسالتها للشرطة: "لقد قررت أن المخيم والاضطرابات المرتبطة به تمثل خطرًا واضحًا ومباشرًا على الوظيفة الأساسية للجامعة".
لكن رئيس شرطة نيويورك، جون تشيل، قال للصحافة: "الطلاب الذين تم اعتقالهم كانوا سلميين تمامًا، ولم يُبدوا أي مقاومة، وكانوا يعبّرون عن آرائهم بطريقة سلمية".
في الجلسة، سألت النائبة إليز ستيفانيك: "ما الإجراء التأديبي الذي اتُخذ ضد تلك الأستاذة؟"، مشيرة إلى أستاذة القانون كاثرين فرانكي. فأجابت شفيق بأن فرانكي، وهي يهودية وقد درّست في كلية القانون 25 عامًا، طُلب منها مغادرة منصبها، وأنها، إلى جانب أساتذة آخرين، تخضع للتحقيق.
وأشارت كذلك إلى البروفيسور الزائر محمد عبدو، وقالت إنه "تم فصله"، وتعهدت بأنه "لن يُدرّس في كولومبيا مرة أخرى". عبدو يقاضي الجامعة بتهم التشهير والتمييز والتحرش والخسائر المالية والمهنية.
كتب مركز الحقوق الدستورية عن خيانة فرانكي: "في هجوم صارخ على حرية الأكاديميا والدعوة لحقوق الفلسطينيين، دخلت جامعة كولومبيا في "اتفاق" مع كاثرين فرانكي لمغادرة منصبها التدريسي بعد مسيرة حافلة استمرت 25 عامًا. هذه الخطوة -بحسب فرانكي- كانت فصلًا تم تغليفه بعبارات مقبولة".
وقد ارتكبت "جريمتها"، حين أعربت عن قلقها من فشل الجامعة في التصدي لتحرشات طلاب إسرائيليين قادمين من الخدمة العسكرية بمؤيدين لحقوق الفلسطينيين، بعد أن رش الإسرائيليون المتظاهرين بمادة كيميائية سامة.
على إثر ذلك، تم التحقيق مع فرانكي بتهمة التحرش، وتقرر أنها انتهكت سياسات كولومبيا. السبب الحقيقي لإقصائها كان قمع المعارضة في الجامعة عقب احتجاجات تاريخية ضد إبادة الفلسطينيين في غزة. وقد تم حسم مصير فرانكي عندما تخلّت عنها شفيق خلال شهادتها الجبانة أمام الكونغرس.
رغم خضوعها للوبي الصهيوني، استقالت شفيق بعد عام وبضعة أشهر من توليها المنصب. لكن القمع استمر؛ تم اعتقال نحو 80 شخصًا، وتعليق أكثر من 65 طالبًا في أوائل مايو/ أيار بعد احتجاج في مكتبة الجامعة. رئيسة الجامعة المؤقتة، الصحفية السابقة كلير شيبمان، أدانت الاحتجاج بقولها: "لن يتم التسامح مع أي تعطيل للأنشطة الأكاديمية.. كولومبيا تدين بشدة العنف في حرمها، ومعاداة السامية وكل أشكال الكراهية والتمييز".
بالطبع، الاسترضاء لا ينفع. لم تكن هذه الحملة، سواء تحت إدارة بايدن أو ترامب، قائمة على حسن النية. بل كانت تهدف لقطع رؤوس منتقدي إسرائيل، وتهميش الطبقة الليبرالية واليسار. إنها مدفوعة بالأكاذيب والتشهير، التي لا تزال هذه المؤسسات تتبناها.
مشاهدة هذه المؤسسات الليبرالية، التي تعادي اليسار، وهي تُشهر بها إدارة ترامب بتهم "الماركسيين المجانين" و"اليساريين المتطرفين" و"الشيوعيين"، تكشف فشلًا إضافيًا لهذه الطبقة. كان بإمكان اليسار إنقاذ هذه المؤسسات أو على الأقل تزويدها بالتحليل والشجاعة لاتخاذ موقف مبدئي. اليسار على الأقل يسمّي الأبارتهايد أبارتهايد، والإبادة الجماعية إبادة جماعية.
تنشر وسائل الإعلام مقالات وآراء تقبل دون تمحيص مزاعم طلاب وأكاديميين صهاينة. لا تميز بين اليهودي والصهيوني، وتشيطن المحتجين، ولا تغطي المخيمات الطلابية بصدق، حيث اتحد يهود ومسلمون ومسيحيون من أجل قضية واحدة. شعارات مناهضة للصهيونية ومؤيدة للتحرر الفلسطيني تُصنّف باعتبارها خطاب كراهية أو معاداة للسامية أو سببًا لشعورالطلاب اليهود بعدم الأمان.
أمثلة من الصحف:
واشنطن بوست: "سمّوا الاحتجاجات الجامعية كما هي"، "اعذروا الطلاب، لا الأساتذة".
ذي أتلانتيك: "المخيمات الاحتجاجية غير أخلاقية"، "مشكلة كولومبيا مع معاداة السامية".
سلايت: "متى تتجاوز الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين حدود معاداة السامية؟".
فوكس: "موجة متصاعدة من معاداة السامية في الجامعات خلال احتجاجات غزة".
ماذر جونز: "كيف أشعلت الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين معاداة السامية في الجامعات؟".
ذا كت: "مشكلة احتجاجات فلسطين في الحرم الجامعي".
ديلي بيست: "طفرة في معاداة السامية خلال احتجاجات الجامعات الأميركية".
ووفقًا لمذكرة داخلية حصل عليها موقع ذا إنترسبت، طلبت صحيفة نيويورك تايمز من مراسليها تجنّب استخدام كلمات مثل: "مخيمات اللاجئين"، "الأراضي المحتلة"، "مجزرة"، "ذبح"، "إبادة جماعية"، و"تطهير عرقي" عند الحديث عن فلسطين. بل إنها تثني عن استخدام كلمة "فلسطين" في النصوص والعناوين.
في ديسمبر/ كانون الأول 2023، أرسلت حاكمة نيويورك الديمقراطية كاثي هوشول رسالة لرؤساء الجامعات تحذر فيها من الفشل في إدانة معاداة السامية، متوعدة بعقوبات شديدة.
وفي أكتوبر/ تشرين الثاني 2024، قالت في مناسبة تأبينية: "هناك قوانين – قوانين حقوق إنسان، قوانين فدرالية وولائية – سأطبقها إذا سمحتم بالتمييز ضد طلابنا، حتى باستخدام عبارات مثل: "من النهر إلى البحر"، فهي دعوات صريحة لإبادة اليهود".
وضغطت هوشول بنجاح على جامعة مدينة نيويورك لإلغاء وظيفة دراسات فلسطينية بسبب مصطلحات مثل: "استعمار استيطاني"، و"إبادة جماعية"، و"أبارتهايد".
في كتابه الجديد؛ "معاداة السامية في أميركا: تحذير"، يقود زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر حملة الحزب الديمقراطي لإدانة المحتجين على الإبادة الجماعية باعتبارهم يمارسون "افتراء دمويًا ضد اليهود". ويكتب: "بغض النظر عن وجهة نظرك بشأن الحرب في غزة، لم تكن سياسة الحكومة الإسرائيلية أبدًا إبادة الشعب الفلسطيني"، متجاهلًا مئات التصريحات من مسؤولين إسرائيليين تدعو إلى محو الفلسطينيين.
لكن الحقيقة؛ الوحشية مختلفة تمامًا، ومعترف بها من مسؤولين إسرائيليين أنفسهم. قال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش: "نحن نفكك غزة، ونتركها كأنقاض، دمار شامل لا سابقة له عالميًا. والعالم لا يوقفنا". وقال عضو الكنيست زفي سوكوت للقناة 12: "قتلنا نحو 100 فلسطيني الليلة الماضية… ولا أحد يهتم. تعوّد العالم على قتل 100 فلسطيني في ليلة واحدة خلال الحرب دون أن يكترث أحد".
الاستمرار في ترويج خرافة معاداة السامية المنتشرة- التي توجد، ولكن لا تُغذى أو تُشجع من هذه المؤسسات- ورفض قول الحقيقة الموثقة على الهواء مباشرة، حطّم ما تبقى من سلطة أخلاقية لتلك المؤسسات والليبراليين، ومنح مصداقية لمساعي ترامب لتدمير مؤسسات الديمقراطية الليبرالية.
يحيط بترامب متعاطفون مع النازيين الجدد، وفاشيون مسيحيون يدينون اليهود لأنهم صلبوا المسيح. لكن معاداة السامية من اليمين تمرّ دون مساءلة لأن هؤلاء "المعادين الجيدين للسامية" يدعمون المشروع الصهيوني الاستيطاني للإبادة: مشروع يرغب هؤلاء الفاشيون في تطبيقه على السود والملونين باسم "نظرية الاستبدال العظيم". ويروج ترامب لفكرة "إبادة البيض" في جنوب أفريقيا. وفي فبراير/ شباط، وقّع أمرًا تنفيذيًا يُسرّع هجرة الأفريكانيين (البيض الجنوب أفريقيين) إلى الولايات المتحدة.
جامعة هارفارد، التي تحاول إنقاذ نفسها من هجوم إدارة ترامب، كانت متواطئة تمامًا في هذه الحملة. فقد أدانت رئيسة الجامعة السابقة كلودين غاي شعار: "من النهر إلى البحر" بوصفه يحمل "دلالات تاريخية محددة توحي لكثيرين بإبادة اليهود".
وفي يناير/ كانون الثاني 2024، شدّدت الجامعة قواعد الاحتجاجات، وزادت الوجود الأمني، ومنعت 13 طالبًا من التخرج، ووضعت أكثر من 20 آخرين في "إجازة قسرية"، وطردت بعضهم من السكن الجامعي.
هذه السياسات انتشرت في جامعات أخرى. ورغم كل هذه التنازلات والقمع لحرية التعبير والنشاط المؤيد لفلسطين منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم تسلم الجامعات من الهجوم.
منذ تولي ترامب منصبه، تم تعليق أو تجميد ما لا يقل عن 11 مليار دولار من المنح والعقود الفدرالية البحثية، بما في ذلك 3 مليارات لهارفارد، و400 مليون لكولومبيا، و175 مليونًا لجامعة بنسلفانيا، و6-7.5 ملايين سنويًا لجامعة برانديز.
وفي 22 مايو/ أيار، صعّدت إدارة ترامب من هجومها على هارفارد بإلغاء قدرتها على تسجيل طلاب دوليين (يشكّلون نحو 27% من عدد الطلاب).
قالت كريستي نويم، وزيرة الأمن الداخلي، على منصة إكس: "هذه الإدارة تحاسب هارفارد على تحريضها على العنف، ومعاداة السامية، وتنسيقها مع الحزب الشيوعي الصيني في حرمها". وأضافت: "ليكن هذا تحذيرًا لجميع الجامعات والمؤسسات الأكاديمية في البلاد".
لقد أساءت هارفارد، مثل كولومبيا والإعلام والحزب الديمقراطي والطبقة الليبرالية، قراءة موازين القوة. ومن خلال رفض الاعتراف بالإبادة الجماعية في غزة، واضطهاد من يفعل، قدمت الذخيرة لجلاديها.
وها هي تدفع ثمن غبائها وجبنها.
الاثنين، 19 مايو 2025
انتبهوا ! الإبادة قادمة للجميع بعد غزة
انتبهوا ! الإبادة قادمة للجميع بعد غزة
ترقد في الرمال القاحلة لشمال سيناء بمصر نحو 2000 شاحنة، محملة بأكياس الطحين، وخزانات المياه، والطعام المعلّب، والإمدادات الطبية، والأغطية البلاستيكية، والوقود. تقف هذه الشاحنات خاملة تحت الشمس الحارقة.
على بعد أميال قليلة في غزة، يُذبح عشرات الرجال والنساء والأطفال يوميًا بالرصاص والقنابل، والغارات الصاروخية، وقذائف الدبابات، والأمراض المعدية، وذلك السلاح الأقدم في الحصار: المجاعة. واحد من كل خمسة أشخاص يواجه خطر المجاعة بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر من الحصار الإسرائيلي على الغذاء والمساعدات الإنسانية.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أطلق هجومًا جديدًا يقتل أكثر من 100 شخص يوميًا، أعلن أن لا شيء سيعيق هذه "الضربة النهائية" التي أطلق عليها اسم "عربات جدعون". وقال إنّه "لا يوجد أي سبيل" لوقف الحرب، حتى لو أُعيد الرهائن الإسرائيليون المتبقون. وأضاف: "إسرائيل تدمر المزيد والمزيد من المنازل" في غزة. والفلسطينيون "ليس لديهم مكان يعودون إليه".
وفي اجتماع مغلق تم تسريبه مع مشرعين، قال نتنياهو: "النتيجة الحتمية الوحيدة ستكون رغبة الغزيين في الهجرة خارج قطاع غزة. لكن مشكلتنا الرئيسية تكمن في إيجاد دول تقبلهم".
لقد تحوّل الشريط الحدودي البالغ طوله تسعة أميال بين مصر وغزة إلى خط فاصل بين الجنوب العالمي والشمال العالمي، خط يقسم بين عالم عنف صناعي وحشي، وصراع يائس يخوضه من تخلّت عنهم الأمم الأغنى.
يمثل هذا الخط نهاية عالم تُحترم فيه القوانين الإنسانية، والاتفاقيات التي تحمي المدنيين، وأبسط الحقوق الأساسية. لقد دخلنا كابوس هوبزي (نسبة إلى توماس هوبز)، حيث يسحق الأقوياء الضعفاء، ولا يُستبعد فيه أي فظاعة، حتى الإبادة الجماعية، حيث تعود العرقية البيضاء في الشمال العالمي إلى وحشية استعمارية منفلتة من كل قيد، تكرس قرونًا من النهب والاستغلال.
إننا نعود زاحفين إلى أصولنا، الأصول التي لم تغادرنا قط، بل اختبأت خلف وعود جوفاء عن الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان. النازيون هم كبش الفداء المريح لتراثنا الأوروبي والأميركي المشترك من المجازر الجماعية، كما لو أن الإبادات الجماعية التي نفذناها في الأميركتين وأفريقيا والهند لم تحدث قط، مجرد هوامش غير مهمة في تاريخنا الجماعي.
في الواقع، الإبادة الجماعية هي عملة الهيمنة الغربية. بين عامي 1490 و1890، كانت الاستعمارية الأوروبية، بما في ذلك أعمال الإبادة الجماعية، مسؤولة عن مقتل ما يصل إلى 100 مليون من السكان الأصليين، وفقًا للمؤرخ ديفيد إي. ستانارد. ومنذ عام 1950، وقعت قرابة عشرين إبادة جماعية، بما في ذلك في بنغلاديش، وكمبوديا، ورواندا.
الإبادة الجماعية في غزة ليست استثناء، بل هي جزء من نمط متكرر. إنها نذير لإبادات جماعية قادمة، خاصة مع انهيار المناخ واضطرار مئات الملايين إلى الهرب من الجفاف والحرائق والفيضانات، وتراجع المحاصيل، وانهيار الدول والموت الجماعي.
إنها رسالة غارقة في الدماء منّا إلى بقية العالم: لدينا كل شيء، وإذا حاولتم أخذه منا، فسوف نقتلكم. غزة تدفن كذبة التقدم البشري، وتدحض الأسطورة القائلة إننا نتطور أخلاقيًا.
وحدها الأدوات تتغير. حيث كنا نضرب الضحايا حتى الموت، أو نمزقهم بالسيوف، نحن اليوم نُسقط قنابل تزن 2000 رطل على مخيمات اللاجئين، نرشّ العائلات بالرصاص من طائرات مسيّرة عسكرية، أو نسحقهم بقذائف الدبابات والمدفعية الثقيلة والصواريخ.
الاشتراكي في القرن التاسع عشر لويس أوغست بلانكي، على عكس معظم معاصريه، رفض الفكرة المحورية لدى هيغل وماركس بأن التاريخ البشري يسير في خط تصاعدي نحو المساواة والأخلاق الأعلى.
حذّر من أن هذه "الإيجابية الساذجة" تُستخدم من قبل الظالمين لسحق المظلومين. وقال بلانكي: "جميع فظائع المنتصر، وسلسلة هجماته الطويلة، تتحوّل ببرود إلى تطور دائم وحتمي، كما لو كان تطورًا طبيعيًا. لكن تسلسل الأمور البشريّة ليس حتميًا كالعالم الطبيعي. يمكن تغييره في أي لحظة".
وحذّر من أن التقدم العلمي والتكنولوجي، بدل أن يكون دليلًا على التقدم، يمكن أن يتحوّل إلى "سلاح رهيب في يد رأس المال ضد العمل والفكر".
وكتب: "الإنسانية لا تقف في مكانها أبدًا. إما أن تتقدم أو تتراجع. إذا تقدمت، تتجه نحو المساواة. وإذا تراجعت، فإنها تمرّ بكل مراحل الامتياز حتى تصل إلى العبودية، الكلمة الأخيرة في حق الملكية".
وأضاف: "لست من أولئك الذين يزعمون أن التقدم أمر مفروغ منه، أو أن البشرية لا يمكن أن تتراجع". يُعرف التاريخ الإنساني بفترات طويلة من الجفاف الثقافي والقمع الوحشي.
سقوط الإمبراطورية الرومانية أدّى إلى بؤس وقمع في أوروبا خلال العصور المظلمة، من القرن السادس إلى القرن الثالث عشر. ضاعت المعرفة التقنية، بما في ذلك كيفية بناء وصيانة القنوات المائية. قاد الفقر الثقافي والفكري إلى فقدان جماعي للذاكرة. طُمست أفكار العلماء والفنانين القدماء.
ولم تبدأ النهضة إلا في القرن الرابع عشر، وكانت إلى حد كبير بفضل ازدهار الثقافة الإسلامية التي، عبر ترجمة أرسطو للغة العربية وسواها، حفظت حكمة الماضي من الزوال. كان بلانكي يعرف ارتدادات التاريخ المأساوية.
شارك في سلسلة من الانتفاضات الفرنسية، منها محاولة تمرد مسلح في مايو/ أيار 1839، وانتفاضة 1848، وكومونة باريس – الانتفاضة الاشتراكية التي سيطرت على العاصمة الفرنسية من 18 مارس/ آذار إلى 28 مايو/ أيار 1871.
حاول العمّال في مدن مثل مارسيليا وليون تنظيم كومونات مشابهة، لكنها فشلت قبل أن تُسحق كومونة باريس عسكريًا. نحن ندخل عصرًا مظلمًا جديدًا. لكن هذا العصر المظلم يستخدم أدوات العصر الحديث من مراقبة جماعية، وتعرّف على الوجوه، وذكاء اصطناعي، وطائرات بدون طيار، وشرطة مُعسكرة، وحرمان من الإجراءات القانونية، واعتداء على الحريات المدنية، ليفرض حكمًا تعسفيًا، وحروبًا لا تتوقف- ولا أمان- وفوضى، ورعبًا، وهي السمات المشتركة للعصور المظلمة. الثقة في خرافة "التقدم الإنساني" لإنقاذنا تعني الخضوع للقوة الاستبدادية.
وحدها المقاومة – من خلال الحشد الجماهيري، وتعطيل ممارسة السلطة، خاصة في وجه الإبادة الجماعية – قادرة على إنقاذنا. تطلق حملات القتل الجماعي الصفات الوحشية الكامنة في كل البشر. فالمجتمع المنظم، بقوانينه وآدابه وشرطته وسجونه وتنظيماته، هي أدوات قسرية تحاصر هذه الوحشية الكامنة.
لكن إذا أزيلت هذه العوائق، يصبح الإنسان- كما نرى مع الإسرائيليين في غزة- حيوانًا قاتلًا مفترسًا، يفرح بنشوة الدمار، حتى لو شمل النساء والأطفال. ليت هذا مجرد افتراض. لكنه ليس كذلك. هذا ما شهدته في كل حرب غطيتها. نادرون من يكونون بمنأى عنه.
الملك البلجيكي ليوبولد، في أواخر القرن التاسع عشر، احتل الكونغو باسم "التحضر" و"مكافحة العبودية"، لكنه نهب البلاد، متسببًا بموت نحو 10 ملايين كونغولي نتيجة الأمراض والمجاعة والقتل.
جوزيف كونراد التقط هذا التناقض بين ما نحن عليه وما نزعم أننا عليه، في روايته "قلب الظلام" وقصته "موقع للتقدم". في "موقع للتقدم"، يروي قصة تاجرين أوروبيين، كايرتس وكارلييه، أُرسلا إلى الكونغو. يدّعيان أنهما في أفريقيا لنشر الحضارة الأوروبية.
لكن الملل، والروتين الخانق، والأهم غياب أي ضوابط خارجية، يحوّلهما إلى وحوش. يتاجران بالعبيد مقابل العاج ويتشاجران على الطعام والمؤن القليلة. في النهاية، يقتل كايرتس رفيقه الأعزل كارلييه. كتب كونراد عن كايرتس وكارلييه: "كانا شخصين تافهين وعاجزين تمامًا، لا تستقيم حياتهما إلا بفضل التنظيم العالي لحشود المجتمعات المتحضرة.
قليلون من يدركون أن حياتهم، وجوهر شخصيتهم، وقدراتهم وجرأتهم، ليست سوى تعبير عن إيمانهم بأمان محيطهم. الشجاعة، والاتزان، والثقة؛ المشاعر والمبادئ؛ كل فكرة كبيرة أو تافهة لا تنتمي للفرد، بل للحشد: الحشد الذي يؤمن أعمى بقوة مؤسساته وأخلاقه، بسلطة شرطته ورأيه العام. لكن التماس مع الوحشية الصافية، والطبيعة البدائية والإنسان البدائي، يزرع اضطرابًا عميقًا ومفاجئًا في القلب.
فمع شعور المرء بأنه وحيد في نوعه، ومع إدراكه وحدة أفكاره ومشاعره، ومع نفي المألوف الذي يمنحه الأمان، يبرز حضور غير المعتاد -المجهول والخطير- باقتحام يربك الخيال ويختبر أعصاب المتحضّر، أكان ساذجًا أم حكيمًا".
لقد فجّرت الإبادة الجماعية في غزة كل الأقنعة التي نخدع بها أنفسنا ونحاول بها خداع الآخرين. تسخر من كل قيمة ندّعي التمسك بها، بما في ذلك حرية التعبير. إنها شهادة على نفاقنا وقسوتنا وعنصريتنا.
لا يمكننا، بعد تقديمنا مليارات الدولارات من الأسلحة، واضطهادنا من يعترضون على الإبادة الجماعية، أن نواصل إطلاق مزاعم أخلاقية يمكن أخذها على محمل الجد.
من الآن فصاعدًا، ستكون لغتنا هي لغة العنف، ولغة الإبادة، وعواء الوحشية في هذا العصر المظلم الجديد، عصر تجوب فيه الأرض قوة مطلقة، وطمع لا حدود له، وهمجية لا رادع لها.
الأحد، 11 مايو 2025
لقطة لأميركا قبل السقوط
لقطة لأميركا قبل السقوط
الأربعاء، 16 أبريل 2025
هل اقتربت ساعة التهجير الكبير في غزة؟
هل اقتربت ساعة التهجير الكبير في غزة؟
إسرائيل على وشك تنفيذ أكبر حملة تطهير عرقي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فمنذ الثاني من مارس/ آذار، منعت دخول الغذاء والمساعدات الإنسانية إلى غزة وقطعت الكهرباء، مما أدى إلى توقف آخر محطة لتحلية المياه عن العمل.
وقد استولت القوات الإسرائيلية على نصف مساحة القطاع – غزة تمتد بطول 25 ميلًا وعرضها ما بين أربعة إلى خمسة أميال – وفرضت أوامر نزوح على ثلثي سكانها، معلنة العديد من المناطق، بما فيها مدينة رفح الحدودية المحاصرة بقوات إسرائيلية، "مناطق محظورة".
وفي يوم الجمعة، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن إسرائيل ستقوم بـ"تكثيف" الحرب ضد حماس، وستستخدم "كل أشكال الضغط العسكري والمدني، بما في ذلك إجلاء سكان غزة جنوبًا وتنفيذ خطة الهجرة الطوعية لسكان غزة التي اقترحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ومنذ إنهاء إسرائيل أحادي الجانب وقف إطلاق النار في (18 مارس/ آذار) – وهو الوقف الذي لم تلتزم به إسرائيل أبدًا – تواصل إسرائيل قصفها الجوي والمدفعي المتواصل ضد المدنيين، مما أسفر عن مقتل أكثر من 1400 فلسطيني وإصابة أكثر من 3600، وفقًا لوزارة الصحة الفلسطينية.
وبحسب الأمم المتحدة، يُقتل حوالي مئة طفل يوميًا. وفي الوقت نفسه، تثير إسرائيل التوترات مع مصر، فيما يبدو أنه تمهيد لعملية طرد جماعي للفلسطينيين إلى سيناء المصرية.
وردد وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، تصريحات كاتس، مؤكدًا أن إسرائيل لن ترفع الحصار الكامل عن غزة حتى يتم "هزيمة" حماس، وإطلاق سراح الـ59 رهينة إسرائيلية المتبقية. وقال: "لن تدخل حتى حبة قمح إلى غزة".
لكن لا أحد في إسرائيل أو غزة يتوقع أن تستسلم حماس، التي صمدت رغم تدمير غزة والمجازر الجماعية.
لم يعد السؤال اليوم هو ما إذا كان سيتم ترحيل الفلسطينيين من غزة، بل متى وأين سيتم طردهم. يبدو أن القيادة الإسرائيلية منقسمة بين دفع الفلسطينيين عبر الحدود إلى مصر، أو نقلهم إلى دول في أفريقيا.
وترددت أنباء عن تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل مع ثلاث حكومات في شرق أفريقيا – السودان، الصومال، ومنطقة أرض الصومال الانفصالية – لمناقشة إعادة توطين الفلسطينيين الذين يتعرضون لعمليات تطهير عرقي، وقد نفت هذه الحكومات ذلك رسميًا.
عواقب كارثية
إن عواقب هذا التطهير العرقي الشامل ستكون كارثية، إذ ستعرض استقرار الأنظمة العربية المتحالفة مع واشنطن للخطر، وستشعل احتجاجات عارمة داخل الدول العربية.
ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وكل من الأردن ومصر – اللتين أصبحت علاقاتهما مع إسرائيل على وشك الانهيار – ويدفع بالمنطقة نحو الحرب.
لقد وصلت العلاقات الدبلوماسية إلى أدنى مستوياتها منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1979. السفارتان الإسرائيليتان في القاهرة وعمان شبه فارغتين، بعدما تم سحب الطاقم الإسرائيلي لأسباب أمنية عقب عملية السابع من أكتوبر/ تشرين الأول التي شنتها حماس وفصائل فلسطينية أخرى.
ورفضت مصر قبول أوراق اعتماد أوري روثمان الذي تم تعيينه سفيرًا لإسرائيل في سبتمبر/ أيلول الماضي. كما لم تعين مصر سفيرًا جديدًا لدى إسرائيل منذ أن تم استدعاء السفير السابق خالد عزمي، العام الماضي.
ويتهم المسؤولون الإسرائيليون مصر بانتهاك اتفاقيات كامب ديفيد من خلال تعزيز وجودها العسكري وبناء منشآت عسكرية جديدة في شمال سيناء، وهي اتهامات تصفها مصر بأنها "ملفقة". ويجيز الملحق العسكري للاتفاقية لمصر زيادة عتادها العسكري في سيناء.
وحذر رئيس الأركان الإسرائيلي السابق، هرتسي هاليفي، مما وصفه بـ"التهديد الأمني" المصري. فيما قال كاتس إن إسرائيل لن تسمح لمصر "بانتهاك معاهدة السلام" الموقعة عام 1979.
ويشير المسؤولون المصريون إلى أن إسرائيل هي من انتهكت المعاهدة من خلال احتلالها محور فيلادلفيا، المعروف أيضًا بمحور صلاح الدين، الذي يمتد بطول تسعة أميال على الحدود بين غزة ومصر، وكان من المفترض أن يكون منزوع السلاح.
وقال اللواء محمد رشاد، الرئيس السابق للمخابرات الحربية المصرية، لصحيفة الشرق الأوسط السعودية: "كل تحرك إسرائيلي على حدود غزة مع مصر يشكل سلوكًا عدائيًا ضد الأمن القومي المصري. لا يمكن لمصر أن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه التهديدات، ويجب أن تكون مستعدة لكل السيناريوهات المحتملة".
ينادي المسؤولون الإسرائيليون علنًا بـ"النقل الطوعي" للفلسطينيين إلى مصر. فقد صرّح عضو الكنيست أفيغدور ليبرمان بأن "ترحيل معظم الفلسطينيين من غزة إلى سيناء المصرية هو حل عملي وفعّال".
وقارن بين الكثافة السكانية المرتفعة لغزة – التي تعد واحدة من أكثر الأماكن ازدحامًا في العالم – وبين "الأراضي الشاسعة غير المستغلة" في شمال سيناء، مشيرًا إلى أن الفلسطينيين يتشاركون الثقافة واللغة مع مصر، مما يجعل أي عملية ترحيل "طبيعية".
كما انتقد مصر زاعمًا أنها "تستفيد اقتصاديًا من الوضع السياسي الحالي"، كوسيط بين إسرائيل وحماس، وتحقق أرباحًا من عمليات التهريب عبر الأنفاق ومعبر رفح.
وقد نشر معهد مسجاف للأمن القومي، وهو مركز أبحاث إسرائيلي يضم مسؤولين عسكريين وأمنيين سابقين، ورقة بحثية في (17 أكتوبر/ تشرين الأول 2023) تدعو الحكومة إلى استغلال "الفرصة النادرة والفريدة لإجلاء كامل سكان قطاع غزة"، وإعادة توطين الفلسطينيين في القاهرة، بمساعدة الحكومة المصرية.
كما اقترح تقرير مسرّب صادر عن وزارة الاستخبارات الإسرائيلية نقل الفلسطينيين من غزة إلى شمال سيناء، وبناء حواجز ومناطق عازلة لمنع عودتهم.
من المرجح أن يتم تنفيذ أي عملية طرد بسرعة، مع قيام القوات الإسرائيلية – التي تقوم بالفعل بجمع الفلسطينيين بلا رحمة في مناطق احتواء داخل غزة – بشنّ حملة قصف مستمرة ضد الفلسطينيين المحاصرين، مع فتح ممرات إجلاء محدودة على طول الحدود مع مصر.
وستنطوي العملية على مواجهة محتملة مميتة مع الجيش المصري ما يمثل أزمة محتملة للحكومة المصرية التي وصف رئيسها أي تطهير عرقي للفلسطينيين في غزة بأنه "خط أحمر". وسيكون الانتقال من هناك إلى صراع إقليمي قصيرًا جدًا.
وقد استولت إسرائيل على أراضٍ في سوريا وجنوب لبنان، ضمن رؤيتها لـ"إسرائيل الكبرى"، التي تشمل أيضًا احتلال أراضٍ في مصر، والأردن، والسعودية.
كما تطمع في حقول الغاز البحرية قبالة سواحل غزة، وطرحت خططًا لإنشاء قناة جديدة تتجاوز قناة السويس، لربط ميناء إيلات الإسرائيلي المفلس على البحر الأحمر، بالبحر المتوسط. وتتطلب هذه المشاريع إفراغ غزة من سكانها الفلسطينيين وإعادة توطينها بمستعمرين يهود.
غضب على وشك الانفجار
الغضب الشعبي العربي – الذي شهدته شخصيًا خلال الأشهر الماضية أثناء زياراتي لمصر والأردن والضفة الغربية – سينفجر في حالة من الغضب المشروع إذا حدثت عملية الترحيل الجماعي.
وستضطر هذه الأنظمة، حفاظًا على بقائها، إلى التحرك. وستنتشر الهجمات الإرهابية، سواء من قبل جماعات منظمة أو ذئاب منفردة، ضد أهداف إسرائيلية وغربية، لا سيما الولايات المتحدة.
إن الإبادة الجماعية تشكل حلمًا دعائيًا للمتشددين الإسلاميين. ولا بد أن واشنطن وإسرائيل تدركان، بدرجة ما، ثمن هذه الوحشية. ولكن يبدو أنهما تقبلان بها، في محاولة حمقاء لمحو أولئك الذين تم إخراجهم من مجتمع الأمم، وأولئك الذين يتم وصفهم بأنهم "حيوانات بشرية".
ماذا تتوقع إسرائيل وواشنطن أن يحدث عندما يتم طرد الفلسطينيين من أرض عاشوا فيها لقرون؟ كيف تظنان أن شعبًا يائسًا، محرومًا من الأمل والكرامة وسبل العيش، يتم ذبحه على يد واحدٍ من أكثر الجيوش تقدمًا في العالم، سيرد؟
هل تعتقدان أن خلق جحيم دانتي للفلسطينيين سيحد من الإرهاب أو يكبح الهجمات الانتحارية أو يعزز السلام؟ ألا تدركان الغضب المتصاعد في الشرق الأوسط وكيف سيزرع كراهية تجاهنا ستستمر لعقود؟
الإبادة الجماعية في غزة هي أعظم جريمة في هذا القرن. وسوف تلاحق إسرائيل. وسوف تلاحقنا. وسوف تجلب إلى أبوابنا الشر الذي أنزلناه على الفلسطينيين.
"كما تزرع تحصد"
لقد زرعنا حقل ألغام من الكراهية والعنف.
