‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيد أمين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيد أمين. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 25 يوليو 2025

“ألبانيزي” أدت واجبها.. فهل نؤديه نحن؟

 “ألبانيزي” أدت واجبها.. فهل نؤديه نحن؟

  سيد أمين

لم تكن الإيطالية فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الأممية المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، التي فرضت عليها الإدارة الأمريكية عقوبات ومنعتها سلطات الاحتلال من دخول فلسطين، سوى واحدة من هؤلاء النبلاء الكُثر الذين راعهم حجم الإجرام الصهيوني الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، فنزعوا رداء المصالح الشخصية والفكرية والدينية والثقافية والسياسية، وقرروا الانتصار للإنسانية، والقتال بمفردهم في المحافل السياسية الدولية كلها من أجل ترميم ما تبقى من احترامها، وإنقاذ إنسانية هذا العالم.

العقوبات الأمريكية تأتي في إطار الإنكار الغربي المستمر للحق العربي، وعصفهم بمنظومة العدالة الدولية التي أسسوها بعد الحرب العالمية الثانية، وهو العصف الذي ازدادت فداحته بعد حرب الإبادة الصهيونية على غزة المستمرة منذ سنة 2023، رغم أن هذه المنظومة هي ذاتها التي دلسوا بها على العرب والمسلمين ونقلوهم عبرها من الحراك المسلح نصرة لفلسطين إلى الانبطاح فوق طاولات منظماتها وتحتها، بدعوى السياسة.

وثقت ألبانيزي جرائم الكيان الصهيوني في العشرات من تقاريرها، وكشفت عن تورط 60 شركة غربية عابرة للقارات في دعم إسرائيل وتسليحها وتزويدها بأدوات وتقنيات القتل والإبادة في غزة، بل وطالبت المحكمة الجنائية الدولية بسرعة التحرك لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين، كما طالبت فرنسا واليونان وبلدها إيطاليا بتوضيحات حول فتح مجالها الجوي لعبور نتنياهو، في مخالفة لقرارات المحكمة الدولية التي توجب اعتقاله، فضلا عن توثيقها عمليات الفصل العنصري التي تمارسها إسرائيل في الضفة الغربية.

أهمية نشاط المسؤولة الأممية أنه جاء في إطار طبيعة عملها الرسمي، ما يعني أن تلك التوثيقات لم تصدر عن أطراف خارج أجهزة منظومة العدالة الدولية، أو من متطوعين حقوقيين، أو من متضررين أصحاب مصلحة قد يسهل على إسرائيل -كعادتها- اتهامهم بالتشنيع والتشهير، ولكنها جاءت من داخل أخص المتخصصين بالشأن الفلسطيني في أهم منظمة دولية، ما يجعلها أدلة دامغة على الجرائم، وسيقتص لها التاريخ إن عجز الحاضر.

ألبانيزي ولدت عام 1977 في إيطاليا، ونشأت في أسرة ليبرالية مهتمة بحقوق الإنسان، وبسبب تعليمها في مجال الدراسات الشرقية والإفريقية في لندن، تعرفت إلى تفاصيل القضية الفلسطينية والمذابح التي يتعرض لها الفلسطينيون، وتخصصت في هذا الشأن، وحاضرت فيه في العديد من المحافل الأكاديمية والحقوقية الدولية، حتى اختارتها الأمم المتحدة لمنصبها الأممي، ولما أوجعت صراحتها إسرائيل، أمسكت واشنطن لها عصا التخويف والإرهاب بعقوبات تشمل تجميد أرصدتها وأرصدة ذويها في “البنوك”.

جائزة نوبل: تكريم وتخليد

إذا كان هذا ما قدمته الإيطالية الحرة من أجل نصرة المستضعفين في غزة الذين خذلهم العالم الإسلامي، فيتوجب علينا -كنظم حكم وشعوب نُعد الحاضنة الطبيعية للشعب الفلسطيني- أن نرد لها المعروف بالمعروف، ونتمترس خلف الدعوات التي انطلقت لمنحها جائزة نوبل للسلام.

وهناك العديد من الرسائل التي يمكن إرسالها للعالم كله، وخاصة لقوى التكبر فيه، مفادها أن العالم الإسلامي ومعه أحرار العالم لا ينسون أبدا من ينحاز لحقوق المستضعفين، وأن الدفاع عن فلسطين وحقوق شعبها المهدرة لم يعد خيارا يعود على صاحبه بالغُرم والخسارة كما كان في السابق، بل إنها قضية عادلة تنصر من ينصرها.

من أهم الرسائل أن حصول من وثقت -رسميا وأمميا- جرائم الإبادة الإسرائيلية على هذه الجائزة الكبيرة، التي يدور حولها نقاش نخبوي دائم في المحافل العالمية كافة، سيسهم في نسف المظلومية التي تقوّى بها الصهاينة على مدى عقود في مسألة “الهولوكوست”، لنستكمل بذلك نسف ما أغفلته تداعيات توثيقها “إعلاميا”.

وإذا كان مجرد طرح اسمها لدى العديد من الجهات الحقوقية في العالم لنيل الجائزة قد أوجع إسرائيل ورعاتها، فإن حصولها عليها فعليا سيكون طعنة قوية وتاريخية للمشروع الصهيوني برمّته.

وكما أن طرح اسم فرانشيسكا ألبانيزي لنيل الجائزة يُعد دعما للقضية الفلسطينية وتقديرا لمن يدافعون عن المظلومين في وجه ظالميهم، فإنه سيكون أيضا فرصة نادرة للجهة المانحة للجائزة لتُمسح عنها الاتهامات التي لطالما وُجّهت لها بأن ترشيحاتها في المجالات كافة تخضع لاعتبارات سياسية ولـ”لوبيات” صهيونية.

أما إذا قامت هذه الجهة برفض ترشح ألبانيزي، فإننا لم نخسر شيئا، وإنما فقط كشفنا حقيقة المعايير المزدوجة لـ”جائزة نوبل”، لتنضم إلى القائمة الطويلة لتلك المؤسسات والجهات العالمية الكبرى التي حطم “طوفان الأقصى” وحرب الإبادة الصهيونية سمعتها، ولم يتبقَّ لها إلا الوأد للأبد.

الدور الإسلامي: الدعم المؤمَّل

قد يبرر البعض انعدام دعم العالم الإسلامي “العسكري” لغزة تحت دعاوى نختلف فيها أو نتفق، إلا أن تواضع الدعم الرسمي والشعبي “السلمي” أيضا محل تساؤلات، إذ تحركت دول لا تنتمي لهذا العالم لدعم غزة في المحافل الدولية، كما جرى في المحكمة الجنائية ومحكمة العدل الدولية، بينما بقيت 57 دولة مسلمة تشاهد المذبحة التي تُرتكب بحق الأشقاء من بعيد دون أن تحرك ساكنا.

الآن جاءت الفرصة من جديد لحفظ ما تبقى من ماء وجه أمة المليارين، وبكلفة أقل، عبر دعم ألبانيزي لنيل جائزة نوبل للسلام، بما يحمله ذلك من اعتراف غربي رسمي ونخبوي بالإبادة في غزة، وأن من قام بها هم هؤلاء “الناجون من الهولوكوست” المزعوم.

ومن حسن الحظ أن لجنة حكماء يختارها البرلمان النرويجي (وليس السويدي) هي من تختار الفائزين بالجائزة في مجال السلام، بخلاف باقي اللجان، والنرويج أصلا من الدول الأوروبية القريبة جدا من القضية الفلسطينية، علما بأن اللجنة المشرفة على الجائزة تلقت طلبات ترشيح لـ338 مرشحا هذا العام، بينهم 244 فردا و94 منظمة، ويمنع نظام اللجنة الإفصاح عن الأسماء.


لماذا لا يغادر العرب منظومة الغبن الدولي؟


دروس عملية للمطبعين







الاثنين، 27 نوفمبر 2023

لماذا لا يغادر العرب منظومة الغبن الدولي؟

 

لماذا لا يغادر العرب منظومة الغبن الدولي؟

لسنا بحاجة نحن العرب إلى اكتشاف أن النظام الدولي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية يحمل في طياته وصفة متكاملة للاستبداد؛ لأننا اكتشفناه منذ السنوات الأولى لانطلاقه والفضل يعود في ذلك إلى القضية الفلسطينية، حيث عرفناه نظاما لا يحتكم لإجماع برلمان العالم المتمثل في الأمم المتحدة، ولكنه خاضع كليا لسلطة أعضاء مجلس الأمن الخمسة الدائمي العضوية التي تحتكر بمفردها صكوك المشروعية، تمنحها من تشاء وتمنعها عمن تشاء، حسبما تقتضي مصالحها هي لا مصلحة شعوب هذا الكوكب.

وعرفناه محتكمًا دومًا لمعيار القوة لا المشروعية، ولعله لا توجد هناك بلاغة تصف غرابة الحدث سوى القول بأنه نظام تأسس بعد أقل من 60 يوما من ارتكاب أمريكا مجزرتيها النوويتين المروعتين في جزيرتي هيروشيما ونغازاكي اليابانيتين في السادس والتاسع من أغسطس 1945 مودية بحياة مئات الآلاف من المدنيين في ساعات، وأن كلتا المجزرتين وقعتا رغم وجود مفاوضات سلام أمريكية يابانية لإنهاء الحرب.

والأنكى من ذلك أنه بدلا من عقاب الدولة الباغية المتدثرة بثياب الحضرية والمدنية وجدناها هي نفسها التي تقود هذا النظام وعلى أراضيها تقبع جميع مؤسساته ومفاتيحه.

ورغم أنها هي صاحبة ما يعرف بوعد “ويلسون” الذي أصدره رئيسها عام 1923 بمناصرة حقوق الشعوب الراغبة في التحرر وجدناها هي الدولة الأولى في العالم التي تعترف بدولة إسرائيل وحتى قبل إعلان العصابات التي جلبتها بريطانيا لفلسطين بإنشائها عام 1948، حيث أعلن عن قيامها في 15 مايو في حين أن أمريكا اعترفت بها يوم 14 مايو.

ووجدنا في كافة مراحل الصراع العربي الإسرائيلي أمريكا ووريثتها بريطانيا وعدة نظم يعدون على أصابع اليد الواحدة يجهضون كافة المطالبات الدولية بإنصاف الشعب الفلسطيني، واحترام حقه في الدفاع عن نفسه وأرضه وحريته، وينصبون أنفسهم حكاما للكون.

بالطبع لسنا بحاجة إلى إعادة التذكير بمواقف التسلط الذي تمارسه أمريكا عبر نظامها الدولي علينا، فقد ذقناه في العراق والصومال وليبيا وسوريا ومصر والسودان أشكالا وألوانا وصار من مسلمات الأمور لدرجة جعلتنا نبرر عجزنا في كل مسألة دولية تخصنا بأنه لا يمكننا مواجهة أمريكا، كما قال السادات.

الغبن الدولي

تجذر بشدة الشعور بالغبن من الانحياز الدائم للمنظومة الدولية إلى أي طرف يعادي توجهاتنا العربية في وجدان الإنسان العربي والمسلم على جميع المستويات حكاما ومحكومين، وطرح ذلك سؤالا جوهريا حول السبب الذي يدفعنا إلى البقاء ضمن حلقة النار تلك رغم أنه يمكننا أصلا الخروج منها تماما، ولعل هذا الخروج سيشجع دولا إسلامية أخرى لأن تحذو نفس الحذو.

وما الغرابة؟ فقد توافرت المبررات المتمثلة في عدم وجود أي دولة إسلامية ضمن الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن، ورغم أن المسلمين يشكلون ربع عدد سكان العالم، فإن هذه التشكيلة تحرمهم بشكل سافر من نيل حقوقهم بسبب نظام “الفيتو” الذي تحتكره، ولعل الرئيس التركي أردوغان كان من أعلى الأصوات التي تحدثت عن أن العالم أكبر من خمسة.

ولا ندري ما السبب وراء اختيار هذه الدول لتكون متحكمة في مصير العالم، فإذا كان لكونها امتلكت فعليا قوة نووية، فهذا تأكيد صريح لاحتكام هذا النظام لقوانين الغاب، إلا أنه مع ذلك يوجد ظلم آخر في داخل هذا الظلم، فهناك دول أخرى تمتلك تلك القوة ومع ذلك ليست من ضمنهم، وواحدة منها يصنفها الغرب دولة مارقة كما هو الحال في كوريا الشمالية نظرا لامتلاكها السلاح الذي يمتلكونه هم.

ومن العجب أنهم يعاقبون إيران بزعم رغبتها في امتلاك سلاح نووي، وقتلوا مليوني عراقي ونهبوا ثروات العراق تحت فرية ثبت كذبها حول سعيه لامتلاك هذا السلاح، ومع ذلك لم يدينوا بحرف واحد الكيان الصهيوني الذي اعترف مهندس برنامجه النووي “مردخاي فعنونو” علنا بكافة تفاصيله، بل وراح وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو يطالب علنا أيضا بضرب غزة بالقنابل النووية، وهو التصريح الذي يمثل اعترافا جديدا بكون إسرائيل دولة نووية، ومع ذلك لم ينبس أحد ببنت شفة بمن فيهم وكالة الطاقة الذرية.

عربيًّا كان العقيد الليبي معمر القذافي هو أول من تحدث علنا بمثل هذا الطرح عام 2001م، بعدما عانت ليبيا جراء الحصار الدولي بسبب قضية لوكيربي، وبعد أن استفحل تأثير الحصار الغربي الخانق في العراق جراء الاتهامات الأمريكية الباطلة بالسعي لامتلاكه أسلحة نووية، ولكن دعوته قوبلت بفتور وتندر واستخفاف من أغلب النظم العربية آنذاك.

وكانت إندونيسيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي أعلنت رسميا انسحابها من المنظومة الدولية عام 1965م جراء خلاف هلامي مع جارتها المسلمة ماليزيا، لكنها عادت إلى هذه المنظومة في نفس العام إثر انقلاب عسكري أطاح بنظام الحكم.

ومما لا شك فيه أن المصدر الأول لازدواجية المعايير التي تنفر من هذا النظام الدولي يقبع أساسا في عنصرين رئيسيين؛ أحداهما عدم إلزامية قرارات الأمم المتحدة، في حين هناك إلزامية في قرارات مجلس الأمن الذي لا يمثل إلا مواقف 15 دولة من دول العالم البالغ عددها نحو 206 دول.

أزمة غزة

كشفت الاعتراضات العالمية على حرب الإبادة الوحشية الصهيونية على غزة أن الاستياء من هذا النظام الدولي تنامى ليتخطى حدود الدول الإسلامية الـ57 لتنضم إليها كثير من دول العالم في القارات الست؛ وذلك لكون كافة التظاهرات التي خرجت توجهت بالأساس للكيان الصهيوني ومن يسانده في مجلس الأمن.

أعلم أن أمر الانسحاب من المؤسسات الدولية قد يكون صعب التحقق، ولكن أعلم أيضا أن مجرد التلويح به قد يكون أبلغ رسالة بالاعتراض عليه وتبيان الرغبة في إصلاحه، وقد أفلح وزير خارجية الجزائر أحمد عطاف حينما ألمح إلى تنامي العجز في المنظومة الدولية من هذا الخلل الدولي بقوله إن 87 قرارا أمميا لم يتم تنفيذها في حق القضية الفلسطينية؛ وذلك لأن قوة الاحتلال رفضت تنفيذها، إذن فلا فائدة في قرارات جديدة في هذا الصدد إذا كانت ستبقى حبيسة الأدراج كسابقاتها.

الجمعة، 10 نوفمبر 2023

دروس عملية للمطبعين

دروس عملية للمطبعين

هل اقتنعتم هذه المرة أنه كيان عنصري إجرامي، وأنها ليست واحة للديمقراطية وحقوق الإنسان في محيط عربي يغرق حتى الثمالة في الاستبداد حسبما علموكم؟

هل تأكدتم أن هذا المحيط العربي البائس هو أصلًا من صنعت بؤسه، وبنته طوبة طوبة بعدما ردمت أسفله الشعوب العربية جمعاء، لا سيما بعد اكتمال بلائها على فلسطين الحبيبة؟

ومن جهد البلاء أنه وقر في يقين من يضع عينيه على كرسي الحكم منكم أنه لكي يصل إليه لا بد أن يطأطئ رأسه ويسخر لها إمكانيات دولته التي هي ميراث شعبه الكاره لهذا الكيان كقرابين ولاء، وإذا أراد أن يمكث أطول على الكرسي الملعون فعليه أن يقدم القرابين الأثمن والأغلى.

وعلمته التجارب أيضًا أن من يعارضها سيقتل، وينكل به أو يسجن، بل وسيموت متعفنًا في محبسه، أو يحاصر ويشيطن ويحرم من حق الرد، مهما اتسعت شعبيته التي هي الشيء الأكثر هامشية في الأمر، وأن المهم فقط الرضا الإسرائيلي الذي إذا ناله سيخلد على كرسي الحكم، وسيفعل بشعبه ما يشاء وكيفما شاء، وسيجد أبواب عواصم الدنيا تنفتح أمامه بالدعم.

 

حقائق وأراجيف

هل اقتنعتم الآن أن الفلسطينيين حينما هجّروا للشتات واكتظت بهم مخيمات الأرض وملاجئها لم يبيعوا أرضهم؟ بينما ترون حلقات الإعادة لنكبة عام 1948 نفسها صوتًا وصورة وأنينًا ودموعًا ودماء وحسرات تغرق وسائل الإعلام الاجتماعي وعلى الشاشات كلها.

ألم يستقر في أنفسكم يقينًا بأنه لا حل لإنسان أمام هذا الجحيم إلا الفرار مع أسرته أو مع من تبقى منهم حيًا لينجو بهم من جهنم الأرض لكي لا يصبحون مجرد أرقام في عداد القتلى الذي لا تكترث إنسانية الغرب به، ولا يهمها كثيرًا إن كان يعد بالمئات أو الآلاف أو حتى عشرات الآلاف، حاملًا في ذاكرته وجعًا لا يمحوه الدهر وتفاصيل التآمر الغربي وغدر وخذلان من يفترض فيهم أنهم يقفون في صف الصديق؟

صدقتم أراجيف رواياتهم التي لم يقدموا على صحتها دليلًا حقيقيًا واحدًا، فيما كذبتم روايات الضحايا والمشردين وأسر الشهداء وهم كائنون أمامكم بآلامهم، وأنكرتم التاريخ والتراث المفعم بماضيهم، وأغمضتم أعينكم عن أعمال القتل اليومية التي يتعرضون لها في الضفة الغربية وغزة منذ 75 سنة مضت، وهم أصحاب الدار والمزرعة والتراث والميراث الأصليون.

ولم تشعروا بالخجل حينما بررتم أنتم لأجانب جيء بهم من بقاع الأرض كافة ليغتصبوا حقوق من هم من بني جلدتكم ويشردونهم، في حين أن غربيين كثر مثل جوزيب بوريل الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية يقول صراحة إن المشكلة في الشرق الأوسط أن إسرائيل لا تريد أي وجود للشعب الفلسطيني أساسًا وهذا لا يجلب أبدًا السلام، وإن المشكلة ليست في القضاء على “حماس” من عدمه.

وكنتم كالشيطان الذي ينشط بالإدانة والتنديد والتحريض حينما يقاوم المقاوم، في حين يصيبه العمى والخرس حينما يشتد ظلم الظالم، وما نطقت ألسنتكم للمظلوم ببنت شفة بمثل ما نطقت به بعض ألسنة هؤلاء الأعداء أنفسهم كـ”يائير لابيد” زعيم المعارضة هناك الذي جهر بأن ما تقوم به بلاده في غزة عمل غير أخلاقي، فيما انطلق عشرات الآلاف من اليهود أنفسهم في أمريكا وأوروبا يتظاهرون في الشوارع ويقولون إن ما حدث في غزة لهو عار يلاحق الإنسانية جمعاء وليس إسرائيل فقط.

 

تغطية الشمس

نحن رأينا الصورة كاملة منذ البداية ليس لقوة نظر لدينا، ولكن لأن الصورة كانت واضحة تمامًا ولا مجال للغموض فيها، وكنا نتعجب من أولئك الذين يرون غير ذلك، لأننا ببساطة أمام حقيقتين ساطعتين، حقيقة استيلاء ظالم مدعوم من ظالمين كبار في هذا العالم في وضح النهار على بلد كاملة صغيرة مسالمة ليست له، فقتل من شعبها من قتل وشرد منهم من شرد، وظل يُهجِّر المهَجّر ويطارد المطرود بلا توقف حتى لو من 15% تبقت من مساحة أرضه.

وحقيقة أخرى وهي وجود شعب مظلوم، مهَجَّر ومطرود من بلاده، ضاقت عليه أرض الله الواسعة حينما أصبح فجأة بلا وطن، وترك نهبًا لآلة قتل وحشية لا تهمد، وماكينة دعاية سوداء عملاقة تقوم بشيطنته مع أنه هو المجني عليه وليس الجاني، وأنه من حقه أن يقاوم دفاعًا عن 100% من مساحة أرضه المسلوبة، بل ومن الواجب الأخلاقي على العالم الحر أن يمد له يد العون لتحقيق ذلك.

ها هي الصورة إن كنتم لم تروها من قبل، فهل ستعودون عن مسار التطبيع، أم أنكم أدمنتم الاستسلام بالصورة الدبلوماسية كافة؟

الأحد، 24 سبتمبر 2023

التمصير والتعريب وجهان لوطن واحد

 التمصير والتعريب وجهان لوطن واحد

من أخطر الطعنات التي يمكن أن تطعن بها أي أمة هي تلك التي تستهدف هويتها أو التي تغذي الصراعات العراقية والمذهبية داخلها، وأخشى أن تطال هذه الطعنات الغادرة مصرنا الحبيبة، نظرا إلى وجود كثير من الشواهد لتحركات يد عابثة في هوية هذا البلد العربي المستقرة منذ أكثر من ألف عام، تتمثل في إهدار اللغة العربية في مدارسها، وتحول الغالبية القصوى منها إلى مدارس تدرس كل المناهج بلغات غير اللغة العربية، وامتد الأمر ليشمل يافطات المحال والشركات، وإرشادات الطرق والمرور، وأسماء المنتجعات والأبراج والأحياء الجديدة وغيرها.

يحدث هذا بشكل تدريجي ومتسارع منذ عدة سنوات وزاد عليه مؤخرا الإهمال الواضح للآثار الإسلامية والعربية، وهدم المقابر والقصور التاريخية في منطقة وسط القاهرة والعديد من بقاع مصر بما تحمله من تراث عربي وإسلامي نادر يشي بالكثير من حقب هذا البلد التي تشكلت فيها هويته الحالية، وبدا الأمر متناسقا حتى وصلنا إلى مرحلة نشاط ذباب إلكتروني على وسائل التواصل الاجتماعي يروج بشكل متناغم لفرعونية مصر مقابل إنكار عروبتها.

يستغل هذا الذباب الإلكتروني حالة الانهيار المعرفي والثقافي التي يعيشها كثير من الشباب لنشر دعوته الواهية، وهي تلك الحالة التي تم تصنيعها على مدى عقود بشكل متعمد لاستخدامها في أوقات الانكسار، من أجل تحقيق ما عجز الكارهون لمصر عن تحقيقه عبر مئات السنين.

سترات الشباب

“أنا مصري. مش عربي” شعار مطبوع على السترات التي يرتديها الشباب، وخطورته في أنه صنع تضاربا بين أن يكون المرء مصريا وأن يكون عربيا في نفس الوقت، وهو تضارب تدحضه ثوابت التاريخ ومعلومات السكان والجغرافيا السياسية.

ورغم أن التيار السائد هو كتابة كل شيء بالإنجليزية -وكأننا إنجليز- في دولة لفظ “العربية” ضمن اسمها الرسمي، نجد أن هذا الشعار المريب مكتوب باللغة العربية بأشكال مبهجة واحترافية بما يعني أنه يستهدف هؤلاء الذين لم يتح لهم تعلم شيء غير العربية، مما يؤكد سوء النية والمقصد.

وما إن تصدر الهاشتاج الخاص بهذا الشعار موقع تويتر بعدد يقل عن ألفي تغريدة فقط حتى راحت وسائل الإعلام العالمية تلقي الضوء عليه بوصفه مطلبا يعبر عن رغبة كثير من المصريين، رغم أن كافة التغريدات التي كتبت تحته كانت تسخر منه أو تهاجمه.

بوتقة صهر

هوية مصر أمر تم حسمه اجتماعيا وثقافيا على مدار عدة قرون، والحديث فيه مجددا مع الأمل في تغييره لهو ضرب من الخيال لا يمكن أن يحدث متى أدرك الناس المؤامرة؛ لأنه يمس معتقداتهم وتراثهم.

مر الكثيرون من هنا الفراعنة والرومان والفرس والإغريق واليونانيون والهكسوس والأحباش والصوماليون والسودانيون، والمماليك والأوزبك والأذريون والأتراك والأكراد والنوبة، واليهود وعبدة الأوثان، واستقر الأمر على مدار سنوات طويلة بأن دانت أغلبية هذا الشعب بالإسلام وتعربت بثقافته.

والحقيقة أن مَثَل مصر كَمَثَل بوتقة صهر؛ لأنها تذيب في قدرها القوميات والأعراق والأجناس، لتخلق لنا هذا المزيج الثقافي والفكري المتدثر برداء العروبة والإسلام، وهو الرداء الذي لا يمنع في ذات الوقت تنوع الاعتقاد والثقافات.

لم يكن هناك إجبار للأقليات على التعرّب بدليل أنه في ظل الحملة الفرنسية والاحتلال الإنجليزي لمصر؛ وجدنا المسيحي يتحدث العربية ويؤدي طقوسه الكنسية بالعربية ويمارس ثقافته الاجتماعية العربية دون أن يجبره أحد على ذلك، وفي المقابل وجدنا مستشرقين غربيين يحاربون الدين السائد لدى شعوبنا في صورة دعوات إلى الشعوبية في حين وجدنا الغرب على تعدد أعراق ولغات كل دولة فيه يؤمن بالدولة الواحدة واللغة السائدة.

الخطر الإقليمي

وتتشابه تلك الحملة التي تحاول إيهام سفهاء القوم بوطنيتها وسعيها لتمصير مصر، مع حملة أخرى قديمة كانت أوسع نطاقا وتأثيرا على امتداد رقعة الوطن العربي، صدقها للأسف قسم كبير من الناس حينئذ، وشكلوا على أساسها أحزابا وحكومات وحركات ومنظمات، ثم نفر منها كثيرون بعد اكتشافهم عدم استيفائها واجبات “الحجية والمنطق”، إنها تلك الحملة التي فصلت بين العروبة والإسلام وحاولت جعلهما خصمين رغم أنهما وجهان لعملة واحدة.

أما خطورة تلك الدعوات الخبيثة الرامية إلى التخلص من عروبة مصر فهي في أنها قد تفتح أبواب الجحيم والخراب والتمزق بين أنسجة المجتمع الواحد ليس في مصر وحدها بل في دول المغرب العربي وشمال إفريقيا وسوريا والعراق ولبنان، فظهر من يقول “أنا آشوري مو عربي” و”أنا سورياني مو عربي” و”أنا كردي مو عربي”، مع أن العربية لم تمح لغاتهم ولكنهم هم طواعية انصرفوا عنها وحدثوا العالم بالعربية بعدما صارت لغة عالمية بسبب انتشار الإسلام وريادته.

وهو ما يؤكد وجود المؤامرة الهادفة إلى انفراط عِقد هذه الدول في صدامات قد تدوم قرونًا، ولن تنتهي إلا بالعودة إلى اللحمة الثقافية السائدة حاليا، التي لا تمنع التعدد الثقافي، وتعتبر أن الثقافة الإسلامية التي تجمع شعوب هذه المنطقة هي هويتها الحضارية، وهي بالقطع ثقافة عربية في مجمل تفاصيلها.

وقديما اتفق السابقون منذ أيام العرب المستعربة على أن العروبة ليست جنسا بل هي لغة، فمن يتحدثها فهو عربي ندّ للعرب العاربة، حتى لو كانت بجوار لغته الأم، وقبول القوميات الأخرى في وطننا العربي قديما لهذا المبدأ يعد برهانا للحكمة والعدالة، ويؤكد أن ما حدث فتح لا استعمار.

أتمنى أن نكون على خطأ في مخاوفنا تلك على ضياع هوية بلادنا العربية، ولكننا في ذات الوقت نحتاج إلى ما يدعم اطمئناننا مع سرعة تصويب الانحراف.

الخميس، 23 مارس 2023

هل شاهد العالم جنة أمريكا في العراق؟

 هل شاهد العالم جنة أمريكا في العراق؟

من تجليات التدمير بعد الغزو (رويترز)

عشرون عامًا مرت على سقوط عاصمة الرشيد، لم ينهض العراق بعدها إلا بوجع، وما نام إلا على وجع، وبين الوجعين صنوف متعددة من الأوجاع، فذاق من الديمقراطية المزعومة التي روجت لها أمريكا وحلفاؤها الثلاثون كل خراب ودمار.

وبالقطع لسنا بحاجة لسرد فظائع ما جرى، فهو حديث مؤلم على النفس الذكية من جهة، ووقائعه معروفة للناس من جهة أخرى، ويكفي أن نقول إن كل شيء فيها صار مهيئًا للسرقة والبيع، الأرواح والأعراض والخبرات والآثار والتاريخ والأموال.

الخسائر كلها بالملايين إن لم تكن بالمليارات، ملايين الشهداء ومرارات الفقد للأحباء شيبًا وشبابًا وأطفالًا ونساء، ملايين اللاجئين والمشردين في الداخل والخارج، ملايين الفقراء الذين لا يجدون ما يقتاتون عليه بعد أن كانت بغداد أو “البغددة” مرادفة للرفاهية والترف الذي حلمت به الكثير من الشعوب.

بعدها احتل العراق الصدارة في كل ما هو مشين، الأقل في جودة التعليم، الأدنى في الرعاية الصحية، الأكثر انفلاتًا أمنيًا، الأعلى في معدلات الفساد، الأكثر هدرًا للموارد، فأصبح العراقيون الأقل سعادة في العالم، بعد أن كانوا الأفضل.

تقلص حلم العراقي الذي بلغ عنان السماء ذات يوم إلى مجرد توافر موارد الطاقة والكهرباء رغم أن بلده يحتل صدارة منتجي البترول، واضمحل حلمه لأن يهاجر إلى بلاد كان شبابها يذهب للعراق بحثًا عن الرزق.

انكفأ العراق على نفسه عقدين من الزمان يحاول أن يلملم آثار الانشطار الذي خلفه الغزو الأمريكي للبلاد، الذي مزق البلاد شر ممزق، فتشظت اللحمة التاريخية بين مكوناته إلى شيعي وسني، وعربي وكردي وتركماني، ومن بين كل فئة فيهم تفرق الناس بين موالٍ لأمريكا، وموالٍ لإيران، فيما صار المجُّرم بين هذا وذاك أن تكون مواليًا للعراق.

سقوط المزاعم

سقطت المزاعم جميعها التي اتخذتها أمريكا ومن معها سببًا لارتكاب هذا الخراب كله بحق العراق وشعبه، ولكن لم تسقط آثار الجرائم، ولن ينسى أحد أن العراق ما عاد للعراقيين بعد.

سقطت مزاعم النووي التي اتخذوها كحصان طروادة للتنكيل بهذا البلد المقاوم، وأقر القاصي والداني بعدم امتلاك العراق برنامجًا للسلاح النووي تمامًا كما كانت تقول قيادات هذا البلد قبل العدوان، ولكن الغرض مرض والنية مبيتة.

وفي نظري يحق لكل بلد في العالم امتلاك الأسلحة التي يريدها لحماية أمنه، طالما كان هناك من يمتلكون مثلها ويهددون استقراره.

وسقطت أيضًا مزاعم محاربة الاستبداد، فالقاصي والداني يعرف أن الولايات المتحدة هي من ترعي الاستبداد في بلداننا وتدافع عنه، ولولا حمايتها له ما كان حال العرب كما هو عليه الآن.

وسقطت مزاعم تهديد الأمن الإقليمي حيث أن من يتخذونه ذريعة لغزو العراق هم أنفسهم من يسمحون لإسرائيل بأن تقصف أي بلد عربي دون حتى كلمة تنديد واحدة، ويبررون لصواريخها أن تنطلق فتقتل من تقتل في لبنان وسورية والسودان والعراق وإيران، ويتسترون عليها كأبشع وآخر قوة احتلال عسكري في التاريخ.

كما أن قولهم بأن أمريكا تسعى لنشر الديمقراطية في العالم ليعد من قبيل الكذب البواح، فأصابعها واضحة في تخريب ثورات الربيع العربي المطالبة بالديمقراطية والاستقلال الوطني، وهي الثورات التي إن نجحت لأقصت نفوذها المتزايد تمامًا من هذه البقعة من العالم.

الفوضى الخلاقة

أليس هذا المشهد هو المجال التنفيذي للفوضى التي وصفتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس بالخلاقة؟ أليست هي “خلاقة” بالفعل، ولكن من المنظور الاستعماري الغربي الهادف لمحو كل مراكز التأثير والاعتراض في عالمنا العربي، وهو ما حدث فعلًا؟

ألم يكن العراق ضمن الدول التي وصفتها القائمة التي حددتها الولايات المتحدة في العقد الأخير من نهاية القرن المنصرم بالدول المارقة، التي تقصد بها تلك الدول الرافضة للانضواء تحت العباءة الأمريكية والغربية؟

وقد بدأت تلك القائمة بخمس دول فقط حتى انتهت بعد الإضافات لتشمل عراق صدام حسين، وليبيا القذافي، ويمن علي عبد الله صالح، وسوريا الأسد، وسودان البشير، وغزة حماس، وإيران الإسلامية.

وشملت القائمة من غير دول الشرق الأوسط كذلك أفغانستان طالبان، بالإضافة إلى كوريا الشمالية والصين وروسيا.

وبنظرة تأمل واحدة على الخريطة العربية ستدرك أنه قد حدث لباقي الدول العربية التي شملتها القائمة الأمريكية ما حدث للعراق بالضبط من تخريب واستدمار.

سقوط الأمة

في الواقع أن سقوط بغداد عام 2003 لم يكن إدانة للعراق ولا لجيشها الذي قاوم حتى الرمق الأخير أعتى إمبراطوريات العالم الحربية دفاعًا عن استقلاله، ولكن كان سقوطًا للنظام الرسمي العربي الذي دشنته بريطانيا في منتصف القرن الماضي، وتأكيدًا للمؤكد بأن الجميع يقبعون داخل الحظيرة ولا مجال للتمرد عليها.

فيما جاء الربيع العربي بعد ذلك محاولة فاشلة -ستَترى بعدها المحاولات الناجحة- لدفن ما سقط.

الخميس، 30 يونيو 2022

مأساة العربية في موطنها

 مأساة العربية في موطنها

سيد أمين


هناك العديد من الأخطار التي تواجه اللغة العربية في داخل أقطارها، وتشكل تهديدا جوهريا لها، ورغم ذلك لا وجود لأي ردّ جادّ ومناسب من قبل الجهات المختصة بحماية الثقافة والتراث والهوية تجاهها، خاصة أن اللغة تشكل في الواقع هوية البلاد، وبالانتساب إليها أطلق علينا “البلاد العربية”.

وما يزيد الطين بلة، أن الإعلام بكافة أنواعه الرسمي والخاص، يتصدر قائمة أكثر الوسائل مساهمة في تسارع وتيرة هذا الانهيار، مع ملاحظة أن هذا الإعلام في البلدان العربية -بكل أنواعه أيضا- يخضع لرقابة الدولة الصارمة، ولا يمكن أن يمرّ أي توجه فيه دون رغبة السلطة.

ومن جانب آخر، أضفت مسألة العولمة، والتفوق التكنولوجي الغربي، وتدفق الإعلام من شمال العالم إلى جنوبه حيث تقبع أمتنا العربية، والإعلام الإلكتروني، ولغته، وأدواته، وطبيعة مستخدميه، تعقيدا كبيرا للأزمة، مسّ بضرّ جميع لغات العالم تقريبا، وفي مقدمتها العربية.

ومصدر فداحة الضرر الواقع على اللغة العربية هنا يعود إلى ما تمتلكه من رصانة وبلاغة لا تتناسب مع تعجل ومحدودية ثقافة ووعي الكثير من مستخدمي تلك التقنيات والتطبيقات.

وفي المقابل جاء الأمر ذاته بفائدة كبيرة للغات المسيطرة على الإنترنت في العالم كالإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية، والصينية.

 اللهجات العامية

وتأتي مشكلة اللهجات “العامية” أو “الدارجة”، لتضرب اللغة العربية في مقتل، نظرا لأن الطعنة هنا تأتيها من الناطقين بها، وممن يفترض فيهم حمايتها.

فالعامية لم تكتف بابتذال الكلمات والمصطلحات وتسطيحها، بل إنها اختلقت كلمات ومصطلحات ومعاني لتشكل قواميس خاصة بها، وجرى الترويج لها تحت شعارات خادعة، كالشبابية، والعصرية، وخفة الدم.. إلخ.

هذا الابتذال أضر خارجيا باللغة العربية حيث كان سببا في وقف بعض الجامعات العالمية إيفاد طلابها لدراسة العربية في بيئتها الأصلية، لأنهم كانوا يعودون ولم يتعلموا العربية، ولكنهم تعلموا لهجات البلاد التي أوفدوا إليها.

والأنكى من ذلك أنه تم “تغريب” ونبذ من يتحدث العربية الفصحى في الشارع ووسائل الإعلام، والسخرية منه، باعتباره يعاني من إعاقة ذهنية، مع أنهم هم -وليس هو- الأحق بتلك السخرية.

وهناك من دلل على أن انتشار اللهجات العامية في البلدان العربية تم بقصد استعماري، حيث ذكرت الدكتورة نفوسة زكريا سعيد في كتابها “تاريخ الدعوة إلى العامية في مصر”، أن هذه الدعوة بدأت في منتصف القرن التاسع عشر على يد كتاب ومستشرقين أجانب، ونجح الأمر بعد دعوات “التمصير” التي حدثت بعد ذلك، فخرجت “العامية المصرية”.

وغني عن البيان أن الاستعمار البريطاني حينما عجز عن فرض لغته في البلاد بسبب تفشي الفقر والأمية، عمل على فصل مصر من محيطها العربي تحت دعاوى “تمصير” لغتها العربية.

ولكن من بوارق الأمل، أن العامية العربية واجهت أيضا معضلات في طريقها لتحل محل العربية الفصيحة، أهمها أن كل قطر أو إقليم عربي صارت له لهجته الخاصة، مما تعذر معه انتشار لهجة عامية موحدة، ورجح انتشار اللهجات العربية المسيطرة بسبب السينما والإعلام ووسائل التواصل، كالمصرية والسورية، فقلل ذلك من حدة تشظي اللهجات.

كما زكى شعور الانتماء العربي حالة التفاعل بين اللهجات المحلية والتقريب بينها، خاصة أن العربي من الخليج إلى المحيط مهتم بطبيعته بما يحدث في باقي الأقطار العربية، وبالتالي فهو مضطر لفهم لهجاتها والتواصل مع سكانها، وهو ما ساعد على تقريب الألسنة.

كما أن الكثير من اللهجات الدارجة في مناطق البادية لا تزال تستخدم الألفاظ والمصطلحات التي امتازت بها العربية الرصينة.

 اللغات الأجنبية

ومن الأخطار التي تحيق بلغتنا القومية، ذلك السيل الجارف من المدارس الأجنبية التي تفشى إنشاؤها في جميع البلدان العربية، يرافقه طوفان من مدارس اللغات الخاصة والحكومية، بما لا يتناسب في الكم والكيف مع المدارس المعنية بتدريس العربية.

وخذ مثلا مصر؛ فقد كشفت دراسة بجامعة جنوب الوادي تحت عنوان “نشأة وتطور مدارس اللغات التجريبية الرسمية في مصر وبداية انتشارها” للباحث صبري الأنصاري إبراهيم وآخرين أن “مصر انفردت عن باقي الدول العربية والإسلامية في نهاية السبعينيات بإنشاء مدارس لغات رسمية، ثم صدر بعد ذلك القرار الوزاري رقم 94 لسنة 1985لتنظيمها”.

وغني عن البيان أنه جرى في ذات التوقيت، توقيع اتفاقية كامب ديفد التي أحدثت تطبيقات شروطها السرية التي تتكشف بين الحين والآخر تغييرات سلبية كبيرة في المجتمع المصري، ومن غير المستبعد أن يكون تغيير طبيعة التعليم بينها.

ولقد كانت هناك اعتراضات كبيرة من قبل التربويين والمهتمين بالتعليم على تلك المدارس لما تؤدي إليه من تشتيت الهوية الوطنية والإضرار باللغة العربية، لكن الأمر استقر لهذه المدارس وبدأت تتوسع حتى وصل عددها طبقا لإحصائية حديثة لوزارة التربية والتعليم المصرية إلى 2397 مدرسة.

هذا في حين تتردد معلومات بين التربويين -لا نستطيع التحقق منها- بأنه منذ عام 1990 لم يتم بناء مدارس حكومية عربية جديدة.

يقابل ذلك تقزيم لدور المدارس الأزهرية، سواء في الكليات التي يمكن الالتحاق بها، أو في توظيف خريجيها، مع كثافة المناهج، وعجز هائل في المعلمين، وزيادة نسب التسرب التعليمي، كل ذلك غيبها من أولويات الطلاب وأولياء الأمور، وأخرجها من المنافسة.

كما يظهر الإعلام شريكا في الجريمة مرة أخرى، حيث تظهر الأعمال الدرامية والفنية أن من لا يدخل في حديثه الكلمات الأجنبية هو الأقل تعليما ووعيا وثقافة مقارنة بغيره.

……

لذلك يجب على الحكومات العربية أن توقن بأنه لا يمكن أن يستقر انتماء في نفوس طلاب لا يتعلمون لغتهم، ولا يدرسون ثقافتهم، وأن من يزرع الشوك يجني الجراح.