‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات المؤرخ م. محمد إلهامي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات المؤرخ م. محمد إلهامي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 9 أغسطس 2026

مصانع الخياها أنذا أسكت، فاسمعوا من كلامهم!نة..


ها أنذا أسكت، فاسمعوا من كلامهم!


المؤرخ [م. محمد إلهامي]


لم يجتمع على الأمة في تاريخها تحالفٌ من الأعداء ومن المنافقين كما هو حاصل في هذا الزمان، فلا تدري أيهما يكون الوصف الأكثر دقة، أن تقول: لبس العدو جلدنا واتخذ لساننا، أم أن تقول: دخل في بعضنا روح العدو وعقله، فهما واحدٌ في النفس والعقل والروح والشعور، وإن اختلف منهم اللون واللسان!

نحن تحت حكم أنظمة تبدو أنها منا، ولكنها العدو كله، لقد كانت هذه الأنظمة حاضرة دائما كممثل للغرب وحارس لمصالحه، منذ محمد علي باشا في مصر، وهي التجربة التي جرى تعميمها بعد الحرب العالمية الأولى في العالم العربي حتى صار عسيرا أن يُشار إلى نظام محلي باعتباره إفرازًا طبيعيًّا لمجتمعه أو تعبيرا حقيقيا عن أمته الإسلامية، وقد أسفرت النتائج خلال هذا القرن الماضي عن أن هذه الأنظمة قامت بدور أكثر كفاءة من الاحتلال المباشر في تحطيم المجتمع الإسلامي وتحديثه، وبكلفة أقل كثيرا من كلفة الاحتلال نفسه.

لقد كثر الكلام مني في هذا حتى ملَّني الناس، فعزمت أن أسكت فلا أتكلم، وأكتفي في هذا المقال بالتقاط بعض المقولات التي قالها هذا التحالف نفسه، وثقتها من كتبهم وتقاريرهم برقم الطبعة والصفحة، كي لا يكون عليَّ حرج، وليهلك من هلك عن بينة!.. وما أنقله هنا ليس إلا شذرات مختارة، وأما التفرغ لجمع هذا فيملأ مجلدات عديدة!

خذ هذه في باب دعم الغربيين لأنظمة الحكم المحلية العلمانية الطغيانية وتقويتها، وكيف أنه صار سياسة ثابتة:

· قال هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأمريكي وأحد أبرز الشخصيات السياسية الأمريكية، في مذكراته، عن وقوف الأمريكان وتهديدهم بالتدخل العسكري لإبقاء نظام الملك حسين في الأردن أثناء أحداث أيلول الأسود: "دورنا الأكثر جدوى يقوم على سرعة إرسال قواتنا إلى البحر المتوسط وبشكل قوي والقيام بمساندة قوية للملك. أرسلت توجيهات للوزارات، طالبتها إعداد مخططات عسكرية ودبلوماسية مفصلة للتمكن من مواجهة الأمور المتوقع حدوثها وهي تزويد القوات الأردنية بالعتاد، الهجوم الجوي أو البري الأمريكي لمساندة حسين، أو الموافقة الأمريكية على هجوم إسرائيلي جوي أو أرضي لمساندته"[1].

· ويقول نتنياهو في مذكراته: "تقابلنا للمرة الأولى، لقد أكدت له (الملك حسين) أن بقاء المملكة الأردنية الهاشمية بمثابة مصلحة حيوية لإسرائيل، ولو اقتضى الأمر، فسننزل بجيوشنا للحيلولة دون سقوطها"[2].

· ولا نعدم أن نجد مثل هذا الاعتراف في مذكرات القادة العرب أنفسهم، فهذا الملك حسين بن طلال ملك الأردن، يورد في مذكراته "مهنتي كملك" أنه في العديد من المواقف طلب المعونة الأمريكية والإنجليزية لتثبيت نظامه، ولم يبخلوا عليه بها، يقول: "لم ينسنا الإنجليز والأمريكان، فقد دعمونا ليس بالكلام وبالتصويت في الأمم المتحدة فحسب، بل بعثوا إلينا بالأسلحة والمعدات، فوصلت بكميات جسيمة إلى مينائنا في العقبة"[3].

ولأن القوم أهل زخرفة للقول وتلبيس وتدليس، فهم يُلبسون هذه المعاني الخيانية ألفاظا من نوعية دعم الأمن والاستقرار، مكافحة التطرف والإرهاب، تأمين المصالح الحيوية، ولا يقصدون بهذا كله إلا أمنهم هم ومصالحهم هم ومكافحة من يهدد نفوذهم، حتى لقد استقر في بيئة العلوم السياسية مصطلح "الدولة الفاشلة"، وهو في حقيقته يعني: الدولة الفاشلة في السيطرة على شعبها، وهي من ثم فاشلة في حماية المصالح الأجنبية! وخذ بعض أمثلة:

· قالت كونداليزا رايس التي شغلت منصبي مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية الأمريكية "الدول الضعيفة والفاشلة تشكل تهديدا أمنيا خطيرا على الولايات المتحدة. فهي لا تستطيع السيطرة على حدودها، وقد تصبح الملاذ الآمن للإرهابيين، لذلك فإن إعادة بنائها يشكل مهمة ضخمة وهامة في آن"[4].

· يذكر هنري كيسنجر أيضا في كتابه "النظام العالمي" أنه "عندما لا تكون الدول محكومة بكليتها، يبدأ النظام الدولي أو الإقليمي نفسه بالتفكك. فضاءات خالية موحية باللاقانون تطغى على أجزاء من الخريطة. من شأن انهيار أي دولة أن تقلب أرضها إلى قاعدة للإرهاب"[5].

· وفي نهاية مذكراته، يتحدث الدبلوماسي الأمريكي الشهير، زلماي خليل زاده، عما يجب أن تكون عليه سياسة الأمريكان فيقول: "تشكل مشاكل الصراعات الإقليمية والنزاعات الطائفية وانهيار نظام الدولة في الشرق الأوسط أكبر التحديات الراهنة وأكثرها صعوبة، وأعتقد أن الحلول الجوهرية تتمثل في الترويج لميزان القوة الإقليمي وتقوية الدول المعتدلة والتقدمية... يتعين أن تكون الخطوة الأولى في هذا المضمار هي تقوية أصدقائنا وشركائنا في الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى... تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى الاستمرار في جهودها الهادفة إلى محاربة الإرهاب. ولكن يتعين عليها التركيز أكثر على تعبئة القوى المحلية التي تقاوم الإرهاب والتطرف"[6].

كذلك يتضخم الحديث عن دور الأنظمة المحلية في تقارير الحالة الأمنية وتقارير مكافحة التمرد، والتمرد هنا هو التمرد الإسلامي طالما كانت البيئة المقصودة هي المجتمعات المسلمة، ومن أمثلة ذلك:

· جاء في دليل الحكومة الأمريكية لمكافحة التمرد: "خبرات مكافحة التمرد الأمريكية تستند على عدد من الافتراضات: منها أن الجهود الحاسمة لهزيمة التمرد نادرا ما تكون عسكرية (على الرغم من أن الأمن هو الشرط الأساسي للنجاح). لذا فإن الجهود الأمريكية يجب أن توجه إلى إنشاء هياكل حكومية محلية ووطنية تخدم السكان، لتحل تلك الهياكل بمرور الوقت محل الجهود التي يبذلها الشركاء الأجانب"، "إذا قررت حكومة الولايات المتحدة أن تشارك في مكافحة تمرد معين، فيجب على صانعي السياسات أن يسعوا إلى تحقيق توازن دقيق يستخدم أكثر أشكال التدخل ملاءمة بحيث يبدو أكثر هدوءا وأقل فجاجة وتطفلا، فضلا عن امتلاكه لاحتمالية كبيرة لتحقيق التأثير المطلوب. لابد من الحفاظ على سيادة الحكومة المتضررة، فزيادة التدخل إلى درجة عالية جدا قد تؤدي إلى نتائج عكسية (تاريخيا كانت بعض التدخلات الأمريكية الأكثر نجاحا هي التدخلات غير المباشرة والبسيطة). وبمجرد أن تلتزم الولايات المتحدة بالمساعدة، لابد من وضع استراتيجية لمكافحة التمرد من خلال أفضل أشكال التعاون مع الحكومة المتضررة وشركاء التحالف الآخرين، نظرا لأن إدماجهم المبكر يمكن أن يساعد في التخفيف من آثار الاختلافات على المستوى العملياتي في الأهداف والقدرات والثقافة"[7].

· وجاء في دليل الميدان للجيش الأمريكي لمكافحة التمرد: "في عمليات مكافحة التمرد تعمل القوات الأمريكية عادة مع قوات الأمن التابعة للسكان المحليين أو التابعة للدولة المضيفة... تجلب العديد من القوات العسكرية التابعة لدول أخرى الخلفيات الثقافية والخبرات التاريخية وغيرها من الإمكانيات التي يمكن أن تكون ذات أهمية خاصة لجهود مكافحة التمرد"، "نادرا ما تكون لدى وكالات الحكومة الأمريكية والمنظمات الدولية الموارد والإمكانيات اللازمة لأداء جميع مهام مكافحة التمرد، فالنجاح يحتاج إلى قادة متأقلمين على استعداد لأداء المهام المطلوبة بالموارد المتاحة عندهم، ويفهم هؤلاء القادة أن الأمن طويل المدى لا يمكن فرضه بالقوة العسكرية وحدها، فهو يتطلب التطبيق المتكامل والمتوازن للجهد من قبل جميع الشركاء بهدف دعم السكان المحليين وتحقيق الشرعية لحكومة الدولة المضيفة"، "المفتاح لإنجاز كل هذه المهام يتمثل في تطوير قوة أمن فعالة بالدولة المضيفة، وفي بعض الحالات قد تشترك القوات الأمريكية بفاعلية في قتال المتمردين، بينما تساعد في الوقت نفسه الدولة المضيفة على بناء قواتها الأمنية"[8].

· وجاء في دليل المخابرات المركزية الأمريكية لتحليل التمرد: "يمكن لمكافحة التمرد أن تستفيد من استخدام القوات المحلية الخاضعة لإشرافها، مثل الميليشيات، من أجل تعزيز القوات الحكومية، وبالأخص للجمع بين الاستخبارات وتوفير الدفاع الثابت. يجب أن تسلم القيادة الأجنبية لمكافحة التمرد مسؤولياتها في نهاية المطاف إلى القوات الوطنية"[9].

وتشير العديد من المصادر الأمنية الغربية إلى أن الأنظمة العربية قد بلغت أحيانا أن تكون هي الأستاذ الذي يتعلم منه الغربيون أساليب مكافحة "الإرهاب"، ومن ذلك ما كشف عنه هنري كرامبتون، من أبرز مسؤولي مكافحة الإرهاب الأمريكان، في كتابه "فن التجسس"، حيث يذكر أنه بعد أن جمع فريقا من الاختصاصيين ضم علماء نفس ومحللين ومجندين اكتشف أنه لا زال ينقصهم شيء، يقول: "احتجنا إلى خبرة أوسع وتجربة أكبر، وطلبت من جهاز عربي حليف أن يرسل لنا مدربا. امتعض بعضُ من في الجهاز الخفي بما يعكس غرورا في غير مكانه بالنسبة إلى قدراتنا الذاتية. وحاججتُ بأننا دربنا أجهزة ارتباط في كل أنحاء العالم، فلماذا لا نستفيد من بعض من دربناهم؟ تكرَّم حليفنا العربي علينا بالموافقة وأوفد واحدا من أكثر ضباط مكافحة الإرهاب خبرة لديه لتعليمنا ومساعدتنا في تطوير منهاجنا"[10].

وهذا فضلا عما صار معروفا ومؤكدا من أن الأنظمة العربية قامت بدور تعذيب المتهمين لحساب الأجهزة الأمنية الغربية، لا سيما أجهزة الأمن في مصر والأردن وسوريا والمغرب.

هل نحتاج الآن لنسأل أو نستغرب كيف أمسى هذا حالنا في بلادنا؟!

نشر في مجلة أنصار النبي - أغسطس 2026م



[1] هنري كيسنجر، مذكرات هنري كيسنجر، ترجمة: عاطف أحمد عمران، ط1 (عمان: الأهلية للنشر والتوزيع، 2005م)، 1/549، 550 باختصار.

[2] Benjamin Netanyah, BIBI: My Story, 3rd edition (New York: oct. 2022), p. 296.

[3] الملك حسين، مهنتي كملك، ترجمة: غالب طوقان، (د. م: الشركة العربية للطباعة والنشر، 1978م)، ص207.

[4] كونداليزا رايس، أسمى مراتب الشرف: ذكريات من سني حياتي في واشنطن، ترجمة: وليد شحادة، (بيروت: دار الكتاب العربي، مايو 2012م) ص139.

[5] هنري كيسنجر، النظام العالمي: تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ، ترجمة: د. فاضل جتكر، ط1 (بيروت: دار الكتاب العربي، 2015م)، ص146.

[6] زلماي خليل زاده، السفير: من كابول إلى البيت الأبيض – رحلتي عبر عالم مضطرب، ترجمة: بسام شيحة وسعيد الحسنية، (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، نوفمبر 2017م)، ص448.

[7] دليل الحكومة الأمريكية لمكافحة التمرد، ترجمة: خالد أحمد وأحمد مولانا، (اسطنبول: المعهد المصري للدراسات، 28 مارس 2018م)، ص5، 9.

[8] ديفيد بتريوس وجيمس ف آموس، دليل الميدان للجيش الأمريكي لمكافحة التمرد، ترجمة: أحمد مولانا، (مركز تنمية الفكر الاستراتيجي، 2019م)، ص91، 98، 254.

[9] دليل المخابرات المركزية الأمريكية لتحليل التمرد، ترجمة: أحمد مولانا، (مركز حازم لترجمة الدراسات الاستراتيجية، إبريل 2008م)، ص36.

[10] هنري كرامبتون، فن التجسس: الجهاز الخفي لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ترجمة: أنطوان باسيل، ط1 (بيروت: شركة المطبوعات، 2014م)، ص163.

الخميس، 16 يوليو 2026

حكاية فشل انقلاب ونجاح الآخر!

 حكاية فشل انقلاب ونجاح الآخر!

محمد إلهامي
باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية




في ذكرى محاولة ‍الانقلاب التركي الفاشلة، رأيت كثيرا من الأصدقاء يجدد التحية للرائد عمر خالص دمير.. ذلك الذي قتل قائده ‍الانقلابي بسلاح الصاعقة، فكانت رصاصته ضربة قوية لأحد أضلاع ‍الانقلاب العسكري.



دعوني أجدد مع الجميع التحية له..

لكني أريد أن أزجي التحية لرجل آخر، ذلك هو الذي كلفه بالمهمة، إنه القائد الذي اتصل به وأخبره بخبر ‍الانقلاب وطلب منه ألا يسلم المقر وأن يقوم بواجبه..


هذا الرجل هو “صاحب القرار”.. هو الذي (وَجَّه) جنديه ليفعل المطلوب..

لن أنتقص لحظة من شجاعة الذي نفَّذ القرار وضحَّى بنفسه.. ولكني مهموم جدا جدا بالتركيز على “صاحب القرار” الذي قال في اللحظة المناسبة: ماذا يجب أن نفعل!

لولا صاحب القرار هذا لكان من المحتمل جدا أن لا يُقدم عمر خالص دمير على ما فعل، ربما فكَّر وتحيَّر، ربما تأخر وارتبك، ربما ظنَّ أن أمر ‍الانقلاب قد حُسِم وأن أردوغان قد قُتِل ولا فائدة من المقاومة.. ربما لم يستوعب أصلا أن هذا انقلاب عسكري إلا بعد فوات الوقت..

لن ندري على وجه التحديد ماذا كان سيحدث لو لم يبلغه خبر ‍الانقلاب العسكري، والتوجيه المطلوب منه لتنفيذه.

ربما نستطيع أن نلخص قصة فشل ‍الانقلاب العسكري في تركيا وقصة نجاح ‍الانقلاب العسكري في مصر بهذا الفارق.. فارق صاحب القرار الذي اتخذ قرارا ووجَّه الناس لتنفيذه!

إن عموم الناس وعموم الجنود أدوات تنفيذ لا أدوات تفكير.. وهذا ليس عيبا فيهم، هذه طبيعتهم ووظيفتهم..

باعتباري شاهد عيان على ‍الانقلابيْن لا أتردد لحظة في أن أقول: إن الشعب التركي -مثل الشعب المصري تماما- كان مشلولا قبل أن يخرج أردوغان ويقول لهم: هذه القوات التي في الشوارع لا تمثل الشعب وعلى الشعب أن يواجهها!

دقائق على شاشة هاتف من رئيس لا يملك سوى الصوت قلبت حال الجماهير على الأرض.. وتحول الناس من القلق والفزع والترقب المشلول إلى الموج الهارد الزاحف للمواجهة.. بعضهم كان يهرع إلى ماكينة البنوك لسحب الأموال، وبعض المحلات رفض البيع بكارت البنك.. هيمنت أجواء الذعر قبل أن يأتي صوت الرئيس الحر غير المأسور ولا المقتول ليوجههم إلى ما يفعلون، وقد فعلوا.

بينما الشعب المصري وقف حائرا، فقد القيادة التي تقول له ماذا يفعل..

حتى الجيش المصري.. في 2013 كان فيه عناصر غير قليلة مستعدة لتنفيذ التوجيه إذا جاء لها.. ولكن من الذي يتخذ القرار ومن الذي يوجههم إليه.. لم يكن لدينا قائد يتخذ القرار ويوجه الناس إليه!

للرئيس الشهيد محمد مرسي -رحمه الله- مكانة كبيرة بصموده وثباته وتضحيته بنفسه.. ولكنه في الحقيقة ضحى بنفسه وبشعبه وبالبلد أيضا!! لم يكن على قدر هذه اللحظة مع كل إخلاصه وصلابته.. عاش هذه اللحظة كمسلم تقي لا كقائد أمة، كمأسور ينصح ويعظ لا كرئيس يقاتل ويستنفر.

نخون أنفسنا ونخون التجربة كلها لو اكتفينا بالحديث عن مناقب الشهيد مرسي رحمه الله ولم نذكر هذا العيب الخطير في هذه اللحظة الفارقة.. لم يتخذ القرار.. لم يتخذ القرار.. لم يتخذ القرار..

وظلت الجموع التي كانت مستعدة أن تضحي بنفسها في حكم المشلول، لا تدري ماذا تفعل.. تتنازعها أمواج من الحيرة والاضطراب والحزن والفزع والإنكار والدهشة.. حيرة المفجوع الذي صُدِم بالضربة بعد عام من التخدير والتنويم والطمأنة!

الاثنين، 1 يونيو 2026

بعض ما لا يُحكى عن فتح القسطنطينية

 

بعض ما لا يُحكى عن فتح القسطنطينية

 محمد إلهامي


لقد فضّل أهل القسطنطينية الحكم العثماني على الخضوع لروما. فما الحقيقة التي يخفيها هذا الاختيار التاريخي؟

“ليس كل ما يلمع في روايات الفتح ذهبًا؛ فهذا المقال يكشف، على لسان ألد خصوم العثمانيين من المستشرقين، المفارقة الصادمة: كيف أصبح السلطان حاميًا للكنيسة، وكيف عاد النازحون إلى ‘كارثة’ الفتح مختارين.”

بين عمائم الأتراك وقلنسوات اللاتين

قد التزمنا في هذا المقال أن نسوق أقوال المؤرخين الغربيين فقط ليكون ذلك أبلغ في الحجة!

قليل من العرب والأتراك من يعرفون أن القسطنطينية فضَّلت أن تذهب إلى الأتراك على أن تخضع لسلطان الكاثوليكية في روما، وفيما قبل هذا الفتح العظيم جرت أحد أهم المحاولات في توحيد الكنيستين تحت سلطان البابا في روما، وأخفق الاتفاق الذي عقد قبل أربعة عشر عاما (١٤٣٩م)، ويروي المؤرخ الأمريكي ول ديورانت أنه “لما عاد الإمبراطور اليوناني وحاشيته إلى القسطنطينية (بعد إتمام هذا الاتفاق)، قوبلوا بالإهانات والشتائم، فقد رفض رجال الدين والشعب الخضوع إلى روما”، وما إن انتصر اتجاه الاتحاد بالقوة –في العام السابق للفتح ١٤٥٢- حتى تجنب الشعب “الاتصال بالكنيسة الكبرى؛ ولَعَن رجال الدين المعارضون للاتحاد كل من يؤيدونه، ورفضوا أن يغفروا ذنوب كل من حضروا قراءة المرسوم، وأهابوا بالمرضى أن يموتوا دون تناول القداس بدل أن يتناولوه من يد قس “اتحادي”، ورفض بطارقة الإسكندرية، وإنطاكية، وبيت المقدس (قرار الاتحاد)”١. وساعتها “قال الرجل الثاني في الإمبراطورية البيزنطية القائد الأعلى لوكاس نوتار: إنني أفضل أن أرى عمائم الأتراك في القسطنطينية على أن أرى قلنسوات رجال الدين اللاتين”٢.

لماذا فضَّل اليونانيون السلطان على البابا؟

ويعلق المؤرخ الفرنسي فرناندو بروديل على هذا فيقول: “الحق أن الكنيسة الأرثوذكسية –ولنا أن نقول الحضارة البيزنطية- فضَّلَتْ على الاتحاد مع اللاتينيين الخضوعَ للأتراك، ولا سبيل هنا إلى إلقاء الأمر على قرار متعجل اتُّخِذ عفو الساعة في مواجهة حدث معين، وإنما لا يعدو الأمر أن يكون النتيجة النهائية والطبيعية لسباق زمني طويل من تحلل إمبراطورية بيزنطة ذاتها، والتي رفضت الوحدة مع اللاتينيين وكانوا دون سواهم القادرين على إنقاذها من الخضوع لبراثن الأتراك، وذلك من ناحية أخرى ما عمل على ازدياد نفور اليونانين من التقارب مع اللاتينيين وكانت بينهم خلافات عقدية لاهوتية. فقد كانت الوحدة ممكنة… ولكن اليونانيين كانوا يفضلون الأتراك… ويكتب بطريرك القسطنطينية عام ١٣٨٥ إلى البابا أوربان السادس يقول: إنهم [أي: الأتراك المسلمون] على الأقل يتركون للكنيسة اليونانية كامل حرية الحركة… ويكتب بترارك –وهو من أشهر كتاب العلوم الإنسانية في عصر النهضة ومن المؤرخين البارزين- يقول: لا شك أن هؤلاء المنشقين [أي: أهل القسطنطينية] خافوا منا.. وكرهونا من أعماقهم”٣.

مرسوم الفاتح: حماية الكنيسة لا هدمها

ويذكر المستشرق البريطاني المعروف توماس أرنولد أنه “لم تكد حاضرة الإمبراطورية الشرقية القديمة (القسطنطينية) تسقط في أيدي العثمانيين حتى توطدت العلاقات بين الحكومية الإسلامية والكنيسة المسيحية بصفة قاطعة وعلى أساس ثابت. ومن أولى الخطوات التي اتخذها محمد الثاني بعد سقوط القسطنطينية وإعادة إقرار النظام فيها، أن يضمن ولاء المسيحيين بأن أعلن نفسه حامي الكنيسة الإغريقية؛ فحرَّم اضطهاد المسيحيين تحريما قاطعا، ومنح البطريق الجديد مرسوما يضمن له ولأتباعه ولمرءوسيه من الأساقفة حق التمتع بالامتيازات القديمة والموارد والهبات، التي كانوا يتمتعون بها في العهد السابق. ولم يقتصر المسلمون في معاملة رئيس الكنيسة على ما تعود أن يلقاه من الأباطرة المسيحيين من توقير وتعظيم، بل كان متمتعا -أيضا- بسلطة أهلية واسعة… وكان من أثر ذلك أن الإغريق -ولو أنهم كانوا يفوقون الأتراك عددا في كل من الولايات الأوربية التابعة للدولة العثمانية- قد جعلهم التسامح الديني الذي رخص لهم، وما تمتعوا به من حماية لحياتهم وأموالهم، يسرعون في الموافقة على تغيير سادتهم وإيثار سيادة السلطان على سيادة أية سلطة مسيحية، وكان الغزاة العثمانيون في بقاع كثيرة من المملكة يلقون ترحيبا من جانب الإغريق، ويعدونهم مخلصين لهم من الحكم الظالم المستبد”٤.

استقلال روحي مقابل سيادة سياسية

وهكذا فإن احتفاظ الكنيسة –كما يقول نيقولا فاتان– “باستقلال روحي لم يكن بوسعه إلا أن يداعب مشاعر الشعب المعادية للاتينيين، وسوف تدار “الأمة” اليونانية وتُمَثَّل من جانب البطريرك، وسوف تُحَلُّ الخلافات بين اليونانيين عن طريق محاكم أرثوذكسية، وأخيرا، فإن الممارسة الحرة للعبادة سوف تكون مكفولة، وصحيح أن هذا القانون يتمشى مع الوضع العادي للطوائف المسيحية في البلدان الإسلامية، لكن تأكيده على نطاق الدولة وتعزيز مكانة البطريركية يشكلان حدثا هاما”٥.

المتوحشون الذين بنوا حضارة (على لسان خصم)

ويدافع المستشرق الأمريكي الصهيوني برنارد لويس عن صورة العثمانيين الفاتحين، رغم أنه من ألدّ أعدائهم، فيقول بأن “الأتراك الذين دخلوا القسطنطينية فاتحين، لم يكونوا المتوحشين البدائيين كما يصورهم بعض كتاب الغرب. بل كانوا ورثة وحاملي حضارة قديمة ورفيعة: أي حضارة الإسلام القديمة، والتي هم أنفسهم أضافوا إليها قدرا غير يسير”، وهو حين يصف عظمة اسطنبول لا ينسى أن يقول أن “معظم اليونانيين الذين كانوا غادروا المدينة قبيل الفتح قد عادوا إليها إلا القليل منهم، وجاء الآخرون من جميع أنحاء الإمبراطورية ليشاركوهم، وشكل هؤلاء جالية غنية تحت زعامة بطريركهم. وقد ازداد عدد اليهود أيضا، والذين كانوا موجودين من قبل في العاصمة البيزنطية”٦.

عودة النازحين إلى “كارثة” الفتح!

ويفسر المستشرق الألماني كارل بروكلمان هذه العودة بقوله: “عمل محمد على تنظيم أحوال اليونان (الروم) المغلوبين، للتو والساعة. والواقع أنه أبقى على استقلال البلغار الكنسي، فِعْل أسلافه من قبله، واعترف –وفقا للفكرة الإسلامية المعززة بالتقاليد الدينية- بجميع السلطات الدينية اليونانية. بل إنه زادها قوة إلى قوة بأن وكل إليها أمر القضاء المدني وتطبيق أحكامه على أتباعها… ولم يكد يُعَيِّن في البطريركية ممثلا حازما للكنيسة الوطنية حتى رجع إلى أرض الوطن، بناء على دعوته، عدد غفير من الروم الذين نزحوا عن ديارهم قبل الكارثة”٧. وهو يقصد بالكارثة: الفتح! ولكنه مستشرق يرى الكارثة ولو في التسامح العظيم الذي لم يوجد في تاريخهم مثله!!

اسطنبول: من عاصمة بيزنطية إلى جوهرة إسلامية

وما إن تم الفتح حتى بدأ محمد الفاتح في سياسته “الرامية إلى استعادة شأن اسطنبول، وقد أمر محمد الثاني بأعمال هامة: إصلاح الحصون وبناء قلعة الأبراج السبعة (يديقولي) وقصر في وسط المدينة، وفي عام ١٤٥٩ يتلقى كبار وجهاء الدولة الأمر بأن ينشئ كل منهم مجمعات علاجية وخيرية وتجارية حول المساجد الكبرى. وعندئذ تعاود الحياة الفكرية والاقتصادية الازدهار في المدينة”٨، حتى “بلغت العاصمة قمتها من المجد”٩ في عهد سليمان القانوني بشهادة برنارد لويس!

الهوامش

[١] ول ديورانت: قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران، دار الجيل، بيروت ٢٠/٢١.

[٢] نيقولو باربارو: الفتح الإسلامي للقسطنطينية، ترجمة ودراسة د. حاتم الطحاوي، عين للدراسات والبحوث، القاهرة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٢م. ص٣٥ (مقدمة المترجم، وهو ينقل عن:

Dukas: decline  decline and fall of byzantium, Trans. By, Harry J. Magoulias (Detroit, ١٩٧٥) p. ٢١٠.

[٣] فرناندو بروديل: تاريخ وقواعد الحضارات، ، ترجمة وتعليق سفير. د. حسين شريف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٩م. ص٢٥.

[٤] توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام، ترجمة حسن إبراهيم حسن وآخرون، مكتبة النهضة المصرية، ١٩٨٠م. ص١٧٠ وما بعدها.

[٥] نيقولا فاتان: صعود العثمانيين، ضمن “تاريخ الدولة العثمانية” بإشراف: روبير مانتران، ترجمة بشير السباعي، دار الفكر، القاهرة، الطبعة الأولى ١٩٩٣م. ١/١٢٤.

[٦] برنارد لويس: اسطنبول.. وحضارة الخلافة الإسلامية، ترجمة وتعليق: سيد رضوان علي، الدار السعودية، جدة، الطبعة الثانية، ١٤٠٢هـ = ١٩٨٢م. ص١٣٥.

[٧] كارل بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة: أمين نبيه فارس ومنير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة، ١٩٦٨م. ص٤٣١.

[٨] نيقولا فاتان: صعود العثمانيين ١/١٢٤.

[٩] برنارد لويس: اسطنبول.. وحضارة الخلافة الإسلامية ص١٣٦، ١٣٧.

المصدر

نشر في: تركيا بوست، محمد إلهامي.



الاثنين، 18 مايو 2026

العمق الاستراتيجي لمصر: من الاتساع إلى الانكماش

العمق الاستراتيجي لمصر: من الاتساع إلى 


الانكماش

م.محمد إلهامي

 هذا موضوعٌ من الموضوعات النادرة التي توقفتُ لا أدري كيف أبدأ فيها.. فخذها كما تيسر، والله المستعان.

مفهوم العمق الاستراتيجي: بين المصطلح والفكرة

ستسمع كثيراً في كتابات السياسيين وأهل العلاقات الدولية والجغرافيا السياسية مصطلح “العمق الاستراتيجي”. يبدو لأول وهلة مصطلحاً صعباً ونخبوياً، وكأن قائله يحب أن يتفلسف! ليس هذا هو المهم الآن، ربما تكون الترجمة من الإنجليزية هي السبب في سوء الفهم هذا.

الخلاصة أن معنى هذا المصطلح هو “المسافة الآمنة” أو “المساحة الآمنة”.

تبسيط المفهوم

بتبسيط شديد: مثلاً، الدولة التي تدخلها قوات الاحتلال، المسافة بين الحدود وبين العاصمة تسمى “العمق الاستراتيجي”.

إذا كانت هذه المسافة ضيقة، فهذه كارثة حقيقية، لأن الدولة يجب أن تكون في غاية الحذر، إذ إن دخول قوات احتلال إليها يعني أن الوقت قصير جداً للاستفاقة والانتباه وأخذ الحذر والقدرة على التصرف.

كلما كانت المسافة واسعة، كان العمق الاستراتيجي أكبر، لأن الزمن الذي ستقضيه قوات الاحتلال في الوصول إلى العاصمة والسيطرة على البلد سيكون أكبر، وهذا يُمنح الدولة فرصة للانتباه والحذر واليقظة والقدرة على التصرف.

أثر ضيق العمق واتساعه

الدولة التي تعاني أزمة في العمق الاستراتيجي تضطر إلى أن تبني نظامها السياسي والأمني والعسكري على الحذر والترقب والخوف، لأن الضربة الأولى قد تكون هي الضربة الأخيرة.

بينما الدولة التي عندها مساحات آمنة وواسعة تستطيع أن تكون أكثر راحة، وأن تكون أيضاً أكثر قوة، وأن تكون لديها مراحل وطبقات حماية متعددة، لأن الضربة الأولى لا يمكن أن تكون الضربة الأخيرة، فدائماً ما يكون عندها القدرة على امتصاص الصدمة الأولى.

مثالان متقابلان: إسرائيل وروسيا

إسرائيل: أزمة الضيق الدائم

إسرائيل دولة شديدة الحرج والأزمة، لأنها ضيقة الحدود، منكمشة ومتضائلة، عرضها وطولها لا يساوي شيئاً أمام اجتياح حقيقي. الضربة الأولى يمكنها فعلاً أن تكون الضربة الأخيرة. ولذلك لا يفارقها الرعب أبداً، وهي مضطرة دائماً أن تبني سياساتها على درجة شديدة من الاستعداد الأمني والعسكري، بل على أن تبدأ هي بالعدوان، وألا تسمح بأن تدور الحرب على أرضها، بل على أرض أعدائها في الخارج.

الخلاصة: إحدى أعقد أزمات إسرائيل هو ضعف عمقها الاستراتيجي، أي ضيق مساحاتها الآمنة بين الحدود والعاصمة.

روسيا: الامتصاص بالاتساع

في المقابل: روسيا، دولة هائلة تتمتع باتساع جغرافي فسيح يجعلها قادرة على امتصاص الضربة الأولى. هذا الاتساع الهائل هو الذي أسقط مجد القادة العسكريين العظام مثل نابليون وهتلر. لقد كان الروسي يملك أن ينسحب ويحرق القرى، فيضطر الجيش الغازي إلى أن يسير مسافات شاسعة لا يجد فيها ما يقتات عليه، وتنقطع فيها خطوط الإمدادات قبل أن يصل إلى مبتغاه.

الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا البشرية

بعض الدول تتمتع بمزية الجغرافيا الطبيعية وتفقد مزية الجغرافيا البشرية.

حالة تركيا: جغرافيا ممتازة وجيران معادون

تركيا – رغم وضعها الممتاز جغرافياً بما يحيطها من بحار، وما تسيطر عليه من مضايق – هي من الدول التي تعاني أزمة قوية في مسألة “العمق الاستراتيجي”، لأن كافة الجغرافيا البشرية على حدودها تعاديها:

  • منها ما كان يعاديها منذ زمن العثمانيين مثل بلغاريا واليونان وإيران.
  • ومنها ما يعاديها بسبب طبيعة تشكلها الحديث مثل أرمينية وجورجيا.
  • ومنها ما يعاديها بسبب الحقبة القومية مثل سوريا والعراق وإيران، وما فيهما من الملف الكردي.

ولهذا كله تقف الدولة دائماً وكأنها تكافح في جهات عدة في نفس الوقت، ويجب أن تكون دائماً على حذر.

حالة إيران: تشبه تركيا

وإيران تشبه تركيا في هذا: موقف ممتاز جغرافياً، لكن طبيعة قوميتها، ثم مذهبها الشيعي، ألهب الحدود المجاورة لها من سائر الجهات.

ومن ينظر في سياسة الدولتين يرى كيف أن السياسي التركي مهموم بمسألة العمق الاستراتيجي ويفكر ملياً في إحياء امتداداته الطبيعية ويبحث عن “صفر مشاكل” (قراءة كتاب داود أوغلو “العمق الاستراتيجي” مهم لفهم هذا). وكذلك ترى الثورة الإيرانية مهمومة جداً بنشر “دعوتها ومذهبها” الشيعي وتكوين دوائر وشبكات متقدمة خارج حدودها.

امتداد المفهوم: العمق خارج الحدود

بعض أهل هذا التخصص يجعلون للعمق الاستراتيجي امتداداً آخر، وهو ما يكون خارج الدولة.

بمعنى: بعضهم يقيس هذا الأمر على المسافة بين الحدود وبين المراكز المهمة: العاصمة ومراكز الثروة أو التصنيع أو الأماكن الحساسة. وبعضهم الآخر يقيسها بمسافة ما بعد الحدود.

ومعنى هذا أن من الدول من رُزقت بجغرافيا طبيعية أو جغرافيا بشرية يجعلها آمنة حتى وراء حدودها المباشرة.

الجغرافيا الطبيعية كحماية

الجغرافيا الطبيعية، بمعنى: بحار، محيطات، جبال، صحاري… إلخ. فكلما كانت الدولة محاطة بعوامل جغرافية صعبة، كان احتلالها أعسر، وكان أمانها أكبر.

أشهر مثال للدولة المحمية بالجغرافيا: أمريكا. محيطان هائلان يحميانها شرقاً وغرباً، يجعل احتلالها مستحيلاً إلا على قوة بحرية هائلة لم تظهر بعد في التاريخ.

الجغرافيا البشرية كحماية

الجغرافيا البشرية، بمعنى: شعوب ودول أخرى هي شعوب ودول حليفة أو ضعيفة أو تابعة أو لا ترى أنها في عداوة مع هذه الدولة. فهي امتدادات سكانية وشعبية، فكلما كانت الدولة محاطة بشعوب حليفة متآخية منسجة، كان احتلالها أعسر وكان أمانها أكبر، إذ ثمة طبقة واسعة من الحماية حتى خارج حدود الدولة.

مثال على الدولة المحمية بالجغرافيا البشرية: السعودية. إذ إن امتداد المسلمين حولها من كل الجهات، وكونها تحتضن الحرمين، يجعل لها – فوق مزية الجغرافيا (كونها شبه جزيرة، ثم مساحات من الصحاري) – مزية العمق الاستراتيجي الذي يحفظها من الاحتلال.

مصر: العمق الاستراتيجي العظيم عبر التاريخ

هذه المقدمة الطويلة، أريد أن أنتهي منها إلى الحالة في مصر الآن.

تعد مصر من الدول المتمتعة بعمق استراتيجي واسع وعظيم طوال تاريخها. وهو عمق بالجغرافيا الطبيعية والبشرية في نفس الوقت.

مقومات العمق المصري

في الجغرافيا الطبيعية: لدينا بحران كبيران في الشرق والشمال، ثم صحراوين واسعتين في الشرق والغرب. ومنذ قضى المماليك على مملكة النوبة لم يعد من تهديد في الجنوب (وهو عبر التاريخ كان تهديداً قليلاً).

في الجغرافيا البشرية: كون مصر كانت في قلب أمة المسلمين، فسائر من حولها شرقاً وغرباً وجنوباً – وكثيراً شمالاً – كانوا من المسلمين، وكانت مصر هي قلب الأمة، فكلها شعوب حليفة متآخية. وأما ما يجري بين الملوك أحياناً من التنافس السياسي على الحدود، فهو صراع سياسي محدود لا يمثل تهديداً دائماً.

الثغرتان المصرية

ثمة ثغرتان في ملف “العمق الاستراتيجي” المصري:

الأولى في ناحيتها الشمالية الشرقية، فمن هاهنا أتت كل الحملات العسكرية تقريباً.

الثانية في جنوبها، عند منابع النيل، حيث تعددت محاولات الحبشة تحويل مجرى النيل لتعطيش مصر، بل وإنهائها. فمصر بغير النيل تساوي مجرد صحراء، لن يكون فيها حياة إلا على سواحل البحرين.

إغلاق الثغرتين عبر التاريخ

الثغرة الأولى كانت مغلقة منذ الفتح الإسلامي لمصر، لأن مصر كانت جزءاً من دولة إسلامية عظمى حدودها تمتد شمالاً حتى الأناضول، ومن بعد العثمانيين كانت حدود الدولة العثمانية شمالاً حتى ما بعد البحر الأسود.

والثغرة الثانية المتعلقة بالنيل كانت تحتاج قدرات ضخمة لم تتوفر للحبشة ولا لحلفائهم في ذلك الزمن، فالنيل نهر عظيم وتحويل مجراه هو عمل فوق المتاح في ذلك الزمن.

العصور الذهبية للحماية

وأخطر اللحظات التي مرت بمصر في تاريخها الإسلامي هي فترات الحروب الصليبية، وقد أثبت الأيوبيون والمماليك والعثمانيون جدارتهم في حماية البلد، بل في الانطلاق منها لا لتحرير الشام فحسب بل لتحرير قبرص وكريت (حقبة المماليك). ثم بلغ الأمن منتهاه في زمن العثمانيين الذين مدوا خط الاحتكاك إلى وسط أوروبا وغربي البحر المتوسط.

كلمة الجبرتي المشهودة

ومن هنا ستفهم كلمة الجبرتي المذعورة والمصعوقة حين استطاع نابليون أن يحتل القاهرة، لأول مرة في تاريخ الإسلام، وهو يقول عن سنة الحملة الفرنسية: “اختلال الزمن وانعكاس المطبوع وانقلاب الموضوع” .

الانكسار: من محمد علي إلى مبارك

جاءتنا النكبات والمصائب مع محمد علي باشا، وعصر الاحتلال الإنجليزي، ثم عصر العسكر، والهيمنة الغربية. وكان أخطر ما وقع في ذلك كله: انفصال مصر عن الشام، وتراجع حدود مصر إلى ما دون الشام.

عصر العسكر والتخلي عن العمق

ثم جاءنا عصر العسكر، فتخلى نهائياً وتماماً عن عمق مصر في الشام، ورسَّخ للوطنية بمعناها الانسحابي الانعزالي والعنصري، والتي تجعل خطوط الحدود مع الشام (أو بالأحرى: مع إسرائيل، بعد إنشاء إسرائيل) خطوطاً مقدسة لا تمس، ولا يرى النظام في مصر أنه مكلف بحماية ما بعدها ولا باستعادة الوحدة معها كما كانت طول التاريخ.

عبد الناصر: نجاح إسرائيل في ابتلاع سيناء

مات عبد الناصر وقد نجحت إسرائيل في ابتلاع سيناء وهي ترابض عند القناة، وبينها وبين القاهرة ساعتان، في أخطر لحظة تهديد وجودي لمصر، وأشد لحظات انكماش حدودها.

السادات: العار الكبير

ومات السادات وقد ارتكب العار الكبير وأدخل إسرائيل إلى القاهرة، وسحب القوات المصرية عن خط الحدود، ثم مارس زيادة تفريعات القناة وسياسة إفراغ سيناء من السكان.

مبارك: حراسة إسرائيل

وجاء حسني مبارك ليتبع خطاه، حتى صارت سيناء مرتعاً حقيقياً للسياحة والنفوذ الإسرائيلي، وصارت السلطة المصرية حارساً أميناً للإسرائيليين.

كل هذا عارٌ كبير وقد تكلم فيه الكثيرون، ولا نطيل الكلام فيه الآن.

لكن هذا كله كان إضراراً بالعمق الاستراتيجي المصري في ثغرته الأولى: الشمالية الشرقية.

بينما بقيت الثغرة الثانية المتعلقة بالنيل آمنة محفوظة في سائر هذه العهود مهما كانت سوداء.

إنجاز واحد: الحفاظ على النيل

صحيحٌ أن مبارك جعل الجزيرتين (تيران وصنافير) محميات طبيعية ليتمم مهمته في حراسة إسرائيل وليطمئنها أن الجزيرتين لن يكونا ورقة بيده ولا تهديداً مستقبلياً لها. وصحيحٌ أيضاً أنه من شدة فساده تخلى عن حقول مصرية في غاز المتوسط. وصحيحٌ أيضاً أنه أضر بالأمن المصري حين سمح بانفصال جنوب السودان ودعم حركة جون جارانج نكاية في البشير والإسلاميين في السودان.

إن له في سجل العار صفحة ضخمة. ومع ذلك يُحسب له عدم التفريط في النيل، واحتفظ بنفوذ واسع في السودان وفي ليبيا وفي كل المشرق العربي.

الطامة الكبرى: عهد عبد الفتاح السيسي

أما عبد الفتاح السيسي – عدو الله – فقد صنع ما لم يصنعه أحدٌ من الأولين والآخرين.

كانت مصر في العهود السابقة آمنة في سائر حدودها، وذات نفوذ قوي في ليبيا وفي السودان، وفي سائر المنطقة العربية، ولا تتسامح في مسألة بناء السدود على نهر النيل، ومتمسكة بإصرار بسيادتها على جزيرتي تيران وصنافير.

أما هذا اللعين القبيح، السيسي عدو الله، فجاء بما لم تستطعه الأوائل.

خدمات غير مسبوقة لإسرائيل وتفريط شامل

  • بيع تيران وصنافير.
  • تفريط في غاز المتوسط.
  • ربط ملف الطاقة المصري بالقرار الإسرائيلي.
  • تفريط في مياه النيل والسماح بإنشاء السد عليه.
  • تعزيز الانقسام في ليبيا بدعم حفتر.
  • عدم التدخل الحاسم للقضاء على حميدتي في السودان.
  • انكشاف وانقشاع تام للنفوذ المصري في البلاد العربية، مشرقها ومغربها على السواء.

كارثة غير مسبوقة

والآن صارت البلد فريسة تُباع أراضيها وأصولها وبنوكها ومصانعها وشركاتها الرابحة، وتتنافس الأطراف على ما تشتريه منها، ثم الآن يتنافسون على شراء جنودها وأسلحتها كأنها جيش من المرتزقة.

هذه كارثة غير مسبوقة في تاريخ هذا البلد، وهو انكماش لا مثيل له في قدراتها ونفوذها وأمنها وصميم مصالحها الضيقة والمباشرة وقصيرة الأمد.

كل يوم يقضيه عدو الله هذا في الحكم يساوي خراباً يمتد لأجيال.

خاتمة: حقيقة يعرفها الجميع

هذا الكلام ليس سراً ولا هو توقع متشائم. هذه حقيقة يعرفها الجميع، ولكن لا ينطقون بها لشدة القهر والأذى الذي ينال من يتكلم.

وهنا لا يسألني أحد: ماذا نفعل؟

الإجابة معروفة، وكل إنسان أدرى بما يستطيع أن يفعله، وكل واحد سيسأله الله عن حقيقة قدرته وماذا كان يمكنه أن يفعل أمام هذا الإعصار الشامل لتدمير قلب أمة الإسلام والمسلمين.

المصدر

محمد إلهامي