«الملف الخفي» حين تتفق اللجنة على
الخطأ
وصل البريد الإلكتروني مذكراً بالموعد، واكتمل النصاب، ووزعت الملفات، وحضرت القهوة في موعدها أيضاً.
بدا أن كل شيء جاهز لاتخاذ قرار سليم، لكن الحقيقة دخلت الاجتماع موزعة على الأعضاء؛ كان كل واحد منهم يعرف جزءاً لا يعرفه الآخرون، ولو اجتمعت أجزاؤها لظهر القرار الأفضل بوضوح.
بدأ النقاش، وتكرر ما يعرفه الجميع، بينما بقيت التفاصيل الحاسمة مع أصحابها. انتهى الاجتماع باتفاق مريح وقرار أضعف؛ كان كل شيء مجتمعاً حول الطاولة، باستثناء الحقيقة.
قد يبدو هذا مشهداً من مؤسسة نعرفها، لكن الخلل الذي يقف خلفه ظهر بوضوح في تجربة نشرها الباحثان غارولد ستاسر وويليام تيتوس عام 1985 لدراسة طريقة اتخاذ المجموعات قراراتها.
صنع الباحثان ما يعرف بالملف الخفي:
كانت المعلومات المشتركة بين المشاركين تدفع نحو خيار معين، بينما كانت المعلومات الموزعة بينهم تكشف، إذا اجتمعت، أن خياراً آخر هو الأفضل. امتلكت المجموعة الحقيقة كاملة، لكن لم يمتلكها أي فرد بمفرده.
كان يفترض أن يؤدي الاجتماع وظيفته الطبيعية:
يضيف كل شخص ما يعرفه، فتكتمل الصورة. لكن المشاركين انشغلوا بالمعلومات المشتركة، ولم يمنحوا ما انفرد به بعضهم المساحة نفسها. لم يكن الصمت هو المشكلة؛ فقد دار النقاش، لكن كثرة الكلام لم تضمن أن يقال ما ينبغي قوله. كان الاجتماع ممتلئاً بالأصوات وفقيراً بالمعلومات. تكرر المعروف حتى بدا مهماً، وبقي المختلف وحيداً حتى بدا مشكوكاً فيه. وهكذا خرجوا بقرار جماعي وصورة ناقصة، وارتاح الجميع إلى أن الخطأ أصبح موزعاً بالتساوي.
ولا يحتاج ذلك إلى تعمد إخفاء المعلومات. فالمعلومة التي يعرفها جميع الحاضرين تملك فرصاً متعددة كي تذكر، أما التي يعرفها شخص واحد فتملك فرصة واحدة، وقد تضيع إذا تأخر في طرحها أو شعر بأن القرار اتخذ قبل أن يتكلم. وحين يكرر أحدهم ما يعرفه الآخرون، تهتز الرؤوس موافقة، وهي أحياناً أسرع أجزاء الاجتماع عملاً.
وتتكرر الصورة حين يدخل كل عضو ممثلاً لإدارته، حاملاً رقماً أو ملاحظة أو تحفظاً لا يملكه الآخرون. لكن كل جهة تعرض الجزء الذي يخصها، أو الجزء الذي لا يسبب لها حرجاً، وينتهي الاجتماع قبل أن تجتمع الأجزاء. حضرت الإدارات كلها، وغابت المؤسسة؛ فالاجتماع الذي أنشئ لجمع المعرفة تحول إلى مكان منظم لإعادة تدوير المعروف.
أما إذا لم يحل الاجتماع المشكلة، فالعلاج جاهز:
اجتماع آخر. وإذا تعثرت اللجنة، شكل فريق لمتابعتها، وربما أوصى الفريق بلجنة جديدة تدرس توصيات اللجنة الأولى. وهكذا تتحرك المواعيد والمحاضر والأسماء، بينما تظل المشكلة أكثر الحاضرين التزاماً بمكانها. فبعض الاجتماعات لا تنهي العمل، بل تمنح تأجيله صفة رسمية.
والأخطر أن بعض اللجان تتحول من وسيلة لجمع المعرفة إلى وسيلة لتوزيع المسؤولية. إذا نجح القرار تبناه الجميع، وإذا فشل ضاع الخطأ بينهم. وقد يتردد عضو في عرض معلومة تعطل الاتفاق أو تخالف رأي المسؤول، فيصبح الصمت أكثر أماناً من المعرفة، والموافقة أسرع من المناقشة.
ولا يعني ذلك أن كل معلومة منفردة صحيحة، أو أن الحل في إلغاء الاجتماعات؛ فالعمل المؤسسي يحتاج إليها. لكن الاجتماع الذي لا يملك سؤالاً محدداً، واللجنة التي لا تملك صلاحية القرار، والنقاش الذي يبدأ برأي صاحب السلطة، غالباً ما ينتج محضراً أطول من أثره. الأفضل أن يكتب كل عضو تقييمه قبل النقاش، وأن يبدأ الاجتماع بسؤال: ما الذي تعرفه ولا تتوقع أن يعرفه الآخرون؟ ثم تعرض المعلومات قبل المواقف، ويتحدث صاحب السلطة بعد بقية الأعضاء، ولا تعتمد توصية بلا مسؤول وموعد للتنفيذ.
لم يفشل الاجتماع لأن أعضاءه يجهلون الحقيقة، بل لأن الحقيقة كانت موزعة بينهم، ولم يمنحوا أجزاءها فرصة للاجتماع. فقد يحضر الجميع، ويوقع الأعضاء المحاضر، وتتبادل عبارات الشكر، بينما يظل «الملف الخفي» مغلقاً، وتبقى المشكلة العضو الوحيد الذي لا يتغيب عن أي اجتماع.











