خواطر صعلوك
«الضو»... في زمن «الفراويلة»!
عزيزي القارئ، هل أنت من حزب سلامة فراويلة، أم من حزب عباس الضو؟
وإذا كنت شاهدت مسلسل «المال والبنون»، فبأي الشخصيتين أعجبت؟
هل المبادئ والقيم تسبّب الفقر، أم الفقر هو سلاح الشيطان؟
لكي نجيب عن هذه الأسئلة دعنا نغوص في تحليل السرديات الإعلامية والدرامية، ونفكك كيفية صناعتها لتشكيل الوعي وتمرير القيم الأخلاقية الكبرى، فإننا نادراً ما نصطدم بشخصية نجحت في اختزال صراع الأجيال وأزمة الضمير البشري كما فعلت شخصية «عباس الضو» في رائعة «المال والبنون».
هذا الرجل، الذي جسّده الراحل عبدالله غيث، رحمه الله (ثم أكمله شقيقه حمدي غيث، في الجزء الثاني)، لم يكن مجرد دور في مسلسل تلفزيوني، بل كان وثيقة بصرية و«بوصلة أخلاقية» تمشي على قدمين، تفضح هشاشة المبرّرات التي يسوقها الفاسدون لسرقة الأوطان والأعمار، وتُعرّي بشاعة النفاق المجتمعي.
تتجلّى عزيزي القارئ عبقرية السرد في هذا العمل في مشهد المواجهة التأسيسي بين الصديقين الفقيرين... عباس الضو، وسلامة فراويلة... كلاهما يعمل لدى «خواجة» يهرّب الآثار ويسرق تاريخ البلد... يموت الخواجة وتُترك الثروة الحرام بلا صاحب. هنا، يقف العقل البشري أمام اختبار «اللحظة الفاصلة».
سلامة فراويلة، ينظر إلى الذهب المكدس وكأنه هبة، ويبرّر جريمته فيقول منتشياً ومبرّراً سرقته: «المالُ والبنونَ زينةُ الحياة الدنيا»... في تلك اللحظة، لا ينفعل عباس الضو، ولا يصرخ ولا يلقي خطبة عصماء.
إذا كنت شاهدت هذا المسلسل التسعيناتي، فلا بد أنك أدركت أن المأساة الحقيقية لعباس الضو، والتي تجعله شخصية واقعية موجعة لا مجرد ملاك بأجنحة خيالية، هي أنه دفع ضريبة نقائه كاملة، نقداً، ومن لحم حيّه وحياة أبنائه.
صُناع العمل لم يجاملوا «الضو»، ولم يمنحوه نهاية سعيدة سريعة مكافأةً على أمانته... بل تركوه يعاني شظف العيش، يكابد الفقر، ويرى ابنيه (يوسف وعبدالمنعم) يتمزقان بين مبادئ أبيهما النبيلة، وبين بريق ثروة «فراويلة» التي تتضخم يوماً بعد يوم، وتمنحه النفوذ والوجاهة الاجتماعية...
عباس الضو، يمثل تلك «اللعنة النبيلة» التي تصيب كل شريف يقرر أن يمشي مستقيماً في عالم أعوج؛ حيث يُتهم بالسذاجة، والتخلف والجمود وتضييع الفرص الذهبية التي لا تأتي في العمر إلّا مرة واحدة.
انظر حولك عزيزي القارئ كم عباس الضو، تعرف وكم سلامة فرويلة، تعرف؟ إذا أسقطنا هذه الشخصية على واقعنا المعاصر، متجاوزين حقبة التسعينات، فسنجد أن معركة «الضو» لا تزال مستمرة وبشراسة أكبر... في زمننا هذا، الذي تتسيده ثقافة الاستهلاك، والنجاح السريع، وتغليف الانتهازية بمصطلحات برّاقة مثل «الشطارة»، «القفز على الفرص»، و«المرونة الإستراتيجية» وإذا ما أخذتها أنا راح يأخذها غيري...
يبدو عباس الضو، وكأنه كائن منقرض يغرّد خارج السرب.
كم سلامة فراويلة، نلتقيه اليوم؟
يسرق المال العام أو يحتكر السلع أو يصعد على أكتاف زملائه أو حتى يرقص على جراح إخوانه...، ثم يذهب ليجلس في الصفوف الأولى في المناسبات، مبرّراً ذلك بأنه «رزق...»؟
وفي المقابل، كم عباس ضو، منسي في زوايا المكاتب، يعض على مبادئه بالنواجذ، يرفض الرشوة والتكسب غير المشروع، ويأبى الانخراط في «شلة» الفساد، ليعود إلى بيته مرهقاً، خالي الوفاض، لا يملك من حطام الدنيا إلّا شرفه وضميراً حياً وروحاً خفيفة لم تتلوّث بمال حرام؟
شخصية عباس الضو، ليست مجرد حنين لدراما الزمن الجميل، بل هي «مقياس جودة» لا يصدأ، نقيس به مدى صلابة الإنسان أمام فتنة المال والسلطة. لقد كان «الضو» يدرك بوعي فطري عميق أن المال الحرام يشبه ماء البحر؛ كلما شربت منه ازددت عطشاً، وأن الأوطان والمجتمعات لا تُبنى بعقلية «فراويلة» الذي يسرق تاريخها لبناء مجده الشخصي، بل تُبنى بعقلية «عباس» الذي يرضى بالقليل، ليحفظ للبلد شرفه.
وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق