‏إظهار الرسائل ذات التسميات مستشار الرئيس التركي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مستشار الرئيس التركي. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 26 أبريل 2021

مزاعم الإبادة الجماعية للأرمن: إعادة فتح ملف يعود إلى ما قبل 106 سنوات

مزاعم الإبادة الجماعية للأرمن: إعادة فتح ملف يعود إلى ما قبل 106 سنوات

ياسين أقطاي
مستشار الرئيس التركي

مثلما هو معهود في أبريل/نيسان كل عام، تبدأ الدول المعروفة بسياساتها القائمة على الإبادات الجماعية، والتي أغرقت شعوب العالم ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها في الدماء والحروب والفساد -منذ عقود وحتى يومنا هذا- إعادة إثارة الأجندة الأرمنية ضد تركيا مرة أخرى.

من المفارقات أن الدول التي تخوض في هذا الموضوع هي الدول نفسها المسؤولة بشكل أساسي عما وقع من إبادات جماعية ومذابح في العالم حتى يومنا هذا؛ فهولندا -مثلا- التي أظهرت حساسية كبيرة تجاه ما زَعمت أنه كان إبادة جماعية قبل 106 أعوام، مسؤولة عن "مذبحة سربرنيتسا" عام 1995؛ بغض النظر عن سجلها الجديد.

 

يوم 24 أبريل/نيسان -كما جرت العادة- تعالت أصوات الدول المنادية بضرورة اعتراف تركيا بمزاعم الإبادة الجماعية بحق الأرمن، وهذه المرة من خلال الضغط على الولايات المتحدة الأميركية تحت إدارة الرئيس الجديد جو بايدن. واتخذ بايدن بعض الإجراءات التي سبق أن أشار إليها في مناسبات سابقة، وكان أول رئيس أميركي يستخدم عبارة "الإبادة الجماعية" من بين جميع الرؤساء الذين سبقوه، والذين كانت لهم علاقات مع الدولة التركية.

وما يمكن فهمه من ذلك أن بايدن عقد العزم على إعادة تشكيل علاقاته مع تركيا في المستقبل، وأنه لا علاقة لهذه الإجراءات بما حدث عام 1915، وإنما يبدو أن الأمر برمته متعلق بالعلاقات الدولية وتوازن القوى العالمية في الوقت الحالي. إن محاولة هذه الجهات اتخاذ قرار بشأن حدث تاريخي مرت عليه عقود خير دليل على مدى ابتعادها عن الحقيقة في اتخاذ القرارات.

من خلال هذه الخطوة، يمكننا معرفة مدى صحة الأحداث التاريخية التي تُبنى استنادا إليها النقاشات السياسية. وكما نعلم جميعًا، فإن قضية الإبادة الجماعية للأرمن موجودة على جدول أعمال الولايات المتحدة منذ أعوام، وينطبق الأمر ذاته على برلمانات العديد من الدول الأوروبية. ووفقا لطبيعة علاقات تركيا مع هذه البلدان، فإن التصويت على هذا الملف كان يُرفض بفارق صوت واحد أو يُقبل بفارق صوت واحد أو صوتين. ورغم اختلاف وجهات نظر رؤساء الولايات المتحدة السابقين حول هذا الموضوع، فإنهم استخدموا جميعهم تقريبا عبارة "الكارثة" أو ما شابه ذلك في خطاباتهم التي تُعنى بموضوع الإبادة، والتي كانت الكلمات فيها منتقاة بعناية مراعاة للعلاقات بين البلدين.

ولكن من المفارقات أن الدول التي تخوض في هذا الموضوع هي الدول نفسها المسؤولة بشكل أساسي عما وقع من إبادات جماعية ومذابح في العالم حتى يومنا هذا؛ فهولندا -مثلا- التي أظهرت حساسية كبيرة تجاه ما زَعمت أنه كان إبادة جماعية قبل 106 أعوام، مسؤولة عن "مذبحة سربرنيتسا" عام 1995؛ بغض النظر عن سجلها الجديد. وتعد فرنسا من الدول التي تحاول اليوم جاهدة تأليب المجتمع الدولي ضد تركيا بشأن مزاعم الإبادة الجماعية للأرمن، متناسية ما ارتكبته من جرائم ضد الإنسانية في الجزائر ورواندا، وما تزال ترتكبه من أعمال وحشية في سوريا وليبيا.

تحدث الكاتب والصحفي الأرمني هرانت دينك (الذي اُغتيل على يد جماعة "فتح الله غولن" التي قادت عملية الانقلاب الأخيرة في تركيا) شخصيًا عن حقيقة قيام فرنسا باستغلال الآلاف من الشباب والأطفال الأرمن الذين لجؤوا إليها من خلال إرسالهم إلى الخطوط الأمامية في الحرب العالمية الثانية.

إن دعم فرنسا لحفتر ضد الشعب الليبي وصمة عار على جبين الإنسانية؛ فقد دعمت شخصا لا علاقة له بالشعب الليبي ليطيح بحكومة الوفاق الوطني التي تعد الممثل الشرعي للشعب الليبي والحكومة المعترف بها من قبل المجتمع الدولي، وكل ذلك من أجل نهب موارد ليبيا. أليس من الواضح أن فرنسا لا تكترث لمزاعم الإبادة الجماعية، وإنما تحاول التستر على ما تورطت فيه من أعمال وحشية هذه المرة من خلال إعادة فتح هذا الملف؟ هل موافقة بعض البرلمانات اليوم على الاعتراف بالإبادة الجماعية دليل على حدوثها بالفعل؟ وإلى متى سيُستخدم الأرمن كورقة حرب؟

إذا كان الموضوع حدثًا تاريخيًا، فإنه لا يمكن لبرلمانات هذه الدول ادعاء معرفة الحقيقة واتخاذ أي قرار بشأن هذه القضية في ظل جهلها بالتاريخ، وهو ما يعني أنه تحركها دوافع سياسية لا غير.

اعلان

وقعت بعض المآسي بين الشعوب التي تعيش على الأراضي العثمانية بسبب تحريضها على التمرد ضد الإمبراطورية العثمانية مع بداية القرن 19؛ ونتيجة لذلك أريقت دماء ملايين المسلمين، خاصة في البلقان، وتم تهجير الملايين، كما سفكت العصابات الأرمنية خلال ظروف الحرب العالمية الأولى دماء العديد من المسلمين في الشرق بسبب التحريض أيضا. وفي إطار التدابير المتخذة في ظروف الحرب تم الفصل بين المسلمين والأرمن الذين أصبح التعايش فيما بينهم محفوفا بالمخاطر، وذلك بسبب الهجمات التي كانت العصابات الأرمنية تنفذها على قرى المسلمين، في وقت كان فيه أغلب رجالها يقاتلون على الجبهات. ومن بين الإجراءات الاحترازية التي اتخذت في هذا الصدد ما تعرف بإعادة توطين السكان الأرمن في مناطق أخرى داخل الأراضي العثمانية. وكان ذلك من أكثر التدابير المعقولة التي يمكن اتخاذها ضد المخاطر التي تعرضت لها البلاد في ظل الظروف التي كانت تشهدها في تلك الأيام، لكنها ممارسة لا يمكن مقارنتها بما تعرض له المسلمون في البلقان.

لا بد من سبر أغوار التاريخ والخوض في التفاصيل إن كنا نولي هذا الموضوع اهتمامًا. والواقع أن هذا الملف ضاع بين صفحات التاريخ، ومن غير المُرجّح معرفة الحقيقة بعد كل هذا الوقت. وإعادة فتحه بعد كل هذه المدة أشبه بفتح تاجر دفاتر حساباته بعد إفلاسه.

لن نحصد سوى العداء والكراهية إذا عدنا لنبش التاريخ لمعرفة ما حدث حقًا عام 1915. نحن اليوم أمام واقع واضح ووضع متناقض ونفاق في المواقف؛ حيث تحاول الدول الغربية -وعلى رأسها الولايات المتحدة- أن تلفت الأنظار إلى هذه القضية مرة أخرى.

بعد استخدامه عبارة "الإبادة الجماعية"، أشار بايدن إلى أنه لا يوجّه اتهامات إلى تركيا، وإنما يسعى لمنع تكرار هذه الوقائع مرة أخرى. لكن هل يمكن لهذه الخطوة أن تعمل حقا على منع تكرار ما حدث على حد تعبيره؟

إن الاحتلال الصهيوني يواصل القيام بممارساته اللاإنسانية في فلسطين المحتلة، وهل ستساعد هذه الخطوة على وقف المجازر التي ارتكبتها الولايات المتحدة نفسها في العراق، وسوريا، وميانمار، وليبيا، واليمن؟

كما صرح بايدن بأنه سيستمر في لعب دور الوسيط بين تركيا والأرمن، علما بأنه اتخذ هذا القرار تحت ضغط "اللوبي الأرمني". من سيعترف بالوساطة الأميركية بعد أن أعاد بايدن فتح هذا ملف ليؤجج بذلك مسألة ثأر تعود إلى ما قبل 106 أعوام. ربما تعترف أرمينيا بذلك، ولكن بالنسبة لتركيا فقد فقدت الولايات المتحدة مكانتها كوسيط في أي نزاع أو مشكلة؛ لقد أصبحت الآن جزءا من المشكلة وليس الحل، تمامًا كما هي الحال في القضية الفلسطينية.


   أقرأ ايضاّ 

إبادة الأرمن على أيدي العثمانيين .. الأكذوبة الكبرى


الجمعة، 9 أبريل 2021

"البهارات" العلمانية والأتاتوركية.. في ضوء بيان الجنرالات المتقاعدين في تركيا

 "البهارات" العلمانية والأتاتوركية.. في ضوء بيان الجنرالات المتقاعدين في تركيا



تعيش تركيا خلال الأيام الأخيرة على وقع جدل كبير بعد البيان الذي نشرته مجموعة من جنرالات البحرية المتقاعدين، ودون أي مقدمات دخلت تركيا في نقاش كبير حول تأثير هذه الخطوة والسبب هو البيان الذي وقعه 103 جنرالات متقاعدين، والذي نشر على شبكة الإنترنت.

هذا البيان تحدث فيه الموقعون عن معاهدة مونترو ومشروع قناة إسطنبول، ومن المثير للانتباه أن الضباط المتقاعدين بدؤوا بيانهم بالتعبير عن عدم ارتياحهم، وبالطبع ساروا على نهج الانقلابيين الذين سبقوهم، وأضافوا بعض البهارات العلمانية والأتاتوركية، لكن يبدو أن ما يشغلهم أساسا هو مشروع قناة إسطنبول.

في البداية دعونا نتفق على أن تركيا لم تعد ذلك البلد الذي يمكن لأي كان أن يؤثر فيه، إذ إن المحاولة الانقلابية الأخيرة تم صدها خلال ليلة واحدة بفضل المقاومة الباسلة للشعب الذي استجاب لنداء الرئيس رجب طيب أردوغان وتصدى للانقلاب الفاشل في 15 يوليو/تموز 2016، خرج الناس بمختلف أطيافهم، من يمين ويسار وعلويين وسنة، وتصدوا بصدور عارية للبنادق والدبابات وحتى الطائرات الحربية، وحتى مع سقوط 250 قتيلا في تلك الليلة وأكثر من ألفي جريح فإن ذلك لم يرهب المواطنين الذين تمسكوا بالديمقراطية وأظهروا إصرارا كبيرا.

تدرك القوات المسلحة التركية أنها باتت أقوى عندما التزمت بالنهج السياسي والديمقراطية بعد انقضاء عهد ظل فيه الجيش يعمل لسنوات على تقويض الديمقراطية، مما جعله عاجزا عن القيام بمهمته الأساسية وهي محاربة الإرهاب

بنهاية تلك الليلة كان كل الانقلابيين قد تعرضوا للاعتقال وتم سجنهم، وخلال المسار الذي انطلق بعد تلك الأحداث بات الأتراك يشعرون بفخر كبير ويتمتعون بوعي أعلى حول أهمية حماية ديمقراطيتهم، تمت محاكمة المخططين للانقلاب وتشكل وضع جديد يجعلهم لا يفكرون في الانقلابات مرة أخرى.

وفي هذا السياق، يبدو مثيرا للانتباه كيف يصدر مثل هذا البيان عن مجموعة من الجنرالات المتقاعدين، ورغم أن البعض قد يزعم أن هؤلاء الضباط رغم خروجهم للتقاعد لا يزالون يمثلون جزءا من الجيش فإن هذا الأمر ليس أكثر من أضغاث أحلام، ويمكننا اليوم الجزم بأن الجيش التركي وصل لمرحلة أصبح فيها ملتزما بالديمقراطية ويقف ضد الساعين وراء الانقلابات.

تدرك القوات المسلحة التركية أنها باتت أقوى عندما التزمت بالنهج السياسي والديمقراطية بعد انقضاء عهد ظل فيه الجيش يعمل لسنوات على تقويض الديمقراطية، مما جعله عاجزا عن القيام بمهمته الأساسية وهي محاربة الإرهاب، إذ لم يتمكن الجيش حينها من التعامل مع الجماعات الإرهابية التي أضرت بالبلاد لمدة 40 عاما، ولم يتمكن من بسط سيطرته على هذه المنظمات التي تهدد البلاد من الداخل والخارج.

لكن بعد عملية التطهير التي نفذت ضد المخططين لانقلاب 15 يوليو/تموز، وانسحاب الجيش نحو الحدود كما تنص عليه المراسيم الإدارية والدستور بدأت القوات المسلحة في تنفيذ أكثر عملياتها نجاحا في تاريخ الجمهورية، ومنذ ذلك الحين نفذت القوات المسلحة التركية 3 عمليات كبرى ناجحة داخل سوريا.

وقد تعرضت منظمة "بي كيه كيه" إلى هزيمة تاريخية في البلاد، وزال التهديد الذي كانت تشكله لتركيا، وفي الآن ذاته تواصل القوات المسلحة القيام بمهامها في ليبيا والصومال وأذربيجان بكثير من النجاح، مذكرة العالم بالتاريخ المجيد للجيش التركي.


في الواقع، يعتبر امتعاض 103 من الجنرالات المتقاعدين أمرا طبيعيا، ويمكنهم التعبير عن ذلك، فهذه البلاد لديها رؤية سياسية واضحة، وهناك حكومة تقوم باتخاذ القرارات ولن تستطيع بكل تأكيد إرضاء الجميع، ومن الممكن أن نجد أشخاصا يعارضون هذه السياسات وينزعجون منها، ومن الطبيعي أن يعبروا عن قلقهم ومعارضتهم، ولكن الأهم هو أن هذه السياسات الحكومية ترضي الشعب، وهذا هو معنى الديمقراطية.

أما الأمر غير الطبيعي فهو أن هؤلاء الجنرالات المتقاعدين يقومون بمثل هذه الخطوة بالاعتماد على تنظيم محكم وفي هذا التوقيت بالذات لإعطاء انطباع بأنهم يؤثرون على المسار الديمقراطي.

ولكن بالطبع، تركيا اليوم بعيدة كل البعد عن أي احتمال أو ظروف مواتية لنجاح انقلاب عسكري، وردود الأفعال حول هذا البيان ليس مردها الخوف من حصول انقلاب، أو امتلاك هؤلاء الجنرالات أي نفوذ قد يمكنهم من تنفيذ التهديدات التي تضمنها بيانهم، بل على العكس من ذلك تماما فإن ردود الأفعال التي نشاهدها هذه الأيام تثبت بلا ريب أن التهديدات الانقلابية غير ذات قيمة، ولا يمكن أن تتحول إلى واقع ملموس.

هناك اليوم حالة من الوعي بأن هذه البلاد تشهد نهضة حقيقية، وتستطيع الانتصار على كل من يفكرون في تنفيذ الانقلابات، وبالطبع فإن هذا الوعي لم يتشكل بين يوم وليلة، ولم يكن بالأمر السهل، بل كان نتاجا للأزمات التي تعرضت لها البلاد وكلفتها الكثير، وقد تشكل هذا الوعي لدى الشعب بعد أن أدرك أن الانقلابات هي أكبر الشرور، هذا الوعي ظهر أمام العالم في محطات 27 أبريل/نيسان 2007، ومن 17 إلى 25 ديسمبر/كانون الأول 2013، وفي 15 يوليو/تموز 2016.

والحقيقة أن السبب الحقيقي وراء معارضة 103 من الجنرالات مشروع قناة إسطنبول ورفضهم المساس بمعاهدة مونترو هو أن تلك المعاهدة تذكرهم بمصالحهم، لكن في الواقع لا توجد أي علاقة بين الأمرين، وقناة إسطنبول هي مشروع جديد يفتح لتركيا آفاقا كبيرة.

معاهدة مونترو بشأن حركة الملاحة في المضائق تمثل عبئا لا فائدة منه، أما مشروع قناة إسطنبول فإنه سيجلب منافع اقتصادية كبيرة.

وإذا كان هناك جنرال متقاعد ينزعج من هذا الأمر، فهذا يخبرنا بالكثير عن الأطراف التي كانت تستفيد من هذه المعاهدة، هذه الخطوة تظهر حقا أن تركيا تتقدم على المسار الصحيح.

الأحد، 21 مارس 2021

تركيا تهدي فرصة لمصر وباقي الأطراف في شرق المتوسط

 تركيا تهدي فرصة لمصر وباقي الأطراف في شرق المتوسط



ياسين أقطاي

 مستشار الرئيس التركي

شهدت الفترة الأخيرة اتصالات غير مباشرة ورسائل متبادلة بين المسؤولين الأتراك والمصريين، وهو ما اعتبر تمهيدا لتطورات جديدة في المنطقة. وفي الواقع، فإن أول رسالة في هذا الإطار جاءت من الجانب المصري، الذي أعلن مؤخرا أنه سيحترم الجرف القاري الذي تقوم فيه تركيا بأعمال التنقيب عن الغاز والنفط في شرق المتوسط.

إن هذه الرسالة أثارت قلق اليونان، حيث سارع وزير خارجيتها نيكوس دندياس للقيام بزيارة مفاجئة إلى القاهرة، من أجل تجنيب اليونان تكبد خسائر في هذه المنطقة، في حال حدوث تفاهم تركي مصري.

من الخطأ الاعتقاد أن الرسائل الإيجابية الصادرة عن تركيا هي دليل على أنها خائفة أو مضطرة للانفتاح على مصر، إذ إن تركيا هي الطرف صاحب الحق في مشكلة شرق المتوسط، والجميع يرى أن من المستحيل إنجاح المشاريع في هذه المنطقة دون أن تكون هي المشاركة فيها

إن هذه الخسائر التي تخشاها اليونان سببها الأصلي هو المكاسب المبالغ فيها التي حصدتها أثينا من الاتفاق الحالي بينها وبين مصر، والذي سبب ضررا كبيرا للجانب المصري. وخلال زيارة وزير الخارجية اليوناني تمت مناقشة فرضية إعادة فتح المفاوضات لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، من أجل إعادة تقييم الوضعية الحالية التي تحرم مصر من عديد الامتيازات، ولكن لم تسفر تلك الزيارة عن أي تطورات ملموسة.

وفي الواقع يجدر بنا الآن قراءة الرسائل الصادرة عن تركيا بشكل صحيح، وهي بالأساس تصريحات وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، ووزير الدفاع الوطني خلوصي أكار، والناطق باسم الرئيس إبراهيم قالن، إلى جانب الرئيس أردوغان، الذي أكد هو أيضا هذه التصريحات، التي جاءت ردا على إعلان الخارجية المصرية.

حيث إن تركيا كانت ردة فعلها إيجابية بطبيعة الحال تجاه الخطوة المصرية. ويشير التقييم الأولي للاتفاق المصري اليوناني إلى أن تلك الخطوة كانت ضد مصالح القاهرة، التي تكبدت خسائر كبيرة بسببها. وعلى الرغم من الموقف المصري الذي كان يحاول الإضرار بتركيا بدافع من العداء، فإن أنقرة أوضحت أنها تراعي روابط الأخوة مع مصر، ولن تستعمل هذا الأسلوب. ففي النهاية رغم كل الصراعات بين الجانبين اليوم، والظروف التي تمر بها العلاقات بين البلدين، يظل الشعبان التركي والمصري في علاقة أخوة دائمة. وإذا كانت مصر قد اضطرت للمصادقة على ذلك الاتفاق بسبب تعطل الاتصالات مع الجانب التركي، فإن من المهم الآن إيجاد أرضية للحوار وتعليق الخلافات حول هذا الأمر.

كما يجدر التنبيه إلى أن من الخطأ الاعتقاد أن الرسائل الإيجابية الصادرة عن تركيا هي دليل على أنها خائفة أو مضطرة للانفتاح على مصر، إذ إن تركيا هي الطرف صاحب الحق في مشكلة شرق المتوسط، والجميع يرى أن من المستحيل إنجاح المشاريع في هذه المنطقة دون أن تكون هي المشاركة فيها. وحتى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان قد اعتبر أن الحوار مع تركيا في شرق المتوسط مفيد وضروري. والاتفاقات الموقعة بين كل الأطراف في هذه المنطقة لن تكون لها أية قيمة في حال تجاهل أو إقصاء تركيا.

وعلى سبيل المثال، فإن الاتفاق بين تركيا وليبيا هو الذي سمح لهذه الأخيرة بتحقيق الاستفادة الكاملة من سواحلها. وما يميز أنقرة هو أنها لا تتجاهل حقوق الآخرين في أثناء سعيها للحصول على حقوقها. إذ إنها تبحث عن معادلات جديدة في شرق المتوسط، تحصل بمقتضاها هي وغيرها على كامل الحقوق. وفي المقابل، فإن تجاهل أي طرف يجعل إنتاج ونقل الموارد الطاقية في هذه المنطقة مستحيلا، ويمنع العمل بشكل فعال وآمن. وهذه المنطقة لا تحتمل الكثير من الخلافات، وهذا الأساس المنطقي والأخلاقي الذي لا تعترض عليه تركيا، إذ إنها ليست مهتمة فقط بالجوانب الاقتصادية، خاصة أن اقتصادها هو واحد من اقتصادات قليلة في العالم لا تزال تحافظ على نموها رغم كل ما يحدث، حيث إن تركيا -بالرغم من الضرر الذي ألحقه فيروس كورونا- واصلت تحقيق نمو اقتصادي ولم تتعرض للانهيار، بل أرسلت مساعدات إلى 140 دولة لمساندتها في حربها ضد هذا الوباء.

ويدعو الكاتب الجميع إلى اعتبار أن هذه القدرات التركية علامة على القوة، وأن هذه المبادرات التي تقوم بها هي التي تزيدها قوة على قوة.


وفي شرق المتوسط، يرى الجميع أنه لن يكون بالإمكان تطبيق أي حل دون أن تشارك فيه أنقرة، التي لا تقدم موقفها على أساس المساومة، بل على أسس أخلاقية تحترم القوانين. ويتم تصوير تركيا في بعض وسائل الإعلام العربية كأنها تمد يدها بعد تعرض للهزيمة في معركة أو كأنها تعلن الاستسلام، وهو تفسير نابع من الجهل.

حيث إن البعض عجزوا عن استيعاب سرعة تطور الأحداث، ومنهم من أعد قائمة بالشروط التي يتوجب على تركيا تنفيذها إذا كانت تريد حل خلافاتها مع مصر. وعند النظر إلى هذه القائمة يحسب المرء أن أنقرة خسرت حربا ورفعت الراية البيضاء، وأنها تفاوض من أجل إنقاذ نفسها. وتتضمن قائمة الشروط المفترضة ترحيل المعارضين المصريين من الأراضي التركية، والانسحاب من ليبيا وسوريا والعراق، والتوقف عن القيام بأي أنشطة ضد المملكة العربية السعودية والإمارات، إلى جانب التخلي عما وصف بأنه الطموحات العثمانية الجديدة، وتقديم أردوغان اعتذارا للسيسي.

وبالطبع لا يمكن أخذ هذه الأوهام على محمل الجد. ويبدو أن البعض شعروا بالقلق من إمكانية حدوث تقارب بين البلدين، ولذلك قاموا بالدفع بهذا الخطاب الغريب. ولكن في المقابل يجدر الانتباه إلى أن مثل هذه التصريحات تصدر عن أطراف قريبة من الدوائر الرسمية في مصر، ومنهم شخصيات شبه رسمية، تظهر من خلال مواقفها حجم قصور العقل السياسي.

ورغم كل هذا، يجدر التذكير مجددا بأن اتفاقا بين أنقرة والقاهرة في شرق المتوسط ستكون فيه مصر هي أكبر مستفيد، وهو اتفاق لن يستوجب تغيير أنظمة أو شروطا أو حتى ربطه باتفاقات حول قضايا أخرى. وهكذا فإن تركيا تهدي القاهرة فرصة للعودة عن طريق مضرة بها. والقاهرة أكثر حاجة لهذا الاتفاق من أنقرة، التي يحكمها عقل سياسي قادر على تقييم الأوضاع وترك الخلافات جانبا من أجل حل قضايا أخرى. رغم أنه لا أحد له أن يتوقع من تركيا التخلي عن دعمها لقضايا حقوق الإنسان، لمجرد أنها تعرض فرصة للتوصل إلى اتفاق في شرق المتوسط مع مصر وباقي الأطراف.

السبت، 24 أكتوبر 2020

العقلية الكامنة وراء المقاطعة السعودية للمنتجات التركية: أن تجهل أن الرزاق هو الله

 العقلية الكامنة وراء المقاطعة السعودية للمنتجات التركية: أن تجهل أن الرزاق هو الله

ياسين أقطاي
مستشار الرئيس التركي

توالت الأخبار بشأن حملة الضغط، التي يقودها رجال الأعمال والمسؤولون في قطاع التجارة إلى جانب بعض الشركات من أجل مقاطعة المنتجات التركية. وتأتي هذه الحملة بالتزامن مع حملة أخرى على منصات التواصل الاجتماعي تحت وسم "مقاطعة المنتجات التركية"، وهي تتمتع بدعم شبه رسمي، وإن كانت السلطات السعودية لم تعلن عن ذلك.

يقود هذه الحملة على منصات التواصل الاجتماعي رئيس غرف التجارة السعودية، عجلان بن عبد العزيز العجلان، مع بعض المقربين من العائلة المالكة. وقد دعا العجلان، الذي يترأس أيضا غرفة تجارة الرياض، في 3 أكتوبر/تشرين الأول على حسابه إلى "مقاطعة تركيا في مجالات الاستيراد والسياحة والاستثمار"، مشيرا إلى أن هذه التحركات واجب وطني على كل مواطن سعودي.

’’ظاهريا، تبدو هذه الحملة صادرة عن المواطنين السعوديين وغيرهم، الذي يريدون مقاطعة المنتجات التركية؛ لكنها في الحقيقة ليست كذلك، ذلك أن الشعب العربي سبق أن عبر عن تأييده لتركيا من خلال نشر وسم "دعم المنتجات التركية"، التي لقيت انتشارا واسعا أكثر من حملة المقاطعة المزعومة.،،


لا يمكن أن تندرج تحركات العجلان في إطار حرية التعبير من دون أن تكون موجّهة من مركز صنع القرار في السعودية، ويرجع استمرار السلطات في الرياض بنفي الإقرار بتورطها في حملة "منع المنتجات التركية" إلى أن هذه التحركات غير قانونية بموجب الأحكام الملزمة في اتفاقيات التجارة الدولية واتفاقيات التجارة الحرة.

ظاهريا، تبدو هذه الحملة صادرة عن المواطنين السعوديين وغيرهم، الذي يريدون مقاطعة المنتجات التركية؛ لكنها في الحقيقة ليست كذلك، ذلك أن الشعب العربي سبق أن عبر عن تأييده لتركيا من خلال نشر وسم "دعم المنتجات التركية"، التي لقيت انتشارا واسعا أكثر من حملة المقاطعة المزعومة.

تحظى المنتجات التركية بشعبية كبيرة بين الجماهير العربية لعدة أسباب، أولها جودتها العالية دون أدنى شك، وأي حملة حكومية لمقاطعة منتجات بهذه الجودة سيكون مآلها الفشل. فمعايير الجودة التي تتمتع بها المنتجات التركية اليوم إلى جانب أبعادها الجمالية الجذابة تجعلها منافسا قويا لمنتجات أوروبية الصنع، وهذا يعني أن أي محاولات منع استهلاك المنتجات التركية ستنجح في البداية في الحد من إقبال الجماهير عليها؛ لكن ذلك لن يدوم طويلا.

ثانيا، ساهمت سياسة تركيا لنصرة المظلومين في شتى بقاع الأرض من فلسطين، وسوريا، مرورا بقطر، وصولا إلى الصومال وليبيا في جعلها تنال دعم الشعوب العربية، ولعل ذلك ما عكسته كلمات أحد المواطنين السعوديين الذي كتب ردا على حملة المقاطعة "لم تقاطع السعودية منتجات فرنسا التي لم يتوان رئيس جمهوريتها عن التطاول على النبي (صلى الله عليه وسلم)، أو منتجات إيران الشيعية التي لا تنفك عن مهاجمة العالم الإسلامي والمسلمين في كل مكان، أو منتجات الصين التي تقتل مسلمي الإيغور، أو منتجات الولايات المتحدة وإسرائيل التي تعتدي على القدس وتحتل فلسطين؛ لكنها في المقابل تقاطع منتجات تركيا الدولة الوحيدة التي تدافع عن المسلمين وتذود عنهم، لماذا؟".

تنتشر الكثير من الانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، من دون أن يدرك بعض القادة العرب أنهم باتخاذ مثل هذه الخطوات -ظنا منهم أنهم سيزعزعون مكانة تركيا في قلوب الشعوب- هم في الواقع يُذلون أنفسهم، ويحطون من شأنهم في نظر شعوبهم، وبالحديث عن حملة المقاطعة التي تتزعمها السعودية، فإنه من الأجدر أيضا التطرق إلى عقلية مريضة أخرى تحرك مثل هذه التحركات (وضع أنفسهم مكان الله الرزاق). إن الله هو الذي منّ عليهم بهذه الثروة، وجعلها لهم بمثابة اختبار؛ لكن في المقابل أصابهم الغرور والغطرسة متناسين أن من رازقهم قادر على استعادة ما رزق متى شاء.

لقد سبق أن اتبع كفار قريش هذا الأسلوب لثني الرسول ﷺ ومن أسلم معه عن طريق الحق، ومن كان مطلعا ولو قليلا على السيرة النبوية يعرف نتيجة هذه المحاولات. إن أصحاب هذه العقلية، الذين يجهلون أن الله هو من بيده الأرزاق، هم نفسهم الذين قاموا منذ فترة قريبة بالتضييق على قطر ومقاطعتها. إنه وَهم قوة المال، الذي يجعلهم يظنون أن بإمكانهم ترويض من يريدون، وفعل ما يشاؤون وشراء ذمم الناس.


من الواضح أن السعودية ما زالت حانقة على تركيا بشأن قضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي. وفي الحقيقة، إنهم يقفون عقبة أمام تحقيق العدالة والكشف عن المذنبين، الذين قتلوا روحا بريئة على الأراضي التركية، فهل سبب حنقهم وغضبهم هو سعي تركيا لتحقيق العدالة؟ هل ينتظرون من تركيا أن تغض الطرف عن هذه الجريمة الوحشية، التي ارتكبت في حق شخص بريء على أراضيها؟ أم ينتظرون منها أن تكف عن ملاحقة الجاني؟

تسعى تركيا لإظهار الحق وإقامة العدل، ولا يعد حقدهم على تركيا، أو سعيهم لمعاقبتها لسعيها إلى تطبيق العدالة، أو اعتبار أنفسهم أصحاب الرزق من خلال قطع السبيل أمام المنتجات التركية سوى الجهل بعينه. ستحرص تركيا على إظهار الحق، وإن كان على نفسها، وتحقيق العدالة. إننا نواجه هذه التحديات يوميا، ورغم كل العقبات وحملات المقاطعة التي تشن ضدها ما تزال تركيا شامخة واقتصادها من أكثر الاقتصادات استدامة.

يمكن أن ننظر للأمر كهبة وعظة ربانية، إذ اكتشفت تركيا في البحر الأسود أكبر احتياطي للغاز على مر التاريخ. هذه جميعها رسائل لمن يعي ويعقل، وطوبى لمن يفهم الرسالة ويدرك أن الله وحده هو الرزاق.

السبت، 8 أغسطس 2020

المحاصصة الطائفية والفساد..

المحاصصة الطائفية والفساد.. 

محنة بيروت بدأت منذ أعوام وليس اليوم


مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
اهتزت بيروت مساء يوم الثلاثاء على وقع أحد أعنف الانفجارات في تاريخ البلاد، الذي وقع في مرفأ بيروت المعروف بكونه من بين أكثر المرافئ نشاطاً ومن النقاط الحيوية في الاقتصاد اللبناني، لتتحول المدينة إلى ما يشبه ساحة حرب.
حسب التقييمات التي أجريت حتى الآن، لقي قرابة 200 شخص حتفهم بينما جُرح أكثر من 5 آلاف، إلى جانب تشريد مئات الآلاف.
لا تزال فرضية تسبب هجوم في هذا الانفجار مطروحة بين عدة فرضيات أخرى، ولكن لا توجد أي أدلة تؤكدها. ولكن المؤكد أن 2750 طناً من مادة نترات الأمونيوم، المخزنة في مستودعات الميناء منذ 2014، هي أهم عامل تسبب في هذا الانفجار الهائل.
وبما أنه من غير الوارد أن تشتعل مادة نترات الأمونيوم من تلقاء نفسها، فإن ذلك يعني أن الانفجار كان نتيجة حادث سببه خطأ ارتكبه أحد العاملين في المستودع، أو أنه هجوم خارجي. وإذا كان الانفجار سببه هجوم، فمن غير الممكن البحث عن فاعل آخر غير إسرائيل، المشتبه بها في كل مرة. 
مهما كانت الافتراضات، فإن الخطأ الجسيم الذي يبحث اللبنانيون عن مرتكبيه حالياً، هو ترك تلك المواد الخطرة في هذا المكان الحساس من المدينة، الذي يمثل شريان الحياة لبيروت وكامل لبنان.
قيل الكثير حول هذه المأساة، وحتى إذا تبين أن هذا الانفجار هو نتيحة هجوم خارجي نفذته إسرائيل، فإنه سيبقى من غير المعقول التسامح مع قرار ترك هذه المواد في المرفأ كل هذه السنوات.
لا مفر من أن تتجه كل الأنظار إلى حزب الله نظراً لأن إدارة المرفأ تقع تحت تصرفه، وترك هذه المواد التي تعرف إسرائيل بوجودها منذ وقت طويل خطأ يتحمل عواقبه الحزب. لذلك من المؤكد أن محاسبة المسؤولين ستكون ذات أبعاد سياسية، الأمر الذي سيخلف الكثير من التوترات.
نحن ندخل الآن فترة يجب فيها على كل الأطراف أن تتوخى الحذر حتى لا تقود التوترات إلى نتائج أكثر سوء على لبنان، في ظل التعدد الطائفي الذي حقق توازناً هشاً بين مختلف مكوناته. 
من الواضح أن نظام الحكم في لبنان القائم على التوازنات السياسية التي ظهرت بعد الحرب الأهلية، هي التي قادت البلاد إلى هذا الوضع. يحكم لبنان اليوم نظام المحاصصة السياسية المبني على الطوائف الدينية -الذي طبق في العراق أيضاً- وهو ما يعرقل بشكل كبير جهود إرساء نظام ديمقراطي أكثر انفتاحاً مبنيّ على المساواة والمواطنة، من أجل التصرف في موارد البلاد بشكل أكثر فاعلية ومحاسبة المسؤولين. 
تعد الصعوبات التي يمر بها لبنان نتيجة حتمية لنظام المحاصصة السياسي الطائفي، في بلد يغرق في أزمة اقتصادية حادة ولا يوجد أي مخرج منها في الأفق. تعتبر بيروت واحدة من بين أربع عواصم سنية تفتخر إيران بأنها تتحكم فيها. ولكن شأنها شأن العواصم الأخرى الثلاث، لم تجن بيروت شيئاً غير الدمار السياسي والاقتصادي، وتقويض الاستقرار في ظل السيطرة الإيرانية. ولئن كان لبنان يبدو أفضل حالاً من بغداد ودمشق وصنعاء، فإن وقوع هذا البلد تحت سيطرة حزب الله وإيران يقود إلى نتائج معروفة.
بعد هذا الحادث المأساوي الذي شهدته بيروت، ألم يحن الوقت لتسأل إيران نفسها حول طريقة تحكمها في المنطقة، وكلفة ذلك على العالم الإسلامي وعلى الشعب الإيراني نفسه؟ في علاقتها بهذه العواصم الأربع المذكورة، قد تعتقد إيران أنها فازت وسيطرت عليها، ولكن هذه البلدان لم تستفد شيئاً من هذا الوضع. وبسبب أسلوب الهيمنة الإيراني، فقدت طهران سمعتها في العالم الإسلامي، وأصبحت نشاطاتها ترتبط في ذاكرة الناس بالقتل والتدمير على نطاق واسع. 
لماذا لا يقوم حزب الله، الذي سيطر على مختلف القطاعات في لبنان لعدة سنوات ويمتلك بنية تنظيمية متعددة الهياكل، بالمساهمة في الاقتصاد والتنمية في لبنان؟ ربما يكون هذا الانفجار الأخير حادثاً، وربما يكون أيضاً من عمل إسرائيل رغم نفيها ذلك. ولكن من الواضح في كل الأحوال أن هذا الحادث سلط الضوء على إيران والدور الذي تلعبه في لبنان عبر حزب الله، ومن المفترض أن يدفعها لمراجعة أدوارها في العالم الإسلامي. فإلى متى ستتجاهل إيران هذا الواقع؟ 
سارعت المنظمات والجمعيات الإنسانية في تركيا منذ اللحظات الأولى لورود أخبار هذا الانفجار، بتقديم المساعدة بشكل فوري للشعب اللبناني. وقد وجّه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رسالة إلى نظيره اللبناني ميشال عون عبّر فيها عن تضامنه، كما وصلت طائرتا شحن تركيتين محملتين بالمساعدات في صبيحة اليوم الموالي. 
لطالما عُرف عن تركيا استعدادها الفائق لمجابهة الكوارث الطبيعية والاجتماعية، وقد أظهرت حرفية عالية مقارنة بباقي دول العالم في التعامل مع المشكلة التي خلقها تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين خلال الأعوام الماضية. كما تعاملت بنفس الحرفية مع الزلزال الذي ضرب الأراضي التركية، حيث كان تدخلها سريعاً وفعالاً في عمليات الإنقاذ والمساعدة، وهو ما أكسب المؤسسات التركية خبرة كبيرة. واليوم أيضاً كانت فرق المساعدة التركية أول الواصلين إلى لبنان، وهو ما يعكس مدى عمق العلاقات التاريخية والثقافية بين البلدين.

الاثنين، 6 أبريل 2020

الكوارث تفتح الطريق لتوازنات جديدة.. نماذج من تاريخ تركيا

الكوارث تفتح الطريق لتوازنات جديدة.. نماذج من تاريخ تركيا      

ياسين أقطاي

​مستشار الرئيس التركي

تُطلعنا الصورة المقدمة لمكافحة فيروس كورونا (كوفيد 19) على تفاصيل تتعلق بالتكامل الاجتماعي وثقافة التضامن في كل بلد، وكذلك على مستوى التكامل بين الدولة والمجتمع، وإنّ أصالة الأمّة تظهر في مواقفها عندما تتعرض لمثل هذا النوع من الكوارث، وفي الواقع يصف علماء الاجتماع الغربيون مثلَ هذا الحدث بأنه "رأس المال الاجتماعي" لأيّ بلد.


يعني رأس المال الاجتماعي عادة قدرةَ أفراد المجتمع على التدخل في الشؤون المجتمعيّة، وإنجاز الأعمال المفيدة من خلال تنظيمهم، وبدوافعهم الخاصة دون ضغط من الدولة. ويلعب هذا التضامن والتطوع دورًا مهمًّا في الدفاع عن البلد، وكذلك فإنّ لرأس المال الاجتماعي أهميةً في تنمية البلد أكثر من الموارد المادية.


وإنّ تركيا استطاعت مِرارًا أن تُثبت معدنها الأصيل وجودة طينتها كأمّة، ولا سيما في الظروف الصعبة. ويمكننا رؤية ذلك في أحداث كثيرة عبر التاريخ، بل يمكننا القول: إن تاريخ تركيا -في مواجهة مثل هذه الأزمات- تاريخٌ زاخرٌ بالأمثلة على التضامن المجتمعي القوي، في ظل قيادة الدولة.


فقد مرّت فتراتٌ اتصفت فيها الروابطُ بين الدولة والمجتمع بالوَهن والضعف؛ ولا سيما في فترات الانقلاب العسكرية وأثناء الممارسات العلمانية الصارمة. ومع ذلك؛ فإنّ المجتمع لم يهمل التضامن المجتمعي أثناء حوادث كالزلازل ومكافحة الإرهاب والأزمات الاقتصادية، بل كان المجتمع ينظّم نفسه بنفسه، ويقوم بهذا التضامن والتطوّع من تلقاء نفسه وليس بأوامر من الدولة.


وبالنظر إلى هذه الميزة؛ فإنّه -ومن وقت لآخر- وُجدت في تركيا مؤسسات مجتمع مدني قوية ومساهمة في قيادة الدولة، والمجتمع المدني هو -في الواقع- أهم رأس مال اجتماعي يجعل الدولة قوية.


"مرّت تركيا بفتراتٌ اتصفت فيها الروابطُ بين الدولة والمجتمع بالوَهن والضعف؛ ولا سيما في فترات الانقلاب العسكرية وأثناء الممارسات العلمانية الصارمة. ومع ذلك؛ فإنّ المجتمع لم يهمل التضامن المجتمعي أثناء حوادث كالزلازل ومكافحة الإرهاب والأزمات الاقتصادية، بل كان المجتمع ينظّم نفسه بنفسه، ويقوم بهذا التضامن والتطوّع من تلقاء نفسه وليس بأوامر من الدولة"



لو عدنا إلى التاريخ قليلا؛ وأخذنا مثلا أحداثا كـ"النفير العام" (سفر برلك) سنة 1914م؛ فسنرى أن الشعبَ كان مؤمنا بدولته، وبدون إجبار من الدولة اندفعت الغالبية العظمى من الشعب لمواجهة المحتلين، لحماية الوطن من الغاصبين حتى آخر قطرة دم.


وبالنظر من هذه الزاوية إلى معركة "جناق قلعة" -التي مضى منذ أيام الاحتفالُ بذكراها السنوية- فهي تُعَدّ واحدةً من أفضل الأمثلة على الاندماج والانصهار الكامل بين المجتمع والدولة. فأهميةُ "جناق قلعة" ليست فقط في البطولات التي أظهرها أولئك الذين قاتلوا في ساحة المعركة، بل أيضا تكمن في السمات التي جعلت هذه الحرب ملحميةً.


فعندما كان الجيش في طريقه إلى ساحة المعركة؛ كانت طبقات الشعب تسانده وتدعمه، فالجميع كانوا يُبدون استعدادهم ورغبتهم في التطوع للمشاركة في هذه الحرب، وكانوا يُقبِلون على التضحية بحماسٍ قلّ نظيرُه، وهذا هو الذي أضفى الطابع الملحميّ على هذه الحرب. إنّ كلية الحقوق بمدينة قونيا بقيت سنوات لا يتخرّج فيها أيُّ طالب؛ وجميع طلاب تلك الكلية لم يكونوا جنودا أو مجبَرين على الخدمة، ولكنهم التحقوا طواعيةً بالجيش فاستشهدوا كلهم في الحرب.


إنّ الذي شكَّلَ شخصيةَ تركيا اليوم ومنَحَها طابَعها الحالي هو هذا التضامن الاجتماعي، وإنّ "حركة المقاومة الوطنية" (قُواي ملّيّه) -التي بدأت بعد جناق قلعة- كانت نموذجا رائعا على قيام المجتمع بتعبئة نفسه، لإنقاذ الخلافة وإنقاذ آخر قلعة للإسلام من الاحتلال، بينما كانت الدولة أو السلطة رازحةً تحت الاحتلال الأجنبي في إسطنبول.


ولكنْ بعد ذلك حدث انفصالٌ خطير بين الدولة والشعب؛ بسبب السياسات العلمانية التي تم تنفيذها لاحقًا، فبينما كانت الدولة تسعى بكل إمكاناتها نحو مكان آخر، كان الناس يحاولون أن يعيشوا قيمهم الخاصة في عالمهم الخاص، ولم يساهم المجتمع كثيرًا خلال الأزمات التي مرّت بها البلاد في أثناء ذلك.


بل إنّ الشعب -بشكل عام- لم يعُد يُبدِي استجابةً وحماسًا كافييْن لنداءات الدولة من أجل التضامن في الأوقات الحرجة، حيث كانوا يعتقدون أن الدولة نفسَها هي التي تسبّبت في الأزمة؛ ولا سيما في أوقات الانقلابات وأثناء حكم العسكر البعيدين عن قيم الشعب وتطلُّعاته.


والحقيقةُ أنّه في هذه الظروف لا تتراجع ثقةُ الناس في الدولة فحسب، بل أيضًا تنخفض ثقة الناس في بعضهم بعضا؛ لأن السياسات القمعية للدولة لها تأثير يقلل الثقة الاجتماعية مثل الفتنة في المجتمع. ولهذا السبب؛ فإنّ مؤشرات الثقة التي يتم قياسها بشكل دوريّ من قبَل الأمم المتحدة؛ سجّلت انخفاضات خطيرة في الأمان الاجتماعي خلال فترات الانقلاب.


ومع ذلك؛ فعندما كانت تحدث كارثة طبيعية في البلد، كنا نرى المجتمع من جديد يتكافل ويتضامن ويعمل بمفرده وطواعية، بغض النظر عن موقف الدولة ووضعها. وأحد أبرز الأمثلة على ذلك هو ما حدث في زلزال مرمرة العظيم الذي وقع في 17 أغسطس/آب 1999.


ففي مواجهة هذا الزلزال؛ كانت الحكومة -التي جلبها انقلابيّو 28 فبراير/شباط (1998م) تعيش إفلاسا كاملا، ولم يصل الوزراء أو طواقم الإنقاذ إلى الأماكن التي وقع فيها الزلزال إلا بعد عدة أيام، وظهر في واقعة هذا الزلزال كم كانت الحكومة غير مستعدة لمواجهة مثل هذه الحوادث.


"في ظروف سيطرة الحكام البعيدين عن قيم الشعب وتطلُّعاته لا تتراجع ثقةُ الناس في الدولة فحسب، بل أيضًا تنخفض ثقتهم في بعضهم بعضا؛ لأن السياسات القمعية للدولة لها تأثير يقلل الثقة الاجتماعية مثل الفتنة في المجتمع. ولهذا السبب؛ فإنّ مؤشرات الثقة التي يتم قياسها بشكل دوريّ من قبَل الأمم المتحدة؛ سجّلت انخفاضات خطيرة في الأمان الاجتماعي خلال فترات الانقلابات بتركيا"



وفي مقابل ما أظهرته هذه الحكومة من العجز الكبير في مواجهة هذا الزلزال؛ ظهرت معجزة المجتمع المدني القويّ في تركيا، فمنذ الدقائق الأولى لحدوثه لم ينتظر المجتمعُ الدولةَ، بل اعتمد على نفسه وتضامُنِه في مواجهة هذه الكارثة، فحشد بمفرده جميعَ فرق البحث والإنقاذ وحملات المساعدة ولم يقف مكتوف الأيدي مترقِّبا مساعدة الحكومة.


في هذا الزلزال -الذي قُتل فيه 16 ألف شخص، وأصيب عشرات الآلاف بجروح، ودُمِّرت عشرات الآلاف من المباني- تجاهل المجتمعُ المدني الحكومةَ، التي كانت مشغولة في التعبئة وشنّ الحرب على معتقدات الشعب وقيمه، واعتبرها المجتمع كأنها غير موجودة، فتكاتف بنفسه وتضامَنَ لإنقاذ الموقف.


وما حدث في هذا الزلزال أضر بثقة الجمهور في الدولة أكثر، لكنه زاد من إيمانهم بأنفسهم. ولكنّ المفارقة هي أنه -في وقت لاحق- تم فتح تحقيق ضد العديد من المنظمات غير الحكومية -التي سارعت للمساعدة على الخروج من محنة هذا الزلزال- بتهمة إظهار الدولة على أنّها غير قادرة. وبالنظر فيما حصل أيام هذا الزلزال؛ نجد أنّه حتى عندما انهارت الدولة في تركيا ٍظهر أن هناك مجتمعا من شأنه أن يسندها ويقوّمها.


وبما أن الكوارث تفتح الطريق لتوازنات اجتماعية وسياسية جديدة؛ فإنه بعد هذا الزلزال -بفترة وجيزة- اضطّرت الحكومة التي شكّلها انقلابيّو 28 فبراير/شباط إلى الانسحاب من الساحة، وحلّت مكانها حكومةٌ مدعومة من الشعب.


وفي الواقع؛ فتح هذا الزلزال طريقا قادت إلى تغييرات كبيرة في تركيا؛ فبعده أدت الأزمة الاقتصادية الناتجة عن سوء إدارة الحكومة إلى إسقاط الحكومة، وحَلّت مكانَها حكومة "حزب العدالة التنمية" الذي فاز فوزا ساحقا وتغلّب على جميع الأحزاب في صندوق الاقتراع. وهكذا نجد أن عواقب الكوارث والأزمات الطبيعية أو الاجتماعية لا مفرّ منها؛ فلْنَرَ إذن ماذا ستكون النتائج السياسية لأزمة كورونا التي نمرّ بها؟