‏إظهار الرسائل ذات التسميات سالم النخيلان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سالم النخيلان. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 19 يوليو 2026

بين نارين

خلجات

بين نارين

                                  سالم النخيلان

بين حاجةٍ يودُّ الإنسان فعلها، وبين الاستمتاع بما يودُّ فعله؛ هل يفعل الإنسان ما يريد ليستمتع، أم يستمتع ليفعل ما يريد؟

كثيراً ما غزت عقولنا، التي تدّعي الدهاء والذكاء وحرية التفكير وعدم التسليم، كلمةٌ جعلتنا نتبع قطيع المجتمع الجمعي، مع أن الواقع على خلاف هذا الادعاء، وهي كلمة الشغف. 

فقد صرنا نسير وراءها دون أن نعرف عاقبة الطريق، ولا إلى أين يقودنا. ولعل الشغف الذي نبحث عنه قد استتر عنا، لأنه قد لا يكون بمعناه الحقيقي ما نبحث عنه فعلاً؛ فنحن ربما نطلب شيئاً ليس هو حقيقة ما نريد. فإذا وجدنا الشغف الذي توهمناه، وجدناه غير ما أمّلنا، وغير ما تخيّلنا في حقيقته ومضمونه.

إن ما نبحث عنه في كثير من الأحيان هو ما يمنحنا سعادةً فوق المستوى الطبيعي أثناء أداء ما نظن أننا نحبه، وبهذه الحال حمّلنا ما نؤديه مسؤوليةً ليست من مسؤولياته؛ فإذا لم يمتعنا كما توقعنا تركناه، وسقط من قائمة المحبة. 

أما الذي يحب عملاً فإنه يؤديه، ولو كان فيه ألمٌ وإجهاد، لأنه يدرك أنه مسؤولية. فحب المسؤولية، والصبر عليها، وتحمل آلام عواقبها، وما يلقاه الإنسان من مشقة في سبيلها، قد يكون هو المعنى الآخر المجهول للشغف.

في زمن الرخاء والنعيم، الذي سنُسأل عنه، تغيّرت الأفكار والميول، وتبدّل كثير من الحقائق. فما كان الإنسان يفعله جِبِلَّةً وفطرةً، أو من باب المسؤولية الإنسانية، أصبح يبحث فيه عن المتعة والشغف، بدلاً من البحث عن المعنى والقيمة؛ ليشعر بإنسانيته ودوره. وفي المقابل، قلَّ الصبر على البلاء، وضعف الشكر على العطاء، وتضاءلت قيمة الأداء، حتى تشكل مفهوم المادية البحتة، وأصبح التماس المتعة من الخارج، من الموجودات، لا من الداخل. فلم تعد هناك قيمة داخلية يضفيها الإنسان على ما يؤديه صبراً واستئناساً.

يكمن في باطن الإنسان قلب، إذا حيي أحيا معه كل ما حوله، حتى ما يؤديه من أعمال يمكن أن يكتسب قيمةً ترتقي برقي قلبه. فإذا كانت لما يفعل الإنسان نيةٌ صالحة، وإن كان الفعل في أصله مباحاً، ارتقى بإنسانيته إلى مراقي أهل القلوب البصيرة، والجوارح التي تؤدي أعمالها بمتعة لما ينبع من داخلها، وإن لم يكن في ظاهر الفعل متعة. فإذا تعب الجسد استلذ القلب، وإذا ابتُلي بما يؤدي شكر، فعظم ما ينبض به القلب تجاه الفعل الخارجي، وهو الذي أضفى على ذلك الفعل قيمته الإنسانية والروحانية.

بين نار البحث عن المتعة في الحياة، ونار القلب المتوقد حياةً، يعيش الإنسان في زمن يرى فيه صاحب القيمة غريباً، ولا يجد في ظاهر ما يؤديه متعة. 

بينما تكمن المتعة الحقيقية في ما يضفيه على أفعاله من حياةٍ وقيمة، بنية صالحة، في واجباته ومهامه اليومية، التي تركها أهل المتع الفانية المتقلبة.

وأظن أن المتعة التي يبحث عنها المجتمع، إن لم تُربط بالقيم والضوابط الدينية، والأخلاقية، والمجتمعية، والنوايا الصالحة، فإن المجتمع يتنازل عن كثير من بشريته، ويغدو باحثاً عن المتع اللحظية والآنية، دون أدنى قيمة. فيتشيأ الإنسان، وهو يظن أنه يتحرر من قيود العبودية لما يعمل. وتلك أيضاً فكرة تحتاج إلى هدم صنم الحرية المدعاة، والعبودية المتهمة. فبين ناري الشغف والمسؤولية تُترك المهمات، وتتشوه الإنسانية، وتضيع القلوب نواياها وصفاءها ووجهتها إلى الله في ما تحب وتعمل .

الاثنين، 29 يونيو 2026

واقعية المضمار

 خلجات

واقعية المضمار



يجري الإنسان في مضمار الحياة جريَ العدّاء الذي يستمع إلى أصواتٍ بعيدة من التحفيز، قد لا يكون تشجيعاً له بعينه، بقدر ما يكون استمتاعاً من المتفرجين، وحاجةً منهم إلى الصياح وتفريغ طاقتهم المبرَّرة بالتشجيع. وإن جاء صراخهم بفائدة، فإن العدّاء الذي بذلوا صراخهم لأجله قد جاء بنتيجة، وما سيقومون به من تعبير عن فرحهم، بالقفز والأحضان، ليس إلا تجسيداً للصورة الذهنية التي رسموها للفرح، وإلا فهو وقتٌ قُضي على ما ظنوه مسلياً.

أما الذي يجري، فإنه يقلّب في داخله صوراً قديمة من الإحباط، ومقاومة الواقع، والتركيز على ما ظنه هدفاً، ورفض المحيط له، أو القبول المشروط، وجميع ما حوله، وشعور الرفض المتسيِّد على وجدانه.

وفي المقابل، هناك صوت داخلي يصيح، ويصرخ، ويشجع، ويرشد، ويحفز، ثم يتحشرج، وينكسر، ثم ينخذل ويصمت. هذا الصوت المختلف هو صوت التسليم والرضا. يحتاج هذا الصوت إلى أن يتوقف الإنسان عن الإنصات إلى الخارج، ويتأمل معه، وأحياناً يحاسبه؛ ليرشده إلى الطريق المراد، ثم يترك له مهمة إرشاده إلى التفاصيل أحياناً، وإلى الخطوط العامة أحياناً أخرى.

اتصل بي صديق، وقال إنه رأى في منامه أنه استيقظ من نومه، فوجد في غرفته اثنين قريبين منه، أحدهما طويل، ضخم، قوي البنية، والآخر قصير، هزيل. فقام الطويل الضخم بضرب القصير الهزيل، فجرى القصير هرباً، وجلس في زاوية الغرفة، وأخذ الضخم يضربه، والرائي ينظر إليهما، والضخم منه يضرب الضعيف منه. فصاح الضعيف بصاحبنا قائلاً: أنت السبب، أنت من أعانه عليَّ، وقوّيته، والآن لنرَ إن كنت ستقدر عليه!

ولست مفسراً للمنامات، لكني أظنه ذلك الصراع بين صوتيه الداخليين؛ بين الخير والشر. فقد أعطى لشره صلاحياتٍ ما كان ينبغي أن تُعطى، واستمع إليه وإلى ندائه في أمورٍ لم يكن يحب أن يسمعها، بينما كان صوت الحق، والحب، والخير، والإحسان يصيح، فلا ينصت له، حتى غلب شرُّه خيرَه. وليس ذلك في باب الخير والشر وحده، بل حتى في باب الرضا، والقبول، والميول القلبية والنفسية.

الحياة مليئة بالزحام، وكلٌّ يرى نفسه محفزاً وملهِماً لمن حوله، وأحقَّ وأجدر بتشجيع الجمهور والتفافهم حوله. وكل تائه عن نفسه يتبع تائهاً عن الغايات الإنسانية، ليدور الناس في مضمار مزدحم بالراكضين، ومكتظ بالمشجعين الفارغين، فيكون الصوت الداخلي، خيراً كان أو شراً، غالباً ما يوافقه صوت خارجي من الطرفين أيضاً. ومع صياح الجماهير المحيطة، يجري من يظن نفسه متسابق الطموح، معتقداً أنه سيصل إلى الغاية المرادة. وما إن يقف ليتأمل قليلاً، حتى يجد هناك صوتاً متحشرجاً، لكنه مختلف الطبقة، يقول له: قف، وتراجع، فهذا ليس ميدانك. وغالباً ما يتصل هذا الصوت بصوت خارجي ضعيف جداً، قد ينظر إليه من حوله من الجماهير نظرة لوم أو ازدراء.

الحياة مليئة بمن يظنون أنفسهم متسابقين في مضمار جري، وأن عليهم أن يجمعوا حولهم المشجعين. والمشجعون يتسلون، ويظنون أن متسابقهم يجري لأجلهم، والعدّاء يظن أنهم جاؤوا لأجله، والحقيقة أن لكلٍّ منهم غاية معلنة، وأخرى خفية. وبالمقابل، فإن من يحمل المسؤولية هو العدّاء؛ فإن فاز فهو البطل، وإن لم يفز فهو الفاشل.

وما الحياة إلا رسالة، يدرك فيها المتسابق أن سباقه الحقيقي مع نفسه، وأن عليه أن يميز صوته الداخلي المرشد بين الحق والباطل، وأن الجمهور ليس بكثرته، بل بذلك الصوت المميز، المحب، الصادق، المخلص، ولو كان واحداً. عندها يسهل على الإنسان أن يترك ذلك المضمار الوهمي السخيف، ويخرج منه كاسباً الوصل بين داخله وخارجه برضا وقناعة، ليختار إن كان يصلح لأن يجري، ويعرف من هم منافسوه الحقيقيون، ويميز بين من يتسلى بالتشجيع، ومن يريد له الفوز حقاً في هذه الحياة.

وكلٌّ يمثل دوراً ليس في الحقيقة دوره، وإنما هو دور مزعوم؛ لأنه يريد أن يسمع صراخ الجمهور، لعله استعذبه، أو استعذبته نفسه، أو لأن أحد الصوتين أوهمه بأن صوت الجمهور المتسلي أطرب لمسمعه، وأصدق لوجدانه، فصدقه، لأنه أراد أن يصدق، لا لأن المتحدث كان صادقاً.

الأحد، 21 يونيو 2026

الرهان

خلجات

الرهان


النفس الإنسانية لها غايات ورعونات كثيرة، منها غايات بشرية، وأخرى حيوانية. والرغبات البشرية منها ما هو سامٍ، ومنها ما هو دوني، والرغبات الحيوانية منها ما هو فطري، ومنها ما هو سبعي، وكلاهما قد يجتمع في الإنسان. وهذه الرغبات تتخالط في دواخله وأعماقه النفسية كلما أفلت زمام نفسه، ولم يدرك بعقله ويستفتِ قلبه في هذه الرغبات، متأملاً إياها ومحللاً لها.

«الرهان» قصة قصيرة للكاتب الروسي أنطون تشيخوف، تدور حول شاب محامٍ مكافح تناقش مع رجلٍ رأسمالي حول عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد. وبغض النظر عن صحة رأييهما حول الموضوع، فإنني أرى - من خلال نظرتي التحليلية لهذه القصة - أن الرأسمالي كان مغتراً بماله وثروته، وأن المحامي كان مغتراً ببعض قراءاته واطلاعه وشهادته، فتعالى كلٌّ منهما على الآخر. فارتكن التاجر إلى ثروته، وارتكن الشاب إلى ثقافته وعزمه وعناد الشباب.

فتراهن التاجر مع المحامي على أن يحتمل المحامي الحبس لمدة خمسة عشر عاماً في منزل التاجر، فإن احتمل المدة دفع له التاجر مبلغ مليوني روبل. وتم الرهان، وانقضت المدة.

والأهم من ذلك كله: مَن الفائز ومَن الخاسر؟

خلال فترة الخمسة عشر عاماً قضى المحامي هذه الفترة بين القراءة والكتابة والفكر والتأمل، ومن أهم ما حصل له سماعه لصوت جديد، قد يكون مختلفاً، وهو الصوت الداخلي الذي قد لا يسمعه الإنسان ولا يدركه مع ضجيج الحياة وتسارعها. فأعاد الشاب ترتيب أفكاره وأوراقه وأولوياته وغاياته في الحياة، وعلى رأسها غايته من حبسه الاختياري ومعنى الانتصار إن انقضت المدة.

فهل يكون الانتصار بنيل المبلغ وتحقيق صحة رأيه في مواجهة التاجر، وهي صحة قد تكون نسبية لا مطلقة؟ أم أن الغاية من الحياة ومعناها أبعد من ذلك بكثير؟

أما التاجر، فكلما مرت الأيام وتوالت السنون غزاه الخوف، وتعلّق بالمال أكثر، وظنّ بالشاب الطمع والجشع، بينما كان الشاب يبتعد يوماً بعد يوم عن الجشع والطمع في المال، الذي لم يكن منذ بداية الأمر غايته ولا هدفه ولا مبتغاه، وإن كان قد خطر له يوماً، فلم يكن إلّا رغبة شاب عابرة غير متأصّلة في طبعه.

إنّ الانعزال الاختياري قد يساعد الإنسان على مراجعة أفكاره ومعتقداته ونظرته تجاه الأمور المادية، ومعناها، حتى يصل تدريجياً إلى نظرة أعمق للأمور، فيتعلم ربط القلب وإحساسه بالعقل والتفكير، ثم اتخاذ القرار فالتصرف، للوصول إلى درجة من درجات الكمال البشري التي تجعله يرى الأشياء على حقيقتها الدنيوية والمقصد منها، وصولاً إلى الغاية الأسمى من وجودها في الحياة.

وقبل نزول الوحي على النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، كان يعتزل في الغار الليالي ذوات العدد، يقضيها في التأمل والتفكر والتعبد. فكشف الله تعالى له غاية الحياة وأبعاد الوجود وعظمة الله عز وجل، ومادية الأشياء ومعنوياتها. فلما جاءه الوحي كان قلبه معلقاً بالله، وبالغاية من الحياة، وبالتعامل مع الناس على نية دعوتهم إلى الله والصبر عليهم؛ لأنهم لم يعرفوا ما عرف من سر الوجود والحياة والبعث والاختبار الدقيق المحجوب.

فلما عرضت عليه الأموال والسيادة ما فكّر ولا تأنّى ولا تردّد في أن يتركَ هذا الدين أو يهلكَ دونه. ولم يكن الأمر تسامياً على المال، وإنما لأنه عرف أن المقصود هو الله، وأن الأمر لا يحتاج إلى نقاش ولا جدل؛ فالنقاش بالفاني فانٍ.

تحتاج الحياة من الإنسان إلى عزلة مختارة، ومراجعة لمستجداتها وما طرأ عليها من تغيرات وأحوال، ودخول أمور وخروج أخرى، وترتيب الأولويات، والنظر في حقيقة هذه الأمور المادية والمعنوية من شهادة ومال ونسب ورأي يدعو إلى التمسك والمراهنة عليه.

وكلنا قد نراهن على أشياء لو عرفنا حق قدرها، وحق قدر تفكيرنا فيها، لما راهنا عليها أصلاً، ولا شغلنا أنفسنا بها؛ لأنها قابلة لأن يتغير رأينا فيها بعد لحظات، وذلك دليل على انتفاء قيمتها الحقيقية.

الأحد، 14 يونيو 2026

الزّرع والحصاد

خلجات

الزّرع والحصاد




جُبل الإنسانُ على أفعال ومهام، بعضها يومي وبعضها دوري، ومع انتشار الترف، وربما الثورة الصناعية، أصبح الكسل أمراً حتمياً عليه؛ فلم يعد يزرع ليحصد ويشتري ويبيع، ولا يصطاد ليأكل، بل صار كل شيء يُجلب إليه، ويُخزَّن مبرداً في ثلاجة بيته.

وتطور الأمر إلى أنه لم يعد يجتهد حتى فكرياً، فصار يومه مثل أمسه، وأمسه قد يكون أفضل من غده؛ لأنه على الأقل مرَّ بسلام. ما أدى إلى أنه أضاع قيمته الإنسانية في الحياة، وهي البذل والجهد المعنوي، فصار يريد الحياة السريعة، والجهد الأقل، والتشجيع الأكبر، وأصبح هشاً لا يحتمل النقد. وهذا أمر يُعذر عليه؛ لأن المجتمع أصلاً يظن الوقاحة صراحةً ونقداً، فصار الإنسان مع البلادة هشاً مهشّماً، مشوه الإنسانية والقيمة البشرية، وحقاً أقول: كلنا ذلك الرجل.

فصار أحدنا، ليخرج من هذه الزنزانة الفكرية، يضع لكل مهمة هدفاً يجنيه من فعله ومهامه التي يؤديها لتكون له حافزاً، فإن لم يجد الثمرة من فعله عاد أدراجه إلى سجن كسله، متدثراً برداء الخيبة، فازداد انكساراً وهشاشة على ما كان يعانيه من قبل. وكلنا مررنا بهذه المرحلة باختلاف المهام والأهداف وتطلعاتنا لثمار غرسنا.

فتجد الإنسان، قبل أن يرسم الخطط، يتخيل الهدف والنتيجة، متناسياً أن أفضل نتيجة قد يجنيها هي التعود على الاستمرار واكتساب القيمة، وأن يكون يداً فاعلة في المجتمع.

فطر الله الإنسان على التقصير والذنب واعوجاج الطباع، فإذا أدرك أن حياته متخبطة، وعانى ما يعاني من هم وكدر، وأراد أن يؤدي دوراً إنسانياً في الحياة، راح يضع لنفسه الأهداف والإستراتيجيات، متطلعاً إلى الثمار كدافع له على الإنجاز ومحفز له على الوصول.

ولكنني أتساءل، وقد وقعت شخصياً في فخ هذا الفعل دون أن أعرف الجواب: هل الثمرة في جني الثمرة أم في إحياء الأرض؟

لا أعرف إن كان قد أُجيب عن هذا السؤال فلسفياً أم لا، لكني أعتقد أن الإنسان إذا جاهد على الاستمرار في الفعل، فهو في حد ذاته ثمرة كبيرة جداً. فكم من الثمار لا يدركها الإنسان في الوقت القريب، وإنما يجنيها على الأثر البعيد، وقد لا يرى ثمار غرسه الذي غرسه، وفعله الذي داوم عليه، ولو نوى بذلك الاستمرار والصبر على الفعل تعبداً وامتثالاً لله لكان خيراً له على صبره وانتظاره وأجراً له بكل ما فعل

وانتظر.

أعني بذلك أن الإنسان، بدلاً من أن يضع لنفسه هدفاً يراه رأي العين، من الأفضل أن يعلّم نفسه أن الهدف قد يكون الاستمرار على الفعل والاعتياد عليه، ثم إجادته.

أما الثمرة من الفعل والاستمرار، فقد لا تكون إلا أن يكتسب الإنسان قيمةً إنسانية ومعنوية. وأما جني الثمر فأقولها صريحة: هو من عند الله، والصبر عليه عبادة محضة.

ولو أوهم الإنسان نفسه بوجوب جني الثمر، لعلَّق كل تأخير إما عليه إن كان يظن بنفسه الفشل، أو بالمجتمع وما حوله إن كان يريد شمّاعة تحمل عنه فشله، ليعود إلى خيبته مرة أخرى.

جاء في الحديث: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»، وهو دليل على العمل، وليس دليلاً على الثمرة.

فالثمرة، كما قلت، هي اقتناع الإنسان داخلياً بوجوب الاستمرار في العمل، لا انتظاره لثمرة ما عمل.

أعتقد أن الإنسان، لكثرة ما رأى من وراء الشاشات من نتائج وتظاهر بالانجاز، ظن أنها تأتي بقليل من الحدس أو من بديهة، طالما أنه نوى العمل فالنتيجة أن يجني ثمر نيته ويراها رأي العين. وذلك أمر يحتاج إلى تكسير لصنم الاقتناع والتصديق، وإعادة بناء الإنسانية بالدرجة الأولى، عن طريق التعامل مع معطيات الحياة وإعادة التفكير فيها إن استطاع التفكير أصلاً كما ينبغي لبشرٍ عاقلٍ أن يفكر.

وإن كنت أظن أن مجرد التفكير سيبحث لنفسه عن مكافأة يكافئ بها نفسه، أو ثمرة يجنيها ليشجع نفسه على إنسانية لا تحتاج إلى تشجيع ولا إلى ثمرة.

الاثنين، 8 يونيو 2026

عساف ذهني

 خلجات

عساف ذهني


يبدأ الإنسان بالتفكر في نفسه وإدراكاته للحياة، إما بالشكل الحسي أو المعنوي، ويعتبر هذه المرحلة مرحلة وعي يستوعب بها الحياة التي وُلد فيها، والبيئة المحيطة به، واختياراته السابقة وما ترتب عليها، وما سيختاره وما سيترتب عليه لاحقاً.

وقد يتفكر في مواهبه التي أدركها، والمواهب التي لم يدركها، باحثاً في كيفية اكتشافها أو من سيكتشفها له، وتلك مشكلة؛ فكيف له إيجاد ما لم يكتشفه بعد واستغلاله؟ فيبقى باحثاً عن المجهول، متفكراً فيه، متجاهلاً الموجود، مطمئناً إليه لأنه موجود، غير مبالٍ بأنه قد يُسلب منه مع التقدم في السن، الذي هو على رأس قائمة السالبين لكل نعمة، وأولها الصحة والفراغ.

فهذا الموجود لم يستغل ما تحت قدميه، ولم يقطع خطوة إلى ما هو أمامه.

والإنسان بطبعه قصير نظر، مبصر دون بصيرة، يظن بنفسه ما يدعها تستغله دون أن يستغلها. 

فيريد معرفة مواهبه، ويكتشف عن نفسه المزيد، حتى يصبح كالحصان الجامح الذي عرف قدر قوته وفحولته وطاقته، دونما عسف أو ترويض أو ميدان لانطلاق مواهبه، التي قد يرى لنفسه قدراً فيها. 

فيحرم نفسه نعمة عظيمة جداً، وهي تفريغ الطاقة والذهن، والأهم من ذلك: التجربة والحركة، التي يعرف من خلالها ما ينفعه ويمتاز به مما لا ينفعه ولا يمتاز به. فيتحول إلى وحش تسوء طباعه، وإن كان شكله جميلاً ولافتاً، ولكن داخله خرب يحتاج إلى إعادة تهذيب وعسف.

ولكن الإنسان أسوأ من الحصان؛ لأنه يجيد تعليق فشله على الآخرين، والحصان لا يملك عقلاً يسوّل له ذلك. فيصبح الإنسان

لا هو بالذي نفع، ولا بالذي انتفع، ولا بالذي عاش مرتاحاً بحياته الشقية، ولا ريّح من حوله، بل قد يزداد كرهاً لهم، ويزدادون نفوراً منه. وصدقاً لا مجاملة، أقول: كلنا ذاك الرجل.

بعيداً عن التفكير في الظروف، وتأويل الأحداث، و«لو» التي تُفتَح من خلالها أبواب للشيطان، والتفكير في المستقبل ومعطياته، وما ستؤول إليه حياتك، ومواهبك المكتسبة التي صاحبتك أو جربتها فأعجبتك فظننت نفسك بها مبدعاً، وحساب الأقدار والظروف، وهل وجدت نفسك أم

ما زالت ضائعة منك في كومة الحياة المتسارعة التي كلما ازددت بحثاً فيها ازددت ضياعاً.

أعتقد أن الإنسان لو آمن بالتسليم لأقدار الله والظروف المحيطة، وفكّر في إماطة أذى، أو إدخال السرور على قلب مسلم، أو صلة رحم، أو سؤال عن حاجة أخ، أو ابتسامة عابرة في وجه صديق أو عابر سبيل، أو حمدٍ على نعمة موجودة، وهبةٍ مستغلة ولو بالقليل اليسير، وقضاء يوم بلا ألم جسدي أو نفسي؛ لكان خيراً كبيراً، خصوصاً أنها مقدرات ومعطيات تحت تصرفه وقدرته الحالية، لجنّب عقله التفكير في ما لا يملك منه غير الحسرات وكفران النعم والمُنعِم.

ولعل توهانه يقل، وتقل شكوكه ولعناته للحياة التي يظنها ضده بكل قوتها وأقدارها، وما كانت الدنيا لتعبأ بأمره، ولا بظنونه وطاقاته وقدراته التي لن تغيّر في أقدار الله شيئاً.

الاثنين، 1 يونيو 2026

صورة السعادة

 خلجات

صورة السعادة


في لحظة فرحٍ تغمرها الضحكات والابتسامات العفوية، والقهقهة المصطنعة، والأسنان البراقة، وكلمات التراحيب المتكلفة، ومشاهدة الحاضرين المشاركين والمُغبَطين والحاسدين، وما إن تنتهي المناسبة أو اللحظة المأمولة حتى يغزو شعور التعب والثقل والخذلان قلب المحتفل، وكأن الفرح جُعل ليجلب الحزن، والابتسامة ما رُسمت إلا لتلحق بها الدمعة. ولم يبقَ لتلك اللحظات إلا ذكرياتها، وقد تكون آلامها تغطي على ذكرياتها، فلا يعود الإنسان يطيق تذكر فرحتها ولحظاتها.

فلو كان يصحب تلك اللحظات من الابتسامات التكلفُ والغرورُ والزهوُ بالنفس، وإدخالُ الغيظ على نفوس بعض الحاضرين، أو الخوفُ من حسد بعض الناظرين، والتكلفُ المادي والمعنوي أثناء تلك اللحظات، والأصعب من ذلك التكلفُ في إظهار الفرح، لكانت الفرحة البسيطة أجمل وأبهج للنفس. وكأن الفرحين جاءهم نبأ الموت وانتهاء الحياة، مع العلم أنه أمر طبيعي، بل هو نبأ حقيقي واقعي لا محالة، لا نكران له ولا تكذيب. 

فإذاً، فلِمَ تبدو السعادة والفرح مخذولين رغم جمالهما وقصر لحظتهما؟

يعيش الإنسان الحياة بما فيها من ألم وأفراح وأتراح، وصعود وهبوط، وصدق وخذلان، بمفاهيم أظنها مغلوطة، بل هي مغلوطة لا أشك في ذلك، وإن قلت: «أظن»، فإنما أرقق الكلام ووقعه. فلم يعد له صبر على الفرح والحصول عليه، ويعطي اللحظة أكبر مما تحتمل، ويتوقع من الآخرين الالتفات إليها، باحثاً عن الملفت للأنظار والجديد الفريد. وربما يكون صاحب الفرحة، في قرارة نفسه، يرى أنه لا يستحق هذه الفرحة، ولم يلتزم بما فيها من مهمات، ولا بما عليها من مسؤوليات، وما يترتب عليها من ضغوطات، ومع ذلك يريد أن يفرح بها كأي شخص طبيعي يرى أنه ارتقى من مقام إلى مقام.

لكنه يحب أن يعيش دون أدنى شعور بما يجب عليه أن يشعر به؛ فمع زيادة المسؤولية تزيد الفرحة، والعكس كذلك، حتى يصبح الأمر طبيعياً عنده، ونعمةً يعيش بها، يفرح بوجودها وأثرها، لا فرحةً يترف بها دون استشعار معناها والمراد منها.

خلق الله الإنسان وله مهمة في الحياة يؤديها، وقد يعيش السنين ضائعاً لا يعرف له غاية ولا وجهة ولا مقصداً، متنقلاً بين الأفكار والمرادات، يطرق أبواب الحياة حتى يُفتح له الباب المراد له أن يُفتح. ولكن إذا كان أثناء تقلباته وتخبطاته وطرقه وضياعه مستشعراً سيره ليجد مراد الله منه ومهمته في الحياة، كان ألم التوهان والضياع فرحاً قلبياً روحياً. وإن طرق الباب المطلوب وفُتح له، وعرف غايته ومقصده، كانت الفرحة فرحتين: فرحة البلاغ، وفرحة السعي.

والأجمل في قلبه أنه لا يشاركه فرحته حاسد ولا مجامل؛ لأنهم لا يرون في وصوله فرحاً، ولن يدعو أحداً إليه، لأنه قد وجد من الفرح ما لا يُعبَّر عنه إلا باستشعار النعمة وفضل المنعم. وتساوت بذلك الدنيا والآخرة، وأصبح الفرح الصوري الذي اعتاده الناس صورياً يفرح به لاعتياد الناس على الفرح به، ولكنه يفرح لمعنى ما يفرح به الآخرون، ولإدراكه الحقيقة الخفية عما يظنه الناس فرحاً قائماً على التباهي والمجاملات وكيد الآخرين.

للسعادة صورة، وللحزن صورة، ولو أدرك الفرح ساعة المصاب لما حزن، ولو أدرك السعادة وقت الحزن لتصبر على الحزن والبلاء. والحياة ساعة وساعة. ولو طرح كل ذلك جانباً، وعاش بقلب وذهن معلقين بالمعنى الحقيقي لما هو كائن وما سيكون، وبالجزاء، لأظهر الحزن والفرح صورةً ليست للمجاملة، ولكن لمعرفته أن الحياة كلها صورة زائلة، وأن البقاء ببقاء لب الاتصال القلبي والروحي بالمعنى و المراد من الدنيا.

الأحد، 24 مايو 2026

نمو الوهم

 خلجات

نمو الوهم


كثير من الأمور التي تواجه الإنسان، أو يواجهها -على حسب من منهما السابق بالتوجه إلى الآخر- هي في النهاية أقدار؛ فإن لم يذهب إليها أتته. 

وعندما تمر به، أو تصطدم به، تكون متشابهة إلى حدٍّ كبير في اصطدامها مع غيره، ولكن تختلف في بدايتها طريقة تلقّيه لها، وتختلف باختلاف «وهمه» في تعاطيه معها، وإقناع نفسه بأهمية حاجته لها، وأولويتها لديه، واستقامة حياته بها، ومقدار استطاعته العيش معها أو من غيرها. 

وكلّه وهمٌ يوهم الفرد به نفسه، على حسب رغبته في إعطاء المبررات لنفسه وللمحيطين به بأهمية هذا العارض.

الإنسان المدني يعيش محاطاً بالجدران، وبينه وبين تلك الجدران عالمه الخاص من مقتنياته ومختاراته، ووسائل راحته، ولوازم معيشته الأساسية والثانوية والكمالية. 

وأقرب من الجدران وما خلفها يكمن ما يقرّبه الإنسان إلى نفسه ويختاره من مأكوله ومشروبه، وما يقنع نفسه بأنه مفيد، أو جيد، أو صحي، أو غير صحي، بل وما يتعاطاه على أنه لذيذ ويحقق له المتعة، ويناسب حالته المزاجية، ويسبب له السعادة. 

وشيئاً فشيئاً نجد أن الإنسان اختار وانتقى كل ما حوله، إلا أفكاره تجاه هذه الاختيارات، التي قد لا تكون بأهمية ما أعطاها من أهمية بالاختيار، ظنّاً منه بأنها الأهم والأولى.

فتنامى في عقله نموٌّ سريع مع تسارع الحياة، وتعددت الخيارات بتعدد المعطيات، ولم تكتمل الصورة لعدم اكتمال الحياة، وخصوصاً حين لا تقوم على معرفة مقومات الحياة الأساسية. 

فبدل النمو العقلي، ينمو الوهم، ويتراجع ويضيق الفهم، حتى إذا وصل الإنسان إلى مرحلة من الضجر والتعب من هذه الحياة، وظن أن ذلك بسبب عدم اختياره الصحيح، لم يُعد ترتيب حساباته أو تصفية أفكاره، بل يذهب إلى تغيير مأكوله ومشروبه، والمطاعم التي اعتاد الأكل منها، والمقاهي التي اعتاد ارتيادها، بوهمٍ غذّاه في نفسه بأهمية تغيير اختياراته، ظنّاً منه أن تغيّر الخيارات يعالج الأمر ويرقى بالفهم، ويخرجه من دائرة الضيق والكدر إلى الفرح والابتهاج.

أحسّ وأشعر -ولا أظن فقط- بأن البعض وجد وهماً جميلاً قبله، وعاشه فترة وتعايش معه، لكنه لم يُنمِّ الفكر في مقابله. فتخلل الوهم البيوت والجدران واللباس والمطعوم والمشروب والمختارات اليومية، دون الفكرية والإيمانية والروحية. 

وما إن يضجر الإنسان -وهو إحساس- وتضيق به الدنيا -وهو إحساس أيضاً- حتى يذهب، بدلًا من مراجعة الفكر والإيمان والروح، وتغيير بعض القناعات والأولويات الفكرية والتعلقات القلبية، إلى تغيير طريقة استهلاكه، باستهلاكٍ أبشع وانفتاحٍ أكبر، ظنّاً منه أن طريق السعادة يكون بتغيير المأكول والمشروب، وهما أمران ملموسان. فما عالج جرحاً، ولا أبرأ وصباً.

الآن أنا لا أحس، بل أعتقد أن الإنسان أعطى كثيراً مما حوله من أمور الدنيا واختياراتها أكبر من حجمها، وهي التي لا تساوي -عند خالقها- جناح بعوضة. وما وجود الإنسان في الدنيا إلا لرسالةٍ بشريةٍ محسوسة، تميّزه وتكرّمه عن غيره من المخلوقات، باختياره لتنمية فهمه، وإيمانه، ووعيه، ونيته، في كيفية التعامل مع الاستهلاكات والمعطيات من حوله واختيارها. 

ولو قضى عمره يتقلب بين مهمةٍ وأخرى بحثاً عن مهمته في الدنيا، لكان خيراً له من التنقل والتغيّر بين مستهلكاته وتفاهاته.

الأحد، 17 مايو 2026

رحم المعاناة

 خلجات

رحم المعاناة


جرى على ألسنةِ كثيرٍ من الناس، لا سيما من وجد لنفسه مجالاً يظهر فيه ـ أو يتظاهر به ـ بين الناس، أن إبداعه وما وصل إليه إنما هو نتاج معاناةٍ وُلِدَ من رحمها، وتأثر بها، فأنتجت تلك المعاناةُ ذلك المبدع الذي قدّم نفسه على أنه صاحب إبداع. 

والحقيقة أننا جميعاً ذلك الرجل، وإن اختلفت الظروف والمسببات والأرحام ومجالات التباهي، دون يقين إن كان الداعم حقيقةً أم وهماً.

إن الحياة بيومياتها، وظروفها وتقلباتها، تقذف بالإنسان من صلب الركود إلى رحم المعاناة، ليستقر في قرارٍ مكينٍ إلى قدرٍ معلوم. 

وبعد أن يمكث فيه مدةً يظن معها أن هذا موضعه ومقامه، تضيق عليه الظروف، فينقلب حاله؛ فيدفع بنفسه خارج تلك المعاناة، أو تدفعه هي دفعاً، ليجد نفسه في حياةٍ جديدة. 

وأول ما يعتريه حينئذٍ هو البكاء، وهو الأمر الذي فُطر عليه ألماً ووَحشةً من واقعٍ لا يدرك أبعاده، ولا يفقه مما يراه ويسمعه إلا حاجته إلى الطمأنينة والاحتواء.

ومع ذلك، يبتسم المحيطون به ممن سبقوه إلى هذه المرحلة، لإدراكهم أنها ليست نهايةً بل بدايةٌ جديدة. وبعد أيام تبدأ ملامحه في التشكل، وربما ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ خفيفة، علامةً على التأقلم والراحة بعد المعاناة.

وهكذا هو الإنسان بعد خروجه من رحم الشدة التي مر بها. 

غير أنني تساءلت في نفسي: 

بما أن الإنسان منطقياً لا يولد للحياة إلا مرةً واحدة، فهل يكون إبداعه كذلك ذا ولادةٍ واحدة؟ أم أن لكل إبداعٍ ولادة، ولكل مجالٍ مخاضه الخاص؟

قد يكون الدخول في المعاناة أمراً لا يد للإنسان فيه، أما الخروج منها فإما أن يكون قراراً منه، وإما أن تخرجه الظروف دون اختيارٍ منه، كأن يأتيه الفرَج من العالم الخارجي. فالجنين قد يدفع بنفسه خارج الرحم، وقد يبلغ أجله فيه فيلفظه الرحم بانتهاء وقته، ليواجه الحياة وتتشكّل ملامح شخصيته وإبداعه بحسب مقدار تجربته، وما اكتسبه من فهمٍ وصبر، وما استقر في نفسه من ميول وما استثمر من مواهب.

وهكذا تكون المعاناة، بما تحمله من ألمٍ وضيق، رحماً يلد المبدعين كما يلد المدّعين.

وما إن يستقر الإنسان في مرحلةٍ من حياته، أو يبلغ طوراً من أطوار إبداعه، حتى يظن أنه قد استقر، وأن فكره قد نضج، وربما ظن أن عطاءه قد نضب. 

غير أن التجارب والأقدار والاختيارات تعاود قذفه إلى رحمٍ آخر، يخرج منه ـ بعد ضيقٍ وألم ـ أكثر نضجاً، وأوسع عقلاً، وأرسخ حكمةً مما كان ، ليزداد عطاءً وعمق فكر.

ومن معاناةٍ إلى أخرى، ومن رحمٍ إلى رحم، يتنقل الإنسان في مسيرته الحياتية. وقد يجتمع عليه ـ مجازاً ـ رحمان في آنٍ واحد، أحدهما على صعيدٍ شخصي، والآخر على صعيدٍ فكري أو عملي، فتَلدُه الحياة بجلَدٍ وقوةٍ وعمق.

وهذه كلها تهيئاتٌ كتبها سبحانه وتعالى لعبدٍ أنعم عليه بالبصيرة، بعد ابتلاءٍ وصبرٍ ومصابرةٍ وحمدٍ ومرابطة؛ ليتهيأ لحمل ما أراد الخالق له أن يحمله من أعباء أهل الفضل والخير، والسير على مسلكهم، والاقتداء بخطاهم. 

فيجري الله على يديه نفعاً، أو علماً، أو حسن تعامل، أو صبراً، أو إضافةً نافعةً للبشر، لا للتباهي والتشدق وادعاء المعاناة، وإن كانت معاناة كل إنسان على قدر أقداره وظروفه.

وأكاد أعتقد أن الإنسان ما إن يخرج من رحمٍ حتى يدخل في آخر، وما إن ينجو من معاناةٍ حتى يُقاد إلى أخرى، فيزداد مع كل تجربة عمقاً وإبداعاً، ويتأمل مراد الله منه، والحكمة المرجوة، والدرس المستفاد من تلك المعاناة ومن رحمها.

فما الحياة إلا رحلة تأملٍ دائم، وبحثٍ متواصل عن مرادات الله منا. ولعل حياة الركود والركون، ودوام النعم والتنعم، والبعد عن المعاناة، تكون في حقيقتها عين المعاناة؛ إذ قد تغرّ الإنسان بضبابيتها، وتخدعه بزخرفها وتدليسها.

فالحياة ليست صادقةً دائماً في هدوئها، ولعل أصدق ما فيها هو المعاناة.

الأحد، 10 مايو 2026

منطقة الراحة


خلجات

منطقة الراحة

                                   سالم النخيلان

يضجر الإنسان أحياناً من حاله؛ من اعتياده على ما هو عليه، أو من شعوره بالخمول والكسل، أو من إحساسه بأن حياته لا تشهد تقدّماً يُذكر. 

وما إن يبوح بهذا الضجر حتى تنهال عليه النصائح والتوجيهات من كل من ظن في نفسه حكمةً وتجربة، داعياً إيّاه إلى «مغادرة منطقة الراحة».

ويُصوَّر له أن هذه المغادرة لا بد أن يصحبها ألمٌ وتعبٌ وثقل، وأن ما ينتظره وراء هذه المنطقة يستحق ما يبذله من جهد ومعاناة. 

حتى أصبحت هذه العبارة جواباً جاهزاً لكل من شكا هماً، أو وجد ضيقاً، أو لقي عنتاً في حياته.

غير أنني أتساءل أولاً عن معنى الراحة، قبل أن أتساءل عمّا إذا كان لها منطقةٌ يسكنها الإنسان ويأنس بالإقامة فيها. وهل كل من شعر بضيقٍ أو تبدّل حالٍ يُطالَب بمغادرة موضعه بدعوى أنه يعيش في«منطقة الراحة»؟!

أحياناً، ومع تشوّش الأحداث واضطراب الأحوال وتقلبات النفس البشرية، يكون السكون وعدم الإصرار لوناً من الحكمة، وشكلاً من أشكال الصبر والمصابرة. وقد يكون التريث ذاته مغادرةً حقيقيةً لما يُظن أنه منطقة راحة؛ لأن المرابطة على النفس، وكبح الاندفاع، نوعٌ من التجلّد والثبات حتى تنقشع غمامة الحياة العابرة.

وحين تنجلي تلك الغمامة، يغدو ما كان عسيراً أكثر وضوحاً ويسراً، فيحمد الإنسان سكونه الموقت، وخموله الذي كان مشفوعاً بالصبر، لا بالعجز.

ومع كثرة ما يتناقله الناس، وما يردده المتشدقون لكل شاكٍ ومتألم ويائس: «غادر منطقة الراحة»، دون معرفة بواقعه أو فهم لطبيعة ما يمر به، قد يندفع المرء اندفاعاً غير محسوب، فيترك واقعه ومسؤولياته، ويخوض في تقديرات مضطربة تخبطاً عشوائياً.

فإن أصاب، نسب النجاح إلى نفسه واجتهاده، وإن أخطأ، علّق خطأه على عجلة الإنسان وضعفه، ووجد من يبرر له ذلك ليخلّصه من مواجهة ذاته ومحاسبتها.

ولا ريب أن الحياة تحتاج في بعض مراحلها إلى مراجعة جادة، وإلى مغادرة بعض العادات والأفكار والمسارات. لكن العودة إلى أمرٍ ما لا تعني دائماً أنه الخيار الصحيح، كما أن مفارقته لا تعني بالضرورة أنه القرار الصائب؛ فقد تكون العودة بدافع الألفة والاعتياد، وقد تكون المغادرة مجرد هروب من مواجهة النفس.

ولهذا فإن القرار الحقيقي هو أن يميز الإنسان بين ما ينبغي تركه وما ينبغي التمسك به. فما اعتاده من تقصير، أو ألفه قد يكون خوفاً من المجهول، أو استراح إليه من جبن، هو أولى ما يجب مغادرته، وإن بدا له مألوفاً ومريحاً.

ويحتاج الإنسان، بين حين وآخر، إلى أن يهدأ، وأن يترك نفسه قليلاً لموج الأقدار حتى يرسو على شاطئ لتكون الرؤية أكثر وضوحاً. فالسابح عكس التيار هالك، وليس كل من استسلم له ناجياً؛ وإنما النجاة في أن يعرف المرء متى يقاوم، ومتى ينتظر، ومتى وكيف يصبر.

فإذا هدأت عاصفة النفس، وطابت السريرة، واتضحت الرؤية، واستقام الفكر، وأصبح الإنسان أقدر على معرفة المنطقة التي ينبغي أن يغادرها، والراحة التي يرجوها من هذا الرحيل.

ولعل أعظم خطوة بالمغادرة الصادقة أن ينظر الإنسان تحت قدميه، في هدوءٍ وصبر، بعد وضوءٍ وسجود.

الأحد، 11 يناير 2026

الكهف

 خارج الصندوق

الكهف



في تعاملات الإنسان اليومية واحتكاكه بالمجتمع، الحقيقي منه والوهمي، قد يشعر ببعض المنغصات أو المضايقات أو المكدرات، التي تحتاج منه إمّا الانتصاف للنفس، أو التنازل عن حقٍّ هو صاحبُه أصلاً.

وكذلك ما يتم نشره في وسائل التواصل الاجتماعي في عالمه الوهمي؛ فهو ليس شعوراً لصاحب الحقّ بأنه مُحق، ولا إشعار صاحب الباطل بأنه على حق، بل هو شعور المتلقي المُسلّم بأن المتكلم والملقي لكلامه هو الحق ذاته، وهو المريد للخير، وذلك ما يثْبته عدد المتابعين وعدد التفضيلات التي لامس كلامه مشاعرهم ودغدغ أحاسيسهم، وربما أجاد الغناء على ليلاهم.

هذه الحياة مليئة بالمشاغل والمنغصات بطبيعة الحال، فلا يصفو لك يومٌ إلا نادراً، ولن تجري الرياح بما تشتهي سفنك دائماً. 

ولكن الأمور العابرة في حياة الإنسان قد تعطيه درساً، أو تزيد رصيد حكمته، أو تعلّمه صبراً وحِلماً.

أمّا ما نجده من عالم الوهم والمتابعين -إن لم يكونوا متابعين وهميين أصلاً- فهو كلامٌ وهمي يُقدَّم لمشاهدين وهميين، لا يُعرف صدق استفادتهم، ولا يُعرف عنهم إلا ما تسمّوا به: «متابعين»، بحقٍّ وباطل.    

فالوهم يُقدَّم لهم دون دليل، والمتكلم لا يعرض من شهاداته وخبراته إلا لباسه، وسيارته، وغرفة نومه، وكلاماً يلاقي له أذناً تتلقى، وعقلاً ساذجاً، وقلباً غافلاً، وروحاً مثقلة وإنساناً هارباً؛ ليزداد المتابعون تسليماً، ثم اتباعاً، ثم تعلقاً، ثم حملاً لرأيٍ لم يكن لهم، لهراءٍ يبنون له حجة، ثم يدافعون عنه بالغالي والنفيس.

مما رأيتُ من الاحتكاك بالمجتمع أخيراً، أحببتُ شيئاً من الانعزال القلبي والعقلي، والإيواء إلى كهفي المتخيَّل؛ فلا يُشوِّش عليَّ سُخف متحدث، ولا مشهور، ولا مغترٍّ بمتابعين، ولا أستمع لصديقٍ تأثر بهم وإن كان قريباً، ولا أحب جدالاً، ولا أفرض رأياً، لأجد نفسي أخالط الناس ظاهراً، وأنا منعزلٌ عنهم، غير متأثرٍ بهم، ولا آخذ عنهم أو منهم ما يعكّر صفو نفسي من مسببات القلق والأذى، من عالمٍ لا حقيقة فيه ولا صدق؛ فالكل يتظاهر بما لا يمثله على الحقيقة، ويعبّر عما لا يعبّر عنه في الواقع، فالواهم والموهوم كلاهما رضي بنصيبه من الآخر، وأنا رضيت بنصيبي من العزلة.

الأحد، 21 ديسمبر 2025

بيع الوهم

 خارج الصندوق

بيع الوهم



في هذا الزمن المتسارع بخطواته التي أظنها مدروسة، ونحن نحاول اللحاق بجريها بغير دراسة، يتعرّض الإنسان إلى أزمات ومشكلات نفسية وأُسرية واجتماعية ومادية، فيهرب من واقعه المؤلم إلى عالمه الوهمي المخدِّر، بدلاً من مواجهة الواقع واتخاذ قرار ودراسة الحال، والتفكير في حلٍّ يكون جذرياً أو موقتاً مدروساً لحين إيجاد الحل الجذري أو اتضاح الرؤية.


وخلال هذا الهروب، يرتمي في حضن صانعي المحتوى الفارغون من المحتوى، الذين يُجملون الظاهر بإيماءات وكلمات وجمل، مع بعض التلاعب بالصوت لدغدغة مشاعر المشاهد، دون إيجاد حل، غير إيهام الموهوم أنه على حق، وإن كان على حق فعلاً، وتغييبِه عن الواقع بكلمات وأساليب تُخدِّره ومشاهد قصيرة لا يمل من مشاهدتها وسماعها.

مع وجود وسائل التواصل الاجتماعي، أُتيحت الفرصة لشخصيات تجيد التظاهر كالخيال أو تدربت عليه، وتحسن التواجد لا الوجود، وتصطاد كل شاردٍ من الواقع المؤلم بطبيعة الحال، والحياة التي لا تخلو.

 فعندما يتعرّض الفرد إلى أي مشكلة، فبدلاً من إعمال العقل بالتفكير وإعطاء المشاعر حاصلها للتفاعل مع الحال المناسب لما حل بالفرد، تجده يهرب من نفسه وذاته وعقله وتفكيره، هروب الخائف من تفكيره وعقله إلى وسائل التواصل الاجتماعي، هارباً من ذاته لمن يوهمه بمساعدته بالبحث عنها. 

ومع أول طُعمٍ يُجمِّل له الكلام ويُحسن له التقديم، فيُسلِّم العقل والقلب والروح وجميع وسائل الإدراك الحسية والمعنوية، ليحرِّكه المسمي نفسه صانع محتوى، ويلعب بمشاعره ويملي على عقله الفارغ ما يريده، وما المتلقي بأفرغ من المُلقي، ولا أملأ من المُملي.

عندما كنت صغيراً، كنت أحفظ حديثاً نبوياً يقول فيه رسول الله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم،:

(إنّ اللهَ لا يقبضُ العلمَ انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلمَ بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمٌ اتخذ الناسُ رؤساً جهّالاً فسئلوا فأفتوا بغيرِ عِلمٍ فضلّوا وأضلوا).

كثيراً ممن يسمون أنفسهم صناع محتوى، ويتحدثون بقضايا نفسية واجتماعية وتربوية وزوجية ومالية، مع تفخيم طبقة الصوت؛ كلامٌ يُقال لإثارة الفارغين العاجزين عن البحث الحقيقي في ما يعانونه من مشكلات، مسنداً كلامه وحديثه ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ليس لوجودها في سياق حديثه أي دليل عقلي أو ارتباط شرطي أو تشابه حال. 

ولو أطلق الموهوم القليل من التفكير، لعرف أن ما يتلقاه لا يغيّر واقعاً، ولا يداوي ألماً، ولا يحل قضية، وما مشاهدته إلا زيادة في الضياع، ولكن عن رضاً منه.

مع وجود صانعي الوهم، الموهومين بأنفسهم أولاً، والمتوهمين بالنجاح ثانياً، والبائعين لوهمهم ثالثاً لوجود من يشتري في سوق التواصل الاجتماعي، لن يكون هناك تغير في حال المتسلي بحديثهم، غير ضياع الحقيقة والسير خلف خطى الضائع الذي يظن نفسه ناجياً، بل ويمد يده لينجي غيره بلا دليل ولا معرفة ولا فهم.

أعتقد أن ما يحصل في وسائل التواصل الاجتماعي ينقص قيمتنا الإنسانية في التمييز بين الرديء والجيد من الأفكار والمفاهيم والقيم، لمجرد ظهور من يحسن العرض رغم فراغ المحتوى عقلاً وقلباً وروحاً.

 فأسرع ما يملكه الفارغ من المحتوى أن يقدم القليل من الكلام المنمق، بدلاً من أن يدرس بحثاً في الأثر وبُعد ما ينطق به. 

والأسرع والأهون علينا أن نستمع لما نريده، وإن لم يوافق هوانا انتقلنا للذي بعده، إلى أن نجد هوانا، فيكون الموافق لهوانا موافقاً للحقيقة، وهو المصدق في القول دون تحقق أو بحث.

الاثنين، 15 ديسمبر 2025

كلّنا كاذبون؟

 خارج الصندوق

كلّنا كاذبون؟

يعيش الإنسان حياته اللامثالية متطلعاً إلى المثالية، أو باحثاً عنها، أو تعيساً بصعوبة الوصول إليها. لا يدرك بعقلٍ أو قلبٍ أن المطلوب منه ليس المثالية، بل الرضا بالقصور وعدم الكمال ذاتهما.

يصارع الإنسان نفسه في حربٍ شعواء، نهايتها الكآبة والهمّ والغمّ والحزن، لعدم استطاعته الوصول إلى تطلعاته اللامنطقية، مدّعياً المنطقية، جاعلاً إيّاها مراده للوصول إلى غاياته اللامتناهية. فيحاول خداع نفسه باختيار صداقاتٍ أقلّ منه موهبة، أو أكثر منه خيبة، أو بصناعة شماعاتٍ مجتمعية من القيود والعادات والروتين والمسؤوليات الحياتية والزوجية، لتبرير الخيبة. 

أو قد يلجأ إلى المجتمع الوهمي اللامثالي في عالم وسائل التواصل الاجتماعي الوهمي، لينظر إلى مدّعي الإنجاز، وبشيءٍ من الحسد الخفي، وبحثاً في المقارنات المؤدية إلى ما يراه، فيرتطم بالخذلان ويوقظه الواقع. 

فيغلق الهاتف ويلعن الواقع، وتثور في داخله براكين إرادة التمرّد على الحياة، فيلجأ إلى الدوران حول رحى الخيبة والخذلان والفشل.

الظاهرة الاجتماعية قد لا يُجبر عليها الإنسان بقدر ما تُساق لها القِلّة، لتجدها الكثرة طريقاً لهم دون تفكيرٍ في ما إذا كان هذا الطريق يصلح لهم أم لا. 

وفي هذا قد تكون الظاهرة صالحة أو فاسدة أو مضرّة، لا يهمّ، بقدر ما تُتَّبع ثورة داخلية وقنبلة موقوتة تم ضبطها خفيةً وهماً، لتنفجر حقيقةً في العلن بادعاءات عقلانية.

قد لا يعرف الإنسان من أشكال الكذب إلا تغيير الحقيقة قولاً، أو قول ما لم يحدث على أنه قد حدث. بينما مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، قد يكذب الإنسان بادعاء ما ليس فيه، والتخلّق والاتصاف بما ليس من صفاته، أو التفاعل شعورياً بما لا يحرّك مشاعره. وقد يظهر بصورةٍ مفبركة أو محسّنة ليكون على صورةٍ تُضاهى بالتفاعل المُلقى، فترضى نفسه الأمّارة بالسوء ليكون كما يريد، دون إصلاح واقعه الخَرِب. 

ما يجعل المشاهدين والمتفاعلين يظنّونه كما رأوه، وعند الاقتراب ينخدع فيه الفارغون، وقد يدرك العقلاء أنه لا كمال لبشر إلا بالنقصان، فيقبلونه على نقصه، ويقتربون منه تصالحاً ورضاً به وبعيبه. 

لكنه لا يرضى لنفسه القبول من الآخرين بالكمال والنقص، بل يبحث عن نفسه الكاذبة كما أراد لها، وكما أعلنها، وكما زُيّنت له وتزين لها. 

فيُبعد الصادقون عن دائرته ليبحث عمّن غُشيت أبصارهم وراء الشاشات، ظنّاً منه بقبولهم له بما فيه، فيلتم المنحوس على خائب الرجاء، فلو علموا منه نقصاً ما أطاقوه، ولو علم هو أنهم التفّوا عليه من فراغهم لما قبلهم.

ملأت وسائل التواصل الاجتماعي حياتنا وهماً وكذباً اصطنعناه وألبسناه ونصّبناه في منصب الحقيقة والواقع، فكبر حجمه وتحكّم بنا كما أردنا له ورضينا بذلك. 

وألجمنا عقولنا الناقدة، وأرواحنا الطاهرة، وقلوبنا النقية بلجام الغفلة، وتدثّرنا بالهموم والكآبة والخيبة. ورضينا بأي قولٍ يدغدغ عواطفنا، ويحرّك مشاعرنا، ويوهم عقولنا. فدغدغنا مشاعر الآخرين، وحرّكنا عواطفهم، وأوهمناهم بما نريد أو نتمنى أن نكون. أو لعلّنا جرّبنا ما يثير التفاعل والإعجاب، فرضينا أن نكونه دون الارتطام بواقع أن ذلك كذب، قد يتجاوز بضرره كذب القول، متّبعين بوسائل التواصل الاجتماعي سنن من كان قبلنا شبراً بشبر، وذراعاً بذراع.

الواعي هو من يعطي نفسه لحظاتٍ من الصمت ليسمع صوته الداخلي المتجرّد من المتابعين والفارغين في وسائل التواصل الاجتماعي، ومن أهواء نفسه المنتظرة لتقييمهم وإعجاباتهم، ليعرف من يكون وما دوره في الحياة. 

ويتعامل مع ضوابط الحياة ومسؤولياتها بذكاءٍ وإدارةٍ لواقعه، راضياً كلّ الرضا، مسلّماً تمام التسليم بعيوبه، ساعياً إلى إصلاحها، وإن لم تُصلَح. فكماله يكمن في عين نقصه، مدركاً أن أول واجباته في الحياة ليس الوصول إلى الكمال، وأن الطريق إليه هو الرضا بالنقص ومجاهدته، لا محو العيوب كلياً، تلك التي زيّنها لنا العالم الافتراضي، فأصبحت عيوبنا قيوداً لعقولنا عن معرفتها، وقلوبنا عن الرضا بها، فتثقل أرواحنا عن إدراك عالم الكمال بالرضا بعين النقص.

الأحد، 7 ديسمبر 2025

الهروب الكبير

 خارج الصندوق

الهروب الكبير

سالم النخيلان

 لا أحبُّ تغيير المسميات أو تفخيم الألقاب أو تعويم المصطلحات لتتماشى مع قوتي أو ضعفي، أو مزاجي أو طاقتي وقدرتي تبريراً لنفسي وفعلي؛ فيما أُجبرنا عليه ولم نختره، وفيما وُضع في طريقنا فاستسلمنا له، وفيما اخترناه وأقنعنا أنفسنا بأنه لا عيش لنا بدونه، وفيما لم نفكر باختياره وقلنا إنه ضروري ولا يصحُ العيش بدونه. وكل ذلك وهمٌ، وألمُ إدراكه أشدُّ على النفس الجبانة من ألم التفكير به وتصنيفه ثم مواجهته فعلاجه، في التنازل أو ترك ما لا غاية منه، وكلُّنا جبناء.

يتعرّض الإنسان في حياته المليئة باللاوعي، والغارقة في بحر الترف، والمهددة بانقراض الشعور، والقابلة للضياع في زحام الاستهلاك، والمتأخرة — رغم التسارع الرهيب في كل شيء — إلا في المدركات التي أعتقد أنها عجزت عن مواكبة السرعة؛ يعيش الفرد ضائع الفكر، تائه الذهن، ثقيل الخطى، ضارباً بالواقعية عرض الحائط، محاولاً رسم الخيال الذي لا يعرف له شكلاً ولا هيئة ولا حدوداً، ولا أرض انطلاق، والفرح الذي لا يدرك بداياته ولا الغاية منه ولا كيفية الوصول إليه، غير أنه يريد الفرح الذي لا يعرف منه إلا اعتقاداً بلا اعتقاد بأنه فرح، ولا حتى كيفية التعبير عنه.

كل تلك الأمور تجعل الشخص لا يعرف سبيلاً للمقاومة أو التفكير، إلا اللجوء — مضطراً — إلى هروبٍ كبيرٍ واضح لكل مدرك، حتى الهارب نفسه، إذ يهرب بجبنه وخيبته من جبنه وخيبته، يستر خوفه وبؤسه في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، ليحكم على عقله بالمعروض، وعلى تفكيره بالاقتناع بالوهم، وعلى مشاعره بإحساسٍ لا يشعر به ولا يعنيه الشعور به أصلاً؛ لظنه أن هذا فرحٌ، وذاك حُبٌّ، وذلك إنجازٌ، وغيره إعجابٌ، وتلك حريةٌ وهذه معلومة وواقع.

فيسقط في إطار هذا القالب المؤطَّر بزيف التجديد والتغيير، ظنّاً أن لا إطار يحويه ولا حيز يضبطه، وكل ذلك هروبٌ خفيٌّ من الجبن في مواجهة الأسد الكامن في داخله؛ وهو النفس الكسولة الواهمة صاحبها بالتغيير والتوافق مع الزمن. إمّا هكذا تكون الحياة، وإلّا فلا عيش ولا فرح ولا حب ولا سعادة ولا إنجاز. ومنها وفيها ومعها تزيد أحمال الخيبة والخذلان، ويزداد الثقل المصاحب طرداً للنفور من مواجهة النفس.

والأثقل و الأدهى والأمرّ على الإنسان غير المُدرك حين يعلّق خيباته وأسباب ألمه على مَنْ حوله، والمطلوب منهم مسؤوليات تجاهه والعكس؛ فيظنُّهم مانعين لفرحه الذي لم يفرحه، وإنجازه الذي لم ينجزه، وتحرره الذي لم يحصل عليه، بينما هو لايزال عبدَ كسله وخموله، ميتاً رغم تنفّسه وقلبه الذي لايزال ينبض.

أعتقد أن الحياة مليئة بالصخب الذي يحجب أسماعنا عن سماع أصواتنا الجميلة التي تنبع من داخلنا وذواتنا، تلك التي تحدثنا بما يليق بها، وقلوبنا الصادقة الطاهرة التي تخبرنا حقاً وصدقاً بما ترغب به دون مشتتات خارجية تُضعف الصلة بيننا وبين بواطننا.

والسبيل إلى ذلك يكون بالصمت والعزلة وتصفية الذهن، ويقينٍ بأن القلب والباطن لديهما ما يخبرانك به، ولديهما حاجتهما منك، التي إن لم تنصت لها بهدوء فلن تعرفها وتدركها وتعمل بها. حينها ستدرك باطنك الجميل وقلبك النقي الذي يخبرك بما يريد وما لا يريد، وما يحب وما يكره، وما يفرحه وما يحزنه، وأين مأمنه ومخاوفه؛ ضمن ضوابط فطرته السليمة السوية التي يمليها على جوارحك ومدركاتك الحسية مستعيناً بميزان العقل، فيكون الفرح داخلياً، ثمّ قِس عليه بقية مراداتك.

ذلك الإدراك يجعلك تُغرّد خارج السرب الذي ينعق كالغربان في سماء دنياك التي تراها صافية. فإن كانت الشجاعة لاتزال تحلو في عينك، وصوتك الداخلي مازال صافياً وتستمع إليه بوضوح دون مشوشات؛ فاضرب بالذوق العام عرض الحائط، واستمر مع نفسك، وواجه الحياة بما يحلو لك لا بما يُملى عليك.

وقد يكون الإدراك مؤلماً لشعورك ولو جزئياً بالوحدة، لكنها ليست إلّا خروجاً من حظيرة الإدمان والضعف والعبودية للوهم إلى رحابة الحرية والحقيقة. وأجزم أنه لو ضاقت الدنيا، ففي داخلنا عالمٌ رحبٌ جميل، فيه متّسع لنا ولمن نحب. يكفينا أننا به نعرف الله ونؤمن به ونحبه ونخافه، ونحب نبيه ونصدّقه. فنكون بذلك قد هربنا من الدنيا ومن أنفسنا إلى خير مفرٍّ وخير مهرب وإلى خير ملجأ.

الاثنين، 24 نوفمبر 2025

سيطرة الفراغ

 خارج الصندوق

سيطرة الفراغ


يكبر الإنسان ويتقدّم به العمر، ولكن أحياناً لا تكبر معه أفكاره وطموحاته وأهدافه، بل تكبر رغباته الغريزية فقط. 

وإن طلب علماً حفظ ولم يفهم، أو تعلّم لمجرّد حلّ الاختبار أو الحصول على شهادة أو تميّز وظيفي، فيتقدّم ما يُسمَّى بدرجته العلميّة وتتأخّر عقلانيّته وتقديره للعلم الذي درسه.

وإن عمل عملاً لعلوّ الراتب كان بائعاً لنفسه لا مؤدّياً لإنسانيّته، وكلاهما أمرٌ مشروع. 

وبذلك يحمل أسفاراً لا يعرف قيمتها، ولا فيما حُمِّلها، ولا لمن يحملها. كلّ ما يعرفه هو الطعام الذي يُقدَّم له تلقاء حَمله لِما حَمل، ثَقُل أم خَفَّ. 

ولكنه في هذه الحال يُشابه الطفلَ الذي تعلّق بأوّل ما وجده من الدنيا من أفكار، رافضاً توسيع دائرة البحث والنظر من حوله ليكتشف إن كان يستطيع غير ما هو عليه، أو ما جُبل عليه، أو وُكِل إليه. 

فلعلّه يكون صالحاً لغيره، إذ إنّ الإنسان في كلّ مرحلة من حياته قد يصلح لما لم يكن يصلح له من قبل ولا من بعد.

يجتمع الناس غالباً على وحدة الرأي وسيرهم عليه، ثم تعظيمه، ثم الدفاع عنه وعن حامليه وتبنّيه والعاملين به؛ لا اقتناعاً ولا لعظمة الرأي ذاته، بل لأنّ العقل الفارغ يُسلِّم لكلّ رأي يوهمه، والقلب المحجوب يؤمن بكلّ مبدأ يداعب عواطفه. والأعجب ليس تسويد الرأي العقيم أو التافه أو المبدأ الباطل، بل تشكّله على أشخاص وذوات، وأنّ إيمان المؤمن واقتناع المقتنع ما هو إلا ثمرة الفراغ الذي توَّج العقول، وامتلك القلوب، وأسر الأرواح في سجن الفراغ.

والفراغ الذي تفرّغنا له وسلّمناه زمامنا أسر حياتنا بقيود التواصل الاجتماعي بشتى أشكالها وطرقها، لنصبح محبوسين حبساً قصرياً افتراضياً في سجنٍ افتراضي، بلا تهمةٍ اتُّهِمنا بها ولا ذنبٍ اقترفناه. والخطيئة أنّنا ملّكنا الفراغ أنفسنا، ودفعنا لأسره أموالاً، وبذلنا مشاعر صادقة، ممّا ترتّب عليه أن أصبح الإنسان يعيش تحت سلطة الفراغ «المقدّسة» بنفوذها وهيمنتها.

أعتقد أنّ الإنسان الفارغ عقلاً وقلباً قد يسلّم إيمانياته ومعتقداته ومصدر تلقّي معلوماته، وإنفاق أمواله، بل حتى دخله ومشاعره، لغير محلّها؛ لا على سبيل الخطأ فحسب، بل بوهمٍ يعود عليه براحةٍ مزيفة. وأخطر ما في الأمر أن المتسلّط وهم، والموجِّه وهم، والمتلقي وهم، والمساحة المشتركة الجامعة بينهم وهم. فإذا أراد الإنسان مجاهدة تعلّقه، جاهد وهماً آسراً لحواسه ومدركاته ومشاعره، ليصبح بعده طريحاً لا هَمّاً ولا هِمّة.

الاثنين، 17 نوفمبر 2025

عرائس الماريونيت

 خارج الصندوق

عرائس الماريونيت


عند حضور مسرح الدمى، تُجسِّد عرائس الماريونيت أدواراً فكاهية أو أحداثاً تراجيدية تتأرجح بين الهزل والجدّ، وتتخللها كلماتٌ مضحكةٌ وأصواتٌ طريفة، تُوصل من خلالها الرسائلُ المراد إيصالها من «المشغِّل» أو عارض الدمى. 

والأمر، بشكل أوضح، هو أن يُبرز العارض قوته في السيطرة على الدمى التي يحرّكها بكلتا يديه في آنٍ واحد، مُجسِّداً شخصيتين مختلفتين، لكلٍّ منهما دورٌ وصوتٌ وحركاتٌ وتعابير مختلفة، بينما العارض المتحكم واحد؛ أي أن العقل المدبِّر واحد.وهنا تكمُن البطولة الخفية من خلف الستار.

العارض، من خلال تحكمه بالدمى، يجد في نفسه أمرين:

أولاً: أنه استخدم الدمى لإيصال ما يريد إيصاله؛ أو أنه — في حال انتفاء الرسالة — يجعل منها مجرد وسيلة تسلية للمشاهد، وباب رزقٍ للعارض الذي وجد في التحكم بالدمى وسيلةً لجذب المارة، وكلما أثار الانتباه حصد مشاهدين أكثر، ثم مالاً أكثر، بلا تفكير في نية هذا المال أو في كون الرسائل التي يقدمها بنّاءة أم هدّامة.

وثانياً: أنّ الدور الذي لا يُحسن تمثيله بالدمى، لا يجرؤ على الخوض فيه، لأنه لن يستطيع التحكم بما لا يقدر عليه، ولأنه يصمّم الدمى أصلاً وفق ما يتناسب مع مراده من العرض، وذلك دون أدنى مقاومة من الدمى بطبيعة الحال؛ إذ تتميّز بخفتها وبُعدها عن الواقع، وارتباطها بالمتحكم في معظم أجزائها، والأهم: أنها بلا عقلٍ يفكر ولا قلبٍ يُبصر، فالفراغ الداخلي أهمّ صفاتها.

الإنسان في مسرح الحياة ليس مسلوب الإرادة تماماً كالدمى، ولكنه محكومٌ بأمور كثيرة قد تكون صحيحة أو خاطئة؛ منها العرفي والاجتماعي والمادي، ما يجعل جزءاً منه أو نصفه أو كله مسلوباً للـ«عارض» الذي تُفرض عليه روابطه دون تفكير ولا اختيار ولا نقاش. 

وفي المقابل، ليس مطلوباً من الإنسان أن يُخضع كلّ حياته للنقاش والتحليل والتفكير والتعامل بالوعي الكامل.

يتميّزالإنسان بالحرية والمسؤولية اللتين يترتب عليهما الاختيار، وينتج عنهما الالتزام — ولو جزئياً — بما اختاره. 

وليس الالتزام الكامل دليلاً على الصحة دائماً؛ فبعض الالتزام أشبه بدمية في مسرح الحياة تتحكم بها خيوط المجتمع، وأفكاره، وتصرفاته. 

وفي المقابل، فإن إدراك هذا النقيض بحد ذاته حِملٌ يثقُل كاهلَ الواعين بما يدور حولهم؛ إذ يرضخون للضغط الخارجي لتلبية ما لا يريدون، ويكابدون الألم الداخلي لما لا يرضون عنه.

أعتقد أن الإنسان، إذا أدرك وعيه، استطاع أن يشعر بتسلل يد العارض إلى داخله عبر ما يتلقاه برضا وقبول وتسليم، تاركاً مفتاح جوارحه ـ الموصلة إلى قلبه النقي ـ بيد غيره، مما يُملى عليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي والصداقات المؤثرة على التفكير. فالقلب يصبح أجوفَ، كدميةٍ سهلةٍ للعارض الذي يريد من خلال هذا الإنسان أداءَ دورٍ يختاره له، ثم ما إن ينتهي منه حتى يرميه، تاركاً إياه في خوائه؛ لأنه اعتاد أن يكون مجرد دميةٍ تُحرِّكها يد غيره فرِحةً بنظرات المعجبين إليه. ثم ينتقل العارض لاختيار دميةٍ أخرى تؤدي الدور المطلوب في أمواج الأحداث المتلاطمة.

كما أن الإنسان — بإدراكه الكلي أو الجزئي للحال العام — يستطيع مجاهدة ما يُملى عليه ليعيش الواقع دون الشعور بالعجز، وبإدراكه الدقيق لوجود العقل الذي يساير به الدنيا، وتمييزه حدوده، يدرك تحكمها فيه، ويجاهد داخلياً لرفض الأوهام التي تسيّر رغباته وتصرفاته واختياراته، والتي قد لا يكون له دور فيها أصلاً. فيصبح — إن سلّم — مسلوب الإرادة؛ لا أعماله له، ولا يؤدي دوره في الحياة، ولا يملك جوارحه ولا قواه، وقلبه محجوب عن إنسانيته الحقة وعبوديته الحرة، والعقل عاجز عن السيطرة، والأسوأ أن يزيّن له عقله حاله. 

ولا يكون أمام الروح إلا مسرح الدمى لتحلّق فيه تمثيلاً، لعلّه يكون درساً يتعظ به المشاهد — على الأقل.

الاثنين، 10 نوفمبر 2025

الاقتناع بالوهم

 خارج الصندوق

الاقتناع بالوهم


طالما سألت وتساءلت عن الوهم والحقيقة، قبل ما يزيد على عقد من الزمن تقريباً. 

كنا إذا رأينا خبراً يذاع على شاشات التلفاز ولم يَرُق الخبر لذائقتنا أو لا نريد تصديقه، قلنا عنه هذا كذب إعلام أو خبر مفبرك، ومع ذلك نشاهد القنوات نفسها والمنصات الإخبارية، لربما بسبب قلتها أو لقضاء الوقت أو ادعاء مواكبة الأحداث، ولكننا كنا على درجة أعلى من النقد بحيث نصدق ما نريد ونكذب ما نريد أو ممكن كنا نتعامل بمزاجية أكبر.

فكلمة نقد أبلغ وأعمق وأظنها كبيرة علينا بعض الشيء. أما الآن فأصبحت الجوالات هي الوسيلة التي اتخذها الفرد مصدراً واعتبره موثوقاً للمعلومات وتلقيه الأخبار ووسيلة أُنسِه وسلواه وخلوته وتواصله الوهمي، فلكل منا مشاهيره وصانعو محتواه ومنصاته الإخبارية التي يتابعها مصدقاً بعضها ومكذباً أخرى وله مدربونه الشخصيون الذين يحثونه على استعمال العقل ليسلم لهم عقله فيخلطون سم جهلهم وإفكهم بعسل كسله وسذاجة تلقيه ليشربه ويتسمم فكرياً، مغتراً مبهوراً بما يجيدون من مهارات العرض والتقديم والكلمات الرنانة التي تخفي خلف زيفها حقيقة الوهم الهشة.

مع بداية انتشار استعمالنا لوسائل التواصل الاجتماعي كنا ندرك أن الكثير من المنشورات هي وهمٌ من معروضات وصور وأخبار ومعلومات قد لا تمثل واقع حال الناشر عند نشره، فمثلاً تشاهد شخصاً يعبر لك عن فرحه وسعادته بلقطةٍ يصنعها للحظة مع بعض المؤثرات الصوتية أو صورة تدعو للتأمل، بينما واقع الحال قد يكون الناشر يبحث عن الاهتمام أو لفت الانتباه أو التشجيع أو بث الشكوى بتعليقٍ مكتوب أسفل الصورة أو إثارة إعجاب المعجبين والمعجبات والباحثين والباحثات من المتفرغين والمتفرغات، أو قد يكون تسجيل حضور في عالم الوهم الافتراضي الذي لا يمت لحاله حين إرساله الصورة أو التقاطها بصلة للواقع، وكل تلك الأسباب من وراء النشر وهمية لا حقيقية، والأدهى أن المشاهد أصبح مجرداً من أدوات القياس التي قاس عليها وسائل الإعلام سابقاً سواء أدوات منطقية أو مزاجية فلم يعد يقبل كذب وسائل التواصل، أو خبراً مفبركاً ويقارن ما عُرض عليه مع مصادر موثوقة ليميز الخبيث من الطيب، بل أصبح يريد تصديق ما يرى باقتناع وانشراح خاطر وقضاء وقتٍ ممتع ولعله اعتبرها من محسنات المزاج، وعلى مستوى متدنٍ من الوعي مستسلماً للوهمية المعلوماتية بشتى أشكالها ومحتوياتها ومؤثراتها.

إن الحقيقة وإن كانت لا تعجب الباحث عنها أحياناً في النتيجة التي قد لا توافق هواه أو لصعوبة الحصول عليها، فإن رحلة البحث عنها بحد ذاتها لها متعة الواقعية بعيداً عن المعلومة ذاتها، والواقع هو في المعرفة ذاتها وامتلاك أدوات التميز والبحث والقياس. كذلك فما يعرض وما يباع على أنه حاجة لك هو وهمٌ لا واقع، فالمستهلك هو من يحدد الحاجة للمنتج المعروض أو أهمية ما يعرض سواء كان منتجاً أو معلومةً، لا ما يملى عليك بأسلوب تسويق بأنك تحتاج هذا المنتج، أو يقال «وداعاً للتعب مع المنتج الجديد»، «أو ما لا تعرفه عن كذا». 

والأمَرّ والأدهى التأثير بالمشاعر، والعقل هو ما يوهم أنه سعادة وفرح قد لا يكون إلا تعاسةً وكآبة وخيبة مسعى و«حشفاً وسوء كيلة».

أعتقد أن الوهم أصبح له نصيب الأسد من حياتنا اليومية الذي صدقناه وسلمناه عقولنا ليملي عليها ما يراد، ومشاعرنا لتستشعر ما لا يستشعر، وأرواحنا لتقيّد في عالمٍ من الخيال غير المطلق، وأحجبة لقلوبنا عن الحقيقة المطلقة، فيسري الوهم بعاداتنا وسلوكياتنا ومفهومنا، مُبعدين بذلك عن غاية وجودنا ومهامنا الحقيقية في عالم الوجود الحقيقي لا الوهم المزيّف.

الخميس، 6 نوفمبر 2025

وين عايش

 خارج الصندوق

وين عايش


تتعدّد الصور النمطية للمجتمعات وهي ما يميزُ به المُخالط لمجتمعٍ عن مجتمع وجماعة عن جماعة، بالملامح واللهجة واللباس والتصرفات والأكل والعادات الاجتماعية وطريقة التفكير في الأمور، فالناس تتجاور فتتعايش فتتمازج ويذوب بعضٌ منها ببعض الآخر المجاور على قدر استسلامهم للذوبان ببعضهم البعض، فعندما تذوب وتنصهر المجتمعات ويأخذ الكل من الآخر بقدر ما يأخذ الآخر منه تمتزج العادات والصور فيتقولب المجتمع ليعاد ترتيبه وتشكيله ليظهر بشكله المختلف الذي يصبح علامة مميزة له وهويته الخاصة به التي قد تقبل التغيير بتغير الزمان وظروفه والمكان ومعطياته بصورة واضحة حقيقية يتخللها أو يكسوها شيء وربما أشياء من الوهم الاجتماعي.

الوهم الاجتماعي كما أحب أن أسميه، ولا أدري إن كان سُمي من قبل أو لا، ولا شك عندي بذلك، أو أنني أردت أن أشعر بأني صاحب السبق بالتسمية أو أن أوهم نفسي بذلك، المهم أنه اسمٌ راق لي ويناسب موضوعي وأود استعماله.

هذا الوهم يعيشه المجتمع بتصرفاته المختلفة، من استهلاك وتعامل وطريقة تفكير ونبذ حتى من لا يوافق العامة بهذا الوهم بسؤال استقصائي «أنت وين عايش؟»، بينما بكل بساطة أن هذا الشخص هو لا يوافق المجتمع بنظرتهم للأمور التي قد يرى نفسه فيها مختلفاً أو لا يشابه الذوق العام أو أنه أعلى وعياً من الآخرين فيغرّد خارج السرب أو لا يوافق على ما اعتاده المجتمع إلا في ما يوافق حاجته ومنظوره للأمور.

والوهم يبدأ من نظرة الفرد للأمور ودوره في المجتمع، إن كان له نظرة بالأصل لكي يدرك أن له دوراً، أما معرفة الحقوق والواجبات فتلك أظنها أبسط أنواع المعرفة التي تخرج الفرد قبل المجتمع من أول درجات الوهم.

الوهم أصبح قالباً يشكلنا بعد ميوعةٍ واندماج ثقافات، وأعتقد أنه تصور خاطئ لشكلية النجاح والاستقرار النفسي والمادي والمعنوي لا النجاح والاستقرار في مضمونهما ومحتواهما، فقد أصبح من الوهم بأن يكون النجاح والإنجاز والأمان بالوظيفة والسعادة والاستقرار والزواج والحب والحرية بأشكال وصور يرتضيها المجتمع أو يظنها صحيحة بقصر نظره للأمور لا من منطلق عقلي يقرره ويتصوره صاحب الشأن في شأنه، وقد لا يكون في الواقع يتعامل مع تلك الأمور على حقيقتها، والتأخر عن الركب أو الخروج عن هذه القوالب يصبح الفرد بذلك فرداً خارجاً متأخراً أو منبوذاً، لا جزءاً مختلفاً من أصل المجتمع أو هكذا يُشعر أو يَشعر، لأن من السهل على الناس الاتباع في التصرفات الجمعية والصور النمطية التي يظنونها صائبة أو جميلة أو سعيدة أو أعجبتهم لموافقة أهواء النفس وغاياتهم غير المُدركة عقلياً أو غير محسوسه فيتبعون على ادعاء رضا أو تظاهر لحظي بالسعادة.

أعتقد أن الوهم متشعب ومتجذر في تصرفات واختيارات ورغبات وأهواء المجتمع ونحتاج طرح التساؤل على ذواتنا ما هو الوهم وما هي الحقيقة؟ وكيف لنا معرفة الوهم؟

والفرد المدرك لجزئية الوهم المجتمعي يصعب عليه التمازج مع الناس فيميل بكليته قلباً وعقلاً وروحاً للانعزال والفكر باحثاً عن حقيقة نفسه في مجتمعٍ يراه واهماً متجمداً في قوالب وضعت له لا يعرف واضعها ولا الموضوعة له ولا من جمّلها له، وهم يرونه معقداً رجعياً وربما مجنوناً وكلٌ بعقله راضٍ، والحياة دون إدراك حقيقتها والغاية منها كلها وهمٌ على وهمٍ.

الاثنين، 27 أكتوبر 2025

هدوء حنفكر

 خارج الصندوق

هدوء حنفكر


الصخب الشديد الحاصل على النفس البشرية من مجريات الأحداث وتسارع الوقائع والتنافس على الترف والعراك الفكري العقيم بين أصحاب الآراء ومشاركات وتدخل وعديمي الآراء، يجعل من الإنسان مختلاً عقلياً ومضطرباً نفسياً كآلة تؤدي الأعمال اليومية من دون شعور ولا إحساس ولا تفكير ولا غاية ولا نية...

لينتج عن ذلك إنسان تزاحمت عليه الأفكار والصراعات الداخلية المؤدية به إلى حرب ثلاثية الأطراف، نفسية، روحية وعقلية. 

إن استسلم وترك لهذه الحرب تقرير مصير المنتصر... 

فالمنتصر إذا كان النفس، فهي بالطبع ليست النفس المطمئنة بل الحيوانية بكل متطلباتها الحيوانية. 

وإن كان العقل وجره خلفه، فالعقل طاحونة يحلل ويفتك بكل ما يجده أمامه لكي يستوعبه ويثبت لنفسه القدرة على من هو أمامه من الأفكار المغلفة بالعقلانية دونما عاطفة.

أما الروح فهي السامي بالإنسان وهي المتضرر الأول والأخير من تلك الصراعات أو تلك الاستسلامات، ولميلها إلى الهدوء والسكينة فقد يكون ذلك بحد ذاته ضرراً على العقل والنفس، إن استسلما للروح كامل الاستسلام.

عندما خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان ونفخ فيه من روحه تلك اللطيفة الربانية، جعل معها القلب وتوجهما بالعقل، ليكونوا مثلثاً متكاملاً في جسدٍ واحد، فما تسمو وترقى إليه الروح قد لا يدركه العقل، وما يدركه العقل قد تتثاقل عنه الروح، وما يُكشَف للقلب قد يعجز العقل عنه أو يكون العقل خصماً للقلب، وكل أولئك مدركات لم يدركها الإنسان لقصر نظره وحُكمه على ظاهر الأمور حتى على نفسه أو ربما يستخدم من ذلك ما يوافق إرادته غير الصائبة غالباً إذا لم يدرك أبعاد المزيج الثلاثي في جسده الواحد، وجرّد كلاً منها عن الأخريين.

ومع تعامل الإنسان المادي البحت في الواقع المعاصر والزحام والضجيج والمشتتات العقلية والمخذلات النفسية وصعوبات التفكير والتحليل لمعطيات الأمور ومحاولات إدراك ما لا يلزم إدراكه وفهم ما لا يلزم فهمه وإلزام الإنسان بلزوم ما لا يلزم، جرّده من بشريته ونقائه وفطرته وحتى عقله المدرك المنوط بالتكليف، وساق عقله وقلبه وروحه للحاق بما هو محيط به من مشتتات ومغريات ومسببات الشلل الفكري، جاعلة منه إنساناً لاهثاً لما يُراد له أن يرى وينجز ما يُوهم أنه الإنجاز ويَطلب حريةً بعبوديةٍ موهَمَة هي غاية للعارض ويعمل ما يُطلب منه خدمة للوهم، وكثيراً ما أتساءل، 

ما هو الوهم؟ وما هي غايته وأهدافه ؟ وكيف لنا أو لي أن أدرك الفرق بين الوهم والحقيقة؟ وهل هو فعلاً وهماً، أنني من كبرت المسألة غاية أو حاجة للكتابة؟

المهم... أعتقد أن العزلة والانعزال عن المجتمع، بل وإحسان الانعزال، بل وإدارة تلك العزلة وإن كانت بمخالطة الناس والصبر على أذاهم، ليس مقروناً بالأذى المحسوس، بل قد يكونُ أذى فكرياً روحياً والتأثر بما لا يوافق المبادئ والأخلاقيات التي نشأت عليها، فالعزلة قلبياً وروحياً وفكرياً، أمر يحتاج إليه الإنسان لجمع القلب الهمة والتركيز على الغاية وتحديد الوجهة والمقصد، وإعادة طرح التساؤلات التي أظن بأهمية وضرورة إعادة التفكير فيها بين الحين والآخر.

فالإنسان المستسلم من دون حضور الباطن قد يفقد إنسانيته وعقلانيته وروحه فيجري مع القطيع بحثاً عن النجاة لا بحثاً عن الحياة. 

وأما المُسلِّم مع حضور القلب، فقلبه مستقر مطمئن وعقله مفكرٌ وروحه تسمو وترتقي وتحلق بلا قيدٍ ولا حبسٍ مهما تمثلت له الحياة مُثقِلةً مقيِّدةً مُرغِمة.

يهدأ بعزلة قصيرة ويسكن قلبه بخلوةٍ وفكرة خاطفة وتسبيحة بقلبٍ حاضر فيهرعُ بعدها إلى المهام اليومية مستشعراً التلذذ بها وإن لم توافق الهوى ما دامت من مسؤولياته البشرية، ولعل اللذة تكمن في عدم البحث عن اللذة، والمتعة تكون في عدم التفكير في المتعة والنجاة في عدم اللهث وراء الحياة.