الاثنين، 1 يونيو 2026

صورة السعادة

 خلجات

صورة السعادة


في لحظة فرحٍ تغمرها الضحكات والابتسامات العفوية، والقهقهة المصطنعة، والأسنان البراقة، وكلمات التراحيب المتكلفة، ومشاهدة الحاضرين المشاركين والمُغبَطين والحاسدين، وما إن تنتهي المناسبة أو اللحظة المأمولة حتى يغزو شعور التعب والثقل والخذلان قلب المحتفل، وكأن الفرح جُعل ليجلب الحزن، والابتسامة ما رُسمت إلا لتلحق بها الدمعة. ولم يبقَ لتلك اللحظات إلا ذكرياتها، وقد تكون آلامها تغطي على ذكرياتها، فلا يعود الإنسان يطيق تذكر فرحتها ولحظاتها.

فلو كان يصحب تلك اللحظات من الابتسامات التكلفُ والغرورُ والزهوُ بالنفس، وإدخالُ الغيظ على نفوس بعض الحاضرين، أو الخوفُ من حسد بعض الناظرين، والتكلفُ المادي والمعنوي أثناء تلك اللحظات، والأصعب من ذلك التكلفُ في إظهار الفرح، لكانت الفرحة البسيطة أجمل وأبهج للنفس. وكأن الفرحين جاءهم نبأ الموت وانتهاء الحياة، مع العلم أنه أمر طبيعي، بل هو نبأ حقيقي واقعي لا محالة، لا نكران له ولا تكذيب. 

فإذاً، فلِمَ تبدو السعادة والفرح مخذولين رغم جمالهما وقصر لحظتهما؟

يعيش الإنسان الحياة بما فيها من ألم وأفراح وأتراح، وصعود وهبوط، وصدق وخذلان، بمفاهيم أظنها مغلوطة، بل هي مغلوطة لا أشك في ذلك، وإن قلت: «أظن»، فإنما أرقق الكلام ووقعه. فلم يعد له صبر على الفرح والحصول عليه، ويعطي اللحظة أكبر مما تحتمل، ويتوقع من الآخرين الالتفات إليها، باحثاً عن الملفت للأنظار والجديد الفريد. وربما يكون صاحب الفرحة، في قرارة نفسه، يرى أنه لا يستحق هذه الفرحة، ولم يلتزم بما فيها من مهمات، ولا بما عليها من مسؤوليات، وما يترتب عليها من ضغوطات، ومع ذلك يريد أن يفرح بها كأي شخص طبيعي يرى أنه ارتقى من مقام إلى مقام.

لكنه يحب أن يعيش دون أدنى شعور بما يجب عليه أن يشعر به؛ فمع زيادة المسؤولية تزيد الفرحة، والعكس كذلك، حتى يصبح الأمر طبيعياً عنده، ونعمةً يعيش بها، يفرح بوجودها وأثرها، لا فرحةً يترف بها دون استشعار معناها والمراد منها.

خلق الله الإنسان وله مهمة في الحياة يؤديها، وقد يعيش السنين ضائعاً لا يعرف له غاية ولا وجهة ولا مقصداً، متنقلاً بين الأفكار والمرادات، يطرق أبواب الحياة حتى يُفتح له الباب المراد له أن يُفتح. ولكن إذا كان أثناء تقلباته وتخبطاته وطرقه وضياعه مستشعراً سيره ليجد مراد الله منه ومهمته في الحياة، كان ألم التوهان والضياع فرحاً قلبياً روحياً. وإن طرق الباب المطلوب وفُتح له، وعرف غايته ومقصده، كانت الفرحة فرحتين: فرحة البلاغ، وفرحة السعي.

والأجمل في قلبه أنه لا يشاركه فرحته حاسد ولا مجامل؛ لأنهم لا يرون في وصوله فرحاً، ولن يدعو أحداً إليه، لأنه قد وجد من الفرح ما لا يُعبَّر عنه إلا باستشعار النعمة وفضل المنعم. وتساوت بذلك الدنيا والآخرة، وأصبح الفرح الصوري الذي اعتاده الناس صورياً يفرح به لاعتياد الناس على الفرح به، ولكنه يفرح لمعنى ما يفرح به الآخرون، ولإدراكه الحقيقة الخفية عما يظنه الناس فرحاً قائماً على التباهي والمجاملات وكيد الآخرين.

للسعادة صورة، وللحزن صورة، ولو أدرك الفرح ساعة المصاب لما حزن، ولو أدرك السعادة وقت الحزن لتصبر على الحزن والبلاء. والحياة ساعة وساعة. ولو طرح كل ذلك جانباً، وعاش بقلب وذهن معلقين بالمعنى الحقيقي لما هو كائن وما سيكون، وبالجزاء، لأظهر الحزن والفرح صورةً ليست للمجاملة، ولكن لمعرفته أن الحياة كلها صورة زائلة، وأن البقاء ببقاء لب الاتصال القلبي والروحي بالمعنى و المراد من الدنيا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق