‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أحمد الشيبة النعيمي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أحمد الشيبة النعيمي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 15 يوليو 2020

المحاولات المشبوهة لزرع الفتنة العنصرية في الوطن العربي

المحاولات المشبوهة لزرع الفتنة العنصرية في الوطن العربي

أحمد الشيبة النعيمي
عبر حسابات مشبوهة ومجهولة الهوية، وتدّعي نسبتها إلى بلاد الحرمين، ظهرت حملة مريبة لتبث سموم الفتنة العنصرية، وتحاول التشكيك في عروبة شمال أفريقيا، وزرع الفتنة العنصرية بين مسلمين وعرب تجمعهم جميعا هوية الحضارة العربية الإسلامية والتاريخ المشترك، باختلاف أعراقهم وألوانهم وألسنتهم.

والهوية الثقافية الحضارية ليست كما يعتقد البعض هوية عرقية جينية، فالإنسان بأخلاقه وإنسانيته وبعمله ونجاحه، ولا فضل لعربي على غيره، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، كما بين ذلك بوضوح نبي المساواة والإنسانية، مؤكدا أن الناس سواسية كأسنان المشط.. "أَيُّهَا النَّاسُ! كُلُّكُمْ لِآدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنَ التُّرَابِ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِتَقْوَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ".

وقبل ذلك أكد القرآن الكريم بوضوح أن الله خلقنا شعوبا لنتعارف ونتكامل، وأن أكرمنا عند الله أتقانا.. "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ". نعم إن الله عليم وخبير، ومن يدعي أنه أكثر علما من الله وأن الله فضل جنسا على جنس فقد غرق في أوحال الكذب والجهل والغباء، وتلطخ بقاذورات العنصرية وجعل من نفسه أضحوكة ومحلا للسخرية.

فالعنصرية فسوق وظلم وانحراف عن الفطرة السوية، فضلا عن كونها عاهة خلقية ومرضا نفسيا يستوجب العلاج وإعادة التأهيل الإنساني.

والحملات المشبوهة لإثارة الفتنة العنصرية في المنطقة العربية التي تستهدف اليوم شعوب دول المغرب العربي لا تنطلق من فراغ، فقد جاءت بعد جهود حثيثة باءت بالفشل لإثارة فتنة صراع بين الإسلاميين والقوى الوطنية الأخرى، وبعد أن فشلت هذه الحملة ظهرت حملة التشكيك بعروبة أفريقيا العربية من أصوات مشبوهة في توقيت مشبوه.

وما نود تأكيده أن ما يربطنا كشعوب عربية إسلامية من هوية مشتركة وثقافة وحضارة وتاريخ يفتخر بها حتى العربي المسيحي؛ أكبر من عوامل التفرقة التي تحاول الأنظمة التابعة أو بعض أدوات الاستعمار إثارتها هنا أو هناك، وما يجمعنا كمسلمين وعرب لا علاقة له بسياسات هذا النظام أو ذاك "ولا تزر وزارة وزر أخرى".

وعموما فالراجح حتى الآن أن الأصوات المشبوهة لا علاقة لها بأهل الخليج ولا بأهل بلاد الحرمين، وإنما هي شخصيات حاولت تقمص هويات سعودية مزيفة لغرض الإساءة لأهل بلاد الحرمين، ومن المؤسف أن قنوات دولية كبيرة تروج لمثل هذه الحملات المشبوهة.

وهذا الترويج ليس بريئا، فتكريس العنصرية بين الشعوب العربية سياسات إعلامية قديمة متجددة، وتتورط في إثارتها أحيانا مخابرات تابعة لأنظمة قمعية معادية لقضايا الأمة، فهي تستخدم العنصرية كسلاح في تمزيق الأمة وفي إماتة روح التضامن بين الشعوب العربية والإسلامية، وفي إثارة الكراهية والتحريض الداخلي حتى تفقد الأمة مقومات الصمود، ويسكت الناس عن الصفقات التي تستهدف مقدسات الأمة وتستهدف تمزيق الوحدة السياسية للدول العربية والإسلامية، وتستهدف التحولات الديمقراطية والموجات الثورية المتجددة.

إن تأثير إثارة العنصرية اليوم ينطوي على خطورة بالغة في عصر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يستطيع فرد واحد مجهول الهوية تبني حملة تتحول وباء وفيروس في التفشي وسرعة الانتشار وفي تدميره للنسيج القيمي والأخلاقي، وتهديده لروح الوحدة والتضامن والأخوة، ويتحول إلى وسيلة لإشعال حرائق الأحقاد والكراهية.

وختاما نقول لمروجي حملات العنصرية كما قال نبي الإنسانية صلى الله عليه وسلم: "دعوها فإنها منتنة"، وإنها جيفة قذرة تنبعث روائحها العفنة عبر مواقع التواصل فتسيء إلى أصحابها قبل إساءتها للآخرين.

الثلاثاء، 14 يوليو 2020

حين تصل المناكفة السياسية للإساءة لتاريخ وحضارة المسلمين: آيا صوفيا نموجاً

حين تصل المناكفة السياسية للإساءة لتاريخ وحضارة المسلمين: آيا صوفيا نموجاً

أحمد الشيبة النعيمي
شهد التاريخ الإسلامي حالات كثيرة وقف فيها الكثير من أمراء السوء ومن شايعهم من سدنتهم؛ مع أعداء الإسلام و المسلمين، ووقعوا في مستنقعات خيانة الهوية والحضارة والعقيدة، وسجلهم التاريخ في سجلات الخيانة والغدر مع أبي رغال وعبد الله بن أُبيّ، والوزير العباسي ابن العلقمي وغيرهم، وبقي ذكر عظماء الفاتحين في سجل الخالدين الأبرار على صفحات من نور، أمثال صلاح الدين الأيوبي، وسيف الدين قطز، وطارق بن زياد، وعبد الرحمن الداخل، ويوسف بن تاشفين، ومحمد الفاتح، وسليمان القانوني، وغيرهم.

وفي عصر التطبيع المهين مع الصهاينة وعصر صفقات العار، تتموضع بعض الدول الإسلامية وبعض المثقفين المحسوبين على ملة الإسلام في خانة أعداء تاريخ وحضارة الإسلام، مع تسخير الإعلام والفن والمسلسلات لتشويه التاريخ الإسلامي والفتوحات الإسلامية التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها فتح القسطنطينية التي يعد فتحها من دلائل صدق النبوة؛ بعد أن جاء في الحديث الذي صححه أكثر أهل العلم والذي ورد في مسند أحمد بن حنبل: "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش". والحديث صححه الحاكم والذهبي وشكك فيه البعض بسبب راوٍ ظنوه مجهولا، ولكن ابن حبان وثق هذا الشخص، ومن يعلم حجة على من لا يعلم، فانتفت الجهالة وترجحت صحة الحديث وأكد الواقع مصداقيته، وله شواهد.

وكم هو مخجل ومخز أن تشاهد مثقفاً عربيا مسلماً يتهجم على تاريخ المجاهد العظيم والقائد المسلم محمد الفاتح، وتاريخه الناصع بالفتوحات ونشر العدل والتسامح، وتجد في نفس الوقت مثقفاً فرنسيا من فلاسفة التنوير يشيد بهذا الفاتح العظيم. فهذا فيلسوف عصر التنوير الفرنسي "فولتير"؛ يتحدث عن تسامح السلطان محمد الفاتح عندما دخل القسطنطينية، فيقول: "ومما يدل على أن السلطان محمد الفاتح كان عاقلا حليماً، ترْكه للنصارى المقهورين الحرية الدينية في انتخاب البطريرك، ولما انتخبوه ثبته السلطان وسلّمه عصا البطاركة، وألبسه الخاتم، حتى صرح البطريرك وقتها: إني خجِلٌ حقا مما لاقيته من التبجيل والحفاوة، الأمر الذي لم يعمله النصارى مع أسلافي".

ولأن الفتح كان عنوة بعد المؤامرات البيزنطية على المسلمين، حوّل الفاتح العظيم مركز القيادة البيزنطية الروحية "كاتدرائية آيا صوفيا" إلى مسجد، وتحوّل هذا المسجد إلى أيقونة الفتح. ولم يؤثر ذلك على تسامح الفاتح مع المسيحيين وبقيت كنائسهم الأخرى التي لم تأخذ دلالة سياسية. واستمر المسلمون في الصلاة في هذا المسجد 500 عام حتى جاء من يحاول سلخ تركيا عن تاريخها ودينها، وحوّل المسجد إلى متحف عام 1934م.

وأخيراً عادت الأمور إلى مجاريها وبدأ التمهيد لإعادة المتحف إلى مسجد ولله الحمد، فإذا بالولولة والنياح يتصاعد من بعض أبناء جلدتنا، وارتفعت الأصوات النشاز من بعض المحسوبين على الثقافة في الإمارات، بلدي العربي والمسلم الغالي. والغريب أن هؤلاء المتنمرين على المسلمين وتاريخ الإسلام يبلعون ألسنتهم عند ذكر المساجد التي تم تحويلها إلى كنائس في أوروبا فلا تسمع لهم ركزا، ويهللون لافتتاح الكنائس والمعابد الوثنية في ديار الإسلام، فإذا سمعوا عن افتتاح مسجد يتداعون بالويل والثبور وكبائر الأمور، ويتحولون إلى أبواق للتحريض ضد الإسلام وتاريخه وهويته ورموزه الخالدة.

لقد تجاوزت المناكفات الدنيئة كل الخطوط الحمراء، فلم تعد أبواق التطبيع تملك الجرأة ولو على سبيل المجاملة لمشاعر المسلمين على إدانة اغتصاب الأرض والمقدسات في فلسطين وغيرها، ولا إدانة اعتقال ملايين المسلمين وإجبارهم على تغيير هويتهم الإسلامية، ولا إدانة تمزيق الوحدة السياسية للدول العربية والإسلامية، ولكن لما تم إعادة متحف إلى مسجد ارتفعت الأصوات، وتمعرت الوجوه، وهذا واقع الأمر إذ يبيع المثقف ضميره، وتصل المناكفة السياسية إلى تسخير أموال المسلمين ووسائل إعلامهم وأقلامهم للإساءة إلى تاريخ وحضارة المسلمين.