‏إظهار الرسائل ذات التسميات حمد حسن التميمي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حمد حسن التميمي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 29 أكتوبر 2026

«الملف الخفي» حين تتفق اللجنة على الخطأ

«الملف الخفي» حين تتفق اللجنة على

 الخطأ

حمد حسن التميمي





وصل البريد الإلكتروني مذكراً بالموعد، واكتمل النصاب، ووزعت الملفات، وحضرت القهوة في موعدها أيضاً. 

بدا أن كل شيء جاهز لاتخاذ قرار سليم، لكن الحقيقة دخلت الاجتماع موزعة على الأعضاء؛ كان كل واحد منهم يعرف جزءاً لا يعرفه الآخرون، ولو اجتمعت أجزاؤها لظهر القرار الأفضل بوضوح. 

بدأ النقاش، وتكرر ما يعرفه الجميع، بينما بقيت التفاصيل الحاسمة مع أصحابها. انتهى الاجتماع باتفاق مريح وقرار أضعف؛ كان كل شيء مجتمعاً حول الطاولة، باستثناء الحقيقة.

قد يبدو هذا مشهداً من مؤسسة نعرفها، لكن الخلل الذي يقف خلفه ظهر بوضوح في تجربة نشرها الباحثان غارولد ستاسر وويليام تيتوس عام 1985 لدراسة طريقة اتخاذ المجموعات قراراتها. 

صنع الباحثان ما يعرف بالملف الخفي:

كانت المعلومات المشتركة بين المشاركين تدفع نحو خيار معين، بينما كانت المعلومات الموزعة بينهم تكشف، إذا اجتمعت، أن خياراً آخر هو الأفضل. امتلكت المجموعة الحقيقة كاملة، لكن لم يمتلكها أي فرد بمفرده.

كان يفترض أن يؤدي الاجتماع وظيفته الطبيعية: 

يضيف كل شخص ما يعرفه، فتكتمل الصورة. لكن المشاركين انشغلوا بالمعلومات المشتركة، ولم يمنحوا ما انفرد به بعضهم المساحة نفسها. لم يكن الصمت هو المشكلة؛ فقد دار النقاش، لكن كثرة الكلام لم تضمن أن يقال ما ينبغي قوله. كان الاجتماع ممتلئاً بالأصوات وفقيراً بالمعلومات. تكرر المعروف حتى بدا مهماً، وبقي المختلف وحيداً حتى بدا مشكوكاً فيه. وهكذا خرجوا بقرار جماعي وصورة ناقصة، وارتاح الجميع إلى أن الخطأ أصبح موزعاً بالتساوي.

ولا يحتاج ذلك إلى تعمد إخفاء المعلومات. فالمعلومة التي يعرفها جميع الحاضرين تملك فرصاً متعددة كي تذكر، أما التي يعرفها شخص واحد فتملك فرصة واحدة، وقد تضيع إذا تأخر في طرحها أو شعر بأن القرار اتخذ قبل أن يتكلم. وحين يكرر أحدهم ما يعرفه الآخرون، تهتز الرؤوس موافقة، وهي أحياناً أسرع أجزاء الاجتماع عملاً.

وتتكرر الصورة حين يدخل كل عضو ممثلاً لإدارته، حاملاً رقماً أو ملاحظة أو تحفظاً لا يملكه الآخرون. لكن كل جهة تعرض الجزء الذي يخصها، أو الجزء الذي لا يسبب لها حرجاً، وينتهي الاجتماع قبل أن تجتمع الأجزاء. حضرت الإدارات كلها، وغابت المؤسسة؛ فالاجتماع الذي أنشئ لجمع المعرفة تحول إلى مكان منظم لإعادة تدوير المعروف.

أما إذا لم يحل الاجتماع المشكلة، فالعلاج جاهز: 

اجتماع آخر. وإذا تعثرت اللجنة، شكل فريق لمتابعتها، وربما أوصى الفريق بلجنة جديدة تدرس توصيات اللجنة الأولى. وهكذا تتحرك المواعيد والمحاضر والأسماء، بينما تظل المشكلة أكثر الحاضرين التزاماً بمكانها. فبعض الاجتماعات لا تنهي العمل، بل تمنح تأجيله صفة رسمية.

والأخطر أن بعض اللجان تتحول من وسيلة لجمع المعرفة إلى وسيلة لتوزيع المسؤولية. إذا نجح القرار تبناه الجميع، وإذا فشل ضاع الخطأ بينهم. وقد يتردد عضو في عرض معلومة تعطل الاتفاق أو تخالف رأي المسؤول، فيصبح الصمت أكثر أماناً من المعرفة، والموافقة أسرع من المناقشة.

ولا يعني ذلك أن كل معلومة منفردة صحيحة، أو أن الحل في إلغاء الاجتماعات؛ فالعمل المؤسسي يحتاج إليها. لكن الاجتماع الذي لا يملك سؤالاً محدداً، واللجنة التي لا تملك صلاحية القرار، والنقاش الذي يبدأ برأي صاحب السلطة، غالباً ما ينتج محضراً أطول من أثره. الأفضل أن يكتب كل عضو تقييمه قبل النقاش، وأن يبدأ الاجتماع بسؤال: ما الذي تعرفه ولا تتوقع أن يعرفه الآخرون؟ ثم تعرض المعلومات قبل المواقف، ويتحدث صاحب السلطة بعد بقية الأعضاء، ولا تعتمد توصية بلا مسؤول وموعد للتنفيذ.

لم يفشل الاجتماع لأن أعضاءه يجهلون الحقيقة، بل لأن الحقيقة كانت موزعة بينهم، ولم يمنحوا أجزاءها فرصة للاجتماع. فقد يحضر الجميع، ويوقع الأعضاء المحاضر، وتتبادل عبارات الشكر، بينما يظل «الملف الخفي» مغلقاً، وتبقى المشكلة العضو الوحيد الذي لا يتغيب عن أي اجتماع.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

قطعة ليغو تربك حسابات الكبار

 قطعة ليغو تربك حسابات الكبار



يضيق البيت فنشتري خزانة، ويزدحم اليوم فنضيف تطبيقاً لتنظيم الوقت، ويتأخر إنجاز المعاملة فنجهز قاعة أوسع للانتظار. 

تبدو الحلول معقولة، وقد ينفع بعضها فعلاً، لكن شيئاً يجمعها: افترضنا أن ما ينقصنا شيء جديد. 

لم نسأل بعد عما يملأ الخزانة، وما يستنزف الوقت، وما يؤخر المعاملة. 

كأن الموجود بريء حتى تثبت إدانته، وكأن الإصلاح لا يبدأ إلا بوصول قطعة أخرى.

في تجربة تناولتها دراسة نشرتها مجلة «نيتشر» عام 2021، وُضع المشاركون أمام بناء صغير من قطع «الليغو»، وطُلب منهم تحسين استقراره. 

كان بإمكانهم إزالة قطعة واحدة، لكن 59 في المائة منهم اختاروا شراء قطع إضافية وتركيبها، مع أن الإزالة كانت مجانية. 

اعتدنا أن نضع ألعاب البناء أمام الأطفال لاختبار مهاراتهم، فإذا بقطعة منها تختبر طريقة تفكيرنا نحن. كان الحل أمام المشاركين، لكن كثيرين بحثوا عما يحتاج البناء إلى اكتسابه، وغاب عنهم ما يحتاج إلى فقدانه. 

فهل نحسن الأشياء فعلاً، أم نجيد فقط زيادة ما فيها؟

الدراسة التي أجرتها غابرييل آدامز وزملاؤها، ومنهم باحثون في جامعة فرجينيا، تناولت هذا الميل عبر ثماني تجارب. وأظهرت أن الناس قد يغفلون حلولاً مفيدة تقوم على الحذف، ويزداد هذا الإغفال تحت العبء الذهني أو حين لا يُلفت انتباههم إلى إمكان الإزالة. والفرق مهم بين أن ترفض حلاً، وألا يخطر لك أصلاً. 

قد تقارن بين خمسة أجهزة، وتقرأ مواصفاتها وتحسب أسعارها، ثم تختار بعناية، بينما تغفل أنك لا تحتاج إلى جهاز. 

كثرة الخيارات لا تضمن اتساع التفكير؛ فقد تكون جميعها نسخاً من الإجابة نفسها: اشتر المزيد. 

وحتى انشغالنا قد يدفعنا إلى إضافة وسيلة لمتابعة التزاماتنا، ثم نحتاج إلى وقت لمتابعة الوسيلة نفسها. تصبح حياتنا أكثر تنظيماً، دون أن تصبح أقل ازدحاماً.

وتفتح التجربة سؤالاً يتجاوز حدودها: هل ننجذب إلى الإضافة لأنها تنفع، أم لأنها تجعل نفعنا مرئياً؟ الإضافة سهلة العرض، ولها ما يشهد عليها: برنامج جديد، جهاز جديد، موعد جديد. تستطيع أن تشير إليها وتقول: هذا ما فعلته. أما الإزالة فتترك وراءها مساحة خالية، وقد تحتاج إلى الدفاع عنها. 

تخيل شخصاً اختصر إجراءً مرهقاً، فخفض انتظار الناس من ساعتين إلى عشر دقائق. أعاد إليهم وقتهم، لكن إنجازه لا يأخذ شكل مبنى يمكن تصويره. وفي المقابل، يسهل تصوير قاعة انتظار جديدة والاحتفاء بها، حتى لو ظل الناس ينتظرون فيها ساعتين. 

وقد تحظى القاعة بالانتباه أكثر مما يحظى به اختصار الانتظار نفسه. 

نحن نرى ما أُضيف، أما العبء الذي اختفى فلا صورة تذكارية له.

وما نضيفه اليوم قد يصبح غداً أمراً لا نفكر في مراجعته. كان لهذا الموعد سبب، ولهذا الاشتراك غرض، ولهذا الشرط في العلاقة حادثة استدعته. تزول الأسباب أحياناً، وتبقى الترتيبات، حتى يصبح بقاؤها حجة مستقلة عن فائدتها. 

نسأل عما ستقدمه الإضافة الجديدة، لكننا نادراً ما نوجه السؤال نفسه إلى القديم. لقد حصل على حق الإقامة لمجرد أنه وصل قبل غيره. وقد نحتفظ بما يضيق علينا لأننا دفعنا ثمنه، ثم ندفع مجدداً لمعالجة آثار بقائه؛ نشتري خزانة أخرى، كي نحفظ أشياء لا نستخدمها.

هنا يصبح السؤال أكثر إزعاجاً: ماذا لو كانت القطعة الزائدة من صنع أيدينا؟ يسهل أن نطالب بإزالة ما وضعه الآخرون، لكن الأمر يختلف حين نراجع شيئاً اقترحناه ودافعنا عنه. قد نشعر أن التراجع ينتقص من حكمتنا، فنحاول تحسينه بإضافات تمنحه عمراً أطول، وتجعل الاعتراف بعدم جدواه أصعب. فهل نحافظ عليه لأنه ينفعنا، أم لأن إزالته ستجبرنا على تغيير رأينا في قرار اتخذناه؟

ولا يعني ذلك أن الحذف فضيلة بذاته. ثمة ما يبدو عبئاً وهو ضرورة، وما تبدو إزالته توفيراً ثم ندفع ثمن غيابه. ولم تقل الدراسة إن الحل الأقل قطعاً هو الأفضل دائماً؛ إنما كشفت أننا قد لا نبحث عنه أصلاً. المطلوب أن يخضع الموجود للسؤال مثلما يخضع له الجديد، وأن نميز بين ما يحتاج إلى تطوير وما انتهت الحاجة إليه. فالإنجاز قد يكون خدمة أُضيفت، وقد يكون مشقة أُزيلت.

نعود إلى البناء الصغير. من أضاف القطع يستطيع أن يشير إلى عمله قطعة قطعة، ومن أزال القطعة الزائدة يستطيع أن يشير إلى بناء استقر. النتيجة أمام الاثنين، لكن أحدهما يملك إضافات يعرضها، والآخر يملك سبباً لغيابها. وربما كان هذا ما أربك الكبار: 

تعودنا أن نسأل عما ينقص البناء، حتى نسينا أن بعض ما يثقله وضعناه نحن. وقد تكون القطعة الأصعب إزالة هي التي تحمل بصماتنا.

الاثنين، 12 أكتوبر 2026

كيف فتحت جامعة كولومبيا نعش الأخلاق؟

 كيف فتحت جامعة كولومبيا نعش الأخلاق؟




حمد حسن التميمي


يقول رجل في السبعين إن الناس لم يعودوا كما كانوا. ويكرر رجل في الأربعين الشكوى نفسها، بينما يكتب شاب على هاتفه أن الصدق اختفى، وأن العلاقات فقدت معناها، وأن العالم أصبح أكثر قسوة. ثلاثة أعمار مختلفة، وشهادة وفاة واحدة للأخلاق.

لكن أحداً لا يطرح السؤال الأكثر إزعاجاً: 

إذا كانت الأخلاق تموت مع كل جيل، فمن أين جاءت الفضائل التي يحن إليها الجيل السابق؟ 

ومن الذي عاش أصلاً في ذلك الزمن الذي لم يكن الناس فيه يشتكون من فساد الناس؟

بدلاً من تكرار الشكوى، قرر الباحث آدم ماستروياني من جامعة كولومبيا أن يختبرها. وبمشاركة عالم النفس دانيال غيلبرت من جامعة هارفارد، عاد الباحثان إلى عقود من الاستطلاعات، وأضافا إليها دراسات جديدة، حتى شملت البيانات التي فحصاها نحو اثني عشر مليوناً ونصف المليون شخص. 

وفي عام 2023، نشرت مجلة نيتشر دراستهما تحت عنوان: 

وهم التدهور الأخلاقي. كان السؤال بسيطاً، لكن الاتهام الذي يحمله ليس كذلك: 

هل أصبح البشر أقل صدقاً ورحمة وأمانة، أم أننا نحاكم الحاضر بذاكرة لا تنصفه؟

وأظهرت النتائج أن الاعتقاد بتدهور الأخلاق ظهر في ستين دولةً على الأقل، بينما بيّنت الاستطلاعات الأميركية أنه ظل يتكرر طوال سبعين عاماً. 

الأجيال التي نصفها اليوم بأنها عاشت الزمن الجميل كانت تشكو بدورها من ضياع الأخلاق، والأجيال التي سبقتها فعلت الشيء نفسه، أما حين فحص الباحثان تقييمات الناس لأخلاق معاصريهم عبر الزمن، فلم يجدا تراجعاً مستمراً يوازي تلك الشكاوى المتوارثة، كان الإيمان بانحدار الأخلاق أكثر ثباتاً من الأدلة التي يُفترض أنها تثبته.

وبهذا الحساب، تكون الأخلاق قد ماتت عشرات المرات، لكنها تعود دائماً كي يمنح كل جيل نفسه شرف حضور جنازتها.

والأغرب أن الاعتقاد بالتدهور ضعف عندما سُئل المشاركون عن أخلاق أناس عاشوا قبل ولادتهم.

 وكأن الأخلاق لا تبدأ رحلتها نحو الهاوية إلا بعد أن يصل كل واحد منا إلى العالم، ثم تزداد سوءاً كلما تقدم هو في العمر! 

فكيف تخدعنا ذاكرتنا إلى هذه الدرجة، ونحن نظن أننا نصف واقعاً عشناه بأنفسنا؟

اقترح الباحثان تفسيراً يقوم على انحيازين نفسيين. الأول أننا نتلقى عن الغرباء والمجتمع أخباراً سيئة أكثر مما نسمعه عن أعمال الخير اليومية؛ فالخيانة تصبح خبراً، أما الأمانة فتمر غالباً من دون إعلان. والثاني أن قسوة بعض الذكريات السلبية تخف مع الزمن أسرع من أثر الذكريات الإيجابية. وهكذا نقارن حاضراً نرى عيوبه كل يوم، بماض خففت الذاكرة كثيراً من قسوته.

ولنتأمل عبارة تتردد في مجالسنا الخليجية: 

«أول الناس غير». 

يقولها كبير السن وهو يستعيد الجيرة القديمة، ويقولها الأب عندما يتحدث عن احترام الأبناء، ثم يرددها الشاب نفسه وهو يقارن طفولته بحياة الأطفال اليوم. قد يكون الماضي قد حمل قيماً تستحق الاعتزاز، لكن هل كان الناس أفضل حقاً، أم أن الذكريات أصبحت أجمل بعدما ابتعد أصحابها عن زمنها؟

المشكلة تبدأ عندما نحول تجربة فردية إلى حكم على جيل كامل. يكفي أن ينتشر مقطع لشاب يسيء إلى رجل مسن، حتى تنهال التعليقات معلنة انهيار التربية ونهاية الأخلاق، بينما يساعد آلاف الشباب آباءهم وأمهاتهم وجيرانهم من دون أن تصورهم كاميرا. 

لا يبرر الخير المنتشر إساءة واحدة، لكن الإساءة الواحدة لا تمنحنا حق إصدار شهادة وفاة بحق جيل كامل.

وقد يظن بعضنا أن هذه الشكوى وُلدت مع الهواتف والمنصات، لكنها أقدم من ذلك بكثير. قبل أكثر من ألفي عام، كان المؤرخ الروماني تيتوس ليفيوس يشكو انهيار الأخلاق في عصره. 

تخيلوا: شكوى نكررها اليوم كانت حاضرة في زمن الإمبراطورية الرومانية. 

فهل تنحدر البشرية أخلاقياً منذ ألفي عام، ومع ذلك يصر كل جيل على أنه آخر من شهد الفضيلة؟

لا تثبت الدراسة أن الأخلاق لا تتراجع أبداً، ولا أن جميع المجتمعات تسير نحو الأفضل. 

الحروب والفقر والتحولات الاجتماعية قد تغير سلوك الناس فعلاً. 

كما أن تقييمات المشاركين ليست جهازاً يقيس الأخلاق بدقة مطلقة. 

لكن الدراسة تضع أمامنا فارقاً لا يجوز تجاهله بين رصد مشكلةٍ حقيقية بأدلتها، وبين اتهام الإنسان نفسه بأنه يزداد فساداً مع مرور الزمن، لمجرد أن حاضرنا مكشوف أمامنا، بينما يقف الماضي بعيداً تحت إضاءة الحنين.

وحين نقتنع بأن الأمانة اختفت، تصبح الأمانة استثناء يثير دهشتنا، وحين نعلن أن الرحمة ماتت، نتعامل مع كل رحمة نراها كأنها حادثة نادرة. 

نحن لا نصف المجتمع فقط، بل نحدد مسبقاً ما نتوقعه منه، وقد نظلم جيلاً كاملاً قبل أن نمنحه فرصة لإثبات العكس.

فتحت الدراسة ملفاً عمره قرون، ووجدت أن إعلان وفاة الأخلاق يتكرر، بينما يواصل البشر حياتهم بمزيجهم القديم من الخير والشر. 

وربما حان الوقت لأن نتوقف عن سؤال: أين ذهبت أخلاق الناس؟ ونسأل بدلاً منه: لماذا يعتقد كل جيل أنه آخر من عرفها؟

فقد لا تكون الأخلاق هي التي تموت مع كل جيل، بل ثقتنا بأن الجيل الذي يأتي بعدنا قادر على حملها، أما النعش الذي نسير خلفه منذ زمن طويل، فربما لم نتأكد يوماً من وجود جثمان داخله.

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

حيــــــــن شــــــــــارك حجر النرد في الحكم

حيــــــــن شــــــــــارك حجر النرد في الحكم

حمد حسن التميمي


أمام مجموعة من القانونيين وُضع ملف افتراضي لامرأة متهمة بسرقة متجر، ثم دخل إلى القضية عنصر لا علاقة له بالجريمة: حجرا نرد. 
لم يحددا ذنب المتهمة ولا براءتها، بل حددا رقماً قيل للمشاركين إنه يمثل مدة العقوبة التي يطلبها الادعاء. ظهر لبعضهم الرقم 3، ولآخرين الرقم 9، ثم طُلب من الجميع أن يقترحوا العقوبة المناسبة. 
كان الرقم عشوائياً، والمشاركون يعرفون أنه عشوائي، ومع ذلك لم يخرج من الغرفة من دون أثر.

كانت هذه واحدة من أربع دراسات نشرها عام 2006 الباحثون بيرته إنغليش وتوماس موسفايلر وفريتس شتراك في مجلة «Personality and Social Psychology Bulletin» وفي تجربة النرد تحديداً، شارك 52 قانونياً كانوا في بدايات عملهم القضائي. 
كان حجرا النرد محملين ليظهرا إما 3 وإما 9، ثم يُسجل المجموع بوصفه طلب الادعاء. الذين واجهوا الرقم 9 اقترحوا في المتوسط عقوبة تقارب ثمانية أشهر، بينما اقترح مَن واجهوا الرقم 3 نحو خمسة أشهر.

لم يصبح الرقم دليلاً، لكنه أصبح نقطة البداية. 
وهذا ما يُعرف في علم النفس بتأثير الارتساء: 
أن يسمع الإنسان رقماً أولاً، فيظل تقديره قريباً منه حتى وهو يعرف أن الرقم لا يستحق هذه المكانة. قد يرفضه، وقد يبتعد عنه، لكنه يظل يقيس انطلاقاً منه.

والأخطر أن العقل لا يشعر دائماً بأنه خضع للرقم. فقد أظهرت الدراسة أن الذين ظهر لهم الرقم الأعلى استحضروا حججاً أكثر تشدداً في العقوبة. 
فالإنسان لا يقول لنفسه: سأطيع الرقم؛ بل ينتقي من التفاصيل ما يجعل الاقتراب منه يبدو منطقياً. يصل الحكم أولاً، ثم تأتي المرافعة الداخلية لتمنحه أسباباً محترمة.

وهذا لا يحدث في القضايا وحدها. 
البائع الذي يضع سعراً مرتفعاً لا ينتظر دائماً أن تقبله؛ يكفيه أن يجعل هذا السعر بداية التفاوض. والموظف الذي يُسأل عن راتبه السابق قبل عرض الوظيفة قد يجد مستقبله محكوماً برقم من ماضيه. وحتى الميزانية المبالغ فيها قد تنجح بعد خفضها، لأن النقاش انشغل بمقدار ما حُذف منها، لا بما تستحقه أصلاً.

لهذا لا تأتي قوة الرقم الأول من صحته، بل من وصوله قبل غيره. نسمعه قبل أن نحدد معاييرنا، ثم نبحث بعد ذلك عما يبرره. وقد نظن أننا رفضناه، بينما نكون قد فاوضنا داخل الحدود التي رسمها لنا.

وهذه تجربة افتراضية محدودة، وليست دليلاً على أن المحاكم تصدر أحكامها بالحظ. 
لكن فائدتها العملية واضحة: حدد معيارك قبل أن تسمع الرقم. قبل أن تفاوض على راتب، أو تشتري عقاراً، أو تناقش ميزانية، كون تقديرك وأسبابه قبل أن تسمع رقم الطرف الآخر. 
وإذا سبقك الرقم، فاسأل نفسك: لو لم أسمعه، إلى أي تقدير كنت سأصل؟ وفي القرارات الجماعية، من الأفضل أن يكتب كل شخص تقديره قبل أن يتحدث أول شخص؛ لأن رقماً واحداً قد يوجه النقاش كله من دون أن ينتبه أحد.

في قاعة التجربة، انتهى رمي النرد سريعاً، لكن الرقم بقي يعمل بعد توقفه. 
وهذه هي الحيلة: الرقم الأول لا يأمرك بشيء، بل يختار لك نقطة البداية، ثم يتركك تظن أن ما بعدها كان قرارك وحدك. 
فالمشكلة ليست أن حجر النرد شارك في الحكم؛ المشكلة أن نتركه يحدد بدايته، ثم نسمي ما بعدها قرارنا.

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

ماذا فعل «أينشتيلونغ» بخبراء الشطرنج؟

 ماذا فعل «أينشتيلونغ» بخبراء الشطرنج؟



حمد حسن التميمي

قد يقول خبير الشطرنج «كش ملك»، ويكون مع ذلك قد خسر شيئاً لا يظهر في النتيجة: الحل الأفضل. لم يهزمه خصمه، ولم تنقصه المعرفة؛ هزمته إجابة صحيحة وصلت أولاً، فأقنعته بأن البحث انتهى. وربما يكون الشخص الأقل خبرة أقرب إلى الحل، لا لأنه يعرف أكثر، بل لأنه لم يتعلم بعد أين يجب أن ينظر.

في عام 2008، نشر الباحثون ميريم بيلاليتش وبيتر ماكلاود وفرناند غوبيه دراسة في مجلة «Cognition»، عرضوا فيها مسائل على لاعبي شطرنج خبراء. كان أمام اللاعبين حل مألوف ينتهي بكش ملك في خمس نقلات، وحل آخر أقل ألفة ينهي المسألة في ثلاث. طُلب منهم العثور على أقصر طريق، لكن عدداً منهم أمسك بالحل المألوف وفاته الحل الأقصر. وعندما عُدل الوضع بحيث أصبح الحل المألوف غير ممكن، عثروا على حل النقلات الثلاث الذي لم يروه من قبل.

لم تكن القدرة تنقصهم؛ الذي حجب الحل عنهم كان حلاً آخر يعرفونه جيداً. وهذا ما يُسمى بتأثير التهيؤ الذهني أو Einstellung Effect حين تستدعي ملامح المشكلة جواباً مألوفاً، فيستولي على انتباهك ويضيق مساحة البدائل. وكلما ازدادت خبرتك في هذا الجواب، بدا لك أكثر بداهة، حتى يصبح ما تعرفه حاجزاً بينك وبين ما تستطيع معرفته.

لكن التفصيلة الأشد إزعاجاً ظهرت في حركة العيون. فاللاعبون قالوا إنهم واصلوا البحث عن حل أفضل، بينما أظهرت أجهزة التتبع أن أنظارهم ظلت تعود إلى المربعات المرتبطة بالحل الأول. كانوا صادقين حين قالوا إنهم يبحثون، لكنهم كانوا يبحثون داخل حدود الإجابة التي سبقتهم. تحركت عيونهم، ولم تتحرك فكرتهم.

وهذا لا يحدث على رقعة الشطرنج وحدها. يحدث مثلاً حين يقول مسؤول: جربنا هذه الفكرة من قبل، من دون أن يسأل ما الذي تغير منذ المحاولة الأولى. ويحدث حين يرسم أب لابنه الطريق الذي نجح معه، ثم يظن أن اختلاف الابن عنه نوع من العناد. ويحدث حين نُسأل عن رأي فنستدعي موقفاً قديماً، لا لأن الواقع ما زال يؤيده، بل لأننا اعتدنا أن نرى أنفسنا من خلاله.

الخبرة هنا لا تكذب علينا، بل تعطينا حقيقة ناقصة بثقة كاملة. تقول لنا إن هذا الحل نجح سابقاً، ثم تتركنا نستنتج أنه الأفضل الآن. ومن الصعب اكتشاف هذا الفخ؛ لأن صاحبه لا يشعر بأنه يرفض البدائل، بل يعتقد أنه فحصها. وقد يكون اعتراضه عليها مجرد دوران طويل حول الفكرة الأولى.

ولا تعني الدراسة أن الجهل أكثر حكمة، أو أن الخبرة عبء يجب التخلص منه؛ فالخبير يرى أنماطاً لا يراها المبتدئ، ويختصر سنوات من المحاولة. لكن قيمة الخبرة لا تظهر في سرعة استدعاء الجواب فقط، بل في القدرة على تعطيله مؤقتاً عندما يتغير السؤال. فالخبير الحقيقي لا يكتفي بأن يسأل: ما الحل الذي أعرفه؟ بل يسأل أيضاً: ما الذي يمنعني هذا الحل من رؤيته؟

في تجربة الشطرنج، لم يمنع «أينشتيلونغ» الخبراء من الوصول إلى حل، بل فعل ما هو أخطر: أقنعهم بأن الحل الذي وصلوا إليه هو نهاية البحث. كانت ثلاث نقلات أمام أعينهم، لكن خمساً مألوفة حجبتها. وربما يفعل بنا الشيء نفسه كل يوم؛ لا يسلبنا الإجابة، بل يمنحنا إجابة مبكرة تكفي لإغلاق أعيننا عن الأفضل. فكم مرة قلنا «كش ملك»، بينما كانت خبرتنا هي التي حاصرتنا؟

الاثنين، 21 سبتمبر 2026

هل نقيس المنجز.. أم نربي الأفاعي؟

 هل نقيس المنجز.. أم نربي الأفاعي؟




حمد حسن التميمي


تُروى حكاية عن الإدارة البريطانية في الهند، تقول إنها خصصت مكافأة مقابل كل أفعى كوبرا مقتولة، أملاً في تقليل خطرها. لكن بعض الناس بحسب الحكاية، وجدوا في المكافأة سبباً لتربية الأفاعي؛ وحين أُلغيت المكافآت، أطلقوا ما لديهم منها، فازدادت المشكلة التي جاء القرار لحلها. 

هذه رواية شائعة في شرح «تأثير الكوبرا»، وتوثيقها التاريخي محل شك؛ أستحضرها هنا بوصفها مثلاً يوضح كيف قد تكافئ القرارات نقيض ما تريد تحقيقه.


تخيل التقرير الذي كان يمكن أن يُكتب في هذه الحكاية: 

أعداد الأفاعي المسلمة ترتفع، والمكافآت تُصرف، والمؤشر يتحسن. كل شيء يدعو إلى الاطمئنان، ما عدا الأفاعي التي تتكاثر خارج التقرير. فالعدد الذي عُد دليلاً على انحسار الخطر صار حافزاً لإنتاجه. ومن داخل المكتب قد يبدو البرنامج ناجحاً؛ لأن أحداً لم يسأل عن الفرق بين كثرة ما قُتل وقلة ما بقي.

وهذا يقربنا من قانون جودهارت، المنسوب إلى الاقتصادي البريطاني تشارلز جودهارت. 

ففي ورقة علمية عن تقييم الجامعات البريطانية، نشرتها عالمة الأنثروبولوجيا مارلين ستراثرن عام 1997 في مجلة «European Review»، وردت الصياغة الشهيرة للقانون، ومعناها: 

حين يصبح المقياس هدفاً، يتوقف عن كونه مقياساً جيداً. ذلك أن الناس قد يتعلمون تحسين النتيجة التي يُحاسبون عليها، من دون أن يتحسن بالقدر نفسه العمل الذي يُفترض أن تقيسه.

ولنقرب الفكرة من حياتنا. تخيل مؤسسة تكافئ موظفيها على عدد الشكاوى المغلقة، من دون أن تتحقق من حلها. عندها قد يصبح الرد على المراجع كافياً لإغلاق شكواه، حتى لو ظل واقفاً في المكان نفسه، بالمشكلة نفسها. وحين يعاود الشكوى، يُفتح له ملف جديد، ثم يُغلق فيضيف معاناته المتكررة إلى رصيد الإنجاز. يخرج من النظام مرتين، ولا يخرج من مشكلته مرة واحدة.

وقد يحدث الانحراف من دون تزوير رقم واحد. 

إذا كافأنا المعلم على درجات الاختبار وحدها، فقد ينصرف إلى تدريب الطلاب على الأسئلة المتوقعة، ويضيق الوقت الذي يمنحه لما لا يدخل الامتحان. 

وإذا قسنا التدريب بعدد الحاضرين، فقد ننشغل بملء القاعة ونؤجل السؤال عما تعلموه. الأعداد هنا صحيحة، لكن تفسيرها أوسع مما تحتمل؛ فالحضور يثبت أن شخصاً جلس على المقعد، ولا يثبت وحده أنه غادره بمعرفة جديدة.

لهذا لا يكفي أن نفتش عن الموظف الذي يتحايل على المقياس، علينا أيضاً أن نفحص ما يكافئه المقياس نفسه. فقد يقضي موظف ساعة في معالجة حالة معقدة، وينهي آخر عشر حالات سهلة، ثم يبدو الأول أقل إنتاجاً في الجدول. وإذا تكرر هذا التقييم، فقد نكون قد علمنا الموظفين تجنب الحالات التي تحتاج إليهم أكثر. تصميم المكافأة يرسل رسالة عملية، حتى لو قالت خطابات المؤسسة شيئاً آخر.

ولا يعني ذلك أن نستبدل الأرقام بالانطباعات؛ فالقياس يكشف التعثر، ويساعد على المقارنة، ويجعل المسؤولية أوضح. 

لكن المؤشر يحتاج إلى سؤال يحرس معناه: ماذا تغير في الواقع؟ مع سرعة إغلاق الشكاوى، نراجع أسباب تكرارها، ونسأل أصحابها إن كانت المشكلة قد حُلت. ومع أعداد المتدربين، نفحص ما يستطيعون تطبيقه بعد التدريب. وندرس صعوبة الحالات قبل مقارنة العاملين عليها، حتى لا تتحول العدالة الحسابية إلى ظلم عملي.

والإدارة التي تريد أن تتعلم تحتاج إلى أن تسمح للنتيجة غير المريحة بالظهور. 

فإذا كان الموظف يعرف أن اللون الأحمر في التقرير سيُعامل دائماً بوصفه إدانة، فقد ينشغل بتغيير اللون قبل معالجة سببه. أما حين يصبح كشف التعثر مدخلاً للفهم والتحسين، فيستعيد التقرير فائدته. 

فليس المطلوب أن تطمئن الإدارة إلى كل صفحة تقرؤها، وإنما أن تعرف أين ينبغي لها أن تقلق، ولماذا.

قبل أن نصفق للمؤشر الصاعد، يستحق الأمر أن ننظر خارج الجدول: 

هل قلت المشكلة التي أنشأنا البرنامج من أجلها؟ 

وهل سيبقى هذا العمل مفيداً لو توقفنا عن احتساب نقاطه؟ 

ففي حكاية الكوبرا، كان بالإمكان جمع الأفاعي وعدها وصرف المكافآت عليها، مع استمرار الخطر. وما أخشاه في الإدارة أن نتقن عد ما أنجزناه، ثم ننسى أن نسأل عما أصلحناه.

الاثنين، 14 سبتمبر 2026

الشبو.. لماذا يعودون؟

الشبو.. لماذا يعودون؟


حمد حسن التميمي

يعود إلى بيته بعد العلاج، فتتنفس أسرته الصعداء. غرفته كما تركها، وهاتفه ينتظره، وربما ما زالت فيه أرقام الأشخاص الذين تعاطى معهم أول مرة. 

حاول خلال العلاج أن يتغير، لكن الحياة التي يعود إليها قد تكون بقيت على حالها. 

نفرح بعودته، ونوشك أن نحسب الحكاية انتهت، كأن الإدمان وقع له تعهداً بعدم الرجوع. 

ثم تخف الزيارات والتهاني، ويجد نفسه أمام تفاصيل حياته القديمة، يحاول ألا يعود إلى ما خرج منه. 

كيف تستمر مساعدته حينها؟

هذا ما يشغلني في الحديث عن الشبو: لماذا يعود بعض الشباب إلى التعاطي رغم وجود العلاج والمتابعة؟ 

هناك رعاية لاحقة وتأهيل، والسؤال عن أثرهما في حياة المتعافي يستحق إجابة واضحة. 

فالحديث عن البرامج يوضح ما نقدمه، والحديث عن النتائج يوضح ما تحقق للإنسان. والأسرة التي تخشى أن تفقد ابنها مرة أخرى تريد أن تعرف ما الذي يساعده على الاستمرار. لن يخف خوفها بمجرد تعداد الخدمات المتاحة.

ولكي نفهم العودة، علينا أن نتحدث بصراحة عن البداية. قد يبدأ التعاطي بحثاً عن المتعة، أو هرباً من ضيق، أو فضولاً ومجاراة للرفاق. نعم، المتعة من الأسباب، وتجاهلها لا يجعل خطابنا أكثر إقناعاً. 

لكن ما يبدأ طلباً للنشوة قد يتحول مع استمرار التعاطي إلى حاجة ملحة يصعب التحكم فيها؛ لذلك لا يصح تفسير كل عودة بالرغبة في الاستمتاع. 

ولمن يظن أنه سيجرب ثم يتوقف متى شاء: قدرتك على اتخاذ الخطوة الأولى لا تضمن قدرتك على التراجع عنها. قد تبحث عن شعور يخصك، ثم تترك تبعاته في بيت كامل؛ أم تخاف، وأب يترقب، وثقة تحتاج إلى وقت طويل لتعود.

وهذا ما يجعل قياس التعافي بعد الخروج ضرورياً. ففي دراسة منشورة عام 2014 في مجلة «Drug and Alcohol Dependence»، 

حللت الباحثتان ماري لين بريخت وديان هيربيك، من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، بيانات 350 شخصاً تلقوا العلاج من تعاطي الميثامفيتامين، المعروف بالشبو. 

وأظهرت إفادات المشاركين أن 61 % منهم عادوا إلى التعاطي خلال السنة الأولى بعد الخروج. كما ارتبطت المشاركة في مجموعات المساعدة الذاتية أو علاج إضافي بفترة أطول من الامتناع. هذه النتائج تخص عينة الدراسة، ولا يصح تعميمها على جميع المتعافين. كما أنها لا تثبت أن المشاركة وحدها كانت سبب استمرار الامتناع. 

ومع ذلك، تضع أمامنا سؤالاً عملياً: 

ما الذي يميز تجارب مَن استمروا في التعافي، وكيف نستفيد منه لمساعدة مَن تعثروا؟

ولهذا أرى أن الحزم في المتابعة ينبغي أن يظهر في التزامات واضحة، وتدخل سريع عند الانقطاع، ومراجعة للحالات التي تتكرر فيها العودة. 

ويشمل ذلك تحديد الحالات التي تستدعي إلزاماً بالمتابعة وفق تقييم طبي وضوابط قانونية، مع معالجة العوائق التي تمنع الالتزام. 

فالإلزام بالمتابعة يختلف عن إلزام الشخص بالإقامة داخل مركز للعلاج، ولكل شروطه. ويكون ذلك بإجراء مناسب في وقته، يعرف المتعافي ما يتطلبه منه، وتُراجع نتائجه. 

أما أن نرفع صوتنا بكلمة «نجبره»، فلا يشرح كيف سنساعده؛ كما أن الاكتفاء بعبارة «هذا اختياره» لا يجيب أسرة ترى ابنها يتعثر أمامها.

والعودة إلى التعاطي لا تثبت وحدها فشل العلاج، لكنها تستدعي فهماً لما حدث واستجابة تناسبه. 

من تعثر رغم التزامه يختلف عمن انقطع، ومن احتاج إلى تعديل علاجه يختلف عمن واجه عائقاً في الوصول إليه. هنا نحتاج إلى مؤشرات عامة تحفظ خصوصية المرضى، وتوضح النتائج وما أُجري بناء عليها من تحسينات. 

فالعدد الذي يهمنا يتجاوز من حضروا المواعيد إلى من استفادوا منها واستمروا في تعافيهم. ومن المشروع أن نسأل عن ذلك؛ فنشر النتائج الجيدة يعزز الثقة، والنتائج التي تحتاج إلى تحسين لا تتحسن بمجرد وصف الجهد المبذول.

وللأسرة والمحيط الاجتماعي دور لا تنوب عنه المواعيد العلاجية. الأسرة تحتاج إلى إرشاد يوضح كيف تسانده، ومتى تتواصل مع المختص، وكيف تحمي أفرادها إذا ترتب على سلوكه أذى. محبتها له لا تعني أن تتحمل كل شيء بصمت، وخوفها عليه لا يبرر إذلاله. وقد نطالبه بأن ينسى حياته السابقة، ثم نحتفظ نحن بنسخة منها لاستخدامها عند أول خلاف. نريد منه أن يتغير، فهل نسمح له بأن نراه متغيراً؟ ومساعدته على العودة إلى الدراسة والعمل والصحبة التي تعينه تجعل البداية الجديدة شيئاً يعيشه، لا نصيحة نلقيها ثم نمضي.

من لديه ابن أو صديق يتعاطى يريد أن يعرف ماذا يفعل اليوم، وإلى من يلجأ، وما الإجراء إذا تكررت المشكلة. والمتعافي عليه مسؤولية في الالتزام والمصارحة وطلب المساعدة، وعلى من يساندونه أن يحولوا فهم حالته إلى خطوات قابلة للتنفيذ. 

هذا هو الحزم الذي أقصده: أن تقود المعرفة إلى قرار، وأن يظهر أثر القرار في حياة الإنسان. فمن السهل أن نسأل الشاب: 

لماذا عدت؟ 

ويبقى أن نسأل أنفسنا أيضاً: 

ماذا تعلمنا من عودته، وما الذي تغير بعدها؟.

الاثنين، 7 سبتمبر 2026

كيف صدقنا أم أربعة وأربعين من دون أن نعد؟

كيف صدقنا أم أربعة وأربعين من دون أن نعد؟

حمد حسن التميمي


تمرُّ أم أربعة وأربعين مسرعة قرب الجدار، فيبتعد الجميع، ولا يفكر أحد في عد أرجلها؛ فالاسم قام بالمهمة قبل أن تبدأ الملاحظة. 
لكن المفارقة أن العدد الذي تحمله الحشرة في اسمها غير ممكن تشريحياً، فعدد أزواج أرجل الحريش يكون فردياً، ولذلك يستحيل أن يبلغ مجموعها أربعاً وأربعين. ومع ذلك، عاش الاسم بيننا مطمئناً، لا لأن أحداً تحقق منه، بل لأن أحداً لم يجد سبباً ليسأل.


وقد يُقال إن الأمر مجرد تسمية شعبية، وهذا صحيح؛ فاللغة ليست كتاب أحياء، والأسماء لا تُطالب دائماً بتقديم شهاداتها العلمية. 
لكن أم أربعة وأربعين تكشف عادة بشرية تتجاوزها: 
نحن لا نفحص دائماً أصل ما نردده بثقة. يكفي أن يبدأ أحدهم جملته بعبارة «من المعروف أن...» حتى يصل الكلام محاطاً بهيبة الجماعة، وإذا سألت عن المصدر، بدا سؤالك اعتراضاً على أمر محسوم، لا بحثاً عن دليل.

في عام 1977، أجرى الباحثون لين هاشر وديفيد غولدشتاين وتوماس توبينو تجربة أصبحت أساساً لما عُرف لاحقاً بأثر الحقيقة الوهمية. 
عرضوا على المشاركين عبارات محتملة من مجالات مختلفة، وطلبوا منهم تقدير مدى صحتها في ثلاث جلساتٍ تفصل بينها أسابيع، مع تكرار بعض العبارات في كل جلسة. لم يقدم الباحثون دليلاً جديداً، لكن العبارات المكررة بدت للمشاركين أكثر صدقاً. 
لقد منحها التكرار ما لم يمنحها البرهان.

فالعبارة التي نسمعها مرة أخرى لا تدخل إلى العقل كغريبة؛ تجد لها أثراً سابقاً فتمر بسهولة، وقد نترجم هذه السهولة إلى شعور بالصحة. 
لا نقول: «سمعت هذه من قبل»، بل نقول: «أنا أعرفها». 
وهكذا تخطو المعلومة المسافة بين الألفة والحقيقة من دون أن يوقفها أحد، ثم نستميت أحياناً في الدفاع عنها، لا لأن دليلها قوي، بل لأن الاعتراف بخطئها يهز ثقتنا بذاكرتنا.

والأخطر
أن الأمر لا يقف عند أسماء الحشرات والمعلومات الطريفة. 
فقد نكرر وصفاً عن إنسان حتى يلتصق به، ونردد حكماً عن جيل أو أسرة أو مجتمع حتى يتحول إلى عدسة نراهم من خلالها. يبدأ الكلام انطباعاً عابراً، ثم يمنحه التكرار سلطة، حتى يجد الإنسان نفسه مطالباً بإثبات أنه ليس الصورة التي رسمها له الآخرون. وهنا ينتقل وهم الحقيقة من خطأ في المعلومة إلى ظلم في الحكم.

ولا تحتاج المعلومة الخاطئة دائماً إلى كاذب؛ يكفيها ناقلون واثقون. يقولها الأول على سبيل الظن، وينقلها الثاني من دون تردد، ثم تصل إلى الثالث وقد فقدت علامات الاستفهام. 
وقد منحت المنصات هذا المسار سرعة أكبر؛ فنرى العبارة نفسها في حسابات مختلفة ونحسب أننا أمام مصادر متعددة، مع أنها قد تكون صدى لصوت واحد يتردد في الغرفة نفسها. 
فالانتشار يخبرنا بأن المعلومة جذابة أو موافقة لما نحب، لكنه لا يقدم شهادة بصحتها.

ولست أدعو إلى الشك في كل كلمة، أو إلى تحويل المجالس إلى لجان تحقيق. لكنني لا أخشى جملة «لا أعرف»؛ فهي جملة صادقة تحدد حدود صاحبها وتترك باب المعرفة مفتوحاً. ما يستحق الخوف هو نقيضها حين يُقال بلا حق: «أنا أعرف». 
فالجهل الذي يعترف بنفسه يمكن علاجه، أما الجهل الذي يرتدي هيئة اليقين، فيقاوم السؤال ويعد المراجعة إهانة.

أم أربعة وأربعين لا يعنيها الاسم الذي منحناه لها؛ ستمضي بما لديها من أرجل سواء عددناها أم لم نعد. لكن ما ينبغي أن يعنينا هو الأفكار والأحكام التي تمشي في رؤوسنا بالطريقة نفسها: نمنحها عدداً لم نتحقق منه، ثم نكرر اسمها حتى ننسى أننا لم نعد منذ البداية. فكم حقيقة في عقولنا صنعها التكرار، ثم أقنعنا أننا نحن الذين اكتشفناها؟



الاثنين، 24 أغسطس 2026

المقارنة المميتة وفخ فيستنغر الاجتماعي

 المقارنة المميتة وفخ فيستنغر الاجتماعي

حمد حسن التميمي

هناك إنجازات تموت بعد ولادتها بدقائق. لا لأن أصحابها اكتشفوا أنها ناقصة، بل لأن اسماً آخر دخل الغرفة. يفرح موظف بترقيته حتى يعرف أن زميل دراسته أصبح مديراً، ويرضى رجل عن بيته حتى يرى بيت قريب انطلق معه من النقطة نفسها، ويعتز كاتب بكتابه حتى يسمع بالاحتفاء الذي حظي به من بدأ الكتابة معه. لم يخسر أحد منهم شيئاً، لكن نجاح الآخرين جعل إنجازاتهم تبدو في أعينهم أصغر مما كانت عليه.

فالغريب البعيد قد يُثير إعجابنا، أما الذي يشبهنا فيربكنا. لا نراه شخصاً نجح في طريقه، بل سؤالاً يمشي أمامنا: إذا بدأنا معاً، فلماذا وصل هو قبلي؟ ومن هذا السؤال لا تولد الغيرة وحدها، بل تبدأ محاكمة كاملة لحياتنا؛ نعيد فيها الحكم على أعمارنا ومواهبنا وقراراتنا، لا بما حققناه، بل بالمسافة التي تفصلنا عن شخص آخر.

في عام 1954، نشر عالم النفس الاجتماعي ليون فيستنغر بحثه «نظرية عمليات المقارنة الاجتماعية» في مجلة العلاقات الإنسانية العلمية. 

رأى أن لدى الإنسان دافعاً إلى تقييم آرائه وقدراته، وأنه حين لا يجد معياراً موضوعياً، يلجأ إلى الآخرين ليعرف موقعه. 

وبلغة أقرب إلى حياتنا، يستطيع المرء أن يقيس طوله بالمتر، لكنه لا يجد أداة تخبره أن كان ناجحاً بما يكفي، أو متقدماً في حياته، أو جديراً بالمكان الذي يطمح إليه. 

وحين يغيب المقياس، يصبح الناس وحدات قياس.

ومن بين ما افترضه فيستنغر أن ميل الإنسان إلى المقارنة يتراجع كلما اتسعت المسافة بينه وبين من يقارن نفسه به. 

لذلك قد لا تستفز الموظف ثروة رجل وُلد في عالم بعيد عنه، بقدر ما يستفزه منصب ناله زميل كان يجلس إلى جواره. 

البعيد حكاية، أما الشبيه فمرآة؛ لأنه يجعل الوصول يبدو ممكناً، ثم يحول تأخرنا عنه إلى سؤال شخصي لا نستطيع الهرب منه.

لكن المقارنة لم تبق وسيلة نفهم بها موقعنا، بل تحولت في مجتمعات كثيرة إلى سلطة توزع المواعيد على الأعمار. 

في سن معينة يجب أن تتخرج، ثم تعمل وتتزوج وتملك بيتاً، وتصل إلى منصب يليق بعدد السنوات التي مضت. 

ومن يتأخر عن هذا الجدول لا يُسأل عما اختاره، بل عما عطله. كأن للحياة ساعة واحدة، وكأن الناس خُلقوا ليصلوا إلى المحطات نفسها بالترتيب نفسه.

وتبدأ هذه السلطة مبكراً. 

يدخل الطفل بيته حاملاً درجة عالية، فيُسأل عن درجة ابن عمه قبل أن يسمع كلمة تقدير. 

هكذا يتعلم أن نجاحه لا يكفي في ذاته، وأن عليه أن يجد شخصاً يتفوق عليه قبل أن يسمح لنفسه بالفرح. ثم يكبر، وتأتي المنصات فتوسع دائرة المقارنة أمامه؛ يرى في جلسة واحدة نجاحات لا تنتهي لأشخاص يعرف بعضهم ولا يعرف أكثرهم. لا يرى الطرق التي قادت إليها، بل لحظات الوصول وحدها، فيخرج شاعراً بأن الجميع تقدموا وأنه وحده تأخر.

وقد تكون المقارنة دافعاً حين تكشف للإنسان ما يستطيع بلوغه، لكنها تصبح فخاً حين تتحول تجربة الآخر إلى حكم على تجربته. 

هناك فرق بين أن يقول: «إذا استطاع، فقد أستطيع»، وأن يقول: «لأنه استطاع، فأنا متأخر». عندها قد يختار تخصصاً لا يحبه، أو يستعجل زواجاً لم يستعد له، أو يشتري بيتاً لا يقدر على ثمنه، حتى لا يبدو أقل من أقرانه. وهنا تصبح المقارنة مميتة؛ لا لأنها تنهي حياته، بل لأنها تدفعه إلى أن يعيش حياة لم يخترها.

الاسم الآخر الذي دخل الغرفة لم يأخذ الترقية، ولم يسكن البيت، ولم يكتب الكتاب. جلس فقط في موضع الميزان، ونحن الذين وضعنا أمامه أعمارنا. ذلك هو فخ فيستنغر الاجتماعي: ألا تخسر إنجازك، بل تفقد القدرة على رؤيته؛ فبعض الأعمار لا تضيع لأنها أخفقت، بل لأنها ظلت تصل في مواعيد الآخرين.

الاثنين، 17 أغسطس 2026

الراتب لا يكفي.. فالجمهور يأخذ حصته

 الراتب لا يكفي.. فالجمهور يأخذ حصته



حمد حسن التميمي



ينزل الراتب وحده، لكنه يُصرف بحضور جمهور كامل. جمهور يراقب السيارة، ويقارن العرس ويسأل عن وجهة الصيف، ويمنح الأشياء أسعاراً تتجاوز قيمتها الحقيقية. وبينما ينشغل صاحب الراتب بتوزيعه على البيت والمدرسة والسيارة والفواتير، يجلس ذلك الجمهور في زاوية خفية من الحساب، ينتظر نصيبه من دون أن يدفع ريالاً واحداً.


في بيوت كثيرة، عبارة «الراتب لا يكفي» وصف صادق لوجع يومي؛ فالإيجار والتعليم يلتهمان الدخل، والأقساط تؤمن أحياناً بيتاً أو سيارة تفرضها الحياة.

 لكن بجوار هذا العجز الحقيقي ينمو عجز آخر بصمت: راتب يكفي الإنسان، ثم يعجز أمام النسخة التي يعتقد أن المجتمع ينتظرها منه.

هذه الحيرة أقدم من تطبيقات البنوك. في بحث نشره عالم الأنثروبولوجيا غرانت مكراكن في «مجلة أبحاث المستهلك» عام 1986، استعاد حكاية الفيلسوف الفرنسي ديني ديدرو، الذي تلقى رداء فاخراً، ثم بدا له أثاث غرفته متواضعاً أمامه؛ فاستبدل مقتنياته تباعاً حتى جره الرداء إلى إنفاق لم يخطر له.

 سمى مكراكن ذلك «تأثير ديدرو»: 

شيء واحد يرفع سقف الصورة، فتبدأ بقية الأشياء في المطالبة بأن تلحق به.

يحدث الأمر حولنا بالطريقة نفسها. سيارة تتجاوز الحاجة، فتستدعي ساعة ومطاعم ورحلات تناسب صاحبها الجديد. وعرس يبدأ فرحاً، ثم يتحول إلى امتحان لاسم العائلة وعدد المدعوين وحجم القاعة؛ يغادر الضيوف في ليلة واحدة، ويبقى الزوجان سنوات يسددان ثمن المشهد. وبعض الهدايا تُشترى لحماية المكانة أكثر مما تُشترى تعبيراً عن المحبة.

الرفاهية في حدود القدرة متعة مستحقة، والإنسان أدرى بما يسعده. 

الخطر يبدأ عندما ينتقل القرار من الداخل إلى عيون الآخرين، فيصبح ثمن الشيء أقل أهمية من الرسالة التي يبعثها. عندها تفقد السيارة وظيفتها، ويفقد السفر راحته، ويفقد العرس فرحته؛ فكلها تتحول إلى لغة يتحدث بها الإنسان كي يثبت مكانته، حتى وهو يعرف أن المستمعين سينسونها سريعاً، ويبحثون عن مشهد جديد في اليوم التالي.

في مجتمعاتنا، يصعب فصل الكرم عن الضغط الاجتماعي؛ فالمناسبة تحمل واجبها، والاسم يحمل توقعاته، وعبارة «ماذا سيقول الناس؟» تملك سلطة تفوق أحياناً قدرة صاحب القرار. ولهذا يدخل كثيرون السباق وهم يعرفون كلفته، ثم يواصلونه لأن التراجع أمام العيون يبدو أشد قسوة من القسط أمام البنك.

أما المنصات، فقد وضعت مضمار السباق في جيوبنا. 

تعرض مقعد الطائرة وتخفي القرض، وتعرض مفتاح السيارة وتخفي القلق عند موعد السداد. نرى لحظة الوصول ونقارنها بطريقنا كله، فتبدو حياة الآخرين مكتملة، وتبدو حياتنا ناقصة مهما امتلأت. الصورة تحتفظ بالتصفيق، وترسل الفاتورة إلى صاحبها وحده.

وهنا يتجاوز الثمن كشف الحساب. 

من يعيش لحماية صورته يتحول تدريجياً إلى حارس لها؛ يعمل أكثر، ويقلق أكثر، ويحمل توتره إلى بيته، لأن المستوى الذي صنعه يحتاج دائماً إلى دليل جديد. يبدأ الترف متعة، ثم يصبح وظيفة ثانية بلا راتب ولا إجازة، ويصبح الإنسان ضيفاً في حياة بناها لإقناع الآخرين.

والمترف بهذا المعنى حالة قد تسكن الغني ومتوسط الدخل معاً؛ تبدأ حين تتحول الكماليات إلى حقوق، وحين نقترض المسافة بين حقيقتنا والصورة التي نعرضها. عندها نشتري مع الشيء قبولاً وهيبة وشهادة بأننا نجحنا، مع أن الجهة التي تصدر هذه الشهادة تلغيها فور ظهور شيء أحدث.

في الشهر المقبل، ستصل رسالة الإيداع نفسها، وسيبدأ توزيع الراتب من جديد. 

وسيبقى السؤال الذي لا يظهر في كشف الحساب: كم أنفقنا على حياتنا، وكم أنفقنا على الجمهور؟ 

كان الراتب يكفي الإنسان أحياناً، لكنه لم يكن قادراً على إطعام كل الأقنعة التي ارتداها.

الأحد، 9 أغسطس 2026

متى دخل هيروستراتوس مختبر أريزونا؟

 متى دخل هيروستراتوس مختبر أريزونا؟



حمد حسن التميمي




هناك شجارات تبدأ بالصراخ، وأخرى تبدأ بضبط زاوية الكاميرا. في الأولى يقع الغضب، وفي الثانية يُجهز للنشر. 

يضع الإنسان هاتفه على الطاولة، ويتأكد أن الصورة واضحة، ثم يرفع صوته وينتظر أن يرد الطرف الآخر. 

لم يعد يريد حل المشكلة؛ صار يريد منها مشهداً. 

وبعد أن ينتهي كل شيء، يفتح التسجيل، ويختار الجزء الذي يظهره بالصورة التي يريدها، ثم يضغط زر النشر وينتظر. وحين يظهر التعليق الأول، يشعر أن ما حدث أصبح مهماً.


قد تظن أن هذا المشهد يخص شخصاً يبحث عن الشهرة، لكنك لا تحتاج إلى تصوير شجار حتى تجد جزءاً منك فيه. 

تخرج إلى مكان جميل، فتنشغل باختيار الصورة قبل أن تنظر إليه. تطلب الطعام وتتركه يبرد حتى تنتهي من تصويره. تكتب شيئاً تؤمن به، ثم تحذفه لأن الناس لم يتوقفوا عنده كما توقعت. وفي لحظة ما، لا تعود تسأل إن كنت استمتعت بما حدث، بل إن كان الآخرون قد رأوه؛ وكأن اللحظة التي لا تجد شاهداً عليها لم تحدث كاملةً.

هذه الرغبة لم تبدأ مع الهاتف. 

قبل أكثر من ألفي عام، أحرق رجل مغمور يدعى هيروستراتوس معبد أرتميس في مدينة أفسس، وكان واحداً من عجائب العالم القديم. لم يكن يريد مالاً، ولم يحمل قضية يدافع عنها. 

تقول الرواية إنه أراد شيئاً واحداً: أن يعرف الناس اسمه. فهم أهل المدينة غايته، فعاقبوه ومنعوا الناس من ذكر اسمه، حتى لا يأخذ من جريمته ما جاء من أجله. لكن مؤرخاً سجله، فعبر الاسم أكثر من ألفي عام، بينما ضاعت أسماء كثير ممن بنوا المعبد وحاولوا إنقاذه.

ومن قصته جاءت «الشهرة الهيروستراتية»: 

أن يعجز الإنسان عن بناء شيء يلفت الناس إليه، فيهدم شيئاً أكبر منه حتى يلتفتوا. 

وقد لا يكون ذلك الشيء معبداً؛ قد يكون بيته، أو سمعته، أو كرامة شخص يحبه. 

وفي عام 2010، دخل هيروستراتوس مختبر أريزونا من دون أن يذكر الباحثون اسمه. دخل على هيئة سؤال: 

هل يجعلنا التفكير في الموت أكثر رغبة في الشهرة؟

طلب باحثون، من بينهم جيف غرينبرغ من جامعة أريزونا، من 269 طالباً أن يكتب بعضهم عما يشعر به حين يفكر في موته، بينما كتب الآخرون عن الألم.

 وبعد ذلك قاسوا رغبتهم في الشهرة، فوجدوا أن الذين فكروا في الموت أصبحوا أكثر رغبة في أن يكونوا معروفين. 

وفي تجربة أخرى، عرض الباحثون على 55 طالباً خدمة تتيح للإنسان أن يضع اسمه على نجم في السماء، فكان الذين جرى تذكيرهم بالموت أكثر انجذاباً إلى الفكرة. 

لم يكن النجم هو المهم؛ المهم أن يبقى الاسم معلقاً في مكان أطول عمراً من صاحبه.

فالشهرة ليست دائماً حباً في التصفيق. أحياناً تكون محاولة لمقاومة الاختفاء. 

يعرف الإنسان أن عمره سينتهي، فيبحث عن شيء يقنعه بأن اسمه سيواصل الطريق بعده. 

وحين لا يجد عملاً يتركه، قد يترك فضيحة. والهاتف لم يصنع هذه الرغبة، لكنه جعل الطريق إليها أقصر؛ فالمنصات لا تسأل ماذا خسر الإنسان حتى يلفت الناس إليه، بل ترى رقماً يرتفع. لحظة غضب، أو سر من أسرار البيت، أو طفل يبكي، أو شخص يُهان؛ كل ذلك يصلح للنشر ما دام قادراً على إيقاف الناس أمامه.

ونحن لا نقف خارج المشهد. نشاهد المقطع، ونستنكر ما فيه، ثم نرسله إلى شخص آخر. نكتب أن صاحبه يبحث عن الشهرة، ونمنحه ما جاء من أجله. فالحريق لا ينتشر لأن أحدهم أشعله فقط؛ ينتشر لأن الآلاف قرروا أن يمنحوه الهواء. ثم يهدأ كل شيء، ويبقى صاحبه وحده أمام ما فعله. قد يعتذر، وقد يتغير، لكن المقطع لا يعتذر معه؛ يعود كلما بحث أحد عن اسمه، ويلتصق به أكثر مما التصقت به حياته كلها.

ومن يُعرف بسبب خلاف، قد يجد نفسه مضطراً إلى صناعة خلاف آخر حتى يبقى. فالناس الذين توقفوا عند سقوطه الأول لن ينتظروا منه حياة عادية؛ سينتظرون مشهداً جديداً. وهكذا يتحول الانتباه الذي رفعه لحظة إلى سجن يقضي داخله ما بقي من عمره. وفي بداية المشهد، كان الهاتف فوق الطاولة والكاميرا تعمل. انتهى الشجار وغادر الجميع، لكن المقطع واصل طريقه من هاتف إلى آخر. حصل صاحبه على ما أراد، ولم ينتبه إلى أن الهاتف لم يكن شاهداً على الحريق. كان عود الثقاب.

الاثنين، 3 أغسطس 2026

كيف هزم «3000» أرنب نابليون؟

 كيف هزم «3000» أرنب نابليون؟

حمد حسن التميمي



ثلاثة آلاف أرنب كانت كافية لجعل الرجل الذي أعاد رسم خريطة أوروبا يهرب إلى عربته. 

تروي الرواية الأشهر أن نابليون بونابرت خرج في رحلة صيد أعدها رئيس أركانه لويس بارتييه، بعدما جمع آلاف الأرانب ووزعها في أقفاص مصفوفة على أطراف حقل واسع. كان المشهد معداً بعناية تليق بإمبراطور:رجال ينتظرون الإشارة، وبنادق جاهزة، وطرائد يفترض أن تنطلق مذعورة أمام القائد الذي ارتجفت منه القارة. لكن ما إن فُتحت الأقفاص حتى وقع ما لم يدخل في حساب أحد؛ فلم تهرب الأرانب، بل استدارت بكتلة واحدة واندفعت نحو نابليون ورجاله. ضحك الحاضرون أولاً ظناً أن المشهد مجرد طرفة عابرة. لكن الضحك سرعان ما تلاشى حين التف القطيع حول أقدام الإمبراطور وامتد على عربته، ليفر القائد الذي طارد جيوش أوروبا سنوات أمام مخلوقات لا يزن الواحد منها إلا بضعة كيلوغرامات.


لم تكن الأرانب ثائرة، بل كان الخطأ أبسط وأكثر إحراجاً: فالضابط المكلف لم يشتر أرانب برية، بل اشترى أرانب أليفة اعتادت رؤية الإنسان قادماً إليها بالطعام. تصرفت الأرانب وفق تاريخها، بينما بنى نابليون المشهد وفق توقعاته. وتصلح هذه المفارقة مدخلاً إلى ما سمته عالمة النفس إلين لانغر عام 1975 بوهم السيطرة؛ وهو المبالغة في تقدير قدرتنا على التحكم بالنتائج لمجرد أننا رتبنا المشهد بنفسنا. 

فنحن لا نحتاج السيطرة فعلاً كي نشعر بها؛ يكفينا أن نضع أيدينا على المقود، حتى لو كان الطريق يفرض اتجاهه بعيداً عن رغبتنا. 

غير أن ما يزعج هذه الفكرة من الداخل هو سؤال لا مهرب منه: 

إذا كان نابليون قد أعد الأقفاص والحقل واللحظة ثم سقط أمام تفصيل لم يفهمه، فكم هزيمة نعدها نحن بأيدينا بينما نظن أننا نبني انتصارنا؟

المشكلة لم تكن في تعثر الصيد، بل في أن نابليون أراد مشهداً لا يسمح بالإخفاق أصلاً. 

استدعى الطبيعة إلى مسرحه، ووضعها في أقفاص، وحدد لها اتجاه الركض. أراد انتصاراً مضموناً بلا خصم. وهذا ما نفعله حين نحيط أنفسنا ببيئة أليفة؛ نختار من لا يعارضنا، ونراكم القناعات التي تؤكد رأينا، ثم نتوهم أن هدوء المشهد دليل على قوتنا، بينما نحن لم نسيطر على الواقع، بل استبعدنا منه كل ما قد يكشف ضعفنا.


نحن لا نعيش داخل العالم كما هو، بل داخل نسخة أليفة صنعناها منه. نرتب خططنا لسنوات، ونغلق الأبواب، ثم يأتي تغيير في الخوارزمية، أو مرض صغير، أو إنسان يرفض الدور الذي كتبناه له، فتندفع الأرانب من أقفاصها. 

فالأدوات التي نتخيل أننا نملكها لها دوافعها المستقلة: فالموظف المضمون يملك طموحه، والجمهور يملك زر المغادرة، والجسد يملك طريقته في إيقافنا. وهنا تكمن هشاشة السيطرة؛ فالإنسان لا يسقط دائماً أمام الأزمات العظيمة، بل أمام التفاصيل الصغيرة التي استهان بفهمها. 

لم يخسر نابليون في ذلك الحقل معركة عسكرية، بل خسر الرواية التي أحاط بها نفسه: رواية القائد الذي يضبط الفوضى. 

والسيطرة الحقيقية ليست في تحويل الحياة إلى أقفاص مرتبة، بل في الاعتراف بأن الخطة ناقصة، وأن العالم لم يوقع لك تعهداً بالطاعة. 

حين تنظر اليوم إلى خططك والأبواب التي تظن أنك أغلقتها، اسأل نفسك: هل تقود رحلة صيد فعلاً، أم جمعت في حقل حياتك ثلاثة آلاف أرنب أليف، وتنتظر منها أن تتصرف وفق الخطة؟

الاثنين، 27 يوليو 2026

زرقاء اليمامة في برج فوكو

زرقاء اليمامة في برج فوكو





حمد حسن التميمي

حين يقف إبهامك ثواني معدودة فوق شاشة الهاتف، تكتب رأياً صادقاً ثم تعود لتمحوه حرفاً بحرف، لا، لأنك اكتشفت خطأه، بل لأنك تخيلت وجوه الذين سيقرؤونه، تكون قد فعلت شيئاً أخطر من الصمت.

 لقد استعرت عيون الآخرين كي تراقب بها نفسك. 

لم يطلب منك أحد أن تحذف، ولم يصل إليك اعتراض، ولم تقع الإدانة التي تخشاها، لكنك رأيتها قبل أن تحدث، وسمعت الأحكام قبل أن تُقال، فأسرعت إلى تهذيب نفسك وفقاً لها. نسمي هذا حكمة أو مراعاة أو حفاظاً على الصورة، لكن المراعاة تختار كيف تقول الحقيقة، أما هذا فيغير ما تراه لتنجو صورتك، فلا تحمي علاقتك بالآخرين بقدر ما تسلمهم عينيك.


كانت زرقاء اليمامة في الموروث العربي تُبصر الجيش قادماً من مسيرة ثلاثة أيام. وحين رأت جنود الأعداء يتخفون خلف أغصان الشجر التي يحملونها ليستروا زحفهم، حذرت قومها فسخروا منها وكذبوا عينها التي رأت أبعد منهم، حتى داهمهم العدو فهُزموا. لم تكن مأساتها أنها أخطأت النظر، بل إن الحقيقة التي رأتها لم تحصل على موافقة الجماعة. 

أما زرقاء اليمامة الجديدة فلا تنتظر قومها حتى يكذبوها، بل تسبقهم إلى ذلك. لم يعد العدو خارج السور، بل صار الرقيب داخل الرأس. ما إن ترى شيئاً حتى تشك في رؤيتها، وما إن تشعر بشيء حتى تعرض شعورها على عيون الآخرين، فلا تصدق ما رأت حتى يصدّقه الآخرون.


وهكذا نحكم على الفكرة قبل أن نقولها. قبل أن تكتب رأياً أو تتخذ موقفاً، يمر في ذهنك شريط سريع: 

ماذا سيقول عني الناس؟ كيف سيفهمني أصدقائي؟ وهل تبقى صورتي كما يعرفونها إن قلت ما لا يتوقعونه؟ وحين تصبح كل فكرة رهينة هذا السؤال، فكيف تعرف أن مواقفك اليوم نابعة منك حقاً، لا مجرد خيارات آمنة اخترتها خوفاً من أن يتخلى عنك الناس؟

وهذه الرقابة التي نمارسها على أنفسنا هي بالضبط ما فككه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه «المراقبة والعقاب» عام 1975، حين درس كيف تتحكم السلطة في الإنسان الحديث. 

لم تعد السلطة عنده تحتاج سوطاً ولا سجاناً، يكفي أن تجعلك تشعر أنك مُراقب فتتولى أنت حراسة نفسك. وقد وجد صورته المثالية في سجن تخيلي صممه المفكر جيريمي بنثام قبل قرنين، تُبنى فيه الزنازين في دائرة حول برج حارس واحد. 

لا يرى السجين داخل البرج، فلا يعرف متى تُراقبه العين ومتى تغفل، فيفترض أنها تراه دائماً، ويبدأ يراقب نفسه بنفسه. 

أدرك فوكو أن قوة هذا السجن ليست في الحارس، بل في رأس السجين الذي حمل الحارس إلى داخله. 

لكن برجنا اليوم لا يقف في منتصف جدران حجرية، بل نحمله في عقولنا وعلى شاشات هواتفنا. تدخل معنا تلك العيون فنغير نبرة صوتنا قبل أن يتكلم أحد، وترافقنا إلى التمرير اللانهائي فنحذف جملة لمجرد أنها قد تُفهم على غير ما أردنا.

قد تقول: وما العيب في أن نراعي من حولنا؟ أليس الإنسان كائناً اجتماعياً لا يعيش خارج جماعته؟ هذا صحيح، والاستقلال ليس أن يقول المرء كل ما يخطر له. الضمير نفسه عين نحتاج إليها. 

لكن الفارق أن الضمير يسألك إن كان فعلك صحيحاً من الداخل، أما الرقيب الاجتماعي فيسألك إن كان مقبولاً من الخارج، فيعيد تشكيلك حتى تصبح النسخة التي لا يعترض عليها أحد، لأنها لم تعد تحمل منك ما يكفي لإزعاجهم.

والثمن ليس تردداً عابراً، بل استنزاف صامت. 

لا يتنازل المرء عن ذاته دفعة واحدة، بل على أقساط صغيرة لا تثير الخوف: بكلمة يبتلعها اليوم، وموقف يؤجله غداً، ورغبة يتخلى عنها حتى ينسى أنها كانت له. وبمرور الوقت، تتوقف العين عن رؤية الأشياء كما هي، وتبدأ في رؤيتها كما تسمح الجماعة أن تُرى.

والأخطر أن جيلاً كاملاً ينشأ اليوم داخل هذا البرج دون أن يعرف أن له باباً. جيل وُلد والشاشة في يده، تعلم أن يقيس قيمة الفكرة بعدد من يوافق عليها، وأن يعرض مشاعره للتصويت قبل أن يعيشها. 

لن يحتاج من يكذب رؤيته كما كُذبت زرقاء اليمامة، لأنه لم يعد يملك رؤية خاماً لم تمر على تصويت الآخرين أولاً.

وإذا كانت مأساة زرقاء اليمامة قديماً أن قومها لم يصدقوا ما رأت، فإن مأساتنا اليوم أننا حملنا قومنا إلى داخل أعيننا، فلم نعد نصدق ما نراه حتى يمنحونا الإذن. 

ولو دخلت زرقاء اليمامة برج فوكو اليوم، لما رفعت رأسها بحثاً عن الحارس في الأعلى، بل اكتشفت أن البرج غادر مكانه منذ زمن، وأعيد بناؤه خلف عينيها.