قراءة في كتاب أزمة الخليج، العرب وإيران: وهم الصراع ووهم الوفاق
كتاب أزمة الخليج - العرب و إيران
المؤلف:فهمي هويدي
نبذة عن الكتاب:
دول الخليج العربى
العالم العربي إيران
اسرائيل التعاون الاقتصادى
يرى الكاتب في النهاية أن الحل يكمن في مقاربة السلام والتعايش المصلحي الضروري، وذلك بتغليب لغة الحوار: الانتقال من "إدارة الصراع" إلى "إدارة المصالح".
قراءة ونيس المبروك*
بين وهم الصراع ووهم الوفاق: قراءة في رؤية فهمي هويدي للعلاقات العربية الإيرانية
قراءة مختصرة في أهم افكار كتاب "أزمة الخليج، العرب وإيران: وهم الصراع ووهم الوفاق" للمفكر والصفحي المعروف فهمي هويدي، بتصرف يسير في التعبير عنها مع التأكيد بأن هذه الأفكار لا تغني بأي حال عن مطالعة الكتاب من مقدمته لخاتمته، والتأكيد أيضا بأن تشجيعي على مطالعة الكتاب لا تعني موافقتي لماجاء فيه بخاصة بعض استنتاجاته وتحليلاته، ولكني أراه كتابا مهما، ولعله يعين في إضاءة زوايا مهمة في الوعي ببعض جذور هذه العلاقة المعقدة.
الكتاب صدر عن دار الشروق وكانت طبعته الأولى عام 1991م، وقد كتبه بعد تكليف من مركز دراسات العالم الإسلامي في مالطا عام 89م ، ثم تم تقديمه في ندوة بطرابلس، ثم طور الكتاب وزاده حتى خرج في نسخته الأخيرة، وهو من الكتب المهمة في متابعة سردية وحقائق الصراع من خلال رصد محطات رئيسة، ويحاول في هذا الكتاب شرح العلاقة المُركبة بين دولة إيران وجيرانها.
وفيما يلي أهم أفكار الكتاب
1 ـ يرى الأستاذ فهمي أن الشرق الأوسط يقوم على ثلاثة أعمدة كبرى وهي مصر وتركيا وإيران، وأن أعمدة منطقة الخليج هي السعودية والعراق وإيران، فإيران قاسم مشترك بين هذه الأعمدة، وكيف أدت الحرب العراقية الإيرانية والعراقية الكويتية إلى إعادة توازن القوى في المنطقة، وأن "جوهر" الخلاف ليس خلافا سنيا شيعيا، بمعنى أنه ليس خلافا طائفيا بالأساس، ولكنه صراع سياسي بالدرجة الأولى ثم تم إلباسه ثوبا دينيا طائفيا، كعادة بعض الأنظمة في استخدام واستجلاب التاريخ (الذي يعتبره هويدي حمّال أوجه فيمكن لكل فريق جلب حجج تاريخية لمناصرة رأيه) وكذلك استعمال المذاهب العقدية لتعبئة الجماهير وتبرير الصراع والصدام، كما فعل صدام عندما أسمى معركته ضد إيران "القادسية" التي كانت بين المسلمين و(الفرس)، وما تبع ذلك من تأليف كتاب "وجاء دور المجوس" وكتاب عبد الله القصيمي بعنوان "الصراع بين الإسلام والوثنية" مشيرا إلى الصراع العربي الإيراني!!
بينما يرى هويدي أن المحرك الأساسي للصراع هو تقاطع المصالح والنفوذ والتوسع الإقليمي، وقد أشار هويدي إلى أربعة عوامل ساعدت في ذلك، وأن علاقات الأمم بعد نضوج التجربة الإنسانية تجاوز طور القبيلة إلى منطق الدولة التي لا تحكمها خصومات الماضي وثاراته ومراراته، إنما تنهض على أساس حسابات المصالح وطموح المستقبل.
2 ـ عند شرحه للمقصود بمصطلح "وهم الصراع" بيّن أن التسليم بأبدية الصراع الصفري وحتمية الحرب هي فكرة خطيرة تخدم المشروع الصهيوني أكثر مما تخدم كل شعوب المنطقة من المسلمين وغيرهم، وفي الوقت نفسه فإنه يرى أن هناك تخوف من "وهم الوفاق" ويقصد تلك النظرة السطحية العاطفية التي تتجاهل أو تتغافل عن الملفات الاستراتيجية المعقدة بين إيران وجيرانها، مثل الجزر، والتوسع، والتدخل في الشأن الداخلي عبر وكيل طائفي، وقد طرح هويدي سؤالا: أين تكمن الإشكالية؟ ووضع أربعة احتمالات لهذا الإشكال وناقشها، وخلص بأن الصراع سياسي استراتيجي، ويمكن مراجعة تلك الاحتمالات في الكتاب .
3 ـ تعرض الكتاب في أحد مباحثه للعلاقة التاريخية بين مصر وإيران، منذ عصر الإخمينيين في القرن السابع قبل الميلاد، مرورا بظهور الإسلام، ثم العهد الفاطمي والأيوبي والعثماني، ثم تجربة تقريب المذاهب التي توجت بقرار شيخ الأزهر شلتوت بالاعتراف بالمذهب الجعفري كمذهب فقهي معتبر، ثم أزمة العلاقة المصرية الإيرانية بعدها، ويؤكد هويدي على بعض المحددات في هذه العلاقة، ومنها: أن إيران بلد جار ولا يمكن جغرافيا تجاوز هذه الحقيقة والتعامل معها، كما أن هناك تراثا وإرثا حضاريا وإسلاميا مشتركا يربط الشعوب العربية بالشعب الإيراني أعمق بكثير من الخلافات السياسية العارضة، وأن الأمن في منطقة الخليج لا يمكن تحقيقه باستبعاد إيران أو بالتحالف ضدها مع قوى دولية، وأن هذا الأمن الاستراتيجي لا يتم إلا عبر نظام أمن إقليمي يشترك ويشارك فيه الجميع .
4 ـ أفرد الكاتب جزءا من كتابه للحديث عن الثورة الإيرانية 79م، وكيف أحدثت زلزالاً في المنطقة، حيث تحولت إيران من "شرطي المنطقة" المتحالف مع الغرب في عهد الشاه، إلى قوة توسعية تسعى لتصدير الثورة وتحدي الأنظمة القائمة، مما أدى إلى حالة من الخوف والتحفظ الشديد من الجانب العربي وزادت الفجوة في العلاقة العربية الإيرانية، مع ملاحظة أن الكاتب لم يواكب ما جرى من أحداث في الآونة الأخيرة من الأعمال التي قامت بها إيران في سوريا والعراق واليمن وأفغانستان، وضربها لدول الخليج الآن، لاشك أن كل تلك الأحداث والوقائع تعيد تشكيل صورة الصراع وأبعاده، مع تأكيد هويدي على أن لإيران القومية العلمانية مشروعها ورؤيتها، ولإيران الإسلامية مشروعها ورؤيتها، وعلينا فهم الفروق والبناء عليها.
5 ـ يرى الكاتب في النهاية أن الحل يكمن في مقاربة السلام والتعايش المصلحي الضروري، وذلك بتغليب لغة الحوار: الانتقال من "إدارة الصراع" إلى "إدارة المصالح". ومحاولة تحجيم البعد الطائفي: وذلك بالتوقف عن شحن النفوس مذهبياً والتركيز على القضايا السياسية والقانونية القابلة للتفاوض. وكذلك الاستقلالية: بأن يمتلك العرب وإيران إرادة سياسية مستقلة لحل نزاعهم وإدارة مصالحهم، بعيداً عن التدخلات الدولية التي تقتات على استمرار النزاع.
سبق لي زيارة الأستاذ فهمي في بيته بالقاهرة وحاورته طويلا عن منهجيته وعلاقته بالفكر والصحافة، ثم التقينا في أكثر من مناسبة ومؤتمر، وهو رجل يحترم قلمه فلا يجريه في موضوع لم يستوف حقه، كما يحترم عقل القارىء، فلايقدم له غثا، ويبذل جهدا مضنيا في جمع المعلومات وتبويبها وتنقيحها بنفسه، ولا يكتفي بمنهجية "تكديس الشظايا" ثم تمريرها عبر بيان يخفي عيبها، وهذا جهد يستحق ـ بل يستوجب ـ المطالعة وإن اختلفنا معه .
*كاتب وباحث ليبي
الكتاب صدر عن دار الشروق وكانت طبعته الأولى عام 1991م، وقد كتبه بعد تكليف من مركز دراسات العالم الإسلامي في مالطا عام 89م ، ثم تم تقديمه في ندوة بطرابلس، ثم طور الكتاب وزاده حتى خرج في نسخته الأخيرة، وهو من الكتب المهمة في متابعة سردية وحقائق الصراع من خلال رصد محطات رئيسة، ويحاول في هذا الكتاب شرح العلاقة المُركبة بين دولة إيران وجيرانها.
وفيما يلي أهم أفكار الكتاب
1 ـ يرى الأستاذ فهمي أن الشرق الأوسط يقوم على ثلاثة أعمدة كبرى وهي مصر وتركيا وإيران، وأن أعمدة منطقة الخليج هي السعودية والعراق وإيران، فإيران قاسم مشترك بين هذه الأعمدة، وكيف أدت الحرب العراقية الإيرانية والعراقية الكويتية إلى إعادة توازن القوى في المنطقة، وأن "جوهر" الخلاف ليس خلافا سنيا شيعيا، بمعنى أنه ليس خلافا طائفيا بالأساس، ولكنه صراع سياسي بالدرجة الأولى ثم تم إلباسه ثوبا دينيا طائفيا، كعادة بعض الأنظمة في استخدام واستجلاب التاريخ (الذي يعتبره هويدي حمّال أوجه فيمكن لكل فريق جلب حجج تاريخية لمناصرة رأيه) وكذلك استعمال المذاهب العقدية لتعبئة الجماهير وتبرير الصراع والصدام، كما فعل صدام عندما أسمى معركته ضد إيران "القادسية" التي كانت بين المسلمين و(الفرس)، وما تبع ذلك من تأليف كتاب "وجاء دور المجوس" وكتاب عبد الله القصيمي بعنوان "الصراع بين الإسلام والوثنية" مشيرا إلى الصراع العربي الإيراني!!
بينما يرى هويدي أن المحرك الأساسي للصراع هو تقاطع المصالح والنفوذ والتوسع الإقليمي، وقد أشار هويدي إلى أربعة عوامل ساعدت في ذلك، وأن علاقات الأمم بعد نضوج التجربة الإنسانية تجاوز طور القبيلة إلى منطق الدولة التي لا تحكمها خصومات الماضي وثاراته ومراراته، إنما تنهض على أساس حسابات المصالح وطموح المستقبل.
2 ـ عند شرحه للمقصود بمصطلح "وهم الصراع" بيّن أن التسليم بأبدية الصراع الصفري وحتمية الحرب هي فكرة خطيرة تخدم المشروع الصهيوني أكثر مما تخدم كل شعوب المنطقة من المسلمين وغيرهم، وفي الوقت نفسه فإنه يرى أن هناك تخوف من "وهم الوفاق" ويقصد تلك النظرة السطحية العاطفية التي تتجاهل أو تتغافل عن الملفات الاستراتيجية المعقدة بين إيران وجيرانها، مثل الجزر، والتوسع، والتدخل في الشأن الداخلي عبر وكيل طائفي، وقد طرح هويدي سؤالا: أين تكمن الإشكالية؟ ووضع أربعة احتمالات لهذا الإشكال وناقشها، وخلص بأن الصراع سياسي استراتيجي، ويمكن مراجعة تلك الاحتمالات في الكتاب .
3 ـ تعرض الكتاب في أحد مباحثه للعلاقة التاريخية بين مصر وإيران، منذ عصر الإخمينيين في القرن السابع قبل الميلاد، مرورا بظهور الإسلام، ثم العهد الفاطمي والأيوبي والعثماني، ثم تجربة تقريب المذاهب التي توجت بقرار شيخ الأزهر شلتوت بالاعتراف بالمذهب الجعفري كمذهب فقهي معتبر، ثم أزمة العلاقة المصرية الإيرانية بعدها، ويؤكد هويدي على بعض المحددات في هذه العلاقة، ومنها: أن إيران بلد جار ولا يمكن جغرافيا تجاوز هذه الحقيقة والتعامل معها، كما أن هناك تراثا وإرثا حضاريا وإسلاميا مشتركا يربط الشعوب العربية بالشعب الإيراني أعمق بكثير من الخلافات السياسية العارضة، وأن الأمن في منطقة الخليج لا يمكن تحقيقه باستبعاد إيران أو بالتحالف ضدها مع قوى دولية، وأن هذا الأمن الاستراتيجي لا يتم إلا عبر نظام أمن إقليمي يشترك ويشارك فيه الجميع .
4 ـ أفرد الكاتب جزءا من كتابه للحديث عن الثورة الإيرانية 79م، وكيف أحدثت زلزالاً في المنطقة، حيث تحولت إيران من "شرطي المنطقة" المتحالف مع الغرب في عهد الشاه، إلى قوة توسعية تسعى لتصدير الثورة وتحدي الأنظمة القائمة، مما أدى إلى حالة من الخوف والتحفظ الشديد من الجانب العربي وزادت الفجوة في العلاقة العربية الإيرانية، مع ملاحظة أن الكاتب لم يواكب ما جرى من أحداث في الآونة الأخيرة من الأعمال التي قامت بها إيران في سوريا والعراق واليمن وأفغانستان، وضربها لدول الخليج الآن، لاشك أن كل تلك الأحداث والوقائع تعيد تشكيل صورة الصراع وأبعاده، مع تأكيد هويدي على أن لإيران القومية العلمانية مشروعها ورؤيتها، ولإيران الإسلامية مشروعها ورؤيتها، وعلينا فهم الفروق والبناء عليها.
5 ـ يرى الكاتب في النهاية أن الحل يكمن في مقاربة السلام والتعايش المصلحي الضروري، وذلك بتغليب لغة الحوار: الانتقال من "إدارة الصراع" إلى "إدارة المصالح". ومحاولة تحجيم البعد الطائفي: وذلك بالتوقف عن شحن النفوس مذهبياً والتركيز على القضايا السياسية والقانونية القابلة للتفاوض. وكذلك الاستقلالية: بأن يمتلك العرب وإيران إرادة سياسية مستقلة لحل نزاعهم وإدارة مصالحهم، بعيداً عن التدخلات الدولية التي تقتات على استمرار النزاع.
سبق لي زيارة الأستاذ فهمي في بيته بالقاهرة وحاورته طويلا عن منهجيته وعلاقته بالفكر والصحافة، ثم التقينا في أكثر من مناسبة ومؤتمر، وهو رجل يحترم قلمه فلا يجريه في موضوع لم يستوف حقه، كما يحترم عقل القارىء، فلايقدم له غثا، ويبذل جهدا مضنيا في جمع المعلومات وتبويبها وتنقيحها بنفسه، ولا يكتفي بمنهجية "تكديس الشظايا" ثم تمريرها عبر بيان يخفي عيبها، وهذا جهد يستحق ـ بل يستوجب ـ المطالعة وإن اختلفنا معه .
*كاتب وباحث ليبي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق