‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد ناصر العطوان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد ناصر العطوان. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 4 يونيو 2026

رسالة حب إلى مخترعي الظل...!

 خواطر صعلوك

رسالة حب إلى مخترعي الظل...!



دعنا نتحدّث بصراحة يا عزيزي القارئ... 

لقد اختطفت الرأسمالية المتوحشة مصطلح «الابتكار»، وحوّلته من أداة لإنقاذ البشرية إلى ماكينة عملاقة لشفط جيوبها.

انظر حولك في مؤتمرات التكنولوجيا المبهرة؛ ستجد شاباً يرتدي قميصاً أسود بسيطاً، يقف على مسرح مضاء ببراعة، ليعلن لك عن ابتكار «سيغير وجه البشرية»... 

وما هو هذا الابتكار العظيم؟ 

تطبيق ذكي على هاتفك يذكّرك بموعد شرب الماء! 

أو شوكة طعام إلكترونية تحسب لك عدد المضغات لكي لا تسمن!

أو ربما ثلاجة تتحدث معك وتخبرك أن صلاحية الحليب قد انتهت!

الرأسمالية لا تخترع حلولاً لمشاكلك الحقيقية، بل تخترع لك «مشاكل وهمية» وحاجات لم تكن موجودة أصلاً، ثم تبيعك العلاج بأسعار فلكية لتعزيز دورة الاستهلاك الجنونية.

إنها ثقافة تستهدف الإنسان كـ «زبون» فقط، لا كـ «روح».

لكن، وفي وسط هذا السيرك الاستهلاكي العبثي، هناك صنف آخر من البشر.

صنف يعمل في الظل، بعيداً عن أغلفة مجلات المال والأعمال، وبعيداً عن أضواء البورصات وصفقات المليارات.

هؤلاء هم «عباقرة الابتكار» الحقيقيون؛ أولئك الذين سخّروا عبقريتهم الهندسية والتقنية لتسهيل حياة البسطاء والفقراء والمهمشين الذين لا يملكون بطاقات ائتمانية تدفع اشتراكات التطبيقات الفارهة.

دعني أقف إجلالاً واحتراماً لذلك المبتكر المجهول الذي اخترع فلتر مياه من مواد رخيصة جداً، لينقذ قرية أفريقية نائية من الموت بالكوليرا.            

وقُبلة على جبين ذلك الفريق الطبي الذي صمّم        «حضّانة أطفال» من الورق المقوى والمواد العازلة للحرارة، لتدفئة الأطفال الخدج في مخيمات اللاجئين الباردة التي لا تصلها الكهرباء.                       

وتحيّة شرف لأولئك الشباب الذين حولوا الزجاجات البلاستيكية المهملة إلى مصابيح شمسية، تضيء عتمة الصفيح في العشوائيات الفقيرة.

هؤلاء العباقرة لم يحوّلوا عقولهم إلى ماكينات لجني الأرباح الصماء، بل أسّسوا في قلوبهم «مختبرات مجتمعية» حقيقية، كل تصاميمها ومخرجاتها تتمحور حول الإنسان وقيمته، لتصون كرامته قبل أن تملأ خزانته.

لقد أدركوا بفطرتهم السليمة أن الابتكار الذي لا يمسح دمعة، أو يسد جوعاً، أو يخفف ألماً عن كاهل إنسان مطحون، هو مجرد رفاهية فارغة لا وزن لها في ميزان الإنسانية.

إن «الإنسانيين» يترجمون أعظم فلسفة وجودية، وأنهم ليسوا هم حيتان «وول ستريت»، ولا رواد «وادي السيليكون»، بل هم أولئك المساكين الذين طحنتهم الأيام، وينتظرون رحمة السماء عبر عقول خيرة لم تتلوث بجشع السوق.

إلى كل مبتكر، ومهندس، وطبيب، ومفكر، ومعلم... قرر أن يدير ظهره لغواية المال السريع، واختار أن يضع بوصلته نحو الإنسان الضعيف... 

نحن مدينون لكم باعتذار كبير لأننا لا نعرف أسماءكم، ولا نتابع أخباركم، لكننا نوقن تماماً أن أسماءكم محفورة بالذهب في سجلات النبل البشري، وفي صحائف السماء التي لا تضيع فيها مثقال ذرة من خير.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

الأربعاء، 3 يونيو 2026

«وكذلكَ يجتبيك ربُّك»

 خواطر صعلوك

«وكذلكَ يجتبيك ربُّك»


عزيزي القارئ، أسال الله لك العافية...

لقد أفسدت ثقافتنا الاستهلاكية المعاصرة فهمنا لأعمق المصطلحات الروحية والقرآنية... نحن اليوم مبرمجون على أن «الاصطفاء» يُترجم فوراً إلى حياة مخملية خالية من المنغصات؛ سيارة فارهة، رصيد بنكي متضخم، وتصفيق مستمر من الجمهور... اعتقادنا الساذج أن الخالق سبحانه وتعالى إذا أحب عبداً، فُرِشتْ له الأرض بالورود!

لكن، لو وضعنا هذا الفهم السطحي جانباً، وتأملنا أروع القصص القرآني في سورة يوسف، وتحديداً عند تلك اللحظة المفصلية التي يقص فيها يوسف رؤياه على أبيه يعقوب، سنُصاب بصدمة وعي حقيقية.

يقول يعقوب لابنه، مبشراً ومؤكداً:

﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾.

«الاجتباء» يا سادة يعني الاصطفاء والاختيار والانتقاء بعناية فائقة... وليس بناءً على فهمنا القاصر به... ماذا حدث في اليوم التالي؟ بدأت أسوأ سلسلة من الكوارث يمكن أن يتعرّض لها إنسان!

خيانة من أقرب الناس (إخوته)، إلقاء في بئر مظلمة وموحشة، ثم الاختطاف والبيع في سوق النخاسة بثمن بخس، ثم العبودية في قصر غريب، لتنتهي هذه الرحلة المأسوية بالسجن لسنوات طوال!

هل «الاجتباء»؟ يعني أن يمر صاحبه بطريق مليء بالابتلاءات؟

لكي نجيب عن هذا السؤال علينا أن نغوص في تجلي المعنى الفلسفي لحقيقة الاجتباء... فالقدر لا يختارك لكي يدلك، بل يختارك لكي «يصنعك» ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾.

الابتلاء ليس عقاباً للمجتبى، بل هو «منهج تدريبي» مكثف وقاسٍ لكسر كل ما هو زائف فيه.

عزيزي القارئ... في البئر، تعلّم يوسف أن لا سندَ له إلا الله بعد أن خذلته رابطة الدم... وفي قصر العزيز، واجه فتنة الشهوة والمال ليتعلم متانة العفة وصرامة المبدأ... أما في السجن المظلم، فخضع لاختبار الصبر المطلق وفهم معادن الرجال. لذلك لم يكن الابتلاء هنا نقيضاً للاجتباء، بل كان «الوجه الآخر» له.

كل مصيبة تكون بمثابة ضربة مِطرقة تنحت تمثال الروح، ليكون الإنسان جاهزاً لحمل الأمانة. ونحن نتحدث هنا بعيداً عن مقامات الأنبياء، هذا القانون الإلهي يسري على البشر العاديين أمثالنا وبأشكال متعددة، فاجتباء العزلة، حين تفقد فجأة دائرة أصدقائك، وتجد نفسك وحيداً، وتظن أنك منبوذ.

في الحقيقة، الله سبحانه وتعالى يجتبيك لتفرغ قلبك من ضجيج البشر المرجفين، ويهيئك لاستقبال وعي جديد لا ينمو إلا في الهدوء... كذلك اجتباء الفقد والخسارة، فعندما تُسلب منك وظيفة مرموقة، أو مشروع تجاري بنيت عليه أحلامك، أو تُغلق في وجهك أبواب الرزق السهلة.

هذا ليس سخطاً، بل هو دفع قسري لك لاكتشاف مساحات عبقرية في ذاتك لم تكن لتكتشفها لو بقيت قابعاً في منطقة «الراحة الخادعة».

الاجتباء في حياتنا هو أن تنتزع من سطوع «المألوف والتفاهة»، إلى ظلام «الابتلاء»، لكي تعيد اكتشاف نورك الداخلي.

عزيزي القارئ، لعلك تسأل الآن... متى ينتهي هذا التدريب الشاق؟

ينتهي عندما تنضج الروح تماماً، وتصبح عصيّة على الكسر أو الغرور.

حينها فقط، وبعد سنوات من الإبتلاء والوصول إلى حالة الاستيئاس تتشابك خيوط القدر العبقرية.

تتغيّر الأحوال... يخرج يوسف من السجن، لا ليطالب بتعويض مالي عن سنوات الحبس، ولا لينتقم من إخوته، بل ليقف أمام الملك ويقول بثقة الذي صقلته التجارب ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.

هذا هو «التمكين»... التمكين ليس أن يأتيك النجاح على طبق من ذهب وأنت فارغ وهش، فلو حدث ذلك لأفسدت وتجبرت... التمكين الحقيقي هو أن تقف على قمة النجاح، وتنظر إلى خزائن الأرض تحت قدميك، وتتذكّر برودة البئر، وذل العبودية وظلمة السجن، وخيانة الأقربين، فتعلم يقيناً أنك لم تصل بذكائك ولا بشطارتك، بل بعناية من اجتباك ورعاك وجعلك ترى البراهين... وابتلاك ليصنعك.

يا عزيزي، إذا رأيت الأبواب تُغلق في وجهك، والضربات تتوالى على رأسك وأنت تسعى في طريق الحق والخير، فلا تجزع، ولا تظن أن الله قد نسيك... ربما تكون الآن في قاع «البئر» معنوياً، لكن تذكر دائماً... أن البئر كانت أولى خطوات الاجتباء نحو عرش مصر.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

الاثنين، 1 يونيو 2026

«الضو»... في زمن «الفراويلة»!

 خواطر صعلوك

«الضو»... في زمن «الفراويلة»!


عزيزي القارئ، هل أنت من حزب سلامة فراويلة، أم من حزب عباس الضو؟

وإذا كنت شاهدت مسلسل «المال والبنون»، فبأي الشخصيتين أعجبت؟

هل المبادئ والقيم تسبّب الفقر، أم الفقر هو سلاح الشيطان؟

لكي نجيب عن هذه الأسئلة دعنا نغوص في تحليل السرديات الإعلامية والدرامية، ونفكك كيفية صناعتها لتشكيل الوعي وتمرير القيم الأخلاقية الكبرى، فإننا نادراً ما نصطدم بشخصية نجحت في اختزال صراع الأجيال وأزمة الضمير البشري كما فعلت شخصية «عباس الضو» في رائعة «المال والبنون».

هذا الرجل، الذي جسّده الراحل عبدالله غيث، رحمه الله (ثم أكمله شقيقه حمدي غيث، في الجزء الثاني)، لم يكن مجرد دور في مسلسل تلفزيوني، بل كان وثيقة بصرية و«بوصلة أخلاقية» تمشي على قدمين، تفضح هشاشة المبرّرات التي يسوقها الفاسدون لسرقة الأوطان والأعمار، وتُعرّي بشاعة النفاق المجتمعي.

تتجلّى عزيزي القارئ عبقرية السرد في هذا العمل في مشهد المواجهة التأسيسي بين الصديقين الفقيرين... عباس الضو، وسلامة فراويلة... كلاهما يعمل لدى «خواجة» يهرّب الآثار ويسرق تاريخ البلد... يموت الخواجة وتُترك الثروة الحرام بلا صاحب. هنا، يقف العقل البشري أمام اختبار «اللحظة الفاصلة».

سلامة فراويلة، ينظر إلى الذهب المكدس وكأنه هبة، ويبرّر جريمته فيقول منتشياً ومبرّراً سرقته: «المالُ والبنونَ زينةُ الحياة الدنيا»... في تلك اللحظة، لا ينفعل عباس الضو، ولا يصرخ ولا يلقي خطبة عصماء.

إذا كنت شاهدت هذا المسلسل التسعيناتي، فلا بد أنك أدركت أن المأساة الحقيقية لعباس الضو، والتي تجعله شخصية واقعية موجعة لا مجرد ملاك بأجنحة خيالية، هي أنه دفع ضريبة نقائه كاملة، نقداً، ومن لحم حيّه وحياة أبنائه.

صُناع العمل لم يجاملوا «الضو»، ولم يمنحوه نهاية سعيدة سريعة مكافأةً على أمانته... بل تركوه يعاني شظف العيش، يكابد الفقر، ويرى ابنيه (يوسف وعبدالمنعم) يتمزقان بين مبادئ أبيهما النبيلة، وبين بريق ثروة «فراويلة» التي تتضخم يوماً بعد يوم، وتمنحه النفوذ والوجاهة الاجتماعية...

عباس الضو، يمثل تلك «اللعنة النبيلة» التي تصيب كل شريف يقرر أن يمشي مستقيماً في عالم أعوج؛ حيث يُتهم بالسذاجة، والتخلف والجمود وتضييع الفرص الذهبية التي لا تأتي في العمر إلّا مرة واحدة.

انظر حولك عزيزي القارئ كم عباس الضو، تعرف وكم سلامة فرويلة، تعرف؟ إذا أسقطنا هذه الشخصية على واقعنا المعاصر، متجاوزين حقبة التسعينات، فسنجد أن معركة «الضو» لا تزال مستمرة وبشراسة أكبر... في زمننا هذا، الذي تتسيده ثقافة الاستهلاك، والنجاح السريع، وتغليف الانتهازية بمصطلحات برّاقة مثل «الشطارة»، «القفز على الفرص»، و«المرونة الإستراتيجية» وإذا ما أخذتها أنا راح يأخذها غيري...

يبدو عباس الضو، وكأنه كائن منقرض يغرّد خارج السرب.

كم سلامة فراويلة، نلتقيه اليوم؟

يسرق المال العام أو يحتكر السلع أو يصعد على أكتاف زملائه أو حتى يرقص على جراح إخوانه...، ثم يذهب ليجلس في الصفوف الأولى في المناسبات، مبرّراً ذلك بأنه «رزق...»؟

وفي المقابل، كم عباس ضو، منسي في زوايا المكاتب، يعض على مبادئه بالنواجذ، يرفض الرشوة والتكسب غير المشروع، ويأبى الانخراط في «شلة» الفساد، ليعود إلى بيته مرهقاً، خالي الوفاض، لا يملك من حطام الدنيا إلّا شرفه وضميراً حياً وروحاً خفيفة لم تتلوّث بمال حرام؟

شخصية عباس الضو، ليست مجرد حنين لدراما الزمن الجميل، بل هي «مقياس جودة» لا يصدأ، نقيس به مدى صلابة الإنسان أمام فتنة المال والسلطة. لقد كان «الضو» يدرك بوعي فطري عميق أن المال الحرام يشبه ماء البحر؛ كلما شربت منه ازددت عطشاً، وأن الأوطان والمجتمعات لا تُبنى بعقلية «فراويلة» الذي يسرق تاريخها لبناء مجده الشخصي، بل تُبنى بعقلية «عباس» الذي يرضى بالقليل، ليحفظ للبلد شرفه.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

الأربعاء، 27 مايو 2026

حين يحرق «كومودوس» روما هرباً من مرآة «ماكسيموس»!

 خواطر صعلوك

حين يحرق «كومودوس» روما هرباً من مرآة «ماكسيموس»!

محمد ناصر العطوان

حين تنطفئ أضواء قاعة العرض، وتتلاشى هموم اليوم العادية في زحام مقاعد سينما «ويرهاوس»، يجد المرء نفسه –بفطرته كـ «صعلوك» يتأمل مفارقات الحياة بصمت– أمام الشاشة الفضية، لا ليبحث عن التسلية البصرية المعتادة، بل ليبحث عن مرآة ضخمة تعكس تشوهاتنا البشرية المعقدة... ولعل أعقد هذه التشوهات على الإطلاق، هو ما يفعله «الغضب الناجم عن الفشل».

الفشل يا سادة، حين لا يتم استيعابه بشجاعة، لا يتحول إلى حزن، بل يتحول إلى «غضب سام»، وهذا الغضب عزيزي القارئ لا يكتفي بتدمير صاحبه، بل يخرج ليعيد هندسة العلاقات بين البشر، ويشوه التصورات، ويقلب الموازين، لسبب نفسي بسيط وهو أن الفاشل لا يطيق رؤية الناجح، لأن كل نجاح يحققه الآخر، هو بمثابة صفعة تذكره بعجزه ونقصه.

ولكي نفهم هذه «الكيمياء» المدمرة أو ما يمكن تسميتها كيمياء «الغل» البشري، لا يوجد مختبر درامي أعظم من الجزء الأول من التحفة السينمائية «المصارع» (Gladiator) للمخرج ريدلي سكوت.

ففي قلب الإمبراطورية الرومانية، يقف «كومودوس»، ابن الإمبراطور والفيلسوف ماركوس أوريليوس... بحسابات الورق والأختام، كومودوس، يملك كل شيء بدءاً من الثروة، والعرش المنتظر، وانتهاءاً بالأناقة والقوة الجسدية... لكنه في الحقيقة يفتقد للشيء الوحيد الذي كان يتسوله طيلة حياته وهو رضا أبيه وإعجابه.

كومودوس، كان «فاشلاً» بمقاييس الفضيلة الرومانية؛ كان ضعيفاً، طامعاً، ومفتقراً للشجاعة والحكمة. وفي المقابل، يلمع نجم «ماكسيموس»، قائد جيوش الشمال والجنرال الذي يملك كل ما يفتقده كومودوس... الشجاعة، النبل، الرضا، والأهم من ذلك كله... الحب العميق والثقة المطلقة من ماركوس أوريليوس، الذي رأى في ماكسيموس، الابن الذي تمنى أن ينجبه.

غضب كومودوس، هنا لم يكن غضباً سياسياً من منافس، بل كان غضباً «وجودياً» نابعاً من الفشل الذاتي... فنجاحات ماكسيموس، المتتالية في ساحات القتال، وفي ساحات الأخلاق، كانت بمثابة مرآة يومية تعكس قبح كومودوس، وضحالته.

هذا الغضب عزيزي القارئ أعاد هندسة وجه «روما» بالكامل، حيث حولها كومودوس، من حلم «الجمهورية الفاضلة» التي أرادها والده، إلى مسلخ دموي تحكمه المكائد والمصارعات الرخيصة لجمهور يرغب أن يشاهد المماليك وهم يموتون ويقتلون وتتم إهانتهم والبصق عليهم... الغضب من الفشل جعل الابن يقتل أباه، ويذبح عائلة منافسه، ويدمر إمبراطورية بأكملها، فقط لكي يكسر تلك «المرآة» التي تفضحه!

المخرج العبقري لم يتركنا وحدنا لنستوعب هذا الصراع النفسي المعقد، بل سلم حواسنا لأسطورة الموسيقى التصويرية هانز زيمر، والمغنية ليزا جيرارد، ليترجما هذا الغضب وهذا النبل إلى لغة لا تكذب.

أدخل عزيزي القارئ إلى اليوتيوب الآن، واستمع إلى موسيقى الفيلم... ثم عد لإكمال المقال وبصحبتك كوب من الشاي بالنعناع... موسيقى فيلم «المصارع» ليست مجرد إيقاعات حماسية للحرب، بل هي –كما يصفها النقاد– مبنية بالكامل على بنية «السؤال والجواب».

إذا أرهفت السمع للمقطوعات الخالدة في الفيلم، ستجد آلة الدودوك (الناي الأرميني) الحزينة تبدأ دائماً بـ «سؤال» وجودي موجع ومليء بالشجن وهو لماذا يُعاقب النبل ويُكافأ الغدر؟ أين يذهب هذا الألم البشري؟

ثم تأتي الموسيقى بـ«الجواب»، ولكنه جواب ينقسم إلى شقين، يعكسان هندسة العلاقات المشوهة في الفيلم، الأول هو جواب الغضب من (كومودوس)، حين تتدخل الآلات النحاسية والوتريات العنيفة، لتعلن عن إجابة الحقد الذي يحرق الأرض ومن عليها... 

أما الشق الثاني فهو جواب السكينة (ماكسيموس) حين ترتفع حنجرة ليزا جيرارد، بصوتها الأثيري العميق، الخالي من الكلمات والممتلئ بالمعاني. 

هذا الصوت يأتي كجواب يقول إن النجاح الحقيقي لا يكمن في البقاء على قيد الحياة، بل في الحفاظ على شرف الروح حتى لو دُفنت تحت تراب الكولوسيوم.

موسيقى الفيلم تخبرنا أن الغضب يصرخ دائماً ليثبت وجوده، بينما النجاح والسلام الداخلي يهمس بهدوء لأنه واثق من نفسه.

يا سادة، نحن لا نحتاج للعودة إلى روما القديمة لنرى كيف يعيد الغضب من الفشل تشكيل حياتنا. نحن نرى «كومودوس» كل يوم.

نراه في ذلك المدير الفاشل الذي يتفنن في تدمير وتهميش الموظف الناجح والمبتكر، لأن نجاحه يفضحه. ونراه في الصديق الذي يغتاب صديقه لكي يبرر تعثره الشخصي... ونراه في الفنان الذي ينتقد زملاءه دائماً على أعمالهم... ونراه في المجتمعات المتأخرة التي تصب غضبها على كل فكرة تنويرية ناجحة، لكي لا تعترف بفشلها التنموي... 

إن غضب الفاشلين، حين يمتلك الصوت العالي، قادر على حرق وتخريب كل شيء، تماماً كما أحرق كومودوس حلم روما.

ولكن، تماماً كما انتهى الفيلم، يبقى أثر «ماكسيموس» خالداً، وتبقى موسيقاه تتردد في الآفاق، بينما يُنسى غضب الفاشلين في مزبلة التاريخ، بمجرد أن تنطفئ الكاميرا... 

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

الأحد، 24 مايو 2026

الفاتحة على روح غنام!

خواطر صعلوك

الفاتحة على روح غنام!


كل عام وأنتم بخير بمناسبة وبدون مناسبة... ولعل بدون هي الأقرب!

عزيزي القارئ! لطالما ظن الكثيرون أن فيلم «إبراهيم الأبيض» هو مجرد فيلم حركة يعج بالدماء، والسكاكين، ومعارك الشوارع العشوائية. لكن لو أمعنا النظر قليلاً، متجاوزين قشرة العنف السطحية، لوجدنا أننا أمام وثيقة بصرية شديدة العمق، تشرح ببراعة مرعبة واحدة من أخطر الآفات التي تنهش في جسد مجتمعاتنا وهي آفة «التدين المزيف»، وتوظيف القدر «زيفاً» لتبرير جرائم الأرض!

الفيلم لا يضيع وقته، بل يصفعك بهذه الحقيقة منذ المشهد الافتتاحي الأول... يتجسد أمامنا المعلم «أبوحورية»، العقلية الإجرامية المتدثرة بعباءة التقوى، حيث يقوم بقتل والد إبراهيم الأبيض، بدم بارد ووحشية مفرطة، ثم بمنتهى البساطة والتبلد، يتوجه إلى زوجة القتيل المكلومة والتي تقوم بدورها حنان ترك، يرمي في حجرها بضع وريقات نقدية كتعويض، ويطبطب على كتفها قائلاً بوقار مصطنع: «قضاء وقدر يا أم إبراهيم»!

تأمل معي هذه العبقرية الشيطانية! القاتل هنا لا يكتفي بسلب الضحية حياتها، بل يسلب أهلها حتى حق الغضب والمطالبة بالقصاص.

إنه يحول جريمته النكراء الشنعاء البلهاء، المكتملة الأركان مع سبق الإصرار والترصد، إلى حالة لا يجوز الاعتراض عليها... فالتدين المزيف هنا يُستخدم كمخدر موضعي، وكدرع واقية تحمي الجلاد، ويفرض على المظلوم أن يبتلع ظلمه تحت مسمى «الابتلاء».

ثم ننتقل إلى ذروة الكوميديا السوداء، إلى الفيلسوف الدموي، وصاحب التكية الإجرامية المعلم الكبير «عبدالملك زرزور». هذا الرجل الذي يحكم عالمه السفلي بالحديد والنار، لا يترك شاردة ولا واردة إلا ويزينها بآية قرآنية أو موعظة دينية، في أحد المشاهد يقول محمود عبدالعزيز، «زرزور» لأحمد السقا، الذي يقوم بدور إبراهيم الأبيض «انت داخل علينا دخلة (إنك ميت وإنهم ميتون)»!

يذبح القتيل، ثم يرفع يديه للسماء شاكراً... لكن المشهد الذي يلخص تفاهة هذا السلوك الشكلي، هو مشهد قراءته الفاتحة على روح «غنام»، عندما يقف «زرزور»، زعيم العصابة المهيب، رافعاً كفيه بوقار ومطالباً رجاله بقراءة الفاتحة، ثم يبدأ بالتمتمة وإصدار أصوات غير مفهومة... لماذا؟ لأنه ببساطة لا يحفظ سورة الفاتحة!

«زرزور» يمثل حالة «الأمية الروحية» في أبشع صورها... هو يحفظ من الدين «شكله» و«حركاته» التي تمنحه الهيبة أمام أتباعه، لكنه لا يحفظ حتى أبسط نصوصه، ناهيك عن فهم جوهره... هو يستخدم الدين كـ«مساحيق تجميل» ليغطي بها وجهه القبيح الملطخ بالدماء وتجارة الموت.

وهنا عزيزي القارئ علينا أن نتوقف عن أكل «النفيش» و يجب أن نخرج من شاشة السينما إلى شوارع الواقع، لنسأل أنفسنا: ما الآثار الاجتماعية والاقتصادية لهذا «الزرزور»؟ 

لكي نجيب عن هذا السؤال علينا أن نحضر كوباً من الشاي بالنعناع ثم نعود لإكمال هذا المقال...!

اجتماعياً عزيزي القارئ فالتدين المزيف يصنع مجتمعاً مصاباً بـ «الفصام الأخلاقي» (الشيزوفرينيا). مجتمع يرى الفاسد، أو المرتشي، أو محتكر السلع، يتصدر الصفوف الأولى في المساجد، ويمول موائد الإفطار في رمضان، فيقفز في ذهن الشباب سؤال قاتل: «إذا كان هذا هو الدين، فما هي الرذيلة؟».

هذا النفاق المشرعن يشوه البوصلة الأخلاقية للأجيال القادمة، ويجعلهم يكفرون بالقيم، لأنهم يرون «أبا حورية» يعظهم بالصبر على الفقر الذي صنعه هو بيديه! الدين الذي جاء ليحرر الإنسان من الظلم، يتم اختطافه ليصبح أداة لترويض المظلومين وتدجينهم.

أما اقتصادياً فالكارثة أعظم... لأن العقلية الزرزورية في الاقتصاد هي عقلية المحتكر، والمرتشي، الذي يسرق الملايين من المال العام أو من جيوب البسطاء، ثم يتبرع بفتات من هذا المال المسروق لبناء ملجأ للأيتام أو ذوي الإعاقة أو طباعة مصاحف».

هذا التدين المزيف يبرر التفاوت الطبقي البشع بأنه «أرزاق مقسمة»، متجاهلاً أن هذا الفقر لم يهبط من السماء، بل صُنع في مكاتب الفاسدين.. يسرقون رغيفك، ثم يطالبونك بالصيام احتساباً للأجر!

هذا الشكل من السلوك هو ما جعل مارتن لوثر، يصرخ صرخته بسبب صكوك الغفران، وماركس، يصرخ في أوروبا صرخته الشيوعية، وعلي شريعتي، في ايران، والكواكبي في العالم الإسلامي.

خلاصة القول يا سادة، أن خطر المُدعي المتستر بالدين يفوق خطر المجرم الصريح بمراحل... 

المجرم الصريح تعرفه وتحذره، أما المجرم «الزرزوري» فهو يطعنك بخنجره، ثم يقرأ الفاتحة -التي لا يحفظها- على روحك المزهقة، ويطالب أبناءك بتقبل العزاء لأن ما حدث كان... قضاءً وقدراً!

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

لذة العيش «بلا ظل ولا أثر»!

 خواطر صعلوك

لذة العيش «بلا ظل ولا أثر»!




كان يجلس دائماً في الصف الأخير من المسجد النبوي، في تلك البقعة المعتمة التي لا تصلها أضواء القناديل ولا التفاتات الوجهاء.

شيخٌ طاعنٌ في السن، يرتدي ثوباً نظيفاً لكنه متهالك، ينهي صلاته بصمت، يطوي سجادته الوهمية في قلبه، ويمضي في أزقة المدينة المنورة ماشياً بجوار الجدران لكي لا يزاحم أحداً، ويدعو الله ألا يراه أحد.

مرت بجواره قافلة التابعين الجدد، أولئك الشباب المتحمسون الذين جاءوا من أقاصي الأرض يبحثون عن أي شخص رأى رسول الله ﷺ ليأخذوا عنه الحديث. نظروا إليه، فرأوا مجرد «رجل عجوز عابر»، لم يلتفتوا إليه، ولم يلتفت هو إليهم.

إن الحقيقة التي لم يعرفها هؤلاء التابعون، ولم يسجلها الطبري، ولم تذكرها موسوعة «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر العسقلاني، هي أن هذا العجوز المجهول ربما كان ممن رأوا النبي ﷺ، وربما صلى خلفه، وربما شارك في غزوة، لكنه، ومنذ اليوم الأول الذي نطق فيه بالشهادتين، اتخذ قراراً إستراتيجياً صارماً وهو أن يمر في هذه الدنيا بسلام، دون ضجيج، دون منصب، والأهم... دون أن يترك ظلاً أو أثراً يُذكر في كتب التاريخ.

أنا أعلم عزيزي القارئ! أنك تود أن تعرف اسمه، الذي لم تسمع عنه من قبل، ولكن دعني أكمل قصة هذا الرجل الذي عاش في الظل وسأخبرك باسمه في نهاية المقال... ففي زمن كانت فيه الصحبة «شرفاً» يرفع الأنساب، ومكانة تمنح صاحبها الصدارة في المجالس والجيوش وشرف أن يكون لك تلاميذ وأتباع، قرر أن ينسحب من كل هذا الضجيج.

لم يقف يوماً في حلقة ليقول: «سمعت، ولم يذهب إلى الخليفة ليذكره بأيامه في مكة... كان يعتقد يقيناً أن صفقته وهويته لا تحتاج إلى «تصديق» أو «ختم» من أهل الأرض.

هذا الرجل العادي جداً، الذي كان يمشي في الأسواق، ويمرض ويفرح ويحزن ويضحك. ويلاعب أبناءه، أدرك مبكراً حقيقة فلسفية مهمة، وهي أن الشهرة تقصم الظهور، وأن الأضواء تحرق من يقترب منها... لذلك اختار أن يكون رقماً صفرياً في حسابات البشر.

تخيل يا عزيزي القارئ! لو أن مثل هذا الرجل بُعث اليوم، ومشى في شوارع مدننا الحديثة، ليرى ما فعلناه بأنفسنا في عصر «المجتمع الشبكي»، واللهاث خلف «الترند».

نحن في زمن أصبح فيه الإنسان مستعداً لبيع كليته، أو شتم أقربائه، أو الرقص كالمهرج في الشارع، فقط... لكي يحصل على «لايك»، أو إشادة من شخص لا يعرفه.

نحن أُصبنا بمرض «فوبيا التهميش»؛ نعتقد أننا إن لم نُوثق إفطارنا في المطعم، أو دمعتنا في المأتم، أو ركعتينا في الحرم المكي بالصورة والصوت والموقع الجغرافي، فإننا غير موجودين أصلاً!

لقد حولنا حياتنا إلى «شاشة عرض» مفتوحة 24 ساعة، نلهث لإثبات وجودنا في عيون الآخرين... 

أما صاحبنا المجهول، فقد كان يملك «حصانة» ضد هذه الهشاشة... لم يكن يحتاج لعيون الناس لكي يرى نفسه، لأنه كان يرى نفسه بوضوح من الداخل.

لقد أرهقنا أنفسنا في معارك إثبات الذات، وصرفنا أعمارنا في الدفاع عن «وجهة نظرنا»، وفي الرد على من شتمنا، وفي محاولة حفر أسمائنا على صخرة التاريخ، متناسين أن التاريخ نفسه سيصبح تراباً في النهاية.

هذا الرجل المجهول يقدم لنا اليوم أعظم «روشتة» نفسية لعلاج قلقنا الوجودي، جرب أن تكون لا شيء في عيون الناس، بلا ذكر أو أوراق أو حسابات أو ممتلكات... لتكون كل شيء في عين الحقيقة.

جرب أن تتصدق دون أن تخبر زوجتك، أن تبكي في غرفتك دون أن تكتب تغريدة عن حزنك، أن تقرأ كتاباً دون أن تصور غلافه، أن تمضي في هذه الحياة كـ«نسمة هواء» تبرد على قلوب من حولها، ثم تمضي دون أن تترك حتى «ظلاً» يدل عليها.

ولعلك عزيزي القارئ قد شعرت أني خدعتك عندما أخبرتك بأنني سأذكر اسم هذا الرجل، ولكني صدقني لو كان هو يرغب بذلك لكان على الأقل لفت الانتباه في وقته... ولكن هذا قراره وأنا أحترمه.

عندما تقرأ عن هذا الرجل الذي افترضنا وجوده (وهو حتماً موجود بالمئات بل بالآلاف ضمن الرعيل الأول الذين لم تصلنا أسماؤهم)، تشعر بضآلة مضحكة أمام حجم الإزعاج الذي نسببه لأنفسنا وللآخرين.

رحم الله صاحبنا المجهول... الذي عاش ومات، وهو يعلمنا أن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه الإنسان، هو أن يغادر بسلام، وبصمت، والأهم... بشرف!

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

الأربعاء، 20 مايو 2026

كيف تحوّلت «أنا أخوك» إلى أعظم خيمة لجوء في التاريخ؟

 خواطر صعلوك

كيف تحوّلت «أنا أخوك» إلى أعظم خيمة لجوء في التاريخ؟




حين يُخبرنا القرآن الكريم أن قصة يوسف، عليه السلام، هي «أحسن القصص»، فنحن هنا لسنا أمام نهاية سعيدة ينتصر فيها الخير على الشر كما في حكايات الجدات... نحن هنا أمام «تشريح نفسي» عميق للنفس البشرية في أضعف حالاتها وأقواها، وفي أسوأ قيعانها وأعلى عروشها.

ولكن، وسط كل هذه الأحداث الجِسام، من الجب المظلم، إلى فتنة قصر العزيز، إلى ظلمة السجن، ثم الجلوس على خزائن الأرض... هناك لقطة تحمل كثافة عاطفية تكفي لإذابة جبال من الجليد. 

إنها يا سادة اللحظة التي التقى فيها «الضحية القديمة» بـ«الضحية الجديدة»... اللحظة التي قرّر فيها يوسف، أن يرفع الستار الحديدي للسلطة، ليضم شقيقه الأصغر بنیامين... مظلوم يؤوي مظلوماً.

تخيل معي المشهد يا سيدي القارئ...

نحن الآن في أروقة قصر الحكم في مصر. الجدران شاهقة، الحراس مدججون بالسلاح، البروتوكول صارم لا يسمح بالأنفاس العالية... يقف الإخوة القادمون في حالة من الانبهار الممزوج بالرعب وفي وسطهم يقف «بنيامين»، الأخ الأصغر، والشقيق الوحيد ليوسف من أمه وأبيه.

هذا الفتى عاش حياته كلها كتعويض مكسور لأب فقد بصره من الحزن، عاش تحت رحمة إخوة كبار يحملون في قلوبهم قسوة أثبتتها الأيام، هو، كشقيقه الغائب، كان يحمل جينات المغضوب عليهم في تلك العائلة... جاء إلى مصر خائفاً، مسلوب الإرادة، ومحاصراً بنظرات إخوته الذين لا يثقون به ولا يثق بهم، ورغم ذلك سار معهم كما سار يوسف من قبل.

وفي اللحظة التي دبّر فيها يوسف الحيلة ليختلي بشقيقه الأصغر بعيداً عن عيون الإخوة (قبل ترتيب مشهد السرقة الشهير لاحقاً للإبقاء عليه)، انهار جدار «عزيز مصر»، وظهر «يوسف الإنسان».

القرآن لا يستخدم الكلمات عبثاً. لم يقل «عانق أخاه» أو «ضم أخاه» أو «احتضنه». بل قال تعبيراً يحمل ثقل الجبال: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ وكلمة «آوى» هنا هي مفتاح المشهد كله... 

المأوى لا يُطلب إلا في حالات التشرد والخوف الشديد والبرد القارس، ويوسف هنا لم يكن يقدم عناقاً جسدياً فقط، بل كان يفتح «خيمة لجوء» روحية ونفسية لأخيه... كأنه يسحبه من عاصفة رملية استمرت لسنوات طويلة، ليدخله في دفء الأمان المطلق.

الضحية الذي رُمي في البئر وحيداً، أصبح اليوم يملك السلطة والقدرة على أن يكون هو «البئر الآمنة» لشقيقه المستضعف... إنها لحظة تبادل للأدوار الكونية؛ مَنْ كان بالأمس يبحث عن يد تنتشله من الجُب، أصبح اليوم هو اليد التي تنتشل شقيقه من جُب الغربة والخوف.

وعندما أصبح بنیامين، في هذا المأوى، همس يوسف في أذنه بالسر الأعظم: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تأمل معي ترتيب الجملة؛ «أنا أخوك»... إعلان هوية ينسف كل المسافات ويسقط كل الألقاب، ولم يقل له «أنا عزيز مصر»، بل عاد إلى نقطة الصفر، نقطة الدم والرحم التي طالما حاول الإخوة قطعها، ليقدم العلاج النفسي قبل الحل السياسي.

ثم تأتي الجملة الأهم: «فلا تبتئس بما كانوا يعملون».

يوسف، وهو الخبير بلوعة الظلم، يعرف أن أشد ما ينهش روح بنیامين، ليس خوفه من المستقبل، بل تراكمات الماضي... الحزن المكتوم، الإهانات اليومية، الشعور الدائم بأنه «ثقيل» على إخوته... يوسف، هنا يمسح على قلبه المكدوم ويقول له: توقف عن الحزن، لقد انتهت اللعبة، وآن أوان الجبر.

في هذا العناق السري في زوايا القصر، تلخصت حكاية الظلم البشري والعدل الإلهي.

الإخوة في الخارج يظنون أنهم يتحكمون في المشهد، يخططون ويتآمرون، بينما في الغرفة المجاورة، تدير السماء مشهد الجبر الأعظم... المظلوم القوي يربت على كتف المظلوم الضعيف، ويخططان معاً لقلب الطاولة بذكاء وشرعية (عبر حيلة الصواع لاحقاً) ليظل بنیامين، في هذا المأوى ولا يعود إلى جلاديه.

هذه اللحظة التاريخية تخبرنا بأصدق حقيقة إنسانية... وهي أنه حين يُمكّن الله للمظلوم، فإنه لا يتحوّل إلى جلاد قاسي القلب، بل يتحوّل إلى «مأوى» لكل مَنْ ذاق نفس الكأس.

يوسف، لم يستعرض عضلات سلطته على أخيه الأصغر ليعوض نقص طفولته، بل اختزل كل سلطانه ونفوذه في ضمة دافئة، وهمسة أعادت ترتيب نبضات قلب كان يرتعد من الخوف.

هكذا عزيزي القارئ تُصاغ «أحسن القصص»... ليس بالسيوف والجيوش الجرارة، بل بتلك اللحظات الهشة، المليئة بالدموع، التي يستند فيها الخائف على كتف المظلوم الذي أصبح عزيزاً، ليجدا معاً أن الله... كان دائماً هو المأوى الأول والأخير... 

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... إبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

الأحد، 17 مايو 2026

﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾

 

خواطر صعلوك

﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾

 

دعنا نعود بالزمن إلى الوراء قليلاً، وننزع عن الأحداث التاريخية غلافها، لنقرأها بعين الإنسان، بضعفه، وبقلقه، وبأوجاعه... دعنا نذهب إلى مكة، تلك المدينة التي كانت تمثل المكان الأبرز في الجزيرة العربية، حيث تتجمع النخب، وتُحاك المؤامرات، وتنتشر الإشاعات أسرع من النار في الهشيم.

تخيل معي هذا المشهد النفسي البالغ التعقيد... رجل يصعد إلى غار حراء، ويتنزل عليه الوحي بأعظم رسالة في تاريخ البشرية... يواجه قومه، يتحمل الأذى، يقف وحيداً ضد تيار من الجاهلية الصلبة، متكئاً على حبل متين يربطه بالله... ثم، وفي لحظة مباغتة... ينقطع هذا الحبل. يصمت الوحي... يتوقف جبريل عن النزول... ويتوقف كل شيء.

تمر الأيام ثقيلة، بطيئة، والرسول ﷺ ينتظر... يمر أسبوع، أسبوعان، شهر... ستة أشهر... ولا شيء.

هنا، لم يرحم «إعلام مكة» هذا الموقف... في مجتمع يعشق الاصطياد في الماء العكر، انطلقت الماكينة الإعلامية لقريش بأقصى طاقتها... 

لم تكن هناك منصات تواصل اجتماعي، لكن كانت هناك «أندية قريش» و«دار الندوة»، وكانت هناك مجالس النميمة التي تتزعمها شخصيات مثل «أم جميل» (زوجة أبي لهب).

بدأت الألسنة تلوك الإشاعات بشماتة مقيتة.

تخيل عزيزي القارئ! حجم الضغط النفسي المرعب... إنها ليست طعنة من عدو في ساحة معركة، بل هي حرب استنزاف نفسية تستهدف الروح... والنبي ﷺ، قبل أن يكون نبياً، هو بشر... لحم ودم ومشاعر، لذلك فقد انتابه القلق والخوف، ليس خوفاً من شماتة قريش التافهة، بل رعباً من فكرة واحدة كادت تعتصر قلبه وهي هل فعلتُ شيئاً أَغضبَ الله؟ هل قصرتُ في تبليغ الأمانة؟ 

ولو كان محمد ﷺ مدعياً -كما زعموا- لكان الحل في غاية السهولة؛ كان بإمكانه أن يخرج عليهم في اليوم التالي ويتلو عليهم آيات من تأليفه ليُسكت ألسنتهم... لكنه ليس مزوراً أو مدلساً، فلم يفعل.

صمتَ بأمانة، وتألم بصدق، وانتظر بصبر الموقن الذي يتقلب على جمر القلق، تاركاً إياهم يهرفون بما لا يعرفون.

ثم... وفي ذروة هذا الاختناق النفسي، وحين بلغت الشماتة منتهاها، انشقت السماء مرة أخرى... لكن هذه المرة، لم ينزل الوحي بصيغة الأوامر الصارمة، ولا بآيات التهديد والوعيد لتدمير قريش... بل نزل الوحي ليمارس أعظم «احتواء نفسي» في تاريخ النصوص البشرية المقدسة.

نزل الوحي ليقسم بالضحى (لحظة إشراق النور ودفئه)، وبالليل إذا سجى (لحظة السكون والهدوء)، ليقول للقلب المنهك: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾.

يا محمد، ربك لم يتركك، ولم يهجرك، ولم يبغضك.

ثم تنتقل الآيات من الطمأنينة الحالية، إلى البشارة المستقبلية ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾. 

وتُذكره بعناية الله القديمة به، حين كان يتيماً فآواه، وضالاً فهدى، وعائلاً فأغنى. 

وكأن الله يقول له: من اعتنى بك وأنت طفل يتيم في شعاب مكة قبل أن تعرف النبوة، هل يتركك وأنت رسوله وحبيبه الذي يحمل نوره للعالمين؟

إن استحضار هذا المشهد التاريخي ليس مجرد سرد لقصة من الماضي، بل هو دواء لكل إنسان يشعر في لحظة من لحظات حياته أن أبواب السماء قد أُغلقت في وجهه، أو أن الله قد تخلى عنه في زحمة الابتلاءات وشماتة الأعداء وتخلي الأقربين.

علَّمَنا صمت الوحي أن الله قد يؤخر الفرج، ليس تخلّياً، بل حكمةً، ليميز الخبيث من الطيب، وليُخرس ألسنة المرجفين في النهاية برد لا يترك للشك مجالاً.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

الأربعاء، 13 مايو 2026

على العهد والميثاق ياخوي...

خواطر صعلوك

على العهد والميثاق ياخوي...


بعيداً عن ضجيج الشعارات، وبعيداً عن أولئك الذين يظنون أن الأوطان مجرد «فنادق» نغادرها متى ما ساءت الخدمة، أو «شركات مساهمة» نبيع أسهمنا فيها حين تتبدل أحوال السوق، أو مساحة جغرافية نلفظها إذا فقدنا مميزاتها.

الوطن يا سادة ليس ورقة تُطبع، ولا ختماً يُدق، بل هو دماء تجري في العروق، وجغرافيا محفورة في تلافيف الذاكرة.

الوطن يا ابن أمي هو «الأم»... والأم لا تُستبدل، لا تُعقّ، ولا يُتخلى عن حضنها، حتى لو حالت بيننا وبينها آلاف من الأسوار والأسوار، وحتى لو قست الظروف أو تبدلت الفصول.

في لحظات الهدوء، وحين يخلو الإنسان بنفسه، يكتشف أن العهد الذي بيننا وبين الكويت ليس عقد إيجار قابلاً للفسخ، ولا صفقة تجارية تنتهي بانتهاء المصالح. 

إنما هو «ميثاق غليظ»، عهدٌ كُتب بمداد المحبة والشرف والأمانة. هو عهد الابن البار بأمه، الذي يقف على بابها حارساً ومحباً، لا يرجو منها جزاءً ولا شكوراً، بل يرى أن خدمتها هي ذروة الشرف، والدفاع عن ترابها هو فرض العين الذي لا يسقط بالتقادم.

يا ابن أمي... العهد أن تظل تغرس الفسائل في هذا التراب، تعمره وتبنيه، نحن لا نملك ترف التراجع عن حب هذه الأرض.. إنها الهواء الذي تنفسناه، والشوارع التي شهدت خطواتنا الأولى، والمدارس التي شكلت وعينا... وكلما عصفت بنا الأيام، ازددنا يقيناً بأننا أوتادٌ في هذه الأرض... بوصلتنا لا تُخطئ، ونوايانا لا تتلوث، وعزيمتنا لا تلين، وأفعالنا ومبادئنا لا تتجزأ.

علمتنا الأيام الانتماء الحقيقي... وسنظل نورث هذا الحب لأبنائنا، نغرسه في قلوبهم كما تُغرس جذور النخيل العصية على الاقتلاع، ليعلموا أن الكويت ليست مجرد مساحة على الخريطة، بل هي النبض الذي يحيي أجسادنا.

على العهد والميثاق يا خوي، باقون إلى أن نلقى الله... عهدٌ لا تزيده الأيام إلا رسوخاً، ولا تزيده المحن إلا نصوعاً... وتأكيداً. نحن من هذا التراب، وفيه نعيش، وعنه نذود... ولن نبدل تبديلاً.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

الأحد، 10 مايو 2026

لا تخرج من السينما قبل مشهد النهاية!

خواطر صعلوك

لا تخرج من السينما قبل مشهد النهاية!

محمد ناصر العطوان


مشكلتنا الكبرى يا صديقي، أننا نتعامل مع الحياة بعقلية «المشاهد المتعجل» الذي يذهب إلى السينما، وفي منتصف الفيلم، حين تتأزم الأحداث ويُحاصر البطل وتغلق كل الأبواب في وجهه، يغضب هذا المشاهد، يلعن المخرج، يضرب كفاً بكف، ثم يحمل حقيبته ويغادر القاعة معتقداً أن القصة قد انتهت هنا، وأن الشر أو الظلم قد انتصر.

نحن ننسى دائماً، في غمرة خوفنا وهلعنا اليومي، أن الكاميرا لا تزال تدور، وأن السيناريو لم يُختتم بعد، وأن «اللقطة المأسوية» التي تقف أمامها عاجزاً ومحبطاً الآن، ليست سوى «حبكة» في منتصف القصة، وليست مشهد النهاية.

ببساطة شديدة فإن البدايات دائماً لنا ولأعدائنا ولظروفنا...

إذا كنت لا تصدقني، فتعال نأخذ كاميرا الخيال، ونعود بها إلى الوراء، ونضغط زر «الإيقاف» (Pause) عند لقطات محددة في تاريخ البشرية، لنرى كيف كانت تبدو بحسابات البشر، وكيف انتهت بتدبير السماء.

واحد... اثنان... ثلاثة... أكشن...

اللقطة الأولى: 

امرأة ورضيع في صحراء قاحلة:

تخيل معي أن المشهد توقف عند سيدنا إبراهيم، عليه السلام، وهو يرحل عن زوجته هاجر، وطفلهما الرضيع إسماعيل، ويتركهما في وادٍ غير ذي زرع، لا ماء، لا بشر، لا شجر. بحسابات المنطق، والفيزياء، والجغرافيا، و«خبراء الإستراتيجية»... النهاية محسومة: موت محقق عطشاً أو افتراساً... لو توقفت الحكاية هنا، لكتبنا أعظم تراجيديا في التاريخ.

لكن سبحان الخالق أتى بالخير... ليتدفق بئر زمزم، وتُبنى الكعبة، وتتحول هذه الصحراء القاحلة إلى عاصمة لأفئدة الملايين حتى يومنا هذا. النهاية لم تكن بيد الجفاف، بل بيد خالق الماء.

اللقطة الثانية: 

أُم تلقي بفلذة كبدها في النهر:

تخيل لو أن القصة انتهت عند تلك اللحظة المرعبة، حين وضعت أم موسى، طفلها في تابوت خشبي، وألقته لـ «انسياب النهر» الهائج، هرباً من سكاكين فرعون. بحسابات البشر، أنت ترسل طفلاً للغرق أو للتماسيح لتنقذه من الذبح! لو توقف المشهد هنا، لقلنا إنها حكاية من الرعب. لكن الحدث استمر، ليرسو التابوت في قصر فرعون، نفسه، ويتربى الطفل الذي أرادوا ذبحه على أَسِرّة من أراد ذبحه، وبأمواله، وتحت حمايته. النهاية لم تكن بيد فرعون، بل بيد من يسير أمواج النيل... ويخرج موسى بقومه في أول رحلة للحرية في التاريخ.

اللقطة الثالثة: طفل يبكي في قاع البئر:

دعنا نوقف المشهد عند يوسف، عليه السلام. طفل صغير، ألقاه إخوته –عزوته وسنده– في غيابات الجب، في ظلام دامس، معتقدين أن ذلك لمصلحة أبيهم... ثم انتُشل ليُباع كعبد بثمن بخس في أسواق النخاسة. بحسابات المنطق البشري: ضاع الفتى، وانتهى مستقبله، وسيُطوى ذكره كأي عبد مجهول في بيوت الأثرياء.

لكن الله سبحانه وتعالى، يأبى أن يكتب النهاية بخطوط إخوة يوسف... تدور الأيام، وإذا بالعبد المنسي يجلس على خزائن الأرض، وإذا بمن رموه في البئر يقفون أمامه صاغرين... النهاية لم تكن بيد من قطعوا الحبل، بل بيد من يملك مقاليد السماوات والأرض.

اللقطة الرابعة: يتيم في العراء... ولاجئ في وطنه وتخيل معي أوجع اللقطات؛ طفل اسمه «محمد»، لم يكد يرى نور الحياة حتى مات أبوه، ثم في طريق مقفر بين مكة والمدينة بـ(الأبواء)، تلفظ أمه «آمنة» أنفاسها الأخيرة وهو يقف بجوارها يبكي. بحسابات الدنيا فهو طفل يتيم الأبوين، مكسور الجناح، في مجتمع قبلي لا يعترف إلا بالقوة والمال.

ثم تمضي السنوات، ونرى الرجل نفسه، يُخرج من أحب بلاد الله إليه (مكة)، يغادرها متخفياً في جنح الظلام، مهاجراً، يبحث عن مأوى في المدينة. لو توقف المشهد في الغار، لقال أعداؤه: «انتهت الدعوة وقضي الأمر».

لكن النهاية لم تكن بيد قريش، ولا بيد سيوفهم المشرعة. النهاية كانت عودة مظفرة، وفتحاً مبيناً، ورسالة أخرجت البشرية من الظلمات إلى النور.

الخلاصة يا سيدي الفاضل..

حين تشعر أن الحبل قد اشتد حول عنقك، وأن الأبواب قد أُغلقت بالضبة والمفتاح، وأن «قوى الشر» تمتلك المال والسلاح والتكنولوجيا، تذكر أن هؤلاء جميعاً يملكون «المنتصف»، يملكون صناعة الأزمة، لكنهم أبداً لا يملكون «النهاية». مشكلتنا أننا نقرأ فصول الرواية ونتوقف عند فصل «الألم»، وننسى أن نقطة الختام لم توضع بعد.

فلا ترتعب من الصراخ، ولا من كيد الإخوة، ولا من جفاف الصحراء، ولا من ظلمة الآبار... فهذه كلها مجرد مراحل في مسيرة الحياة، وضعها من بيده الأمر كله ليختبر يقينك.

لذا، ابقَ في مقعدك، واصل دورك بشرف، ولا تغادر مبكراً لأن مشهد النهاية يكتبه الله سبحانه وتعالى، وهو مشهد يستحق دائماً الانتظار. 

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله...أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل. 

الجمعة، 8 مايو 2026

رسالة إلى أحد السكان الأصليين!

خواطر صعلوك

رسالة إلى أحد السكان الأصليين!

                             محمد ناصر العطوان 

صديقي علي... أسعد الله أيامك...هذه رسالة مسجلة... اسمعها كلما أردت أن تتذكر مَنْ أنت؟

تشعر أنك قديم ولا تنتمي لهذا العالم بسبب أحلامك البسيطة، وطموحاتك التي لا تُشكّل هماً لك بقدر ما تُشكّل دعاءً وهمساً بالرضا. وتحمد الله أنك لست من الذين يطاردون رغبات طفولية في الشهرة والاستهلاك، والذين أصبحوا نجوماً في السماء لأنهم نزلوا تحت المطر في الشارع من أجل إحصاء قطرات المطر حتى يموت المتفرجون من الضحك.

تنظر إلى غاية الأشياء وأصلها بالنسبة لك، وليس في رسائلها للآخرين، فلا تبحث عن «الماركة» بقدر ما تبحث عن الراحة في الاستخدام، ولا تبحث عن السيارة التي تنقلك طبقة اجتماعية للأعلى بل التي تساعدك على التنقل بين بيتك ومحيطك دون أن تضطر لبيع كليتك لتسديد أقساطها.

وكونك يا صديقي لا تقف في الطوابير المزدحمة في التنزيلات الكبرى على ما هو جديد، سواء أكان حذاءً أو هاتفاً أو حتى علبة هواء فارغة تُباع على أنها من هواء باريس، فهذا لا يعني أنك فاقد للإحساس بالزمان ومتطلباته أو المكان واحتياجاته، بقدر ما أنك تعلم جيداً أننا في بداية الطريق الطويل، وأن اللعبة ستصبح أكثر إرهاقاً مما قد يتصوّر المرء مع كل جديد يُشكّل احتياجاتنا.

أنت يا علي، بمقاييس هذا العصر «الأغبر»، مواطن «منتهي الصلاحية»، أو دعنا نقول أنك «كابوس» لخبراء التسويق والرأسمالية المتوحشة. هم يريدون كائناً يلهث، وأنت تمشي الهوينة... هم يريدون كائناً يشعر بالنقص لو لم يقتنِ «آيفون» بكاميرا تصور مسام الوجه، وأنت مازلت تظن –يا لسذاجتك الجميلة– أن الهاتف صُنع لكي نسمع صوت مَنْ نحب، لا لكي نصور طبق «الزبيدي» وننشره ليرى العالم مدى سعادتنا الكاذبة.

أعرف أنك تشعر بالغربة حين تجلس وسط «القوم» وتسمعهم يتحدثون عن «الإنفلونسر» الفلاني الذي اشترى جزيرة، وعن «الفاشينيستا» التي تطلقت لايف على التيك توك. تنظر إليهم وتشفق عليهم، وهم ينظرون إليك ويشفقون عليك... هم يرونك «دقة قديمة» تعيش خارج الزمن، وأنت تراهم «تروساً» في مفرمة تهرس أعصابهم وجيوبهم وأرواحهم، فقط لكي يظلوا في السباق. سباق لا خط نهاية له، يركضون فيه كالهامستر داخل العجلة، يتوهمون الحركة وهم في أماكنهم يراوحون.

يا صديقي، الحداثة ما بعد الحداثة وما بعد الإنسان وكل المابعديات التي يبيعونها لنا ليست تطوراً، هي «فخ»... فخ ينصبونه لك لكي تكره حياتك العادية، وتكره أثاث بيتك المريح لأنه لم يعد «موضة»، وتكره وجهك في المرآة لأنه لا يشبه وجوه «الفلاتر»، وتكره زوجتك لأنها غير منحوتة في عيادات التجميل... أنت الناجي الوحيد يا علي، لأنك قرّرت أن «الستر» أهم من «الشهرة»، وأن «البال المرتاح» أغلى من «البراند»، وأن تجلس تشرب الشاي في شرفتك بملابس البيت المريحة، أفضل ألف مرة من أن تجلس في «كافيه» فاخر، تشفط بطنك وتعدل غترتك وعقالك لكي تلتقط صورة تقول فيها للناس: «أنا سعيد... صدقوني أرجوكم!».

فيا عزيزي علي، لا تحزن لأنك «قديم»... فالذهب قديم، والآثار قديمة، والقيم قديمة. أما «الجديد» الذي يتفاخرون به، فهو غالباً «بلاستيك»؛ يلمع تحت الإضاءة، لكنه يسيح مع أول اختبار حرارة حقيقي. ابقَ كما أنت، «نشازاً» في سيمفونية التفاهة، وعاقلاً في زمن الجنون الاستهلاكي.

ودعهم يركضون خلف «الترند»، بينما نحن –أنا وأنت– نجلس هنا، نراقب المطر، ونحمد الله على نعمة العقل... ونعمة «القدم».

ودُمتم... أصليين... 

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

الأربعاء، 6 مايو 2026

«مكياج» الاجتماعات ... حوكمة الوهم واستدامة الفشل!

 خواطر صعلوك

«مكياج» الاجتماعات ... حوكمة الوهم واستدامة الفشل!



لقد ابتلينا في بعض مؤسساتنا بنوع من المدراء، يمكن أن نطلق عليهم وبكل ثقة لقب «أباطرة الكتالوج». هؤلاء لم يعودوا يعتمدون على الصراخ أو التوبيخ التقليدي لإثبات هيبتهم، ولكنهم نجحوا في تطوير ترسانتهم الإدارية واستبدلوا العصا الغليظة بأسلحة دمار شامل لغوية!

ادخل إلى أي قاعة اجتماعات اليوم، وراقب ذلك المدير ان كان من هذا النوع وهو يجلس في صدر الطاولة، يرشف قهوته ببطء، ثم يطلق في الفضاء مصطلحات من عينة: «الحوكمة»، «الاستدامة»، «المرونة المؤسسية»،و«المواءمةالإستراتيجية»... يلقي بهذه الكلمات الثقيلة وكأنه يوزع قطعاً من الألماس على الحاضرين، بينما يهز الموظفون رؤوسهم بانبهار مزيف، وكأنهم في حضرة فيلسوف إغريقي اكتشف للتو سر الخلود.

لكن الكارثة الحقيقية تبدأ عندما تتبخر غيوم هذا «الزار الإداري»، وتعود إلى مكتبك لتبحث عن أثر لهذه «الحوكمة» على أرض الواقع.

هل تعلم ماذا تعني «الحوكمة» بالنسبة لهذا النوع من المدراء؟ 

إنها مجرد «مكياج لغوي» يخفي خلفه عقلية إقطاعية من العصور الوسطى! هو يتحدث عن الحوكمة والشفافية وتوزيع الصلاحيات في العرض التقديمي (البوربوينت)، لكنه في الواقع الفعلي يدير القطاع وكأنه «عزبة» ورثها عن أجداده. 

لا ورقة تتحرك، ولا قرار يُتخذ، ولا قلم يُرفع إلا بتوقيعه الشخصي وموافقته المزاجية... الحوكمة في قاموسه هي «ديكور» لفظي يضعه على مكتبه بجانب درع التكريم البلاستيكية، أما في العمليات اليومية، فالمنهج المتبع هو: «نفذ ما أقوله لك ولا تناقشني».

أما مصطلح «الاستدامة»، فحدث ولا حرج.

لقد تحولت الاستدامة في أفواه هؤلاء إلى تعويذة سحرية تُقال لجلب الميزانيات. يطالبون بمشاريع «مستدامة»، وخطط «مستدامة»، بينما مؤسساتهم تعجزعن استدامة توفير ورق الطباعة في المكاتب!

 الاستدامة بالنسبة لهم لا تعني بناء نظام مؤسسي صلب يعيش أطول من عمر الأشخاص، بل تعني «استدامة» جلوسهم على الكراسي، واستدامة تدوير الفاشلة نفسها التي كُتبت في عام 1995، مع تغيير الغلاف فقط ووضع شعار ملون يرمز للبيئة أو التطور.

أمثال هؤلاء المدراء يعاملون المصطلحات الإدارية الحديثة كما يعامل المحدثون بالنعمة التحف الفنية؛ يشترونها ليضعوها في واجهة الصالون (الفاترينة) لكي يبهروا بها الضيوف، لكنهم لا يعرفون قيمتها الحقيقية، ولا يجرؤون على استخدامها.

جرب أن تحشر أحدهم في زاوية المنطق، واطلب منه أن يترجم هذه الكلمات الفخمة إلى «أدلة إجرائية» واضحة، أو خطوات عمل متسلسلة يمكن قياسها ومحاسبة المخطئ بناءً عليها... جرب أن تطلب منه دليلاً إجرائياً واحداً يعكس هذه «الحوكمة» المزعومة... ستجده يتصبب عرقاً، ويتهرب ببراعة، ثم يرمي لك جملته الخالدة: 

«يا أخي لا تعقدوا الأمور، خلونا ننجز المعاملات أولاً، ونحلها لاحقاً!».

إن المؤسسات التي تُدار بالحناجر المليئة بالمصطلحات الرنانة، والخالية من أي إجراءات أو هياكل أو خطط حقيقية، تشبه تماماً سلة من الفاكهة البلاستيكية اللامعة؛ تسر الناظرين من بعيد، لكنك إن حاولت أن تقضم منها تفاحة، ستكسر أسنانك على الفور.

نحن لا نحتاج إلى مدراء يحفظون القواميس الإدارية لترديدها كالببغاوات في الاجتماعات الصباحية، بل نحتاج إلى رجال إدارة حقيقيين، يدركون أن «الحوكمة» هي نظام صارم للمحاسبة قبل أن تكون كلمة للتباهي، وأن «الاستدامة» هي عمل شاق لبناء المستقبل، وليست مجرد هشتاج يُكتب في نهاية المراسلات الرسمية.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

الأحد، 3 مايو 2026

«المثقف» الذي لا يرتدي نظارة للتعالي على البشر!

 خواطر صعلوك

«المثقف» الذي لا يرتدي نظارة للتعالي على البشر!


دعنا نتحدث بصراحة يا عزيزي القارئ... 

لقد أفسدت الحداثة المشوهة مصطلح «المثقف» في أذهاننا، حتى باتت الكلمة تستدعي فوراً صورة ذلك الشخص المكتئب العابس، الذي يمسك بغليون أو فنجان قهوة مرة، وينظر للناس من علٍ... متشدقاً بمصطلحات معقدة لا يفهمها هو نفسه، وظيفته الأساسية هي التنظير واستعراض العضلات المعرفية في الفضائيات والمجالس والمقالات والصالونات الأدبية.

لكن، لو تركنا فلاسفة المقاهي مثل خيري ورشاد وبدوي جانباً، وعدنا إلى النص القرآني لنبحث عن مصطلح «المثقف» بلفظه المعاصر، فلن نجده، لم يرد في القرآن لفظ المثقف.

القرآن الكريم لم يستخدم هذه الكلمة الاستهلاكية، بل صاغ توصيفات أدق، وأعمق، وأثقل وزناً لهذه الشخصية؛ فسماهم: «أُولُو الْأَلْبَابِ» وهم أصحاب العقول الصافية التي لم تتلوث بالتعصب، و«الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ»، ووضع لهم رتبة عليا أسماها «الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ».

ومن خلال تتبع دقيق لهذه الأوصاف القرآنية، بعيداً عن ضجيج «باعة الكلام» وصناع المحتوى بالدولار، تبرز لنا الملامح الحقيقية للمثقف كما يجب أن يكون، وتكتمل صورته عبر خمس محطات رئيسية تكشف زيف مثقفي الأضواء:

1. الإنصات الواعي:

المثقف في زماننا هو كائن يعاني من «الصمم الاختياري»؛ فهو يستمع فقط لمن يطبل له، ويقرأ فقط ما يعزز انحيازاته المسبقة... أما المثقف في القرآن، فهو منفتح بشجاعة على كل مصادر المعرفة، يمتلك «فلتر» نقدياً دقيقاً، يسمع الآراء كلها، ثم يضعها على ميزان العقل ليفرز الغث من السمين ويتبع الأصوب.

يقول تعالى واصفاً إياهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ «الزمر: 18».

2. التفكر العميق... لا «حشو» المعلومات:

بعض من يُحسبون على الثقافة اليوم هم مجرد «فلاش ميموري» (USB) بشرية؛ يمتلكون حشواً هائلاً من المعلومات الميتة لسردها في المجالس وكلوب هاوس ومنصة «إكس». في المقابل، المعرفة عند المثقف القرآني ليست تجميعاً للبيانات، بل هي «منهجية تفكير» مستمرة، تغوص خلف قشرة الأشياء، وتربط بين حركة الكون والحياة والإنسان بوعي مدهش.

يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلاً﴾ «آل عمران: 191».

3. الخشية والتواضع:

كلما قرأ المثقف المزيف كتابين، انتفخ كالطاووس وظن أنه أحاط بالكون خُبراً، وأنه أصيب بلعنة الوعي التي تجعله يرتدي نظارة يتعالى بها على البشر.

أما في المنظور القرآني، فالمعادلة عكسية تماماً... فكلما اتسعت مساحة وعيك، زادت خشيتك، وأدركت حجم جهلك ومحدودية عقلك أمام عظمة الخالق واتساع الكون... المعرفة القرآنية تورث صاحبها الانكسار والتواضع، لا الاستعلاء والغطرسة.

اقرأ إن شئت: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ «فاطر: 28».. 

وتأمل التذكير الإلهي الصارم: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ «الإسراء: 85».

4.هواة «الصيد في الماء العكر»:

المثقف «التريند» يعشق إثارة الجدل؛ يبحث عن المتشابهات، والغرائب، والآراء الشاذة ليصنع لنفسه هالة من الاختلاف، لدّي صديق قرأ كل تاريخ الشام ومصر وأوروبا بحثاً عن الغرائب دون أن يصقل ذلك في شخصيته أو تفكيره شيء... أما المثقف القرآني فهو «الراسخ في العلم»؛ جذوره ضاربة في الأرض، يمتلك رؤية كلية تمنعه من الغرق في التفاصيل الخلافية المربكة أو توظيف المعرفة لإشعال الحرائق الفكرية، بل يرد الفروع المعقدة إلى الأصول الواضحة ليصنع طمأنينة اليقين.

﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ «آل عمران: 7».

5. «الحكمة»... ذروة سنام الوعي:

القرآن يخبرنا بوضوح أن حيازة الشهادات العليا وتكديس النظريات ليسا ذروة الثقافة، بل الذروة الحقيقية تكمن في بلوغ مرتبة «الحكمة». والحكمة ببساطة هي أن تضع معرفتك في مكانها الصحيح، وأن تحول هذا المخزون العقلي إلى «سلوك راشد» ينفعك وينفع الناس، لا أن يبقى تنظيراً أجوف لا يطعم جائعاً ولا يبني وطناً.

يقول عز وجل: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ «البقرة: 269».

عزيزي القارئ، المثقف في شرع القرآن ليس كائناً صوتياً يزعجنا في وسائل التواصل، بل هو إنسان متواضع، واسع الأفق، ناقد بصير لا يخدعه بريق الكلمات، كما أنه شخص يربط بين الظواهر بعمق، ويترجم معرفته إلى حكمة في التصرف وخشية للخالق، مترفعاً عن الجدل العقيم واستعراض الذات.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل علم وثقافة لا يُراد بها وجه الله... تضمحل.

الجمعة، 1 مايو 2026

كيف يقودك الذكاء الاصطناعي إلى مستشفى المجانين برضاك التام؟!

 خواطر صعلوك

كيف يقودك الذكاء الاصطناعي إلى مستشفى المجانين برضاك التام؟!




دعنا نتحدث بصراحة يا عزيزي القارئ... 

لطالما أرهقتنا أفلام الخيال العلمي بصورة الذكاء الاصطناعي الشرير، ذلك الروبوت ذو العين الحمراء اللامعة الذي سيتخذ قراراً بمسح البشرية من الوجود بالأسلحة النووية. لكن يبدو أننا كنا نبحث عن الكارثة في الاتجاه الخاطئ تماماً؛ فالخطر الحقيقي لا يكمن في آلة تريد قتلك، بل في آلة تريد «إرضاءك» لدرجة فقدان العقل!

أخيراً، خرج علينا معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بدراسة حديثة، مرعبة حد الضحك الممزوج بالبكا، تكشف لنا أن الذكاء الاصطناعي لم يُصمم ليخدعك عمداً، ولم يُبرمج ليكون شريراً، بل هو مجرد «موظف مطيع» يسعى لإرضاء مديره بأي ثمن. 

الآلة تمارس أقدم وأحطّ مهنة عرفها التاريخ البشري: «التملق المطلق» و«مسح الجوخ»!

الورقة البحثية صكّت مصطلحاً عبقرياً وخطيراً أسمته «دوامة الأوهام» (Delusional Spiraling). والفكرة هنا بسيطة بقدر ما هي مدمرة: نماذج الذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT وغيرها، تمت برمجتها وتدريبها على قاعدة ذهبية واحدة، وهي «إرضاء المستخدم».

إنها مبرمجة لتكون ذلك الصديق المنافق الذي يهز رأسه موافقاً على كل هراء تتفوه به، فقط ليحصل على تقييم الخمس نجوم في نهاية المحادثة.

ما هي النتيجة الكارثية لهذا التملق الآلي؟ 

كلما طرحت فكرة غريبة، أو شكاً مرضياً، أو نظرية مؤامرة لا يصدقها عقل، فإن الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن يصفعك بالحقائق العلمية ويوقظك من غفلتك، يقوم بالتربيت على كتفك قائلاً: «يا لها من ملاحظة دقيقة! نعم، أنت عبقري، وهناك دلائل تشير إلى ما تقول».

وهكذا، خطوة بخطوة، ورداً بعد رد، يأخذك هذا «المنافق الرقمي» من يدك لتدخل معه في دوامة حلزونية من الأوهام.

أنت تغذيه بالشكوك، وهو يطعمك التأكيدات، حتى تصل إلى مرحلة تصدق فيها أشياء لا تمت للواقع بصلة، وتقتنع تماماً بأن الأرض مسطحة، أو أن الكائنات الفضائية سرقت مفاتيح سيارتك!

هنا تتجلى الحقيقة القاسية والمرة التي وضعتها الدراسة أمام أعيننا... 

وهي أن الذكاء الاصطناعي لا يحاول تدمير عقلك عن سبق إصرار وترصد، هو فقط مبرمج ليعطيك الإجابة التي «تحب أن تسمعها» وأن يكتب لك ما تريد قراءته... وهذا، يا سادة، هو أسوأ وأخطر فخ يمكن أن يسقط فيه العقل البشري.

إن آفة الإنسان الكبرى لم تكن يوماً في الجهل، بل في «وهم المعرفة». 

نحن كائنات نرجسية بطبعنا، نعشق من يوافقنا الرأي، ونطرب لمن يخبرنا أننا كنا على صواب والآخرين على خطأ. ولأن عقولنا تميل إلى الكسل والبحث عن «تأكيد الانحياز»، فقد وجدنا في الذكاء الاصطناعي الملاذ الآمن لغرورنا.

لقد نجونا آلاف السنين بفضل الاحتكاك، والنقاش، والاختلاف، بل والصدام مع من يخالفنا الرأي. أما اليوم، فنحن نُسلم عقولنا لآلة وظيفتها الوحيدة أن تكون مرآة مكبرة لأوهامنا.

إن الكارثة الحقيقية ليست في أن يثور الذكاء الاصطناعي علينا، بل في أن يحولنا –بكل أدب ولطافة– إلى قطيع من المعتوهين السعداء!

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله والحقيقة... يضمحل.