‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات فهمي هويدي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات فهمي هويدي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 26 مارس 2026

قراءة في كتاب أزمة الخليج، العرب وإيران: وهم الصراع ووهم الوفاق

قراءة في كتاب  أزمة الخليج، العرب وإيران: وهم الصراع ووهم الوفاق



كتاب أزمة الخليج - العرب و إيران 

المؤلف:فهمي هويدي

نبذة عن الكتاب:
دول الخليج العربى  
العالم العربي  إيران 
اسرائيل  التعاون الاقتصادى

يرى الكاتب في النهاية أن الحل يكمن في مقاربة السلام والتعايش المصلحي الضروري، وذلك بتغليب لغة الحوار: الانتقال من "إدارة الصراع" إلى "إدارة المصالح".

قراءة ونيس المبروك*

بين وهم الصراع ووهم الوفاق: قراءة في رؤية فهمي هويدي للعلاقات العربية الإيرانية

قراءة مختصرة في أهم افكار كتاب "أزمة الخليج، العرب وإيران: وهم الصراع ووهم الوفاق" للمفكر والصفحي المعروف فهمي هويدي، بتصرف يسير في التعبير عنها مع التأكيد بأن هذه الأفكار لا تغني بأي حال عن مطالعة الكتاب من مقدمته لخاتمته، والتأكيد أيضا بأن تشجيعي على مطالعة الكتاب لا تعني موافقتي لماجاء فيه بخاصة بعض استنتاجاته وتحليلاته، ولكني أراه كتابا مهما، ولعله يعين في إضاءة زوايا مهمة في الوعي ببعض جذور هذه العلاقة المعقدة.

الكتاب صدر عن دار الشروق وكانت طبعته الأولى عام 1991م، وقد كتبه بعد تكليف من مركز دراسات العالم الإسلامي في مالطا عام 89م ، ثم تم تقديمه في ندوة بطرابلس، ثم طور الكتاب وزاده حتى خرج في نسخته الأخيرة، وهو من الكتب المهمة في متابعة سردية وحقائق الصراع من خلال رصد محطات رئيسة، ويحاول في هذا الكتاب شرح العلاقة المُركبة بين دولة إيران وجيرانها.

وفيما يلي أهم أفكار الكتاب

1 ـ يرى الأستاذ فهمي أن الشرق الأوسط يقوم على ثلاثة أعمدة كبرى وهي مصر وتركيا وإيران، وأن أعمدة منطقة الخليج هي السعودية والعراق وإيران، فإيران قاسم مشترك بين هذه الأعمدة، وكيف أدت الحرب العراقية الإيرانية والعراقية الكويتية إلى إعادة توازن القوى في المنطقة، وأن "جوهر" الخلاف ليس خلافا سنيا شيعيا، بمعنى أنه ليس خلافا طائفيا بالأساس، ولكنه صراع سياسي بالدرجة الأولى ثم تم إلباسه ثوبا دينيا طائفيا، كعادة بعض الأنظمة في استخدام واستجلاب التاريخ (الذي يعتبره هويدي حمّال أوجه فيمكن لكل فريق جلب حجج تاريخية لمناصرة رأيه) وكذلك استعمال المذاهب العقدية لتعبئة الجماهير وتبرير الصراع والصدام، كما فعل صدام عندما أسمى معركته ضد إيران "القادسية" التي كانت بين المسلمين و(الفرس)، وما تبع ذلك من تأليف كتاب "وجاء دور المجوس" وكتاب عبد الله القصيمي بعنوان "الصراع بين الإسلام والوثنية" مشيرا إلى الصراع العربي الإيراني!!

يرى الأستاذ فهمي أن الشرق الأوسط يقوم على ثلاثة أعمدة كبرى وهي مصر وتركيا وإيران، وأن أعمدة منطقة الخليج هي السعودية والعراق وإيران، فإيران قاسم مشترك بين هذه الأعمدة، وكيف أدت الحرب العراقية الإيرانية والعراقية الكويتية إلى إعادة توازن القوى في المنطقة، وأن "جوهر" الخلاف ليس خلافا سنيا شيعيا، بمعنى أنه ليس خلافا طائفيا بالأساس، ولكنه صراع سياسي بالدرجة الأولى ثم تم إلباسه ثوبا دينيا طائفيا،
 بينما يرى هويدي أن المحرك الأساسي للصراع هو تقاطع المصالح والنفوذ والتوسع الإقليمي، وقد أشار هويدي إلى أربعة عوامل ساعدت في ذلك،  وأن علاقات الأمم بعد نضوج التجربة الإنسانية تجاوز طور القبيلة إلى منطق الدولة التي لا تحكمها خصومات الماضي وثاراته ومراراته، إنما تنهض على أساس حسابات المصالح وطموح المستقبل.

2 ـ عند شرحه للمقصود بمصطلح "وهم الصراع" بيّن أن التسليم بأبدية الصراع الصفري وحتمية الحرب هي فكرة خطيرة تخدم المشروع الصهيوني أكثر مما تخدم كل شعوب المنطقة من المسلمين وغيرهم، وفي الوقت نفسه فإنه يرى أن هناك تخوف من "وهم الوفاق" ويقصد  تلك النظرة السطحية العاطفية التي تتجاهل أو تتغافل عن الملفات الاستراتيجية المعقدة بين إيران وجيرانها، مثل الجزر، والتوسع، والتدخل في الشأن الداخلي عبر وكيل طائفي، وقد طرح هويدي سؤالا: أين تكمن الإشكالية؟ ووضع أربعة احتمالات لهذا الإشكال وناقشها، وخلص بأن الصراع سياسي استراتيجي، ويمكن مراجعة تلك الاحتمالات في الكتاب .

3 ـ تعرض الكتاب في أحد مباحثه للعلاقة التاريخية بين مصر وإيران، منذ عصر الإخمينيين في القرن السابع قبل الميلاد، مرورا بظهور الإسلام، ثم العهد الفاطمي والأيوبي والعثماني، ثم تجربة تقريب المذاهب التي توجت بقرار شيخ الأزهر شلتوت بالاعتراف بالمذهب الجعفري كمذهب فقهي معتبر، ثم أزمة العلاقة المصرية الإيرانية بعدها، ويؤكد هويدي على بعض المحددات في هذه العلاقة، ومنها: أن إيران بلد جار ولا يمكن جغرافيا تجاوز هذه الحقيقة والتعامل معها، كما أن هناك تراثا وإرثا حضاريا وإسلاميا مشتركا يربط الشعوب العربية بالشعب الإيراني أعمق بكثير من الخلافات السياسية العارضة، وأن الأمن في منطقة الخليج لا يمكن تحقيقه باستبعاد إيران أو بالتحالف ضدها مع قوى دولية، وأن هذا الأمن الاستراتيجي لا يتم إلا عبر نظام أمن إقليمي يشترك ويشارك فيه الجميع .

4 ـ أفرد الكاتب جزءا من كتابه للحديث عن الثورة الإيرانية 79م، وكيف أحدثت زلزالاً في المنطقة، حيث تحولت إيران من "شرطي المنطقة" المتحالف مع الغرب في عهد الشاه، إلى قوة توسعية تسعى لتصدير الثورة وتحدي الأنظمة القائمة، مما أدى إلى حالة من الخوف والتحفظ الشديد من الجانب العربي وزادت الفجوة في العلاقة العربية الإيرانية، مع ملاحظة أن الكاتب لم يواكب ما جرى من أحداث في الآونة الأخيرة من الأعمال التي قامت بها إيران في سوريا والعراق واليمن وأفغانستان، وضربها لدول الخليج الآن، لاشك أن كل تلك الأحداث والوقائع تعيد تشكيل صورة الصراع وأبعاده، مع تأكيد هويدي على أن لإيران القومية العلمانية مشروعها ورؤيتها، ولإيران الإسلامية مشروعها ورؤيتها، وعلينا فهم الفروق والبناء عليها.

5 ـ يرى الكاتب في النهاية أن الحل يكمن في مقاربة السلام والتعايش المصلحي الضروري، وذلك بتغليب لغة الحوار: الانتقال من "إدارة الصراع" إلى "إدارة المصالح". ومحاولة تحجيم البعد الطائفي: وذلك بالتوقف عن شحن النفوس مذهبياً والتركيز على القضايا السياسية والقانونية القابلة للتفاوض. وكذلك الاستقلالية: بأن يمتلك العرب وإيران إرادة سياسية مستقلة لحل نزاعهم وإدارة مصالحهم، بعيداً عن التدخلات الدولية التي تقتات على استمرار النزاع.

سبق لي زيارة الأستاذ فهمي في بيته بالقاهرة وحاورته طويلا عن منهجيته وعلاقته بالفكر والصحافة، ثم التقينا في أكثر من مناسبة ومؤتمر، وهو رجل يحترم قلمه فلا يجريه في موضوع لم يستوف حقه، كما يحترم عقل القارىء، فلايقدم له غثا، ويبذل جهدا مضنيا في جمع المعلومات وتبويبها وتنقيحها بنفسه، ولا يكتفي بمنهجية "تكديس الشظايا" ثم تمريرها عبر بيان يخفي عيبها، وهذا جهد يستحق ـ بل يستوجب ـ المطالعة وإن اختلفنا معه  .

*كاتب وباحث ليبي

 كتاب  أزمة الخليج، العرب وإيران: وهم الصراع ووهم الوفاق 

قراءة اونلاين

 


الأحد، 16 نوفمبر 2025

قراءة في كتاب المقالات المحظورة

قراءة في كتاب  المقالات المحظورة


الكتاب : المقالات المحظورة

 المؤلف : فهمي هويدي

 التصنيف : فكر وثقافة

يشير الكاتب في مقدمة كتابه إلى فضل "الرقباء والعرب" الذين كانت لهم اليد الطوبى في حظر نشر عدة مقالات له في الصحافة المصرية أو العربية، فبفضلهم تم تكريس هذا الكتاب الذي كانت مادته عدة مقالات "ممنوعة من النشر" لا أنها برأيهم مقالات من ذلك النوع الساخن والناري، الذي يخترق الخطوط الحمراء ويصوب السهام نحو السياسات والمقامات العليا، إلا أن القارئ سيصاب بخيبة أمل إذ هو بهذه النزعة قبلها على قراءة هذه المقالات، فالكاتب ليس من أهل الكتابات النارية، المهيجة أو التريضية، ‘إذ أنه يراعي دائماً في كتاباته الخطوط الحمراء، إلا أنه لا يفكر بمقالات وصلت أبناءها إلى "خطوط الناس". جمع الكاتب تلك الكتابات المحظورة، وجاءت مرتبة ضمن أقسام الكتاب الثلاثة. حيث تم فيها توزيع المقالات حسب الموضوع وليس حسب تسلسل تاريخ النشر. 

خصص القسم الأول للمقالات التي تخص الشأن المصري، وهي الأكثر عدداً. 

أما القسم الثاني، فقد تم تخصيصه للمقالات المتعلقة بالشأن الفلسطيني. 

في حين ضم القسم الثالث المقالات التي خرجت عن هاتين الدائرتين. 

ويشير الكاتب بأن من بين هذه المقالات خمسة منها أستلها من كتاب سابق له صدر بعنوان "المفترون"، كما هناك مقالة واحدة أخذها من كتابة "الإسلام والديمقراطية"، مرفوعاً في ذلك لأسباب ثلاثة: 

أولاً، لأنها دخلت في سياق موضوعه، وثانياً لأن ملف الممنوعات عنده قد امتلأ عن آخره، وثالثا" لأن الكاتب أثر أن يكون كتاب ممنوعات هذا مستوفياً قدر الإمكان لكل ما تم حظره له حتى نهاية عام 1997، لاعتقاده أن تلك المقالات المحظورة هي شهادات ترسم جانباً من خرائط الواقع، في واحدة من أدق مراحل تاريخ مصر الحديث. 

لأول وهلة حين يسمع المرء عبارة " مقالة محظورة " ، فقد يخطر على باله أنها من ذلك النوع الساخن والناري ، الذي يخترق الخطوط الحمراء ، ويصوب السهام نحو السياسات والمقامات العليا . وإذا ما أقبل أي قارئ على الكتاب بهذه النزعة ، فإنه سيصاب بخيبة أمل كبيرة لا ريب . أولا لأنني لست من أهل الكتابات النارية ، المهيجة أو التحريضية ، ولو حاولت أن أباشر ذلك النوع من الكتابة لفشلت ، لاقتناعي بأن كل امرئ خلق لما هو ميسر له . أما السبب الثاني فهو أنني كنت حريصا دائما على احترام الخطوط الحمراء ومراعاة السقوف ، في حدود إدراكي لها على الأقل . وظللت وما زلت أسعى لعدم تجاوز تلك الخطوط وعدم التصادم مع السقوف . وكان ظني في كل مرة أنني أتحرك في حدود الهوامش المتاحة ، برغم أنني لا أنكر أنني لم أتردد في كتابات عدة في الوصول إلى " خطوط التماس " ، مستثمرا الحدود القصوى لتلك الهوامش . 

وفي حالات استثنائية، حين كان يلوح أن الموضوع كله وقع داخل الخط الأحمر ، وكنت أرجح أن المقال لن ينشر بنسبة 99% ، فإنني كنت أراهن على الواحد في المائة ، وأجازف بكتابته لكي أسجل موقفي المتواضع ، وإرضاء لضميري ككاتب يعلم أن الله سبحانه وتعالى سيحاسبه يوم القيام على كل ما خطت يداه .


الجمعة، 8 أغسطس 2025

سلموا سلاحكم حتى نذبحكم ذبح النعاج ونحتل أرضكم!

 سلموا سلاحكم حتى نذبحكم ذبح النعاج ونحتل أرضكم!

فهمي هويدي 


إذا لم تفهم البوسنة، فلن تفهم غزة!

افهموا البوسنة أولًا، حتى تفهموا غزة وما يدور بها، وحتى لا تتعجبوا!!

حرب الإبادة التي شنها الصرب على مسلمي البوسنة، واستشهاد فيها 300 ألف مسلم.

واُغتُصِبت فيها 60 ألف امرأة وطفلة.

وهُجِّر مليون ونصف المليون.

– هل نتذكرها؟

أم نسيناها؟

أم لا تعرفون عنها شيئًا أصلًا؟!

– مذيع «سي إن إن» يتحدث عن ذكرى المجازر البوسنية، ويسأل (كريستيانا أمانبور) المراسلة الشهيرة:

– هل التاريخ يعيد نفسه؟

– كريستيانا أمانبور من «سي إن إن» تعلق على ذكرى البوسنة:

– كانت حربًا قروسطية، قتلٌ وحصارٌ وتجويعٌ للمسلمين، وأوروبا رفضت التدخل، وقالت:

– إنها حرب أهلية، وكان ذلك خرافة!

– استمر الهولوكوست نحو 4 سنوات، هدم الصرب فيها أكثر من 800 مسجد، بعضها يعود بناؤه إلى القرن السادس عشر الميلادي، وأحرقوا مكتبة سراييفو التاريخية.

– تدخلت الأمم المتحدة فوَضَعت بوابات على مداخل المدن الإسلامية مثل غوراجدة، وسربرنيتسا، وزيبا، لكنها كانت تحت الحصار والنار، فلم تغنِ الحماية شيئًا.

– وضع الصرب آلاف المسلمين في معسكرات اعتقال، وعذبوهم، وجوعوهم حتى أصبحوا هياكل عظمية.

– ولما سُئل قائد صربي: لماذا؟

قال: إنهم لا يأكلون الخنزير!

– نشرت «الغارديان» أيام المجازر البوسنية خريطة على صفحة كاملة، تُظهر مواقع معسكرات اغتصاب النساء المسلمات، 17 معسكرًا ضخمًا، بعضها داخل صربيا نفسها.

– اغتصب الصرب الأطفال.. طفلة عمرها 4 سنوات، ….

ونشرت «الغارديان» تقريرًا عنها بعنوان:

«الطفلة التي كان ذنبها أنها مسلمة».

– الجزار ملاديتش دعا قائد المسلمين في زيبا إلى اجتماع، وأهداه سيجارة، وضحك معه قليلًا، ثم انقض عليه وذبحه.

وفعلوا الأفاعيل في زيبا وأهلها.

– لكن الجريمة الأشهر كانت حصار سربرنيتسا، كان الجنود الدوليون يسهرون مع الصرب، ويرقصون، وكان بعضهم يساوم المسلمة على شرفها مقابل لقمة طعام.

– حاصر الصرب سربرنيتسا سنتين، لم يتوقف القصف لحظة، كان الصرب يأخذون جزءًا كبيرًا من المساعدات التي تصل إلى البلدة، ثم قرر الغرب تسليمها للذئاب: الكتيبة الهولندية التي تحمي سربرنيتسا تآمرت مع الصرب، وضغطوا على المسلمين لتسليم أسلحتهم مقابل الأمان!

– رضخ المسلمون بعد إنهاك وعذاب، وبعد أن اطمأن الصرب، انقضوا على سربرنيتسا، فعزلوا ذكورها عن إناثها، جمعوا 12,000 من الذكور (صبيانًا ورجالًا) وذبحوهم جميعًا ومثَّلوا بهم.

– من أشكال التمثيل:

كان الصربي يقف على الرجل المسلم فيحفر على وجهه وهو حي صورة الصليب الأرثوذكسي (من تقرير لمجلة «نيوزويك» أو «تايم»).

– كان بعض المسلمين يتوسل إلى الصربي أن يُجهز عليه من شدة ما يلقى من الألم!

– كانت الأم تمسك بيد الصربي.. ترجوه ألا يذبح فلذة كبدها، فيقطع يدها ثم يجز رقبته أمام عينيها!

كانت المذبحة تجري..

وكنا نرى ونسمع ونأكل ونلهو ونلعب.

– وبعد ذبح سربرنيتسا.. دخل الجزار رادوفان كاراديتش المدينة فاتحًا وأعلن:

سربرنيتسا كانت دائمًا صربية، وعادت الآن إلى أحضان الصرب.

– كان الصرب يغتصبون المسلمة، ويحبسونها 9 أشهر حتى تضع حملها، لماذا؟

قال صربي لصحيفة غربية:

نريد أن تلد المسلمات أطفالًا صربيين (Serb babies).

– ونحن نتذكر البوسنة وسراييفو وبانيا لوكا وسربرنيتسا

نقولها ونعيدها:

لن ننسى البلقان..

لن ننسى غرناطة..

لن ننسى فلسطين..

– وهنا يجب أن نسجل بمداد من العار.. مواقف العجوز الأرثوذكسي (بطرس غالي) الذي كان وقتها أمين الأمم المتحدة، والذي انحاز بشكل سافر إلى إخوانه الصرب.

– لكننا بعد 30 عامًا لم نتعلم الدرس..

– إضافة لا بد منها: كان الصرب يتخيرون للقتل علماء الدين وأئمة المساجد والمثقفين ورجال الأعمال، وكانوا يقيدونهم، ثم يذبحونهم، ويرمونهم في النهر.

قصص التاريخ لا تُحكى للأطفال لكي يناموا!

بل تُحكى للرجال لكي يستيقظوا.

جزي الله خيرا من قراءها ونشرها.

ثم يأتي الان من يلوم حماس انهم سبب الحرب ولابد أن يسلموا أسلحتهم؟ هذا اقل من الحيوان عقلا وأقل من الخنزير نخوة.

الجمعة، 7 فبراير 2025

طوفان العودة.. علامة فارقة في التاريخ

 

طوفان العودة.. علامة فارقة في التاريخ




الزحف المهيب لجحافل الفلسطينيين المهجّرين صوب بيوتهم في شمال غزة وصف بـ «طوفان العودة». وذلك تعبير دقيق وعميق الدلالة، استلهم كلمة «الطوفان» التي أطلقت على عملية السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كما استدعى كلمة «العودة» التي كانت ولا تزال عنوانًا لحُلم الفلسطينيين المعلق منذ 77 عامًا، ثم تجاهله البعض ونسوه وأيقظه «طوفان الأقصى» من سباته. حتى اعتبر أحدهم أن مشهد الزحف بمثابة تمهيد «بروفة» للعودة الكبرى المحكية في روايات الجَدات إلى يافا، وعكا، وحيفا، واللد، والرملة، وعسقلان، وصفد.

المشهد كان مبهرًا وحافلًا بالدلائل والرسائل؛ ذلك أننا نعرف طوال سنوات الصراع أنّ أعدادًا غير قليلة من الفلسطينيين، الذين كتبت لهم الحياة، هاجروا إلى المنافي البعيدة أو إلى دول الجوار، ولم يعودوا إلى وطنهم إلا لِمامًا، لكنها المرّة الأولى التي يهجّر فيها مئات الألوف منهم رغمًا عنهم، ثم يفرَض على العدو المتغطرس أن يعودوا إلى بيوتهم بعد تدميرها.

ناهيك عن أنها المرة الأولى في تاريخ الصراع التي شنت فيها المقاومة الفلسطينية هجومًا كبيرًا بمبادرة منها ضد إسرائيل فوق الأرض التي اغتصبتها، وقصفت خلالها بعض مدنها، وأجبرت الملايين من سكانها على اللجوء إلى المخابئ.

وهي المبادرة الفلسطينية الشجاعة التي تجاوزت الاشتباكات السابقة مع العدو التي حدثت خلال سنوات الصراع. ولا ننسى أننا نتحدث عن المعركة الأخيرة الأهم التي خاضها الفلسطينيون وحدهم دون أي عون أو دعم عربي، في حين كانت الولايات المتحدة تقف طوال الوقت في الخندق الإسرائيلي.

***

استوقفني حديث أحد العائدين الذي قال لمراسل تلفزيوني إنه فقد كلَّ شيء: زوجتَه وأولادَه الثلاثة وعمله وبيته وأباه وشقيقته، وكل ما يملك في الدنيا، لكنه متلهّف للعودة إلى داره لكي يعثر على مقابرهم للصلاة عليهم، ثم يقضي بقية عمره فوق أنقاض بيته، وهو يحتضن ترابه ويشتاق إلى إعادة بنائه.

وذكرني ذلك بما كتبه أحد المعلقين الإسرائيليين في المقارنة بين لهفة الفلسطينيين على العودة إلى بيوتهم المدمرة، وبين طوابير الإسرائيليين الذين يتزاحمون أمام مكاتب الطيران في سعيهم لمغادرة إسرائيل عائدين إلى بلادهم الأصلية بعدما طالت أشهر الحرب. وقال في هذا الصدد إن المقارنة بين الصور تعرّي الحقيقة وتكشفها، وتبين الفرق بين أصحاب الأرض الحقيقيين، وبين الوافدين الطارئين عليها.

هذا قليل من كثير تابعناه وشاهدناه في غزة خلال العودة المثيرة التي أدهشت العالم وفاجأته، كما صدمت الإسرائيليين الذين انتظروا تجليات «النصر المطلق» الذي تحدث عنه رئيس وزرائهم، بعد أن وعدهم بالقضاء المبرم على حماس، وبالعودة المظفرة للأسرى بقوة الجيش «الذي لا يقهر». لكنهم فوجئوا بالحقائق الصادمة التي فضحت أكاذيب قيادتهم وخداعها.

وفي مقابل ذلك تحدث بعض الكتّاب عن القوة الكامنة للشعب الفلسطيني، الذي أثبتت الأحداث أنه هو الذي لا يقهر. حتى السفير الأميركي في إسرائيل الذي انتهت ولايته في تل أبيب "جاكوب ج ليو" نشرت له «تايمز أوف إسرائيل» حوارًا وداعيًّا حذّر فيه إسرائيل من تحولات المستقبل، وأن عليها الانتباه إلى أنه خلال العشرين سنة القادمة ستتولى قيادة الولايات المتحدة وبقية دول العالم أجيالٌ لا تعرف الهولوكوست أو حرب 1967، بل الحرب الحالية على غزة.

أتابع حوارًا عبثيًا حول سيناريوهات النصر والهزيمة. ولا أعرف جدواه الآن بعد سيل الشهادات التي تحفل بها وسائل الإعلام الإسرائيلية. وهي التي ما برحت تتساءل موجهة الاتهام لنتنياهو ومن لفَّ لفَّه قائلة أين النصر المطلق، حتى ذهب أحد وزرائه إلى أبعد من ذلك، ووصف المشهد الفلسطيني الراهن بأنه استسلام مطلق.

يحدث ذلك بعد أن فشل صاحبهم وجيشه في تحقيق أي هدف إستراتيجي تبجّح به وهو يستعرض تهديداته بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول. ناهيك عن أن أسئلة الصائدين والكارهين، تتضاءل أمام اعتبار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو – ووزير دفاعه السابق- مجرمَ حربٍ مطلوبًا للمحكمة الجنائية الدولية، في حين أن جيشه ونظامه متّهمون بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.

لست في وارد الدخول في هذا الجدل؛ لأن ما جرى يطرح أسئلة كبيرة ويفتح ملفات مهمة للغاية جديرة بالمناقشة والحسم. ذلك أننا في معركة الطوفان وجدنا الإدارة الأميركية ومعها بعض الأنظمة الغربية تدعم العدوان الإسرائيلي وتباركه عسكريًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا، كما أنها سعت إلى إطالة أمد الحرب في مجلس الأمن؛ لتمكين إسرائيل من إنجاز مهمتها في التدمير والإبادة، حتى بدا لبعضنا أننا بصدد قدر مكتوب لا مفرّ منه، ولا سبيل إلى ردّه.

وصدّقنا الأكذوبة حتى انسقنا وراء الاحتلال وأصبحت غاية مرادنا أن تحتمل إسرائيل وجودنا في ظل ما سمّي بحلّ الدولتين. ومن المفارقات أن ما قبلنا به كارهين يرفضه النظام الإسرائيلي الرسمي جملة وتفصيلًا. ومن وزرائها من أعلن على الملأ أنهم يتطلعون في المستقبل إلى إقامة دولة يهودية تضم في حدودها ستّ دول عربية.

والأكثر دهشة أن ذلك الكلام الصادم لم يقابل بأي غضب يذكر من جانب الدول المشار إليها. الأدهى من ذلك والأمرّ أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب دخل على الخط بفتوى إسرائيلية خبيثة دعا فيها إلى تهجير فلسطينيي غزة و«استضافتهم» للأبد في مصر والأردن.

في هذا الصدد، لا مفرّ من الاعتراف بأن عملية طوفان الأقصى، سلطت أضواء كاشفة على الكثير مما يجري حولنا فلسطينيًا وإسرائيليًا، وعربيًا، وإقليميًا ودوليًا. وقد أتاح لنا ذلك أن نرى ما كان خافيًا أو مستورًا على تلك الجبهات. وكانت القوة الفلسطينية الكامنة مفاجئة لنا.

كما أن الاستعلاء والنشوة الإسرائيلية أغرتا بعض قياداتها بالجهر بما كان مسكوتًا عنه فيما يخصّنا. إذ تحدثوا علنًا عن ضمّ الضفة الغربية، التي نهبوها، للمستوطنين، بحيث تصبح جزءًا من دولتهم على غرار الجولان المحتل، وعن أرض إسرائيل التي سكنها اللبنانيون إلى غير ذلك من المعتقدات التي تربى أجيال الإسرائيليين عليها بأن العرب هم الوافدون الطارئون الذين سكنوا أرض إسرائيل.

***

مشكلتنا ليست مع الغلاة الذين يسوّقون الخرافات ويتعلّقون بالأساطير؛ لتبرير الاحتلال والتوسع فيه. لكنها مع العقلاء الذين لم يدركوا أن عالم ما بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، اختلف عن العالم الذي سبقه، وأن ثمة متغيرات جوهرية ملموسة لاحت بوادرها في العالم الجديد. ولإسرائيل التي فرضت علينا نصيبًا وافرًا من تلك المتغيرات، وثمة مؤشرات عدة دالة على ذلك؛ كتحوّلها إلى دولة منبوذة، تدينها العدالة الدولية، وتلاحق بأسوأ التهم التي تعرفها البشرية، وهي الإبادة الجماعية للفلسطينيين.

كما أن كبار مسؤوليها وجنودها معرّضون للملاحقة والاعتقال في العديد من دول العالم، بتهم ارتكاب جرائم حرب، الأمر الذي أدركته السلطات الإسرائيلية مؤخرًا، وبدأت في اتخاذ إجراءات جادّة لتحذيرِهم من ذلك الاحتمال.

لم نتحدث عن التفاعلات داخل إسرائيل بعد وقف القتال رغم اللغط المثار حولها، لكننا لا نحتاج إلى مزيد من الأدلة لكي نقرر أنها في عالم ما بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول أصبحت دولة سيئة السمعة بين أنصارها الذين حملوها طوال الوقت، حتى إن وحشيتها تفوقت في بعض الأحيان على أداء النظام النازي الذي يضرب به المثل في انتهاك إنسانية البشر، خصوصًا بعدما شاهدها الجميع في ذلك على الشاشات رأي العين.

تتعدد المعاني والرموز التي تثيرها العودة المهيبة من النازحين إلى بيوتهم في شمال غزة، ومنها ما يتجاوز شجون العودة وأحلامها على أهميتها. ذلك أن بعضها يتعلق بدور الأشقاء العرب في تعمير القطاع بعدما دعا الرئيس الأميركي إلى ضخّ ملياراتهم في تعمير كاليفورنيا بعد الحرائق التي اجتاحتها مؤخرًا.

الأبعد والأهم من ذلك أن اليقظة الفلسطينية الكبرى التي حدثت في طوفان الأقصى اعتبرها البعض ملهمة لتحولات عالم ما بعدها في الإقدام والجسارة على تحدي طواغيت قوى الهيمنة والظلم في العالم.

وهو ما يسوغ لبعض المحللين أن يربطوا بين تداعيات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، وبين إسقاط نظام الأسد في سوريا بكل جبروته وسلطانه، وهي ذات الجسارة التي شجعت جنوب أفريقيا على تحدي إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، وأجبرت المحكمة الجنائية الدولية على إصدار مذكرات اعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعها – رغم الضغوطات والتهديدات الدولية للمحكمة.

وهي ذاتها التي شجعت 8 من دول الجنوب على تشكيل مجموعة دولية قانونية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، إلى غير ذلك من التحركات التي تعلن التمرد على طغيان الدول الكبرى التي استأثرت بالقرار الدولي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في أربعينيات القرن الماضي.

***

من هذه الزاوية بوسعنا أن نقول إن طوفان الأقصى لم تكن إطلاقًا للقوة الكامنة للوطنية الفلسطينية في مواجهة التغوّل الإسرائيلي فحسب، ولكنها صارت علامة تاريخية فارقة على قدرة المستضعفين على تحدي قوى الطغيان والاستكبار في العالم.

وربما سجّلت الثورة الإسلامية في إيران نقطة في ذلك الملف قبل نحو نصف قرن، حين انطلقت بأهداف تضمنت تحدي الهيمنة الأميركية والإسرائيلية، ولكن الظروف الإقليمية والجغرافية لم تتحْ للتجربة أن تنضج وتؤتي ثمارها المرجوة آنذاك لأسباب يطول شرحها وتحتاج إلى دراسة منفصلة داخلية وخارجية خاصة.

ثمة حقيقة مهمة ينبغي أن نستخلصها مما نشاهده في هذا العالم الجديد، وهي أننا إزاء ظرف تاريخي له شواهده القوية جاهز لإطلاق طاقات التمرد على المخططات التي تسعى إلى تشكيل نظام عالمي جديد، بعدما انكشفت عورات نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي وقف صامتًا ومنحازًا إلى جانب قوى الاحتلال والإبادة.

وفيما يخصّنا على الأقل، فمن حقنا أن نرفض ونقاوم بكل السبل التهجير وسياسة ضم الضفة الغربية، بل وأن نرفض أيضًا حل الدولتين الذي يروج له البعض، في حين يرفضه الكنيست واليمين الإسرائيلي المدعوم شعبيًا. علمًا بأننا لسنا مضطرين للتنازل عن بعض أرضنا لغرباء مغامرين قادمين من بولندا وشيكاغو وغيرهما.

لم يعد لدينا خيار آخر سوى استيعاب مستجدات عالم ما بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، خاصة بعد أن أبطلت المقاومة الفلسطينية مشروع احتلال شمال غزة الذي تصور الجميع، بحكم مسلمات واقع الصراع منذ 1948، أنه قد سُلب أيضًا.

تتجاوز أهمية عودة النازحين الفلسطينيين إلى الشمال رمزية العودة في حد ذاتها. فهي ترسخ أمرًا آخر، جديدًا علينا -عربًا وفلسطينيين- وهو أنه بالإمكان عرقلة وإفشال الإرادة الإسرائيلية، بل وهزيمتها.

وهو إدراك حديث لدينا في معناه ورسالته شديدة الأهمية في الوعي الجمعي العربي، وأنه بالإمكان، فعلًا، وليس حُلمًا، (رغم الثمن الفادح) وقف واقع إسرائيلي يستهدف احتلال الأرض، وإجهاض مخططات إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط من جديد على مقاس توازن قوى عالم ما قبل طوفان الأقصى.

الجمعة، 27 ديسمبر 2024

سوريا: من الخوف إلى القلق

 سوريا: من الخوف إلى القلق


لأن الحدث السوري ذكّرنا بأشواق الربيع العربي وعثراته، فإننا نتمنى له أن يكون أفضل حظًا؛ لأن التجربة علمتنا أن شتاءنا العربي ليس مأمون العاقبة. ولأنه كان مفاجئًا ومدويًا وجاءنا من حيث لا نحتسب، فإنه استصحب سيلًا من الأسئلة داخل سوريا وخارجها.

وهي ليست مقصورة على ملابسات الحدث وخلفياته، لكنها انصبت ربما بدرجة أكبر على خيارات الحاضر، وطموحات المستقبل. لذلك ليس مستغربًا أن يتراجع الخوف، الذي كان عنوانًا للماضي، ليحل محله القلق ويصبح أحد عناوين المستقبل القريب على الأقل.

***

منذ وقع الزلزال وأدهشتنا المفاجأة، تداعت أمامنا قائمة طويلة من الأسئلة حول خلفيات القيادة السورية الجديدة وأهدافها. ولذلك دعوت إلى الاكتفاء بالرصد والمتابعة مع تجنب التسرع في إصدار الأحكام قبل أن يتبدد الغموض الذي أحاط بعملية إسقاط نظام بشار الأسد.

ولأنني ركزت على المتابعة، فقد لاحظت أن حديث القائد العام للإدارة الجديدة، أحمد الشرع، بدا مرتبًا ومتصالحًا مع الجميع ومعتدلًا في كلماته وهيئته. وهو ما تناقض مع كثافة اللحى التي أحاطت به، والجلابيب التي اختفت من ثياب الجالسين، كما العمائم التي كنا نراها على رؤوس المجاهدين من أقرانه. وهو ما أقنعني أنهم ينتمون إلى لون واحد، وإن تم إخراج الصورة على نحو يبعث على الاطمئنان.

إعلان

ولاحظت أن العلم السوري ظهر في زاوية المجلس، وإلى جواره علم هيئة تحرير الشام التي يمثلها. ولأنني كنت تحت تأثير انطباعي عن صور الخارجين من سجن صيدنايا، فإنني لم أسترح لإظهار علم الهيئة المذكورة واعتبرته خطأ في الإخراج لرجل ظهر كمتحدث باسم الثورة السورية، وليس بصفته رئيسًا للفصيل الذي يقوده.

ثم تجاوزت الموضوع ترجيحًا لحسن الظن، لكني رجعت إليه بعد أيام قليلة، حين وجدت أن الحضور على الشاشات صار مقصورًا على الشرع وبعض رفاقه، فوجدت أننا نرى على الشاشات الفريق ذاته، ولم أرَ الشعب السوري إلا خارجًا من السجون أو مهللًا في الميادين.

وبذلت جهدًا لاستبعاد خاطر إسقاط نظام الأسد واحتمال استبداله بنظام يتغير فيه اسم السلطان الجديد وهيئته، وهي الفكرة التي قاومتها بشدة؛ لأن الشعب السوري هو الذي انتصر في حقيقة الأمر، وليس هيئة تحرير الشام التي هي بعض منه، ولم نعرف أنها تمثله كله. بما يعني أنها حققت بعض الإنجاز، وجاءت بحكم الأمر الواقع المؤقت، وليس بانتخاب الشعب لها.

خشيت أن أكون قد وقعت في التسرع الذي حذرت منه، وتأثرت في ذلك بحساسية الصورة النمطية التي روجتها وسائل الإعلام للمجاهدين في أفغانستان، والقاعدة وتنظيم الدولة في بلاد الشام.

ثم إنني بنيت انطباعي متأثرًا بالصورة المنشورة للشرع مع مساعديه وبعض ضيوفه، بعد أن نبّهني أحد الأصدقاء ذوي الصلة، إلى أن للرجل لقاءات أخرى عديدة تم تصويرها وغير منشورة.

وأوضح أن الشرع حين كان في إدلب، التي شكل فيها حكومة انتقالية مؤقتة، لم يتوقف عن التواصل مع العديد من ممثلي مكونات المجتمع السوري. وهو يتبع النهج البراغماتي ذاته لطمأنة الجميع منذ وصل إلى دمشق، وأراد أن يُمهّد بذلك لانعقاد مؤتمر الحوار الوطني الذي أشار إليه في بعض لقاءاته ولم يتحدد موعده.


إذا نزعنا اسم سوريا من هذا المقال، فسنجد أن ثمة نماذج أخرى شبيهة جاهزة لشغل الفراغ. ولن يختفي من المقال شيء سوى اسم الكاتب                                           

 

ولأن الجراح أعمق من أن تُداوى بالكلمات المنمقة والمظاهر المطمئنة، فلم يكن ما قدمه الشرع كافيًا لتبديد القلق وإزالة كوامن الخوف الذي تيبّس في المجتمع السوري، بطبيعته السكانية التي يعز فيها التوافق الأهلي، بعدما مزق الاستبداد أواصره، وأشاع النفور بين مكوناته.

إعلان

صحيح أن بعض كتب التراث تحدثت عن «الطاعة الشامية» التي روج لها بعض علماء الشيعة الذين أرادوا الغمز في الأمويين بعد مقتل الإمام الحسين في كربلاء، إلا أن صفحة التمرد في عهد الأسد حافلة بالانتفاضات الشعبية في عدة محافظات.

ورغم تجليات الفرح في أنحاء البلاد بعد سقوط النظام، فإن ذلك لم يوقف التسرع في التعبير عن القلق، وهو ما تجلى في بيان أصدره بعض رجال الدين المسيحيين السوريين، ذكّروا فيه النظام الجديد، ربما بمناسبة الحديث عن كتابة دستور جديد، بحقوقهم وحضورهم كطائفة ومواطنين. وبيان آخر للعلويين عبروا فيه عن قلق مما أصابهم جراء انتساب الأسد إليهم. كذلك خرجت مظاهرة في دمشق تطالب بعلمانية الدولة الجديدة.

وهذا الذي حدث حتى الآن ليس سوى مقدمات للحراك المرتقب في الساحة السورية، إذ لا يُستبعد أن تختلف الصورة تدريجيًا بعد عودة وفود النازحين والمهاجرين الذين تركوا البلاد راغبين أو مكرهين خلال السنوات التي خلت. ولأن هؤلاء يُقدر عددهم بتسعة ملايين، فإن إضافة أعدادهم إلى الموجودين، حاملين معهم أشواقهم وثاراتهم وخبراتهم، خصوصًا في الدول الديمقراطية، على نحو قد يغير من ملامح المشهد.

وحين يستعيد الوطن أبناءه، تصبح قسمات وجهه أكثر وضوحًا، إذ نرى فيه حجم التنوع الفريد في مكوناته. فالشام واحد حقًا، لكن الشوام ليسوا كذلك. فالأغلبية من المسلمين السنة، ولغة الجميع عربية، وإن احتفظ البعض منهم باللغة الكردية، والبعض الآخر بالآرامية. والتعدد الأكبر في الأعراق والإثنيات إلى جانب اختلاف الملل والمذاهب، إذ يتوزعون بين الأكراد والعلويين والشيعة والسريان الآشوريين والشركس والأرناؤوط والدروز الإسماعيليين.

وتتوازى هذه الاختلافات العرقية والملّية مع تعدد الانتماءات الفكرية والسياسية. فمن بينهم معتدلون ودراويش ومتطرفون ومتَصوفون ومؤمنون وملحدون وشيوعيون. والاتجاه الإسلامي قوي وله حضوره التاريخي بين الجماهير، كما أن الاتجاه العلماني قوي أيضًا، وأنصاره أكثر حضورًا بين المثقفين، ومنهم من يعتبر الإسلاميين أعداء لهم.

إعلان

هذا التعدد والتنوع حاصل ليس فقط بين المكونات السكانية، لكنه موجود أيضًا داخل بعض التجمعات الأهلية. وعلى سبيل المثال، فإن تحالف الفصائل التي اشتركت في إسقاط النظام ضم حوالي 20 مجموعة تنتمي إلى ما يسمى بالإسلام الجهادي. وهؤلاء يختلفون مع زملائهم الذين ينتمون إلى جماعات تُنسب إلى الإسلام السياسي، أو نظيرهم الدعوي الذي لا شأن له بالسياسة، ولا أعرف لهم عددًا.

***

ليست خافية جسامة التركة التي خلفها النظام السابق، الذي حوَّل الدولة إلى فقاعة فارغة تهاوت وتبخرت خلال أيام معدودة. وما فعله النظام الجديد حتى الآن أنه حرَّر الآلاف الذين امتلأت بهم السجون، ولا يزال يسعى لتحرير المجتمع من الخوف والقهر والفقر.

وتلك مهمة أشبه ما تكون برحلة الألف ميل، التي تحفل بالتحديات الكامنة داخل البلاد وخارجها. وحلقاتها الأولى المحلية هي الأصعب، لأسباب أشرت إلى بعضها. ورغم أن البلد غني بكفاءاته في كل المجالات، فإن التوافق الوطني فيه يحتاج إلى جهد ووقت لتحقيقه؛ بسبب خلافات مكونات مجتمعه التي عمَّقتها سياسات النظام الاستبدادي السابق.

ولأن الاحتشاد الوطني مطلوب بشدة في مرحلة استحضار المجتمع لإقامة النظام الجديد، فإن تلك المهمة كانت أثقل من أن تقوم بها حكومة «الإنقاذ»، التي شكَّلتها هيئة تحرير الشام من عناصرها في إدلب.

أدري أن الشرع يبذل جهدًا كبيرًا لطمأنة الجميع، سواء بخطابه وأدائه التوافقي، أو من خلال التأكيد على طي صفحة الماضي، أو التنبيه إلى اختلاف فريقه عن الجماعات أو المليشيات الأخرى الموجودة في الساحة. لذلك ظل مهمًا ومحقًا التعليق الذي ورد على ألسنة كثير من المراقبين المنصفين، الذين اختزلوه في جملة واحدة: العبرة بالأفعال لا بالأقوال. وأُسجل في هذا الصدد ملاحظتين؛ إحداهما عن الأصداء الداخلية، والأخرى تتعلق بنظيرتها الخارجية.

إعلان

الملاحظة الأولى:

أعتذر في الملاحظة الأولى عن التعليق على الأصداء الداخلية؛ لأن سوريا الحقيقية في وجداننا هي لكل العرب. ومن ثم أسمح لنفسي أن أقول إن الخلاف المثار حول هوية الدولة، وهل ستكون إسلامية أو علمانية، ترف لا يجوز الاختلاف حوله الآن، لأسباب عدة أهمها أنه يُفترض أن تكون هناك أولًا دولة حقيقية يمكن الاختلاف حول تفاصيلها. والدولة الحقيقية كما أفهمها هي تلك التي تقوم على العدالة والحرية.

وسوريا القائمة الآن هي شبه دولة، أو بالكاد شبه ضيعة أو عزبة، بحاجة إلى جهد شاق وعمل دؤوب تتضافر فيه كل القوى لإعادة البناء الذي يقوم فيه العدل، وتشيع أجواء الحرية والكرامة لكل المواطنين، من خلال مؤسسات ينتخبها المجتمع، وليس من خلال موالين تنتقيهم السلطة، وخطب وهتافات ترددها وسائل الإعلام.

ولسنا بحاجة إلى أن نستعيد الجرائم التي ارتُكبت حولنا باسم أنبل الشعارات وأعذب الكلمات. وللعلم، فإن نظام الأسد كان «علمانيًا» متطرفًا، كما أن تجاوزات تنظيم الدولة تمت باسم الخلافة الإسلامية.

الملاحظة الثانية:

تتعلق برسائل الوفود الغربية التي هُرعت إلى دمشق مؤخرًا والنصائح التي قدمتها، وهي تتحرى مصالحها. إذ القاسم المشترك بينها أنها سعت إلى تغريب النظام الجديد، باعتبار أن النموذج الغربي هو المثل الأعلى الذي يتعين احتذاؤه. حتى إن مراسل الإذاعة البريطانية حرص على الاطمئنان على موقفهم إزاء الكحوليات وحجاب المرأة، بعد الحديث عن الأقليات التي تعيش هناك منذ قرون.

وهؤلاء الناصحون قدِموا من بلاد التزمت أنظمتها بالصمت المريب (أو التواطؤ) إزاء الإبادة الإسرائيلية والمقابر الجماعية والتجويع، ونهش الكلاب الضالة لجثث الفلسطينيين الملقاة على الجانب الآخر من الحدود في غزة.

إن الغُمَّة السورية التي أسعدنا انقشاعها ليست استثناءً نادرًا في عالمنا العربي، لكنها حالة قصوى لنماذج شبيهة أخرى متناثرة حولنا. قد تختلف فيها الدرجة، لكنها من نفس النوع. لذلك، إذا نزعنا اسم سوريا من هذا المقال، فسنجد أن ثمة نماذج أخرى شبيهة جاهزة لشغل الفراغ. ولن يختفي من المقال شيء سوى اسم الكاتب.


إعلان