‏إظهار الرسائل ذات التسميات ياسين اكتاي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ياسين اكتاي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 21 أغسطس 2026

فرضنا كلمتنا على الأوصياء.. تركيا تغيرت وعلى الجميع أن يفهم

فرضنا كلمتنا على الأوصياء.. تركيا تغيرت وعلى الجميع أن يفهم

ياسين أقطاي
أكاديمي وسياسي وكاتب تركي.

قد لا يكون من دواعي البهجة كثيرا أن نذكّر بهذه الحقيقة ونحن في غمرة الاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين، لكن لنبدأ بها حديثنا ثم نعود فنجمع أطرافه: للحركات السياسية -شأنها شأن البشر- أعمار وآجال. فمنها من ينطفئ قبل أن يولد، ومنها من يصل إلى السلطة ثم يغادرها دون أن يترك أثرا، ومنها ما لا يكتفي بالحكم، بل يغير اتجاه المرحلة التي يعيش فيها.

أما حزب العدالة والتنمية، فإنه، بعد 25 عاما باتت اليوم وراءه، يستحق أن يُنظر إليه لا بوصفه مجرد حزب سياسي، بل بوصفه تجربة تاريخية فريدة، طبعت بطابعها ربع القرن الأخير من تاريخ تركيا، بل تستحق أن تُقرأ ضمن منظور تاريخي أطول بكثير.

إن مثل هذه المناسبات السنوية ليست فرصة للاحتفاء بالماضي فحسب، بل هي أيضا مناسبات مهمة للمحاسبة والمراجعة. ذلك أن القيمة الحقيقية للنجاحات لا تتجلى إلا بقدر ما نستطيع أن نفهم التحول الذهني والفكري الذي جعلها ممكنة.

ولعل من أعظم نجاحات حزب العدالة والتنمية ليست تحديدا تلك المشاريع المنجزة التي سنشهد، خلال فعاليات الاحتفال هذه، عروضا كثيرة عنها. صحيح أن مستشفيات المدن، والطرق السريعة، والمطارات، والسيارة المحلية، واكتشافات الغاز الطبيعي، والقفزات التي تحققت في الصناعات الدفاعية، والطائرات المسيرة المسلحة، واستثمارات الطاقة، والأرقام القياسية في الصادرات، كلها إنجازات مهمة، بل بالغة القيمة؛ لأنها تمثل تحقق عالم كان حتى مجرد الحلم به أمرا متعذرا. غير أن هذه الإنجازات جميعا ليست سوى أجزاء من تحول أكبر.

لقد خرجت تركيا من موقع الموضوع في المعادلات التي يرسمها الآخرون، وأصبحت ذاتا فاعلة ترسم معادلاتها بنفسها. وهذا، بطبيعة الحال، ليس مكسبا تحقق بسهولة

أما التغيير الحقيقي، فهو المسافة المهمة التي قطعتها تركيا في سبيل الخروج من نظام الوصاية الذي اعتادته على مدى سنوات طويلة، والتحول إلى دولة، بل إلى أمة، قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها.

إعلان

كان هناك يوما ما بلد اسمه تركيا، كانت المراكز الخارجية تقرر إلى حد كبير أي سلاح يشتري، ومع أي دولة يقيم علاقاته، وكيف يتصرف في كل أزمة. أما اليوم فهناك تركيا تتحرك بعقلها الإستراتيجي الخاص في جغرافيا واسعة تمتد من ليبيا إلى الصومال، ومن قره باغ إلى سوريا، ومن البلقان إلى أفريقيا.

وهذا تحول لا يمكن لأي إنسان عاقل، يتمتع بقدر من الإنصاف والوجدان، أن يقلل من شأنه.

إن توطين الصناعات الدفاعية ليس مجرد تطور تقني، بل هو أحد أكثر المؤشرات الملموسة على الاستقلال السياسي. كما أن الاستثمارات في مجال الطاقة ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل هي شرط من شروط القدرة على إدارة السياسة الخارجية باستقلالية أكبر.

أما الانفتاحات الدبلوماسية فلا تعني مجرد افتتاح سفارات جديدة، وإنما تمثل عودة تركيا إلى التواصل مع فضائها الحضاري، واحتضان هذا الفضاء من جديد، وإعادة تأسيس العلاقات معه.

وفي السنوات الأخيرة، ينبغي أن يُقرأ كل من مشروع طريق التنمية، والانفتاح على أفريقيا، والتوازنات الجديدة التي أُنشئت في القوقاز، وأخيرا اتفاق مكة للدفاع المشترك الموقع بين تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان، بوصفه استمرارا للخط الإستراتيجي نفسه.

وتدل هذه التطورات على أن تركيا قد بلغت من القدرة ما يمكنها ليس فقط من صياغة أمنها الخاص، بل كذلك الإسهام في تشكيل البنية الإقليمية للأمن.

والواقع أنه يمكن تلخيص الـ25 سنة الماضية كلها في جملة واحدة: لقد خرجت تركيا من موقع الموضوع في المعادلات التي يرسمها الآخرون، وأصبحت ذاتا فاعلة ترسم معادلاتها بنفسها. وهذا، بطبيعة الحال، ليس مكسبا تحقق بسهولة.

إن النضال الذي تم خوضه ليلة 15 يوليو/تموز، والحزم الذي أُبدي في مكافحة الإرهاب، ودبلوماسية الطاقة التي أُديرت في شرق المتوسط، والدعم الذي قُدم لأذربيجان في قره باغ، والحزام الأمني الذي أُنشئ في سوريا، والقدرة التي وصلت إليها تركيا اليوم لتكون في قلب محاور التعاون الإقليمي، ليست سوى محطات مختلفة في المسيرة التاريخية ذاتها.

ولهذا ينبغي قراءة ربع القرن الأول من عمر حزب العدالة والتنمية، في جوهره، بوصفه إعادة بناء قدرة الدولة المستقلة. إعادة بناء كانت ثمرة قيادة قوية، وكادر متمرس تحرك بانسجام مع هذه القيادة.

ولا شك أن أكبر ميزة أتاحت لحزب العدالة والتنمية تحقيق هذا الأداء الذي لا يمكن التعبير عنه إلا بكلمة "ثورة"، كانت القيادة القوية التي تجسدت في شخص رجب طيب أردوغان.

الشيء الذي كان حزب العدالة والتنمية يستهدفه عندما انطلق في مسيرته لم يكن مجرد بناء مؤسسات قوية، بل كان أيضا بناء مجتمع قوي وعادل وأخلاقي وهذا هو العبء الأهم

غير أنه، بعد 25 عاما، وإذا كانت الثورة في الشطر الثاني من اسم "حزب العدالة والتنمية"، أي في مجال "التنمية"، حقيقة لا جدال فيها، فإن السؤال الأكثر إلحاحا أمامنا اليوم هو: إلى أي مدى تحققت الثورة في الشطر الأول من الاسم، أي في مجال "العدالة"؛ سواء من حيث العدالة الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية؟

وسيكون هذا هو العبء الأهم الذي ستتحمله رسالة حزب العدالة والتنمية في السنوات الـ25 المقبلة.

إعلان

والأسئلة التي يضعها هذا العبء أمامنا تعيدنا، في الحقيقة، إلى السؤال الأول الذي انطلقت منه علاقة التيارات الدينية بالسياسة في تركيا: هل كان ينبغي أن نسعى أولا إلى الوصول إلى مجتمع صالح وعادل ثم نعمل على تنميته، أم كان ينبغي أن نصل أولا إلى مجتمع متقدم ومزدهر ثم نعمل على إصلاحه وجعله أفضل؟

لقد انجرف أناس "صالحون" مع تيار السياسة، فوصلوا بطريقة ما إلى مجتمع متقدم ومزدهر؛ لكن الخيرات والفضائل التي أُجلت تحت ضغط أولويات عملية التنمية أوصلتنا إلى مكان مختلف تماما. وبالطبع، ليس مكانا بعيدا إلى حد يستحيل معه الرجوع عن نقاط الانحراف، ولا هو مرحلة يتعذر فيها أي إصلاح أو تحسين؛ لكن من الواضح أيضا أن المهمة باتت أكثر صعوبة.

ومن المؤكد أن قوة الدولة وتنمية المجتمع لا تؤديان بالضرورة إلى تحقق العدالة. يمكن شق الطرق، وإنشاء المصانع وتحديث الجيوش، ويمكن للاقتصاد أن ينمو. لكن كل ذلك، بمفرده، لا يكفي لإقامة مجتمع قوي وعادل.

فالشيء الذي كان حزب العدالة والتنمية يستهدفه عندما انطلق في مسيرته لم يكن مجرد بناء مؤسسات قوية، بل كان أيضا بناء مجتمع قوي وعادل وأخلاقي. ولعل أهم سؤال في المرحلة المقبلة يواجهنا تحديدا عند هذه النقطة:

لقد كان أعظم إنجاز في السنوات الـ25 الأولى هو أن تصبح تركيا من جديد دولة قادرة على الوقوف على قدميها والاعتماد على نفسها. أما نجاح ربع القرن الثاني فلن يُقاس فقط ببناء دولة أكثر قوة، بل بمدى القدرة على بناء مجتمع أكثر قوة، وأسرة أكثر تماسكا، وشباب أكثر ثقة بأنفسهم، وطرح دعوى حضارية تحررت بالكامل من بقايا الذهنية الاستعمارية.

ذلك أن إنهاض الدولة كان أمرا صعبا، لكن إنهاض الإنسان أصعب منه.

ولعل القضية الحقيقية للسنوات الـ25 المقبلة تكمن تحديدا هنا.



السبت، 8 أغسطس 2026

لا توجد حرب أهلية في السودان، بل محاولة احتلال بالوكالة تستهدف البلاد

 لا توجد حرب أهلية في السودان، بل محاولة احتلال بالوكالة تستهدف البلاد





ياسين أقطاي 

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم

- يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

قد تكون الإبادة الجماعية التي تواصل إسرائيل ارتكابها بشكل ممنهج في غزة رغم وقف إطلاق النار، وإرهابها الهمجي الذي يمارسه مغتصبو الأراضي في الضفة الغربية، إلى جانب هجماتها المتكررة على إيران ولبنان، فضلاً عن التطورات التي ظهرت خلال الأيام الأخيرة في اليمن وليبيا، قد دفعت المأساة الإنسانية المتواصلة في السودان منذ نحو 3 سنوات إلى خارج دائرة الاهتمام. 

لكن ما يحدث في السودان ليس منفصلاً عن كل هذه الأحداث. فالهدف مرة أخرى هو المضي خطوة إضافية في مخطط الاحتلال والنفوذ الصهيوني، لكن النتيجة، كما جرت العادة، هي نشوء مقاومة أيضاً.

تُظهر الأخبار الواردة من السودان، يوماً بعد يوم، وبصورة أكثر وضوحاً، أن الحرب الدائرة في البلاد لا تقتصر على صراع على السلطة يجري في الجبهات العسكرية. 

ووفقاً لتصريحات السلطات السودانية، يُحتجز نحو 6 آلاف شخص في السجون التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في الفاشر. 

كما أفادت منظمة «أنقذوا الأطفال» بأن أكثر من 5 آلاف طفل نزحوا مجدداً خلال فترة زمنية قصيرة.

وتُظهر هذه الأخبار أن الكارثة الإنسانية التي يشهدها السودان ليست مجرد نتيجة جانبية حتمية للحرب، بل تثبت وجود واقعة احتلال تتمثل في تهجير المدنيين واحتجازهم ونهب المدن وتفكيك النسيج الاجتماعي.

لقد قلنا منذ البداية إن الاستمرار في وصف الحرب في السودان بأنها «حرب أهلية تدور بين طرفين متساويين» يتجاهل الحقيقة السياسية والقانونية على حد سواء. 

فهذا التعريف ينتج تماثلاً مضللاً يضع الدولة الشرعية، والهيكل المسلح الذي يسعى إلى إسقاطها، والتدخل الخارجي الذي يقف وراء هذا الهيكل، ومحاولة الاحتلال، في المستوى نفسه.

لا يوجد في السودان طرفان شرعيان متكافئان. 

فمن جهة، هناك الدولة السودانية وقواتها المسلحة، المعترف بهما بموجب القانون الدولي رغم كل أوجه القصور ونقاط الضعف والأخطاء التي ارتُكبت في الماضي. 

ومن جهة أخرى، هناك قوات الدعم السريع، التي لم تتحمل يوماً مسؤولية إقامة دولة، ونمت عبر اقتصاد الحرب، وحولت النهب إلى وسيلة للتمويل، وتحافظ على قدراتها العسكرية بفضل الدعم الخارجي.

وبالتالي، فإن ما يحدث في السودان ليس صراعاً داخلياً عادياً ناتجاً عن عجز جيشين عن تقاسم السلطة. بل هو معركة من أجل بقاء الدولة الشرعية للمجتمع في مواجهة هيكل شبه عسكري مدعوم من الخارج، يتجه إلى نهب موارد البلاد ومدنها ومؤسساتها.

إن قول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن الحرب في السودان تحولت إلى صراع بالوكالة بين دول مختلفة، أمر مهم باعتباره اعترافاً بحقيقة الوضع. لكن تعريف «حرب الوكالة» يؤدي أيضاً إلى إظهار الأطراف الخارجية وكأنها أصحاب مصالح متكافئة، بما يفضي إلى طمس علاقات المسؤولية عن الحرب.

المسألة الأساسية في السودان ليست مجرد مواجهة بين قوى إقليمية مختلفة. إنها محاولة لإسقاط دولة شرعية من الداخل، عبر هيكل مسلح مدعوم من الخارج. 

ولذلك، وبينما ينبغي الاعتراف بالبعد المتعلق بحرب الوكالة، يجب أيضاً التحدث بوضوح عن الجهة التي تدعم كل هيكل مسلح، والأهداف التي تقف وراء ذلك، حتى نصل في نهاية المطاف إلى الجناة الفعليين، وليس مجرد المشتبه بهم المعتادين.

إن سجل قوات الدعم السريع حتى اليوم يُظهر بوضوح أنها لا تحمل هدف إقامة دولة أو إدارة المجتمع. 

فالمجازر المرتكبة بحق المدنيين في دارفور، والاتهامات بارتكاب جرائم تطهير عرقي، والعنف الجنسي الممنهج، واستخدام الأطفال في النزاعات المسلحة، والتهجير القسري، ونهب الممتلكات الخاصة والمؤسسات العامة، كلها تكشف طبيعة هذا الهيكل.

والسجون التي يُحتجز فيها آلاف الأشخاص في الفاشر جزء من هذا المشهد. فإذا كان هيكل مسلح ينتج الخوف والنهب والاعتقال التعسفي بدلاً من القانون والخدمات العامة والأمن في المناطق التي يسيطر عليها، فلا يمكن القول إنه يمثل بديلاً للدولة. 

إن هذا، في أحسن الأحوال، محاولة احتلال بالوكالة.

وتتهم الحكومة السودانية الإمارات العربية المتحدة منذ فترة طويلة بتقديم دعم عسكري ومالي ولوجستي لقوات الدعم السريع. كما أن تقارير المنظمات الدولية والتحقيقات الإعلامية والنقاشات التي تجري في عدد من الدول تجعل الادعاءات المتعلقة بهذا الدعم أكثر وضوحاً يوماً بعد يوم. في المقابل، تنفي حكومة أبوظبي هذه الاتهامات.

غير أن دور الإمارات في السودان لا يمكن تناوله بمعزل عن مناطق الأزمات الأخرى في العالم الإسلامي. 

فعند النظر مجتمعة إلى الدعم المقدم لخليفة حفتر في ليبيا، وإضعاف الحكومة المركزية في اليمن بما يعزز الهياكل الانفصالية، وشبكة النفوذ التي أُقيمت عبر الموانئ والقواعد العسكرية في القرن الإفريقي، والسياسات المتماشية مع أولويات إسرائيل الأمنية بشأن غزة، والادعاءات المتعلقة بالدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع في السودان، يظهر أمامنا مسار استراتيجي أوسع من مجرد أحداث منفردة.

والنتيجة المشتركة لهذا المسار هي إضعاف الدول القوية والمستقلة والقائمة على شرعيتها المجتمعية في العالم الإسلامي، وظهور هياكل مسلحة مجزأة ومتعارضة تعتمد على الدعم الخارجي بدلاً منها.

وإسرائيل واحدة من أبرز المستفيدين من مثل هذا النظام الإقليمي. إذ إن مفهوم إسرائيل للأمن على المدى الطويل يقوم على وجود هياكل محيطة بها منشغلة بصراعات داخلية، ومجزأة، ومنفتحة على التدخل الخارجي، وليس دولاً قوية ومستقلة.

ويُعد السودان إحدى الحلقات المهمة في هذا المشهد الاستراتيجي. 

فسواحله الطويلة المطلة على البحر الأحمر، وموقعه بين إفريقيا والعالم العربي، وقدراته الزراعية، وموارده الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب، وعمقه الجيوسياسي، تضع البلاد في قلب التنافس الإقليمي.

 ومن شأن بقاء السودان دولة قوية أن يمتلك قدرة على التأثير مباشرة في موازين القوى في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

ولهذا، فإن الصراع الدائر في البلاد لا يتعلق فقط بمن سيتولى السلطة في الخرطوم. بل يتعلق بما إذا كانت الدولة السودانية ستتمكن من الحفاظ على وجودها ووحدة أراضيها وسيادتها أم لا.

ولا يمكن البحث عن حل في السودان من خلال صيغ هجينة تخفض الدولة إلى مستوى أحد الفصائل المسلحة. 

فالحل الدائم لا يمكن أن يتحقق إلا بإعادة إرساء سلطة الدولة، ووقف الدعم العسكري الخارجي، وإخضاع جميع الهياكل المسلحة للمؤسسات الشرعية للدولة، وإنشاء مسار يمكّن الشعب السوداني من امتلاك زمام مستقبله السياسي.

السبت، 25 يوليو 2026

إسرائيل تريد محو فلسطين ليس من الأرض فحسب بل من التاريخ أيضا

 إسرائيل تريد محو فلسطين ليس من الأرض فحسب بل من التاريخ أيضا

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم


يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

ما جرى أمس في المسجد الأقصى لم يكن استفزازاً عادياً ولا اقتحاماً اعتيادياً من قبل المستوطنين. فقد اقتحم 4 آلاف و248 مستوطناً، بقيادة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وتحت حماية أمنية مشددة من الشرطة، ساحات المسجد الأقصى. وكان بينهم وزراء، وأعضاء في الكنيست، وحاخامات، ومسؤولو جماعات "الهيكل". وأقاموا طقوساً تلمودية، وسجدوا، وأنشدوا الترانيم. 

أما بن غفير، فقد صرّح في ساحة المسجد الأقصى قائلاً: "إن اليهود باتوا يؤدون عباداتهم في جبل الهيكل براحة أكبر بكثير مما كان عليه الأمر في السابق"
، معلناً بذلك، في استعراض للقوة والجريمة، الاستراتيجية التي تنتهجها إسرائيل منذ زمن طويل خطوةً بعد أخرى.

إن قراءة هذا الحدث على أنه مجرد إساءة جديدة وخطوة أخرى متقدمة ضد المسجد الأقصى ستكون قراءة ناقصة. 

لأن ما يجري اليوم في فلسطين ليس ثلاث أزمات منفصلة. فغزة، والضفة الغربية، والقدس، هي ثلاث جبهات لاستراتيجية واحدة. 

ففي غزة يُباد الإنسان؛ وفي الضفة الغربية تُفرَّغ الأرض من سكانها؛ أما في القدس فيُعاد كتابة التاريخ والهوية.

إن ما يجري في غزة ليس حرباً، وما يحدث في الضفة الغربية ليس مجرد حوادث أمنية منفردة بالطبع. لكن إسرائيل الصهيونية التي تمارس الإبادة الجماعية تريد أن تبدو الأمور كذلك، وقد نجحت حتى الآن في ترسيخ هذه الصورة لدى جميع المؤسسات الرسمية في العالم. إلا أنها لم تعد اليوم قادرة على إقناع أحد بهذه الرواية. وتُظهر أحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة أصبح يُرى بوضوح على أنه جبهات مختلفة لاستراتيجية واحدة.

وبحسب أحدث تقييمات الأمم المتحدة، يُجبر ملايين الأشخاص في غزة على النزوح مرة بعد أخرى. فقد جعلت أوامر الإخلاء المتواصلة، والأحياء التي سويت بالأرض، والمستشفيات التي أصبحت غير قادرة على العمل، وانهيار شبكات المياه والصرف الصحي، وخطر المجاعة وانتشار الأوبئة، من المستحيل على الناس أن يعيشوا حياة طبيعية. 

وتكشف تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الوصول إلى الغذاء والمياه النظيفة بلغ مستوىً حرجاً، وأن النظام الصحي انهار إلى حد كبير، وأن ظروف معيشة السكان المدنيين تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

أما في الضفة الغربية، فتجري عملية أكثر هدوءاً، لكنها لا تقل تدميراً. وبطبيعة الحال، فإن هدوءها مرتبط أيضاً بعتبة استماع العالم، وإلا فإن صدى الانتهاكات المرتكبة هناك قد بلغ الآفاق. فالعمليات العسكرية المتزايدة، ونقاط التفتيش، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي الزراعية، واعتداءات المستوطنين، والتضييق المتواصل على حرية الحركة، لا تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين مباشرة، بل تجعل الحياة على أرضهم غير قابلة للاستمرار. ولم يعد ما يصفه القانون الدولي بـ"التهجير القسري" يقتصر على الوقوف على الأبواب بالسلاح، بل أصبح يتمثل في خلق ظروف معيشية تدفع الناس إلى الهجرة قسراً. وهذا هو بالضبط الخطر الأبرز الذي يحذر منه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

وما يميز هذه الانتهاكات عن سابقاتها هو أن هذا التحرك لم يعد مجرد استفزاز منفرد. بل أصبح استعراضاً لوقاحة جامحة ومتغطرسة، لم يعد الصهاينة المتعصبون يشعرون معها حتى بالحاجة إلى تقديم أي تبرير يبرئ جرائمهم. 

ووفقاً لتقييم محافظة القدس، فإن الحكومة الإسرائيلية تحاول الآن فرض وقائع سياسية وقانونية جديدة في المسجد الأقصى. فقد سُمح للمستوطنين بإقامة الطقوس التلمودية، والسجود، وإنشاد الترانيم بصوت مرتفع، بينما مُنع المسلمون إلى حد كبير من الدخول، بل وللمرة الأولى أُقيمت مظلة دائمة في الساحة الشرقية مخصصة للمستوطنين. 

أما جماعات "الهيكل"، فقد أعلنت صراحة أنها تستهدف في السنوات المقبلة رفع عدد المشاركين في هذه الاقتحامات إلى 5 آلاف مستوطن وأكثر.

كل ذلك يدل على أن إسرائيل لم تعد تشعر حتى بالحاجة إلى التذرع بخطاب السياسات الأمنية، بل باتت تعمل مباشرة على تغيير الهوية الدينية والتاريخية للمدينة. والهدف، بطبيعة الحال، ليس مجرد زيارة المسجد الأقصى، وإنما القضاء فعلياً على الوضع التاريخي الذي اعترف به القانون الدولي على مدى قرون، وترسيخ التقسيم الزماني والمكاني، وإقامة نظام جديد تكون فيه السيادة لإسرائيل بصورة لا تقبل الجدل.

وعند هذه النقطة، تصبح غزة والضفة الغربية والقدس أجزاءً من الصورة نفسها. ففي غزة يُقتل الناس بالقنابل؛ وفي الضفة الغربية يُجبر الناس على الهجرة عبر تدمير مقومات حياتهم؛ أما في القدس فتُغيَّر الذاكرة والتاريخ والأماكن المقدسة. ففي مكان يُغيَّر الواقع الديموغرافي، وفي مكان آخر تُغيَّر الجغرافيا، وفي الثالث يُعاد كتابة التاريخ.

لم يعد اسم هذا مجرد احتلال. بل إنها استراتيجية تصفية شاملة تستهدف القضاء على جميع مقومات وجود شعب بأكمله. فالإبادة الجماعية لا تتحقق فقط بقتل الناس؛ بل إن اقتلاع مجتمع من أرضه، وتدمير تراثه الثقافي والديني، وحرمانه من المستقبل، كلها أجزاء من العملية نفسها.

وللأسف، فإن موقف المجتمع الدولي يسهم أيضاً في تعميق هذه المأساة. فالأمم المتحدة تصدر أخيراً تقارير، والمحاكم الدولية تتخذ قرارات، ومنظمات حقوق الإنسان توثق الانتهاكات؛ لكن كل ذلك لا يكفي لتغيير الواقع على الأرض. ففي المكان الذي لا يُطبَّق فيه القانون، تحل القوة محل العدالة. لقد أصبحت فلسطين اليوم اختباراً لضمير النظام الدولي، وليس لإسرائيل وحدها.

وفي الحقيقة، فإن هذه المحاولات ليست موجَّهة ضد الفلسطينيين وحدهم، بل تمثل تحدياً صريحاً للعالم الإسلامي بأسره. لأن المسجد الأقصى ليس القبلة الأولى للفلسطينيين فحسب، بل هو القبلة الأولى لجميع المسلمين، وأمانة مشتركة بينهم جميعاً.

 

الخميس، 23 يوليو 2026

في ظل رسم مسارات جديدة لهجرة العقول.. ماذا ينبغي لتركيا أن تفعل؟

 في ظل رسم مسارات جديدة لهجرة العقول.. ماذا ينبغي لتركيا أن تفعل؟

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم


 - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

بدا الخبر الذي نشرته وكالة "رويترز" قبل أيام، للوهلة الأولى، وكأنه مجرد تعديل تقني يتعلق بسياسات الهجرة في الولايات المتحدة. لكن عند قراءته بعناية، يتبين أنه ينذر بتحول ذهني تاريخي يهدد أهم رصيد أسهم في بناء التفوق العالمي للولايات المتحدة.

فما جعل الولايات المتحدة ما هي عليه اليوم لا يقتصر على حجمها الاقتصادي أو قوتها العسكرية أو تفوقها التكنولوجي. فالدافع الحقيقي الكامن وراء كل ذلك هو قدرتها، على مدى نحو قرن، على استقطاب ألمع العقول من مختلف أنحاء العالم. 

لقد استند التفوق العالمي للولايات المتحدة بدرجة كبيرة إلى مواردها البشرية، لا إلى مواردها الطبيعية. 

فمن العلماء الفارين من أوروبا، إلى أنجح المهندسين في آسيا، ومن الباحثين اللامعين في الشرق الأوسط، إلى الشباب الواعدين في إفريقيا، لم يقتصر دور ملايين الأشخاص على تلقي التعليم في الولايات المتحدة، بل شاركوا أيضاً في بناء قوتها.

ومن المستحيل تقريباً، عند التجول في أروقة أفضل جامعات العالم، من هارفارد إلى ستانفورد، ومن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) إلى بيركلي، ألا يشعر المرء بأن العالم كله حاضر هناك، وأن الولايات المتحدة هي مركزه. 

ففي المختبرات يعمل باحثون من عشرات الجنسيات معاً، وفي القاعات الدراسية يجلس طلاب من عشرات الدول المختلفة. وهذا التنوع ليس مجرد ثراء ثقافي، بل يعد أيضاً أحد أهم مصادر الإبداع العلمي.

وبحسب التعديلات الأخيرة التي أوردتها "رويترز"، يجري فرض قيود كبيرة على مدة تأشيرات الطلاب الأجانب، والباحثين المشاركين في برامج التبادل، والصحفيين الأجانب. 

فستصبح مدة تأشيرة الطلاب الدوليين بحد أقصى أربع سنوات، كما ستُخفض المهلة الممنوحة لهم للبقاء في البلاد بعد التخرج والعثور على عمل من 60 يوماً إلى 30 يوماً. 

كذلك ستصبح عملية الانتقال بين الجامعات أكثر صعوبة، بل إن تغيير طلاب الدراسات العليا لمسارهم الأكاديمي سيخضع أيضاً لقيود مشددة.

وتبرر هذه التعديلات بالزيادة في أعداد الطلاب والمشاركين في برامج التبادل القادمين إلى الولايات المتحدة. ففي عام 2024 تجاوز عدد الطلاب الدوليين الذين دخلوا الولايات المتحدة 1.8 مليون طالب، كما مُنحت في العام نفسه أكثر من نصف مليون تأشيرة للمشاركين في برامج التبادل، وأكثر من 37 ألف تأشيرة للصحفيين الأجانب. وتنظر واشنطن إلى هذه الأعداد باعتبارها عبئاً يصعب ضبطه.

غير أن تحول هذه الأرقام، التي تعكس في الحقيقة مصدر القوة الحقيقي للولايات المتحدة، إلى مصدر قلق بالنسبة للإدارة الأمريكية، لا يبشر بالخير لمستقبل البلاد.

فهذا الأشخاص ليسوا عبئاً على الولايات المتحدة، بل هم استثمار في مستقبلها. فجزء كبير من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، وجوائز نوبل، وبراءات الاختراع، والإنجازات العلمية، يقف وراءه مهاجرون أو طلاب دوليون. 

ويمكن القول إن نموذج "استيراد العقول" الذي اعتمدته الولايات المتحدة هو ربما أنجح استراتيجية تنموية عرفها التاريخ.

ولهذا، قد تحقق هذه القرارات مكاسب على المدى القصير في السياسة الداخلية، لكنها تحمل على المدى البعيد خطر تقويض الجاذبية العالمية للولايات المتحدة. فالعالم أو الطالب لا يبحث فقط عن راتب أو منحة دراسية، بل يبحث أيضاً عن الثقة، وإمكانية التنبؤ بالمستقبل، والحرية، وأفق واضح للحياة. 

أما النظام الذي قد يحول الشخص في أي لحظة إلى فرد غير مرغوب فيه، فسيصبح أقل جاذبية تدريجياً بالنسبة لألمع شباب العالم.

وفي هذا تحديداً تكمن طبيعة المرحلة الجديدة، إذ بدأت تلوح فرص جديدة أمام بقية دول العالم. 

وفي الواقع، شهدت تركيا خلال السنوات الأخيرة تحولاً هادئاً لكنه مهم في هذا المجال. فعدد الطلاب الدوليين الذين يدرسون اليوم في الجامعات التركية بلغ نحو 380 ألف طالب. 

ويختار شباب من رقعة جغرافية واسعة تمتد من إفريقيا إلى آسيا الوسطى، ومن البلقان إلى الشرق الأوسط، تركيا وجهة للدراسة. 

كما يتزايد عدد الأكاديميين الأجانب عاماً بعد آخر. وبفضل برامج "إيراسموس"، و"مولانا"، والاتفاقيات الثنائية، ومشاريع البحث المشتركة، أصبحت الجامعات التركية لاعباً أكثر حضوراً في حركة التنقل الأكاديمي الدولية.

ولا يمكن إدراك القيمة الحقيقية لهذا التحول ونتائجه إلا عند النزول إلى الميدان.

فعند التجول، ولا سيما في سوريا التي تمر بمرحلة إعادة البناء، أو في بنغلاديش، أو أفغانستان، أو السودان، أو العديد من الدول الأخرى، يمكن أن تلتقي في كل مكان بشباب تلقوا تعليمهم في الجامعات التركية. فمنهم من أصبح أستاذاً جامعياً، ومنهم من يعمل في مؤسسات الدولة، أو يدير منظمات مجتمع مدني، أو يعمل صحفياً، أو رائد أعمال، أو سياسياً. وما يجمعهم جميعاً هو أنهم لا ينظرون إلى تركيا بوصفها مجرد بلد درسوا فيه، بل يعتبرونها وطنهم الثاني.

وهل هناك قوة ناعمة أكثر تأثيراً من ذلك؟

فاليوم لم يعد تصدير التعليم مجرد قطاع يدر العملات الأجنبية، بل أصبح أيضاً تصديراً للثقافة، واللغة، والثقة، والنفوذ. فكل طالب دولي يتخرج في تركيا، ثم يعود إلى بلده، يتحول إلى جسر حي يربط بين تركيا ومجتمعه. وتتطور التجارة، وتتوطد العلاقات الدبلوماسية، وتتوسع أوجه التعاون الأكاديمي، ويتعمق التفاعل الثقافي. فكثيراً ما تحدد الصداقات التي تُبنى على مقاعد الجامعات مستقبل الدول أكثر مما تفعله أنظمة التسليح الكبرى.

ولهذا تقف أمام تركيا فرصة تاريخية.

فانكفاء الولايات المتحدة المتزايد على نفسها، وتردد أوروبا في التعامل مع قضية الهجرة، وبحث الحركة الأكاديمية العالمية عن مراكز جديدة، كلها عوامل توفر فرصة مهمة لتركيا. لكن الاستفادة من هذه الفرصة لا تقتصر على زيادة أعداد الطلاب.

وقبل كل شيء، ينبغي أن تبذل جامعاتنا جهداً لامتلاك رؤية جامعية متماسكة، وفلسفة واضحة، وإدارة سليمة.

وثانياً، ينبغي تطوير البيئات التي تستضيف هؤلاء الطلاب وتوفر لهم التعليم بالشكل المناسب. ومن أجل ذلك، علينا التخلي عن النظر إلى مفهوم "الطالب الأجنبي" من زاوية الهجرة والأمن فقط. فجزء كبير من الشباب الذين يأتون إلى جامعاتنا سيكونون في المستقبل وزراء، وسفراء، وعلماء، ورجال أعمال، وقادة رأي. وينبغي أن ننظر إليهم لا باعتبارهم ضيوفاً مؤقتين، بل شركاء استراتيجيين لتركيا على المدى الطويل.

وثالثاً، يجب تطوير إجراءات جديدة أكثر ملاءمة للطلاب والأكاديميين الدوليين، بدءاً من إدارة الهجرة، مروراً بالبلديات، ووصولاً إلى الجامعات والحياة في المدن. وينبغي تسهيل إجراءات الإقامة، وتقليص العوائق البيروقراطية، وإنشاء آليات تدعم الاندماج الاجتماعي في المدن، ومعالجة مشكلات السكن والعمل بوتيرة أسرع. كما يجب أن تتحول المدن التي تحتضن جامعاتنا إلى بيئات يشعر فيها الطلاب الدوليون بالأمان، والتقدير، والانتماء.

ولا ينبغي أن تكتفي تركيا اليوم بكونها بلداً يستقبل الطلاب، بل يجب أن تصبح مركز جذب للعقول من مختلف أنحاء العالم.

ففي القرن الحادي والعشرين، لم تعد المنافسة الحقيقية بين الدول تقوم فقط على رأس المال أو مصادر الطاقة، بل على رأس المال البشري. فالدول القادرة على استقطاب ألمع العقول ستكون هي التي سترسم ملامح التكنولوجيا، والاقتصاد، والسياسة في المستقبل.

لقد نجحت الولايات المتحدة في ذلك طوال سنوات طويلة، وكانت مدينة بجزء كبير من زعامتها العالمية لهذه السياسة. وإذا كانت تتبع اليوم سياسات من شأنها إضعاف هذه الميزة، فإن ذلك لا يمثل خسارة للولايات المتحدة وحدها، بل يشكل أيضاً فرصة تاريخية لدول صاعدة مثل تركيا.

فضلاً عن ذلك، فإن العمق التاريخي والعلمي والثقافي والروحي الذي تتمتع به تركيا يجعلها أكثر قدرة على بناء هذه العلاقة بصورة أكثر تأثيراً مع فضاءات إنسانية وروحية أوسع بكثير.

 


السبت، 18 يوليو 2026

هل نجرؤ على مواجهة أنفسنا في مرآة التاريخ؟.. كيف تشكلت فكرة تصفية الدولة العثمانية؟

هل نجرؤ على مواجهة أنفسنا في مرآة التاريخ؟.. كيف تشكلت فكرة تصفية الدولة العثمانية؟

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم



بعد الحرب العالمية الأولى، قامت على الأراضي العثمانية التي جرى احتلالها دول عربية «بهيئة عربية»، غير أن جميع هذه الدول أسست هويتها القومية لا على معاداة القوى التي احتلتها فعليًا، بل على معاداة الأتراك. 
ففي حين لم تُبد أي عداء يُذكر للدول التي كانت تحتلها آنذاك، وتستغلها وتضطهدها، اعتبرت الدولة العثمانية – التي عاشت في ظلها أربعة قرون من الأمن والاستقرار – كيانًا أبعد وأشد عداوة.


وهذا التصور لا ينسجم مع حقائق التاريخ، لكنه كان جوهر المحتوى الأيديولوجي للتعليم القومي الذي فُرض عليها: العثمانيون والأتراك، بحسب هذا السرد، كانوا قوة استعمارية احتلالية استقرت في تلك الأراضي مدة أربعمائة عام، ولم تترك وراءها أي إرث يُذكر بالخير.

بطبيعة الحال، لم يكن هذا الخطاب منسجمًا مع الواقع المعيشي اليومي للشعوب العربية، ولا مع ما يمكن أن يقبله وجدانها الجمعي. ولذلك نشأ تناقض واضح بين ذاكرة الشعوب العربية من جهة، وبين ما كانت تُلقَّنه لأبنائها في المدارس، وما يُضخ إليها يوميًا عبر الصحف ووسائل الإعلام الرسمية من جهة أخرى. ويمكن القول إن مسار «الربيع العربي» مثّل، في أحد أبعاده، عملية تخلّص الشعوب العربية من هذه السرديات المفروضة، وعودةً إلى الالتقاء مع الأتراك خارج الأطر الأيديولوجية المصطنعة.

في سوريا
، وبعد الثورة الشعبية، أعلنت الإدارة السورية الجديدة مؤخرًا إلغاء «يوم الشهداء» الذي ظل يُحتفل به رسميًا مدة مئة عام، وعدم إحيائه بعد اليوم. وكان هذا اليوم مخصصًا لإحياء ذكرى المثقفين العرب السوريين واللبنانيين الذين أُعدموا بأمر من جمال باشا في ساحة المرجة بدمشق وساحة البرج في بيروت. ولم يكن هذا الإعلان مجرد إجراء إداري، بل رسالة واضحة بعدم منح أي مشروعية للسردية الكامنة خلف هذا اليوم، وبأن النظرة القومية العربية القديمة تجاه الأتراك لن تكون معتمدة بعد الآن.

إلغاء يوم الشهداء في سوريا: كان هذا هو المتوقع

وسبق أن أُعلن عن تنقية المناهج التعليمية الوطنية السورية من جميع الخطابات والروايات المعادية للأتراك التي كانت سائدة في السابق. 
ولا شك أن هذا يعكس مقاربة ودية من قبل الإدارة السورية الجديدة تجاه تركيا والأتراك. 
غير أن امتناع السوريين عن إثارة سياسات جمال باشا أو ممارسات ضباط جمعية الاتحاد والترقي في سوريا ولبنان، تفاديًا لإشعال فتنة جديدة مع الأتراك، ورغم كونه موقفًا نبيلاً وإيجابيًا، فإنه لا يغيّر من حقائق التاريخ.

فالحقيقة التاريخية هي أن خلق مسافات عاطفية ونفسية غير قابلة للتجسير بين العرب والأتراك كان مشروعًا اتحاديا–طورانيًا ذا طابع ماسوني، بدأ قبل الحرب العالمية الأولى بزمن طويل. 
ومن يعرف لمن تخدم المشاريع في نهاياتها، يدرك حقيقتها من نتائجها.


لقد أسهمت سياسات جمال باشا في سوريا – ولا سيما فرض اللغة التركية قسرًا، واعتماد مركزية صارمة، وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مثقفين وأعيان عرب استنادًا إلى معلومات استخباراتية خاطئة دون تمحيص – في تأجيج النزعة القومية العربية التي كانت تُشعل أصلًا، وبالأدوات ذاتها، كوسيلة لإيقاع الفتنة مع الأتراك.

وبذلك، فإن هذه الممارسات تتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية عن نشوء القومية العربية بصيغتها العدائية، وعن أي اتهام بـ«الخيانة العربية». 
ومع ذلك، فإن العداء للعثمانيين وللأتراك لم يجد قاعدة شعبية واسعة كما يُتصور، بل إن دور الضباط العثمانيين في انهيار الدولة يفوق، من حيث التأثير، كل ما يُنسب إلى تلك «الخيانات».


كيف وصلنا إلى فكرة «الأراضي التي ليست منا»؟

سبق أن أشرنا إلى أن محاولات إحداث قطيعة وجدانية وهوياتية بين العرب والأتراك بدأت قبل سياسات جمال باشا بزمن طويل، بل قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بسنوات. 
وربما يكون من الأدق فهم تلك السياسات باعتبارها حلقات متكاملة في مسار واحد، لفهم كيفية انهيار الدولة العثمانية.

وفي اللحظة التي بدأت فيها اكتشافات النفط، لم تكن الدولة العثمانية كيانًا منهارًا، بل دولة قائمة بمؤسساتها، وإن شابها الضعف.

فكيف حدث التحول الذهني الذي جعلنا ننظر إلى تلك المناطق بوصفها «أراضي ليست منا»؟ 
ولماذا وقع هذا التحول في ذلك التوقيت تحديدًا؟
 لماذا لم تُعتبر تلك الأراضي «غريبة» حين لم يكن فيها نفط، وحين لم تكن بريطانيا وفرنسا قد وضعتا أعينهما عليها، بل حين كانت إدارتها عبئًا أكثر من كونها مكسبًا؟
 أليس في هذا التزامن ما يستدعي التفكير؟



«يجب ألا نترك تصفية الدولة العثمانية للأعداء»… ولكن لماذا؟

في مقالات سابقة، نقلتُ عن فالح رفقي آتاي بعض الشهادات حول النقاشات التي دارت بين الضباط العثمانيين بين عامي 1906 و1908. 
وفي إحدى تلك الشهادات، وردت إشارة إلى علي فؤاد جَبَسوي، الصديق المقرّب لمصطفى كمال، والذي رافقه في تلك النقاشات. 
وفي كتابه «زميلي في الصف أتاتورك: ذكريات المدرسة والشباب العسكري» (إنقلاب وآقا، 1967)، يروي بالتفصيل كيف تبلورت آنذاك فكرة «الانسحاب» إلى حدود تشبه ما عُرف لاحقًا بالميثاق الوطني:

«لقد أُلقيت كل أعباء دولة واسعة المساحة، نصف سكانها ليسوا من الأتراك، على كاهل العنصر التركي، في حين لم تكتفِ الأقليات المسيحية بخدمة مصالحها فحسب، بل سعت أيضًا إلى الاتحاد مع الدول المجاورة من نفس العرق. أما الأتراك والعرب الذين سيبقون، فسيُحوَّلون إلى مستعمرات لدول منفصلة، وستقف العناصر غير التركية إلى جانب الدول المعادية. فهل الأفضل أن نُسحق تحت أنقاض دولة منهارة، أم أن ننسحب إلى حدود قومية ذات أغلبية تركية ونحميها؟ أرى النجاة في الخيار الثاني».


ويخلص جبسوي إلى أن المقصود من كلام مصطفى كمال هو أن تصفية الدولة العثمانية يجب ألا تُترك للأعداء، بل ينبغي أن تتولاها سلطة دستورية قادمة بقرار شجاع. فهذا – في نظره – هو طريق الخلاص.

أما كيفية تنفيذ هذه «التصفية»، فيورد جبَسوي تصور مصطفى كمال على النحو التالي: تبقى تراقيا الشرقية والغربية ضمن الدولة، تُعدَّل حدود أدرنة لصالح بلغاريا، تُمنح أقاليم أخرى وفق مبدأ الأغلبية القومية في مؤتمر يُعقد بإسطنبول، تستقل ألبانيا، يُقسَّم البوسنة والهرسك بين صربيا والنمسا–المجر، تبقى الجزر القريبة من الأناضول ضمن الدولة التركية الجديدة، وتُعطى الجزر الأخرى لليونان، وتشمل الحدود الجنوبية هاتاي وحلب والموصل، بينما تُترك بقية المناطق للعرب، دون تغيير في الشرق والشرق الشمالي للأناضول، مع تبادل الأقليات.


قد يبدو هذا الاقتباس طويلًا، لكنه ضروري لإظهار الحدث التاريخي بكل وضوحه. 
فهل كان «الميثاق الوطني» استجابة اضطرارية، أم ثمرة خطة مدروسة مسبقًا لتصفية الدولة؟ وإذا كانت التصفية لا يجوز تركها للأعداء، فلماذا خيضت حروب دامية ضدهم، وسقط فيها مئات الآلاف من الأتراك؟


كيف نُعيد اليوم قراءة ما كان يُعد خيانة بالأمس؟

كان الضباط الذين ناقشوا تصفية الدولة العثمانية قبل الحرب بسنوات يدركون تمامًا تبعات ما يفعلون. ولم يكن هذا التفكير طبيعيًا آنذاك، كما لا هو طبيعي اليوم. ويواصل جَبَسوي نقله عن مصطفى كمال قائلًا:
«أعلم أن من لا يريدون رؤية المستقبل سيعدّون التنازل عن أراضي الإمبراطورية خيانة، لكن رغم ذلك يجب تحويل هذه الأفكار إلى برنامج يُدافع عنه بقوة».

فكيف نقيّم هذه التصورات اليوم، بمنطق الوطن والواجب والولاء للدولة؟ هل نحن مستعدون لأن ننظر في المرآة، وأن نواجه هيكلنا العظمي كما هو، بلا أقنعة؟

 - يني شفق -