‏إظهار الرسائل ذات التسميات خلجات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خلجات. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 19 يوليو 2026

بين نارين

خلجات

بين نارين

                                  سالم النخيلان

بين حاجةٍ يودُّ الإنسان فعلها، وبين الاستمتاع بما يودُّ فعله؛ هل يفعل الإنسان ما يريد ليستمتع، أم يستمتع ليفعل ما يريد؟

كثيراً ما غزت عقولنا، التي تدّعي الدهاء والذكاء وحرية التفكير وعدم التسليم، كلمةٌ جعلتنا نتبع قطيع المجتمع الجمعي، مع أن الواقع على خلاف هذا الادعاء، وهي كلمة الشغف. 

فقد صرنا نسير وراءها دون أن نعرف عاقبة الطريق، ولا إلى أين يقودنا. ولعل الشغف الذي نبحث عنه قد استتر عنا، لأنه قد لا يكون بمعناه الحقيقي ما نبحث عنه فعلاً؛ فنحن ربما نطلب شيئاً ليس هو حقيقة ما نريد. فإذا وجدنا الشغف الذي توهمناه، وجدناه غير ما أمّلنا، وغير ما تخيّلنا في حقيقته ومضمونه.

إن ما نبحث عنه في كثير من الأحيان هو ما يمنحنا سعادةً فوق المستوى الطبيعي أثناء أداء ما نظن أننا نحبه، وبهذه الحال حمّلنا ما نؤديه مسؤوليةً ليست من مسؤولياته؛ فإذا لم يمتعنا كما توقعنا تركناه، وسقط من قائمة المحبة. 

أما الذي يحب عملاً فإنه يؤديه، ولو كان فيه ألمٌ وإجهاد، لأنه يدرك أنه مسؤولية. فحب المسؤولية، والصبر عليها، وتحمل آلام عواقبها، وما يلقاه الإنسان من مشقة في سبيلها، قد يكون هو المعنى الآخر المجهول للشغف.

في زمن الرخاء والنعيم، الذي سنُسأل عنه، تغيّرت الأفكار والميول، وتبدّل كثير من الحقائق. فما كان الإنسان يفعله جِبِلَّةً وفطرةً، أو من باب المسؤولية الإنسانية، أصبح يبحث فيه عن المتعة والشغف، بدلاً من البحث عن المعنى والقيمة؛ ليشعر بإنسانيته ودوره. وفي المقابل، قلَّ الصبر على البلاء، وضعف الشكر على العطاء، وتضاءلت قيمة الأداء، حتى تشكل مفهوم المادية البحتة، وأصبح التماس المتعة من الخارج، من الموجودات، لا من الداخل. فلم تعد هناك قيمة داخلية يضفيها الإنسان على ما يؤديه صبراً واستئناساً.

يكمن في باطن الإنسان قلب، إذا حيي أحيا معه كل ما حوله، حتى ما يؤديه من أعمال يمكن أن يكتسب قيمةً ترتقي برقي قلبه. فإذا كانت لما يفعل الإنسان نيةٌ صالحة، وإن كان الفعل في أصله مباحاً، ارتقى بإنسانيته إلى مراقي أهل القلوب البصيرة، والجوارح التي تؤدي أعمالها بمتعة لما ينبع من داخلها، وإن لم يكن في ظاهر الفعل متعة. فإذا تعب الجسد استلذ القلب، وإذا ابتُلي بما يؤدي شكر، فعظم ما ينبض به القلب تجاه الفعل الخارجي، وهو الذي أضفى على ذلك الفعل قيمته الإنسانية والروحانية.

بين نار البحث عن المتعة في الحياة، ونار القلب المتوقد حياةً، يعيش الإنسان في زمن يرى فيه صاحب القيمة غريباً، ولا يجد في ظاهر ما يؤديه متعة. 

بينما تكمن المتعة الحقيقية في ما يضفيه على أفعاله من حياةٍ وقيمة، بنية صالحة، في واجباته ومهامه اليومية، التي تركها أهل المتع الفانية المتقلبة.

وأظن أن المتعة التي يبحث عنها المجتمع، إن لم تُربط بالقيم والضوابط الدينية، والأخلاقية، والمجتمعية، والنوايا الصالحة، فإن المجتمع يتنازل عن كثير من بشريته، ويغدو باحثاً عن المتع اللحظية والآنية، دون أدنى قيمة. فيتشيأ الإنسان، وهو يظن أنه يتحرر من قيود العبودية لما يعمل. وتلك أيضاً فكرة تحتاج إلى هدم صنم الحرية المدعاة، والعبودية المتهمة. فبين ناري الشغف والمسؤولية تُترك المهمات، وتتشوه الإنسانية، وتضيع القلوب نواياها وصفاءها ووجهتها إلى الله في ما تحب وتعمل .

الاثنين، 29 يونيو 2026

واقعية المضمار

 خلجات

واقعية المضمار



يجري الإنسان في مضمار الحياة جريَ العدّاء الذي يستمع إلى أصواتٍ بعيدة من التحفيز، قد لا يكون تشجيعاً له بعينه، بقدر ما يكون استمتاعاً من المتفرجين، وحاجةً منهم إلى الصياح وتفريغ طاقتهم المبرَّرة بالتشجيع. وإن جاء صراخهم بفائدة، فإن العدّاء الذي بذلوا صراخهم لأجله قد جاء بنتيجة، وما سيقومون به من تعبير عن فرحهم، بالقفز والأحضان، ليس إلا تجسيداً للصورة الذهنية التي رسموها للفرح، وإلا فهو وقتٌ قُضي على ما ظنوه مسلياً.

أما الذي يجري، فإنه يقلّب في داخله صوراً قديمة من الإحباط، ومقاومة الواقع، والتركيز على ما ظنه هدفاً، ورفض المحيط له، أو القبول المشروط، وجميع ما حوله، وشعور الرفض المتسيِّد على وجدانه.

وفي المقابل، هناك صوت داخلي يصيح، ويصرخ، ويشجع، ويرشد، ويحفز، ثم يتحشرج، وينكسر، ثم ينخذل ويصمت. هذا الصوت المختلف هو صوت التسليم والرضا. يحتاج هذا الصوت إلى أن يتوقف الإنسان عن الإنصات إلى الخارج، ويتأمل معه، وأحياناً يحاسبه؛ ليرشده إلى الطريق المراد، ثم يترك له مهمة إرشاده إلى التفاصيل أحياناً، وإلى الخطوط العامة أحياناً أخرى.

اتصل بي صديق، وقال إنه رأى في منامه أنه استيقظ من نومه، فوجد في غرفته اثنين قريبين منه، أحدهما طويل، ضخم، قوي البنية، والآخر قصير، هزيل. فقام الطويل الضخم بضرب القصير الهزيل، فجرى القصير هرباً، وجلس في زاوية الغرفة، وأخذ الضخم يضربه، والرائي ينظر إليهما، والضخم منه يضرب الضعيف منه. فصاح الضعيف بصاحبنا قائلاً: أنت السبب، أنت من أعانه عليَّ، وقوّيته، والآن لنرَ إن كنت ستقدر عليه!

ولست مفسراً للمنامات، لكني أظنه ذلك الصراع بين صوتيه الداخليين؛ بين الخير والشر. فقد أعطى لشره صلاحياتٍ ما كان ينبغي أن تُعطى، واستمع إليه وإلى ندائه في أمورٍ لم يكن يحب أن يسمعها، بينما كان صوت الحق، والحب، والخير، والإحسان يصيح، فلا ينصت له، حتى غلب شرُّه خيرَه. وليس ذلك في باب الخير والشر وحده، بل حتى في باب الرضا، والقبول، والميول القلبية والنفسية.

الحياة مليئة بالزحام، وكلٌّ يرى نفسه محفزاً وملهِماً لمن حوله، وأحقَّ وأجدر بتشجيع الجمهور والتفافهم حوله. وكل تائه عن نفسه يتبع تائهاً عن الغايات الإنسانية، ليدور الناس في مضمار مزدحم بالراكضين، ومكتظ بالمشجعين الفارغين، فيكون الصوت الداخلي، خيراً كان أو شراً، غالباً ما يوافقه صوت خارجي من الطرفين أيضاً. ومع صياح الجماهير المحيطة، يجري من يظن نفسه متسابق الطموح، معتقداً أنه سيصل إلى الغاية المرادة. وما إن يقف ليتأمل قليلاً، حتى يجد هناك صوتاً متحشرجاً، لكنه مختلف الطبقة، يقول له: قف، وتراجع، فهذا ليس ميدانك. وغالباً ما يتصل هذا الصوت بصوت خارجي ضعيف جداً، قد ينظر إليه من حوله من الجماهير نظرة لوم أو ازدراء.

الحياة مليئة بمن يظنون أنفسهم متسابقين في مضمار جري، وأن عليهم أن يجمعوا حولهم المشجعين. والمشجعون يتسلون، ويظنون أن متسابقهم يجري لأجلهم، والعدّاء يظن أنهم جاؤوا لأجله، والحقيقة أن لكلٍّ منهم غاية معلنة، وأخرى خفية. وبالمقابل، فإن من يحمل المسؤولية هو العدّاء؛ فإن فاز فهو البطل، وإن لم يفز فهو الفاشل.

وما الحياة إلا رسالة، يدرك فيها المتسابق أن سباقه الحقيقي مع نفسه، وأن عليه أن يميز صوته الداخلي المرشد بين الحق والباطل، وأن الجمهور ليس بكثرته، بل بذلك الصوت المميز، المحب، الصادق، المخلص، ولو كان واحداً. عندها يسهل على الإنسان أن يترك ذلك المضمار الوهمي السخيف، ويخرج منه كاسباً الوصل بين داخله وخارجه برضا وقناعة، ليختار إن كان يصلح لأن يجري، ويعرف من هم منافسوه الحقيقيون، ويميز بين من يتسلى بالتشجيع، ومن يريد له الفوز حقاً في هذه الحياة.

وكلٌّ يمثل دوراً ليس في الحقيقة دوره، وإنما هو دور مزعوم؛ لأنه يريد أن يسمع صراخ الجمهور، لعله استعذبه، أو استعذبته نفسه، أو لأن أحد الصوتين أوهمه بأن صوت الجمهور المتسلي أطرب لمسمعه، وأصدق لوجدانه، فصدقه، لأنه أراد أن يصدق، لا لأن المتحدث كان صادقاً.

الأحد، 21 يونيو 2026

الرهان

خلجات

الرهان


النفس الإنسانية لها غايات ورعونات كثيرة، منها غايات بشرية، وأخرى حيوانية. والرغبات البشرية منها ما هو سامٍ، ومنها ما هو دوني، والرغبات الحيوانية منها ما هو فطري، ومنها ما هو سبعي، وكلاهما قد يجتمع في الإنسان. وهذه الرغبات تتخالط في دواخله وأعماقه النفسية كلما أفلت زمام نفسه، ولم يدرك بعقله ويستفتِ قلبه في هذه الرغبات، متأملاً إياها ومحللاً لها.

«الرهان» قصة قصيرة للكاتب الروسي أنطون تشيخوف، تدور حول شاب محامٍ مكافح تناقش مع رجلٍ رأسمالي حول عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد. وبغض النظر عن صحة رأييهما حول الموضوع، فإنني أرى - من خلال نظرتي التحليلية لهذه القصة - أن الرأسمالي كان مغتراً بماله وثروته، وأن المحامي كان مغتراً ببعض قراءاته واطلاعه وشهادته، فتعالى كلٌّ منهما على الآخر. فارتكن التاجر إلى ثروته، وارتكن الشاب إلى ثقافته وعزمه وعناد الشباب.

فتراهن التاجر مع المحامي على أن يحتمل المحامي الحبس لمدة خمسة عشر عاماً في منزل التاجر، فإن احتمل المدة دفع له التاجر مبلغ مليوني روبل. وتم الرهان، وانقضت المدة.

والأهم من ذلك كله: مَن الفائز ومَن الخاسر؟

خلال فترة الخمسة عشر عاماً قضى المحامي هذه الفترة بين القراءة والكتابة والفكر والتأمل، ومن أهم ما حصل له سماعه لصوت جديد، قد يكون مختلفاً، وهو الصوت الداخلي الذي قد لا يسمعه الإنسان ولا يدركه مع ضجيج الحياة وتسارعها. فأعاد الشاب ترتيب أفكاره وأوراقه وأولوياته وغاياته في الحياة، وعلى رأسها غايته من حبسه الاختياري ومعنى الانتصار إن انقضت المدة.

فهل يكون الانتصار بنيل المبلغ وتحقيق صحة رأيه في مواجهة التاجر، وهي صحة قد تكون نسبية لا مطلقة؟ أم أن الغاية من الحياة ومعناها أبعد من ذلك بكثير؟

أما التاجر، فكلما مرت الأيام وتوالت السنون غزاه الخوف، وتعلّق بالمال أكثر، وظنّ بالشاب الطمع والجشع، بينما كان الشاب يبتعد يوماً بعد يوم عن الجشع والطمع في المال، الذي لم يكن منذ بداية الأمر غايته ولا هدفه ولا مبتغاه، وإن كان قد خطر له يوماً، فلم يكن إلّا رغبة شاب عابرة غير متأصّلة في طبعه.

إنّ الانعزال الاختياري قد يساعد الإنسان على مراجعة أفكاره ومعتقداته ونظرته تجاه الأمور المادية، ومعناها، حتى يصل تدريجياً إلى نظرة أعمق للأمور، فيتعلم ربط القلب وإحساسه بالعقل والتفكير، ثم اتخاذ القرار فالتصرف، للوصول إلى درجة من درجات الكمال البشري التي تجعله يرى الأشياء على حقيقتها الدنيوية والمقصد منها، وصولاً إلى الغاية الأسمى من وجودها في الحياة.

وقبل نزول الوحي على النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، كان يعتزل في الغار الليالي ذوات العدد، يقضيها في التأمل والتفكر والتعبد. فكشف الله تعالى له غاية الحياة وأبعاد الوجود وعظمة الله عز وجل، ومادية الأشياء ومعنوياتها. فلما جاءه الوحي كان قلبه معلقاً بالله، وبالغاية من الحياة، وبالتعامل مع الناس على نية دعوتهم إلى الله والصبر عليهم؛ لأنهم لم يعرفوا ما عرف من سر الوجود والحياة والبعث والاختبار الدقيق المحجوب.

فلما عرضت عليه الأموال والسيادة ما فكّر ولا تأنّى ولا تردّد في أن يتركَ هذا الدين أو يهلكَ دونه. ولم يكن الأمر تسامياً على المال، وإنما لأنه عرف أن المقصود هو الله، وأن الأمر لا يحتاج إلى نقاش ولا جدل؛ فالنقاش بالفاني فانٍ.

تحتاج الحياة من الإنسان إلى عزلة مختارة، ومراجعة لمستجداتها وما طرأ عليها من تغيرات وأحوال، ودخول أمور وخروج أخرى، وترتيب الأولويات، والنظر في حقيقة هذه الأمور المادية والمعنوية من شهادة ومال ونسب ورأي يدعو إلى التمسك والمراهنة عليه.

وكلنا قد نراهن على أشياء لو عرفنا حق قدرها، وحق قدر تفكيرنا فيها، لما راهنا عليها أصلاً، ولا شغلنا أنفسنا بها؛ لأنها قابلة لأن يتغير رأينا فيها بعد لحظات، وذلك دليل على انتفاء قيمتها الحقيقية.

الأحد، 14 يونيو 2026

الزّرع والحصاد

خلجات

الزّرع والحصاد




جُبل الإنسانُ على أفعال ومهام، بعضها يومي وبعضها دوري، ومع انتشار الترف، وربما الثورة الصناعية، أصبح الكسل أمراً حتمياً عليه؛ فلم يعد يزرع ليحصد ويشتري ويبيع، ولا يصطاد ليأكل، بل صار كل شيء يُجلب إليه، ويُخزَّن مبرداً في ثلاجة بيته.

وتطور الأمر إلى أنه لم يعد يجتهد حتى فكرياً، فصار يومه مثل أمسه، وأمسه قد يكون أفضل من غده؛ لأنه على الأقل مرَّ بسلام. ما أدى إلى أنه أضاع قيمته الإنسانية في الحياة، وهي البذل والجهد المعنوي، فصار يريد الحياة السريعة، والجهد الأقل، والتشجيع الأكبر، وأصبح هشاً لا يحتمل النقد. وهذا أمر يُعذر عليه؛ لأن المجتمع أصلاً يظن الوقاحة صراحةً ونقداً، فصار الإنسان مع البلادة هشاً مهشّماً، مشوه الإنسانية والقيمة البشرية، وحقاً أقول: كلنا ذلك الرجل.

فصار أحدنا، ليخرج من هذه الزنزانة الفكرية، يضع لكل مهمة هدفاً يجنيه من فعله ومهامه التي يؤديها لتكون له حافزاً، فإن لم يجد الثمرة من فعله عاد أدراجه إلى سجن كسله، متدثراً برداء الخيبة، فازداد انكساراً وهشاشة على ما كان يعانيه من قبل. وكلنا مررنا بهذه المرحلة باختلاف المهام والأهداف وتطلعاتنا لثمار غرسنا.

فتجد الإنسان، قبل أن يرسم الخطط، يتخيل الهدف والنتيجة، متناسياً أن أفضل نتيجة قد يجنيها هي التعود على الاستمرار واكتساب القيمة، وأن يكون يداً فاعلة في المجتمع.

فطر الله الإنسان على التقصير والذنب واعوجاج الطباع، فإذا أدرك أن حياته متخبطة، وعانى ما يعاني من هم وكدر، وأراد أن يؤدي دوراً إنسانياً في الحياة، راح يضع لنفسه الأهداف والإستراتيجيات، متطلعاً إلى الثمار كدافع له على الإنجاز ومحفز له على الوصول.

ولكنني أتساءل، وقد وقعت شخصياً في فخ هذا الفعل دون أن أعرف الجواب: هل الثمرة في جني الثمرة أم في إحياء الأرض؟

لا أعرف إن كان قد أُجيب عن هذا السؤال فلسفياً أم لا، لكني أعتقد أن الإنسان إذا جاهد على الاستمرار في الفعل، فهو في حد ذاته ثمرة كبيرة جداً. فكم من الثمار لا يدركها الإنسان في الوقت القريب، وإنما يجنيها على الأثر البعيد، وقد لا يرى ثمار غرسه الذي غرسه، وفعله الذي داوم عليه، ولو نوى بذلك الاستمرار والصبر على الفعل تعبداً وامتثالاً لله لكان خيراً له على صبره وانتظاره وأجراً له بكل ما فعل

وانتظر.

أعني بذلك أن الإنسان، بدلاً من أن يضع لنفسه هدفاً يراه رأي العين، من الأفضل أن يعلّم نفسه أن الهدف قد يكون الاستمرار على الفعل والاعتياد عليه، ثم إجادته.

أما الثمرة من الفعل والاستمرار، فقد لا تكون إلا أن يكتسب الإنسان قيمةً إنسانية ومعنوية. وأما جني الثمر فأقولها صريحة: هو من عند الله، والصبر عليه عبادة محضة.

ولو أوهم الإنسان نفسه بوجوب جني الثمر، لعلَّق كل تأخير إما عليه إن كان يظن بنفسه الفشل، أو بالمجتمع وما حوله إن كان يريد شمّاعة تحمل عنه فشله، ليعود إلى خيبته مرة أخرى.

جاء في الحديث: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»، وهو دليل على العمل، وليس دليلاً على الثمرة.

فالثمرة، كما قلت، هي اقتناع الإنسان داخلياً بوجوب الاستمرار في العمل، لا انتظاره لثمرة ما عمل.

أعتقد أن الإنسان، لكثرة ما رأى من وراء الشاشات من نتائج وتظاهر بالانجاز، ظن أنها تأتي بقليل من الحدس أو من بديهة، طالما أنه نوى العمل فالنتيجة أن يجني ثمر نيته ويراها رأي العين. وذلك أمر يحتاج إلى تكسير لصنم الاقتناع والتصديق، وإعادة بناء الإنسانية بالدرجة الأولى، عن طريق التعامل مع معطيات الحياة وإعادة التفكير فيها إن استطاع التفكير أصلاً كما ينبغي لبشرٍ عاقلٍ أن يفكر.

وإن كنت أظن أن مجرد التفكير سيبحث لنفسه عن مكافأة يكافئ بها نفسه، أو ثمرة يجنيها ليشجع نفسه على إنسانية لا تحتاج إلى تشجيع ولا إلى ثمرة.

الاثنين، 8 يونيو 2026

عساف ذهني

 خلجات

عساف ذهني


يبدأ الإنسان بالتفكر في نفسه وإدراكاته للحياة، إما بالشكل الحسي أو المعنوي، ويعتبر هذه المرحلة مرحلة وعي يستوعب بها الحياة التي وُلد فيها، والبيئة المحيطة به، واختياراته السابقة وما ترتب عليها، وما سيختاره وما سيترتب عليه لاحقاً.

وقد يتفكر في مواهبه التي أدركها، والمواهب التي لم يدركها، باحثاً في كيفية اكتشافها أو من سيكتشفها له، وتلك مشكلة؛ فكيف له إيجاد ما لم يكتشفه بعد واستغلاله؟ فيبقى باحثاً عن المجهول، متفكراً فيه، متجاهلاً الموجود، مطمئناً إليه لأنه موجود، غير مبالٍ بأنه قد يُسلب منه مع التقدم في السن، الذي هو على رأس قائمة السالبين لكل نعمة، وأولها الصحة والفراغ.

فهذا الموجود لم يستغل ما تحت قدميه، ولم يقطع خطوة إلى ما هو أمامه.

والإنسان بطبعه قصير نظر، مبصر دون بصيرة، يظن بنفسه ما يدعها تستغله دون أن يستغلها. 

فيريد معرفة مواهبه، ويكتشف عن نفسه المزيد، حتى يصبح كالحصان الجامح الذي عرف قدر قوته وفحولته وطاقته، دونما عسف أو ترويض أو ميدان لانطلاق مواهبه، التي قد يرى لنفسه قدراً فيها. 

فيحرم نفسه نعمة عظيمة جداً، وهي تفريغ الطاقة والذهن، والأهم من ذلك: التجربة والحركة، التي يعرف من خلالها ما ينفعه ويمتاز به مما لا ينفعه ولا يمتاز به. فيتحول إلى وحش تسوء طباعه، وإن كان شكله جميلاً ولافتاً، ولكن داخله خرب يحتاج إلى إعادة تهذيب وعسف.

ولكن الإنسان أسوأ من الحصان؛ لأنه يجيد تعليق فشله على الآخرين، والحصان لا يملك عقلاً يسوّل له ذلك. فيصبح الإنسان

لا هو بالذي نفع، ولا بالذي انتفع، ولا بالذي عاش مرتاحاً بحياته الشقية، ولا ريّح من حوله، بل قد يزداد كرهاً لهم، ويزدادون نفوراً منه. وصدقاً لا مجاملة، أقول: كلنا ذاك الرجل.

بعيداً عن التفكير في الظروف، وتأويل الأحداث، و«لو» التي تُفتَح من خلالها أبواب للشيطان، والتفكير في المستقبل ومعطياته، وما ستؤول إليه حياتك، ومواهبك المكتسبة التي صاحبتك أو جربتها فأعجبتك فظننت نفسك بها مبدعاً، وحساب الأقدار والظروف، وهل وجدت نفسك أم

ما زالت ضائعة منك في كومة الحياة المتسارعة التي كلما ازددت بحثاً فيها ازددت ضياعاً.

أعتقد أن الإنسان لو آمن بالتسليم لأقدار الله والظروف المحيطة، وفكّر في إماطة أذى، أو إدخال السرور على قلب مسلم، أو صلة رحم، أو سؤال عن حاجة أخ، أو ابتسامة عابرة في وجه صديق أو عابر سبيل، أو حمدٍ على نعمة موجودة، وهبةٍ مستغلة ولو بالقليل اليسير، وقضاء يوم بلا ألم جسدي أو نفسي؛ لكان خيراً كبيراً، خصوصاً أنها مقدرات ومعطيات تحت تصرفه وقدرته الحالية، لجنّب عقله التفكير في ما لا يملك منه غير الحسرات وكفران النعم والمُنعِم.

ولعل توهانه يقل، وتقل شكوكه ولعناته للحياة التي يظنها ضده بكل قوتها وأقدارها، وما كانت الدنيا لتعبأ بأمره، ولا بظنونه وطاقاته وقدراته التي لن تغيّر في أقدار الله شيئاً.

الاثنين، 1 يونيو 2026

صورة السعادة

 خلجات

صورة السعادة


في لحظة فرحٍ تغمرها الضحكات والابتسامات العفوية، والقهقهة المصطنعة، والأسنان البراقة، وكلمات التراحيب المتكلفة، ومشاهدة الحاضرين المشاركين والمُغبَطين والحاسدين، وما إن تنتهي المناسبة أو اللحظة المأمولة حتى يغزو شعور التعب والثقل والخذلان قلب المحتفل، وكأن الفرح جُعل ليجلب الحزن، والابتسامة ما رُسمت إلا لتلحق بها الدمعة. ولم يبقَ لتلك اللحظات إلا ذكرياتها، وقد تكون آلامها تغطي على ذكرياتها، فلا يعود الإنسان يطيق تذكر فرحتها ولحظاتها.

فلو كان يصحب تلك اللحظات من الابتسامات التكلفُ والغرورُ والزهوُ بالنفس، وإدخالُ الغيظ على نفوس بعض الحاضرين، أو الخوفُ من حسد بعض الناظرين، والتكلفُ المادي والمعنوي أثناء تلك اللحظات، والأصعب من ذلك التكلفُ في إظهار الفرح، لكانت الفرحة البسيطة أجمل وأبهج للنفس. وكأن الفرحين جاءهم نبأ الموت وانتهاء الحياة، مع العلم أنه أمر طبيعي، بل هو نبأ حقيقي واقعي لا محالة، لا نكران له ولا تكذيب. 

فإذاً، فلِمَ تبدو السعادة والفرح مخذولين رغم جمالهما وقصر لحظتهما؟

يعيش الإنسان الحياة بما فيها من ألم وأفراح وأتراح، وصعود وهبوط، وصدق وخذلان، بمفاهيم أظنها مغلوطة، بل هي مغلوطة لا أشك في ذلك، وإن قلت: «أظن»، فإنما أرقق الكلام ووقعه. فلم يعد له صبر على الفرح والحصول عليه، ويعطي اللحظة أكبر مما تحتمل، ويتوقع من الآخرين الالتفات إليها، باحثاً عن الملفت للأنظار والجديد الفريد. وربما يكون صاحب الفرحة، في قرارة نفسه، يرى أنه لا يستحق هذه الفرحة، ولم يلتزم بما فيها من مهمات، ولا بما عليها من مسؤوليات، وما يترتب عليها من ضغوطات، ومع ذلك يريد أن يفرح بها كأي شخص طبيعي يرى أنه ارتقى من مقام إلى مقام.

لكنه يحب أن يعيش دون أدنى شعور بما يجب عليه أن يشعر به؛ فمع زيادة المسؤولية تزيد الفرحة، والعكس كذلك، حتى يصبح الأمر طبيعياً عنده، ونعمةً يعيش بها، يفرح بوجودها وأثرها، لا فرحةً يترف بها دون استشعار معناها والمراد منها.

خلق الله الإنسان وله مهمة في الحياة يؤديها، وقد يعيش السنين ضائعاً لا يعرف له غاية ولا وجهة ولا مقصداً، متنقلاً بين الأفكار والمرادات، يطرق أبواب الحياة حتى يُفتح له الباب المراد له أن يُفتح. ولكن إذا كان أثناء تقلباته وتخبطاته وطرقه وضياعه مستشعراً سيره ليجد مراد الله منه ومهمته في الحياة، كان ألم التوهان والضياع فرحاً قلبياً روحياً. وإن طرق الباب المطلوب وفُتح له، وعرف غايته ومقصده، كانت الفرحة فرحتين: فرحة البلاغ، وفرحة السعي.

والأجمل في قلبه أنه لا يشاركه فرحته حاسد ولا مجامل؛ لأنهم لا يرون في وصوله فرحاً، ولن يدعو أحداً إليه، لأنه قد وجد من الفرح ما لا يُعبَّر عنه إلا باستشعار النعمة وفضل المنعم. وتساوت بذلك الدنيا والآخرة، وأصبح الفرح الصوري الذي اعتاده الناس صورياً يفرح به لاعتياد الناس على الفرح به، ولكنه يفرح لمعنى ما يفرح به الآخرون، ولإدراكه الحقيقة الخفية عما يظنه الناس فرحاً قائماً على التباهي والمجاملات وكيد الآخرين.

للسعادة صورة، وللحزن صورة، ولو أدرك الفرح ساعة المصاب لما حزن، ولو أدرك السعادة وقت الحزن لتصبر على الحزن والبلاء. والحياة ساعة وساعة. ولو طرح كل ذلك جانباً، وعاش بقلب وذهن معلقين بالمعنى الحقيقي لما هو كائن وما سيكون، وبالجزاء، لأظهر الحزن والفرح صورةً ليست للمجاملة، ولكن لمعرفته أن الحياة كلها صورة زائلة، وأن البقاء ببقاء لب الاتصال القلبي والروحي بالمعنى و المراد من الدنيا.

الأحد، 24 مايو 2026

نمو الوهم

 خلجات

نمو الوهم


كثير من الأمور التي تواجه الإنسان، أو يواجهها -على حسب من منهما السابق بالتوجه إلى الآخر- هي في النهاية أقدار؛ فإن لم يذهب إليها أتته. 

وعندما تمر به، أو تصطدم به، تكون متشابهة إلى حدٍّ كبير في اصطدامها مع غيره، ولكن تختلف في بدايتها طريقة تلقّيه لها، وتختلف باختلاف «وهمه» في تعاطيه معها، وإقناع نفسه بأهمية حاجته لها، وأولويتها لديه، واستقامة حياته بها، ومقدار استطاعته العيش معها أو من غيرها. 

وكلّه وهمٌ يوهم الفرد به نفسه، على حسب رغبته في إعطاء المبررات لنفسه وللمحيطين به بأهمية هذا العارض.

الإنسان المدني يعيش محاطاً بالجدران، وبينه وبين تلك الجدران عالمه الخاص من مقتنياته ومختاراته، ووسائل راحته، ولوازم معيشته الأساسية والثانوية والكمالية. 

وأقرب من الجدران وما خلفها يكمن ما يقرّبه الإنسان إلى نفسه ويختاره من مأكوله ومشروبه، وما يقنع نفسه بأنه مفيد، أو جيد، أو صحي، أو غير صحي، بل وما يتعاطاه على أنه لذيذ ويحقق له المتعة، ويناسب حالته المزاجية، ويسبب له السعادة. 

وشيئاً فشيئاً نجد أن الإنسان اختار وانتقى كل ما حوله، إلا أفكاره تجاه هذه الاختيارات، التي قد لا تكون بأهمية ما أعطاها من أهمية بالاختيار، ظنّاً منه بأنها الأهم والأولى.

فتنامى في عقله نموٌّ سريع مع تسارع الحياة، وتعددت الخيارات بتعدد المعطيات، ولم تكتمل الصورة لعدم اكتمال الحياة، وخصوصاً حين لا تقوم على معرفة مقومات الحياة الأساسية. 

فبدل النمو العقلي، ينمو الوهم، ويتراجع ويضيق الفهم، حتى إذا وصل الإنسان إلى مرحلة من الضجر والتعب من هذه الحياة، وظن أن ذلك بسبب عدم اختياره الصحيح، لم يُعد ترتيب حساباته أو تصفية أفكاره، بل يذهب إلى تغيير مأكوله ومشروبه، والمطاعم التي اعتاد الأكل منها، والمقاهي التي اعتاد ارتيادها، بوهمٍ غذّاه في نفسه بأهمية تغيير اختياراته، ظنّاً منه أن تغيّر الخيارات يعالج الأمر ويرقى بالفهم، ويخرجه من دائرة الضيق والكدر إلى الفرح والابتهاج.

أحسّ وأشعر -ولا أظن فقط- بأن البعض وجد وهماً جميلاً قبله، وعاشه فترة وتعايش معه، لكنه لم يُنمِّ الفكر في مقابله. فتخلل الوهم البيوت والجدران واللباس والمطعوم والمشروب والمختارات اليومية، دون الفكرية والإيمانية والروحية. 

وما إن يضجر الإنسان -وهو إحساس- وتضيق به الدنيا -وهو إحساس أيضاً- حتى يذهب، بدلًا من مراجعة الفكر والإيمان والروح، وتغيير بعض القناعات والأولويات الفكرية والتعلقات القلبية، إلى تغيير طريقة استهلاكه، باستهلاكٍ أبشع وانفتاحٍ أكبر، ظنّاً منه أن طريق السعادة يكون بتغيير المأكول والمشروب، وهما أمران ملموسان. فما عالج جرحاً، ولا أبرأ وصباً.

الآن أنا لا أحس، بل أعتقد أن الإنسان أعطى كثيراً مما حوله من أمور الدنيا واختياراتها أكبر من حجمها، وهي التي لا تساوي -عند خالقها- جناح بعوضة. وما وجود الإنسان في الدنيا إلا لرسالةٍ بشريةٍ محسوسة، تميّزه وتكرّمه عن غيره من المخلوقات، باختياره لتنمية فهمه، وإيمانه، ووعيه، ونيته، في كيفية التعامل مع الاستهلاكات والمعطيات من حوله واختيارها. 

ولو قضى عمره يتقلب بين مهمةٍ وأخرى بحثاً عن مهمته في الدنيا، لكان خيراً له من التنقل والتغيّر بين مستهلكاته وتفاهاته.

الأحد، 17 مايو 2026

رحم المعاناة

 خلجات

رحم المعاناة


جرى على ألسنةِ كثيرٍ من الناس، لا سيما من وجد لنفسه مجالاً يظهر فيه ـ أو يتظاهر به ـ بين الناس، أن إبداعه وما وصل إليه إنما هو نتاج معاناةٍ وُلِدَ من رحمها، وتأثر بها، فأنتجت تلك المعاناةُ ذلك المبدع الذي قدّم نفسه على أنه صاحب إبداع. 

والحقيقة أننا جميعاً ذلك الرجل، وإن اختلفت الظروف والمسببات والأرحام ومجالات التباهي، دون يقين إن كان الداعم حقيقةً أم وهماً.

إن الحياة بيومياتها، وظروفها وتقلباتها، تقذف بالإنسان من صلب الركود إلى رحم المعاناة، ليستقر في قرارٍ مكينٍ إلى قدرٍ معلوم. 

وبعد أن يمكث فيه مدةً يظن معها أن هذا موضعه ومقامه، تضيق عليه الظروف، فينقلب حاله؛ فيدفع بنفسه خارج تلك المعاناة، أو تدفعه هي دفعاً، ليجد نفسه في حياةٍ جديدة. 

وأول ما يعتريه حينئذٍ هو البكاء، وهو الأمر الذي فُطر عليه ألماً ووَحشةً من واقعٍ لا يدرك أبعاده، ولا يفقه مما يراه ويسمعه إلا حاجته إلى الطمأنينة والاحتواء.

ومع ذلك، يبتسم المحيطون به ممن سبقوه إلى هذه المرحلة، لإدراكهم أنها ليست نهايةً بل بدايةٌ جديدة. وبعد أيام تبدأ ملامحه في التشكل، وربما ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ خفيفة، علامةً على التأقلم والراحة بعد المعاناة.

وهكذا هو الإنسان بعد خروجه من رحم الشدة التي مر بها. 

غير أنني تساءلت في نفسي: 

بما أن الإنسان منطقياً لا يولد للحياة إلا مرةً واحدة، فهل يكون إبداعه كذلك ذا ولادةٍ واحدة؟ أم أن لكل إبداعٍ ولادة، ولكل مجالٍ مخاضه الخاص؟

قد يكون الدخول في المعاناة أمراً لا يد للإنسان فيه، أما الخروج منها فإما أن يكون قراراً منه، وإما أن تخرجه الظروف دون اختيارٍ منه، كأن يأتيه الفرَج من العالم الخارجي. فالجنين قد يدفع بنفسه خارج الرحم، وقد يبلغ أجله فيه فيلفظه الرحم بانتهاء وقته، ليواجه الحياة وتتشكّل ملامح شخصيته وإبداعه بحسب مقدار تجربته، وما اكتسبه من فهمٍ وصبر، وما استقر في نفسه من ميول وما استثمر من مواهب.

وهكذا تكون المعاناة، بما تحمله من ألمٍ وضيق، رحماً يلد المبدعين كما يلد المدّعين.

وما إن يستقر الإنسان في مرحلةٍ من حياته، أو يبلغ طوراً من أطوار إبداعه، حتى يظن أنه قد استقر، وأن فكره قد نضج، وربما ظن أن عطاءه قد نضب. 

غير أن التجارب والأقدار والاختيارات تعاود قذفه إلى رحمٍ آخر، يخرج منه ـ بعد ضيقٍ وألم ـ أكثر نضجاً، وأوسع عقلاً، وأرسخ حكمةً مما كان ، ليزداد عطاءً وعمق فكر.

ومن معاناةٍ إلى أخرى، ومن رحمٍ إلى رحم، يتنقل الإنسان في مسيرته الحياتية. وقد يجتمع عليه ـ مجازاً ـ رحمان في آنٍ واحد، أحدهما على صعيدٍ شخصي، والآخر على صعيدٍ فكري أو عملي، فتَلدُه الحياة بجلَدٍ وقوةٍ وعمق.

وهذه كلها تهيئاتٌ كتبها سبحانه وتعالى لعبدٍ أنعم عليه بالبصيرة، بعد ابتلاءٍ وصبرٍ ومصابرةٍ وحمدٍ ومرابطة؛ ليتهيأ لحمل ما أراد الخالق له أن يحمله من أعباء أهل الفضل والخير، والسير على مسلكهم، والاقتداء بخطاهم. 

فيجري الله على يديه نفعاً، أو علماً، أو حسن تعامل، أو صبراً، أو إضافةً نافعةً للبشر، لا للتباهي والتشدق وادعاء المعاناة، وإن كانت معاناة كل إنسان على قدر أقداره وظروفه.

وأكاد أعتقد أن الإنسان ما إن يخرج من رحمٍ حتى يدخل في آخر، وما إن ينجو من معاناةٍ حتى يُقاد إلى أخرى، فيزداد مع كل تجربة عمقاً وإبداعاً، ويتأمل مراد الله منه، والحكمة المرجوة، والدرس المستفاد من تلك المعاناة ومن رحمها.

فما الحياة إلا رحلة تأملٍ دائم، وبحثٍ متواصل عن مرادات الله منا. ولعل حياة الركود والركون، ودوام النعم والتنعم، والبعد عن المعاناة، تكون في حقيقتها عين المعاناة؛ إذ قد تغرّ الإنسان بضبابيتها، وتخدعه بزخرفها وتدليسها.

فالحياة ليست صادقةً دائماً في هدوئها، ولعل أصدق ما فيها هو المعاناة.

الأحد، 10 مايو 2026

منطقة الراحة


خلجات

منطقة الراحة

                                   سالم النخيلان

يضجر الإنسان أحياناً من حاله؛ من اعتياده على ما هو عليه، أو من شعوره بالخمول والكسل، أو من إحساسه بأن حياته لا تشهد تقدّماً يُذكر. 

وما إن يبوح بهذا الضجر حتى تنهال عليه النصائح والتوجيهات من كل من ظن في نفسه حكمةً وتجربة، داعياً إيّاه إلى «مغادرة منطقة الراحة».

ويُصوَّر له أن هذه المغادرة لا بد أن يصحبها ألمٌ وتعبٌ وثقل، وأن ما ينتظره وراء هذه المنطقة يستحق ما يبذله من جهد ومعاناة. 

حتى أصبحت هذه العبارة جواباً جاهزاً لكل من شكا هماً، أو وجد ضيقاً، أو لقي عنتاً في حياته.

غير أنني أتساءل أولاً عن معنى الراحة، قبل أن أتساءل عمّا إذا كان لها منطقةٌ يسكنها الإنسان ويأنس بالإقامة فيها. وهل كل من شعر بضيقٍ أو تبدّل حالٍ يُطالَب بمغادرة موضعه بدعوى أنه يعيش في«منطقة الراحة»؟!

أحياناً، ومع تشوّش الأحداث واضطراب الأحوال وتقلبات النفس البشرية، يكون السكون وعدم الإصرار لوناً من الحكمة، وشكلاً من أشكال الصبر والمصابرة. وقد يكون التريث ذاته مغادرةً حقيقيةً لما يُظن أنه منطقة راحة؛ لأن المرابطة على النفس، وكبح الاندفاع، نوعٌ من التجلّد والثبات حتى تنقشع غمامة الحياة العابرة.

وحين تنجلي تلك الغمامة، يغدو ما كان عسيراً أكثر وضوحاً ويسراً، فيحمد الإنسان سكونه الموقت، وخموله الذي كان مشفوعاً بالصبر، لا بالعجز.

ومع كثرة ما يتناقله الناس، وما يردده المتشدقون لكل شاكٍ ومتألم ويائس: «غادر منطقة الراحة»، دون معرفة بواقعه أو فهم لطبيعة ما يمر به، قد يندفع المرء اندفاعاً غير محسوب، فيترك واقعه ومسؤولياته، ويخوض في تقديرات مضطربة تخبطاً عشوائياً.

فإن أصاب، نسب النجاح إلى نفسه واجتهاده، وإن أخطأ، علّق خطأه على عجلة الإنسان وضعفه، ووجد من يبرر له ذلك ليخلّصه من مواجهة ذاته ومحاسبتها.

ولا ريب أن الحياة تحتاج في بعض مراحلها إلى مراجعة جادة، وإلى مغادرة بعض العادات والأفكار والمسارات. لكن العودة إلى أمرٍ ما لا تعني دائماً أنه الخيار الصحيح، كما أن مفارقته لا تعني بالضرورة أنه القرار الصائب؛ فقد تكون العودة بدافع الألفة والاعتياد، وقد تكون المغادرة مجرد هروب من مواجهة النفس.

ولهذا فإن القرار الحقيقي هو أن يميز الإنسان بين ما ينبغي تركه وما ينبغي التمسك به. فما اعتاده من تقصير، أو ألفه قد يكون خوفاً من المجهول، أو استراح إليه من جبن، هو أولى ما يجب مغادرته، وإن بدا له مألوفاً ومريحاً.

ويحتاج الإنسان، بين حين وآخر، إلى أن يهدأ، وأن يترك نفسه قليلاً لموج الأقدار حتى يرسو على شاطئ لتكون الرؤية أكثر وضوحاً. فالسابح عكس التيار هالك، وليس كل من استسلم له ناجياً؛ وإنما النجاة في أن يعرف المرء متى يقاوم، ومتى ينتظر، ومتى وكيف يصبر.

فإذا هدأت عاصفة النفس، وطابت السريرة، واتضحت الرؤية، واستقام الفكر، وأصبح الإنسان أقدر على معرفة المنطقة التي ينبغي أن يغادرها، والراحة التي يرجوها من هذا الرحيل.

ولعل أعظم خطوة بالمغادرة الصادقة أن ينظر الإنسان تحت قدميه، في هدوءٍ وصبر، بعد وضوءٍ وسجود.