‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مظفر حبيبوليف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مظفر حبيبوليف. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 29 سبتمبر 2024

الحرب على غزة ومرآة جورج أورويل.. كيف تحول الخيال إلى حقيقة مظلمة؟

 

الحرب على غزة ومرآة جورج أورويل.. كيف تحول الخيال إلى حقيقة مظلمة؟



مظفر حبيبوليف
كاتب وطالب دكتوراة في الأدب من أوزبكستان


تظل رواية "1984" لجورج أورويل بلا شك واحدة من أكثر الأعمال الأدبية شهرة وتأثيرًا. ولعل ما يميز هذه الرواية بشكل خاص عن غيرها من الأعمال الأدبية المكتوبة باللغة الإنجليزية هو الكم الكبير من المصطلحات والتعابير التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من اللغة والثقافة الإنجليزية. ربما كانت هذه إحدى أعظم هدايا أورويل للبشرية: لغة جديدة يمكن من خلالها وصف العصر الحديث الذي يسيطر عليه الرقابة الحكومية، الأخبار الزائفة، وسياسة ما بعد الحقيقة التي نشهدها اليوم. عندما يُقال إن سياسة أو تصرفات حكومة ما هي "أورويلية"، يفهم الجميع بوضوح ما يعنيه هذا الوصف.

إحدى العبارات الشهيرة من "1984" التي قد تكون مألوفة للكثيرين، حتى لأولئك الذين لم يقرأوا الرواية، هي: 

"يأتي وقت في مسيرة التاريخ يُعاقب فيه بالموت من يتجرأ أن يقول إن مجموع اثنين واثنين هو أربعة". 

ومع أن هذه الكلمات ليست من تأليف أورويل، بل هي اقتباس من رواية "الطاعون" للروائي الفرنسي ألبير كامو التي نُشرت عام 1947، قبل رواية "1984" بعامين، إلا أنها بالطبع، فكرة "اثنان زائد اثنان يساوي خمسة" لها جذور تسبق كلا من أورويل وكامو.

ولا داعي اليوم لأن نتخيل عالماً يصبح فيه الكذب هو الحقيقة بفعل الهيمنة والإخضاع، لأننا بالفعل نعيش في عالم مُعولم يخضع لرقابة صارمة، حيث الناس مبرمجون ومحكومون ومهيؤون لقبول عبوديتهم وأوهامهم. 

عالم من التضليل والتزوير واسع النطاق، حيث يمكن أن يصبح "2+2=5" حقيقة معترف بها، والحرية ليست إلا وهماً. هذا الواقع المعاصر بات يتحول تدريجياً إلى تجسيد حي لما كان يعتبر في الماضي خيالاً أدبياً.

فاليوم، تشن حرب وحشية صريحة واضحة المعالم على غزة، ورغم ذلك ما زالت أغلب الحكومات التي تدعي بأنها ديمقراطية تتجاهل أن هناك إبادة، وتسخر سياستها وممارساتها لتمجيد القاتل وسحق الحقيقة مع المقتول. 

ولعل بشاعة الواقع اليوم، تفوق خيال أورويل في رواية 1984، حيث لا داعي لوجود وزارة الحقيقة، فأكبر المؤسسات الإعلامية الغربية مع الأحداث الدولية تتعامل بمنطق ازدواجي يخلو من العدالة منذ بداية الحرب على غزة، فتلك المؤسسات تستغل تاريخها المزعوم في صناعة الأخبار بموضوعية، لقلب الحقيقة التي تناسب سياسة دولها، فمنذ اندلاع حرب الإبادة الوحشية على غزة، يُمكن العثور على آلاف الأمثلة التي تميع الحقيقة وقلبها في الإعلام الغربي، ولنأخذ مثالاً بسيطاً من صحيفة نيويورك تايمز، حيث يقول عنوانٌ: " الحرب والأمراض قد تقتل 85 ألف فلسطيني في غزة خلال ستة أشهر ". بشكل فج قرر محررو الصحيفة تجاهل أن الكارثة المحتملة من الأمراض ونقص المياه والموت المتفشي ليست سوى نتائج مباشرة للحرب الشاملة التي تشنها إسرائيل من البر والجو والبحر، بالإضافة إلى الحصار الخانق المفروض على غزة منذ أكثر من نصف عام، وكأنهم يحاولون تحميل غزة بمن فيها وزر ما يحدث، وتبييض وتبرئة المحتل بعدم ذكر اسمه في العنوان.

في "1984"، قدم أورويل مفهوم وزارة الحقيقة، وهي مؤسسة حكومية مسؤولة عن تعديل السجلات التاريخية، وإعادة صياغة الأخبار لتتوافق مع مصالح النظام. 

الشعار الشهير "الحرب هي السلام، الحرية هي العبودية، الجهل هو القوة"، ولا أعتقد أن من الصعب إسقاط تلك التخيلات الأدبية على واقعنا اليوم، إذ يشهد العالم كيف أن الإمبراطورية التي تهيمن على مفاصل العالم تسعى لقلب المفاهيم رأسًا على عقب لتخدم مصالحها. 

في يومنا هذا، نرى كيف يتم التلاعب بالحقائق حول الحرب على غزة بشكل مشابه، حيث تُصور المقاومة الفلسطينية على أنها الإرهاب، بينما يُبرر إجرام الاحتلال العسكري على أنه دفاع عن النفس. هذه الاستراتيجيات ليست بعيدة عن تلك التي وصفها أورويل؛ حيث يتم إعادة كتابة الواقع ليتماشى مع رواية القوة المهيمنة.

الحرب على غزة تشهد اليوم نفس التلاعب بالحقيقة الذي تنبأ به أورويل. إذ يتم قمع المعلومات، وتحريف الوقائع، ونشر الدعاية لتشويه صورة الضحية وتبرئة الجاني. كما قال أورويل: 

"إذا كانت جميع السجلات تحكي نفس القصة، فإن الكذبة تصبح حقيقة وتبقى كذلك إلى الأبد." 

هذا الاقتباس يتجسد اليوم في الإعلام الغربي الذي غالبًا ما يتجاهل أو يقلِّل من حجم المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون، ويصور الاحتلال وكأنَّه فعل دفاعي مشروع.

في "1984"، كان هناك مصطلح "جريمة الفكر" الذي يعاقب عليه كل من يفكر بشكل مخالف لما تفرضه الدولة. وبالعودة لواقعنا، نرى بكل وضوح العديد من الأمثلة حيث يتم وصف أي محاولة لكشف حقيقة حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين أو لوقف المذبحة التي راح ضحيتها أكثر من 40 ألف من الفلسطينيين بأنها "تحيز" أو "دعم للإرهاب"، ويتم التحقيق والتضييق على كل من يحاول أن يقول لا للمذبحة في بلاد تزعم أن تنعم بالديمقراطية وحرية التعبير، كألمانيا وغيرها.

 بهذا الشكل، يتم قمع أي محاولة لنشر الحقيقة، ويُعاد تشكيل الرأي العام ليقبل بالنسخة المشوهة التي تروج لها وسائل الإعلام الكبرى.

لقد صحب أورويل القرّاء إلى عالم خيالي مُرعب يعيش الناس فيه في ظروف مأساوية، حيث ترصدهم شاشات المراقبة على الدوام، ففي رواية أورويل، كانت شاشات المراقبة تراقب الناس على الدوام، مما جعل الرقابة جزءًا لا يتجزأ من حياتهم. 

اليوم، لا تختلف الأمور كثيرًا؛ فالرقابة الإلكترونية والرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت وسيلة فعالة لقمع الأصوات التي تحاول فضح الحقيقة. فيتم حظر المحتوى، وتوجيه الخوارزميات لتسليط الضوء على الأخبار التي تخدم الرواية السائدة، تمامًا كما كان يفعل النظام في عالم أورويل.

يبدو أن عالم أورويل الخيالي قد أصبح واقعًا نعيشه اليوم. 

إن الحرب على غزة ليست حرب فقط على الفلسطينيين، بل هي أيضًا حرب على الحقيقة، حيث يتم تزوير الواقع لخدمة الإمبراطورية الغربية ومصالحها عن طريق التلاعب بالحقائق وقمع الأصوات الناقدة أصبح جزءًا من اللعبة الكبرى التي تسيطر على العالم اليوم، مما يجعلنا نتساءل: هل نحن حقًا أحرار في واقعنا؟

الأربعاء، 11 سبتمبر 2024

الحرب على غزة ومرآة جورج أورويل.. كيف تحول الخيال إلى حقيقة مظلمة؟

الحرب على غزة ومرآة جورج أورويل.. كيف تحول الخيال إلى حقيقة مظلمة؟

كاتب وطالب دكتوراة في الأدب من أوزبكستان

ظل رواية "1984" لجورج أورويل بلا شك واحدة من أكثر الأعمال الأدبية شهرة وتأثيرًا. ولعل ما يميز هذه الرواية بشكل خاص عن غيرها من الأعمال الأدبية المكتوبة باللغة الإنجليزية هو الكم الكبير من المصطلحات والتعابير التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من اللغة والثقافة الإنجليزية. ربما كانت هذه إحدى أعظم هدايا أورويل للبشرية: لغة جديدة يمكن من خلالها وصف العصر الحديث الذي يسيطر عليه الرقابة الحكومية، الأخبار الزائفة، وسياسة ما بعد الحقيقة التي نشهدها اليوم. عندما يُقال إن سياسة أو تصرفات حكومة ما هي "أورويلية"، يفهم الجميع بوضوح ما يعنيه هذا الوصف.

إحدى العبارات الشهيرة من "1984" التي قد تكون مألوفة للكثيرين، حتى لأولئك الذين لم يقرأوا الرواية، هي: "يأتي وقت في مسيرة التاريخ يُعاقب فيه بالموت من يتجرأ أن يقول إن مجموع اثنين واثنين هو أربعة". ومع أن هذه الكلمات ليست من تأليف أورويل، بل هي اقتباس من رواية "الطاعون" للروائي الفرنسي ألبير كامو التي نُشرت عام 1947، قبل رواية "1984" بعامين، إلا أنها بالطبع، فكرة "اثنان زائد اثنان يساوي خمسة" لها جذور تسبق كلا من أورويل وكامو.

ولا داعي اليوم لأن نتخيل عالماً يصبح فيه الكذب هو الحقيقة بفعل الهيمنة والإخضاع، لأننا بالفعل نعيش في عالم مُعولم يخضع لرقابة صارمة، حيث الناس مبرمجون ومحكومون ومهيؤون لقبول عبوديتهم وأوهامهم. عالم من التضليل والتزوير واسع النطاق، حيث يمكن أن يصبح "2+2=5" حقيقة معترف بها، والحرية ليست إلا وهماً. هذا الواقع المعاصر بات يتحول تدريجياً إلى تجسيد حي لما كان يعتبر في الماضي خيالاً أدبياً.

فاليوم، تشن حرب وحشية صريحة واضحة المعالم على غزة، ورغم ذلك ما زالت أغلب الحكومات التي تدعي بأنها ديمقراطية تتجاهل أن هناك إبادة، وتسخر سياستها وممارساتها لتمجيد القاتل وسحق الحقيقة مع المقتول. ولعل بشاعة الواقع اليوم، تفوق خيال أورويل في رواية 1984، حيث لا داعي لوجود وزارة الحقيقة، فأكبر المؤسسات الإعلامية الغربية مع الأحداث الدولية تتعامل بمنطق ازدواجي يخلو من العدالة منذ بداية الحرب على غزة، فتلك المؤسسات تستغل تاريخها المزعوم في صناعة الأخبار بموضوعية، لقلب الحقيقة التي تناسب سياسة دولها، فمنذ اندلاع حرب الإبادة الوحشية على غزة، يُمكن العثور على آلاف الأمثلة التي تميع الحقيقة وقلبها في الإعلام الغربي، ولنأخذ مثالاً بسيطاً من صحيفة نيويورك تايمز، حيث يقول عنوانٌ: " الحرب والأمراض قد تقتل 85 ألف فلسطيني في غزة خلال ستة أشهر ". بشكل فج قرر محررو الصحيفة تجاهل أن الكارثة المحتملة من الأمراض ونقص المياه والموت المتفشي ليست سوى نتائج مباشرة للحرب الشاملة التي تشنها إسرائيل من البر والجو والبحر، بالإضافة إلى الحصار الخانق المفروض على غزة منذ أكثر من نصف عام، وكأنهم يحاولون تحميل غزة بمن فيها وزر ما يحدث، وتبييض وتبرئة المحتل بعدم ذكر اسمه في العنوان.

في "1984"، قدم أورويل مفهوم وزارة الحقيقة، وهي مؤسسة حكومية مسؤولة عن تعديل السجلات التاريخية، وإعادة صياغة الأخبار لتتوافق مع مصالح النظام. الشعار الشهير "الحرب هي السلام، الحرية هي العبودية، الجهل هو القوة"، ولا أعتقد أن من الصعب إسقاط تلك التخيلات الأدبية على واقعنا اليوم، إذ يشهد العالم كيف أن الإمبراطورية التي تهيمن على مفاصل العالم تسعى لقلب المفاهيم رأسًا على عقب لتخدم مصالحها. في يومنا هذا، نرى كيف يتم التلاعب بالحقائق حول الحرب على غزة بشكل مشابه، حيث تُصور المقاومة الفلسطينية على أنها الإرهاب، بينما يُبرر إجرام الاحتلال العسكري على أنه دفاع عن النفس. هذه الاستراتيجيات ليست بعيدة عن تلك التي وصفها أورويل؛ حيث يتم إعادة كتابة الواقع ليتماشى مع رواية القوة المهيمنة.

الحرب على غزة تشهد اليوم نفس التلاعب بالحقيقة الذي تنبأ به أورويل. إذ يتم قمع المعلومات، وتحريف الوقائع، ونشر الدعاية لتشويه صورة الضحية وتبرئة الجاني. كما قال أورويل: "إذا كانت جميع السجلات تحكي نفس القصة، فإن الكذبة تصبح حقيقة وتبقى كذلك إلى الأبد." هذا الاقتباس يتجسد اليوم في الإعلام الغربي الذي غالبًا ما يتجاهل أو يقلِّل من حجم المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون، ويصور الاحتلال وكأنَّه فعل دفاعي مشروع.

في "1984"، كان هناك مصطلح "جريمة الفكر" الذي يعاقب عليه كل من يفكر بشكل مخالف لما تفرضه الدولة. وبالعودة لواقعنا، نرى بكل وضوح العديد من الأمثلة حيث يتم وصف أي محاولة لكشف حقيقة حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين أو لوقف المذبحة التي راح ضحيتها أكثر من 40 ألف من الفلسطينيين بأنها "تحيز" أو "دعم للإرهاب"، ويتم التحقيق والتضييق على كل من يحاول أن يقول لا للمذبحة في بلاد تزعم أن تنعم بالديمقراطية وحرية التعبير، كألمانيا وغيرها.

 بهذا الشكل، يتم قمع أي محاولة لنشر الحقيقة، ويُعاد تشكيل الرأي العام ليقبل بالنسخة المشوهة التي تروج لها وسائل الإعلام الكبرى.

لقد صحب أورويل القرّاء إلى عالم خيالي مُرعب يعيش الناس فيه في ظروف مأساوية، حيث ترصدهم شاشات المراقبة على الدوام، ففي رواية أورويل، كانت شاشات المراقبة تراقب الناس على الدوام، مما جعل الرقابة جزءًا لا يتجزأ من حياتهم. اليوم، لا تختلف الأمور كثيرًا؛ فالرقابة الإلكترونية والرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت وسيلة فعالة لقمع الأصوات التي تحاول فضح الحقيقة. فيتم حظر المحتوى، وتوجيه الخوارزميات لتسليط الضوء على الأخبار التي تخدم الرواية السائدة، تمامًا كما كان يفعل النظام في عالم أورويل.

يبدو أن عالم أورويل الخيالي قد أصبح واقعًا نعيشه اليوم. إن الحرب على غزة ليست حرب فقط على الفلسطينيين، بل هي أيضًا حرب على الحقيقة، حيث يتم تزوير الواقع لخدمة الإمبراطورية الغربية ومصالحها عن طريق التلاعب بالحقائق وقمع الأصوات الناقدة أصبح جزءًا من اللعبة الكبرى التي تسيطر على العالم اليوم، مما يجعلنا نتساءل: هل نحن حقًا أحرار في واقعنا؟



 المصدر:عربي بوست



الأربعاء، 13 مارس 2024

رمضان في أوزبكستان.. هكذا يمر الشهر الكريم ببلاد الإمام البخاري

 

رمضان في أوزبكستان.. هكذا يمر الشهر الكريم ببلاد الإمام البخاري


مظفر حبيبوليف
كاتب وطالب دكتوراة في الأدب من أوزبكستان


في قلب آسيا الوسطى، تتكشف أوزبكستان كأرض ذات تاريخ رائع ونسيج ثقافي غني. من بين تقاليدها العديدة، يحتل شهر رمضان المبارك مكانة ذات أهمية عميقة، حيث يكون بمثابة شهادة حية على صمود شعب وثقافته وإيمانه الدائم، فشهر رمضان في أوزبكستان هو ليس مجرد طقس ديني بل قصة مستمرة عن كيفية الحفاظ على الإيمان والثقافة والهوية، مما يجعله رواية فريدة.

لقد كانت أوزبكستان، بمساجدها ومآذنها الشامخة، مهد الحضارة الإسلامية لعدة قرون. وحلول شهر رمضان هنا ليس مجرد احتفال ديني، بل هو ظاهرة ثقافية تجسد روح المجتمع بأسره، مع ذلك، كان موقف الاتحاد السوفييتي من الدين، خاصة خلال سنواته الأولى، متسماً بحملة منهجية لتقليل التأثير الديني، بما في ذلك الإسلام، الذي كان متشابكاً بعمق مع هوية الشعب الأوزبكي.

خلال الحقبة السوفييتية، شهدت أوزبكستان، مثل غيرها من جمهوريات آسيا الوسطى، قيودًا صارمة على الممارسات الدينية؛ إذ سعت أيديولوجية الدولة السوفييتية إلى الحد من تأثير الإسلام، مما أدى إلى إغلاق المساجد، ومنع التجمعات الدينية، وقمع التعليم الديني. لذلك، أصبح شهر رمضان، وهو الوقت الذي ينخرط فيه المؤمنون في الصيام والصلاة والتأمل، فترة من المقاومة الهادئة بالنسبة للعديد من الأوزبك. ورغم المخاطر، كانت العائلات تصوم في سرية، وتقام صلاة التراويح في خصوصية في المنازل، بعيداً عن أعين السلطات المتطفلة. فأصبحت هذه الأعمال الإيمانية، التي تم تنفيذها في الظل، شكلاً قوياً من أشكال الاحتجاج الصامت ضد محاولات محو هويتهم الدينية.

شهر رمضان في أوزبكستان

على الرغم من هذه التحديات، حافظ الشعب على جوهر شهر رمضان في أوزبكستان، فجعله يتسم دائماً بروح الفرح والرحمه والألفة. فظلت تقف المائدة الرمضانية كرمز للكرم والوحدة. الأطباق التقليدية مثل الـ"شوربا"، وهي حساء غني باللحوم والخضراوات، والـ"سمسا"، وهي عبارة عن فطائر اللحم المخبوزة، تحظى بشعبية خاصة في هذا الشهر. كما لدينا بعض الأطعمة والمشروبات والحلويات لا تكون إلا فى رمضان مثل النشالطة.

ولا يكتمل السحور أو الفطور دون  طبق "البلوف" الأوزبكي الشهير، وهو عبارة عن طبق أرز باللحم والذي يعد من أشهر المأكولات الأوزبكية، وهو أكلة من التراث ويوجد أكثر من 100 نوع من هذا الطبق، وفقاً للمنطقة والمواد المستخدمة فيه، وطريقة إعداده. 

رمضان في أوزبكستان
طبق البلوف الأوزبكي بجانبه طبق السمسا – shutterstock

بينما تزهر ليالي رمضان بصلاة التراويح، والتي تصلى بعشرين ركعة بدون اختلاف فى كل المساجد التي يجتمع الناس فيها بعد أن استعادت مكانتها كمراكز للعبادة والتجمع الاجتماعي، بعد الاتحاد السوفييتي. فتصبح تلاوة القرآن خلال هذه الليالي زاخرة وتعكس التراث الإسلامي الحقيقي الغني للمنطقة، وهي شهادة على سلسلة الإيمان غير المنقطعة التي تربط أجيالاً من الأوزبك.

ولطالما كانت أوزبكستان تزخر بتاريخها العريق ومواقعها الإسلامية البارزة، حيث تضم مجموعة من أجمل المساجد التي تصبح مراكز للتجمع والعبادة في رمضان. مسجد باي كاليان وهو المسجد الذي كان يعطى الإمام البخاري دروسه فيه، ومسجد بيبي خانوم في سمرقند، تحف فنية إسلامية، تشهد على عظمة التاريخ الإسلامي ويعد مركزاً للاجتماعات الدينية خلال شهر رمضان.

وبجانب العبادات والأمور الروحية، يعد شهر رمضان في أوزبكستان أيضاً وقتاً للأعمال الخيرية والتفكير في احتياجات الأشخاص الأقل حظاً. فيتم الحرص من الجميع على إعطاء الهدايا والزكاة وتنظيم موائد الرحمن في أغلب المدن.

رمضان في أوزبكستان
مسجد بيبي خانم، أقدم مسجد في أوزبكستان / shutterstock

كان انهيار الاتحاد السوفييتي بمثابة نقطة تحول بالنسبة لأوزبكستان وعلاقتها بتراثها الإسلامي. جلب الاستقلال الجديد معه إحياء الحرية الدينية، مما سمح للإسلام باستعادة مكانته في الحياة العامة والخاصة للشعب الأوزبكي. واليوم، يتم الاحتفال برمضان بشكل علني، مع شعور متجدد بالفخر وروح المجتمع. المساجد، بعد أن صمتت، فاليوم تنبض بأصوات المؤمنين، والشوارع تضج بالاحتفالات بالشهر الفضيل.

رمضان في أوزبكستان هو أكثر من مجرد طقس ديني؛ إنه انعكاس لروح الأمة، وهو الوقت الذي تتألق فيه الروح الدائمة لشعبها. قصة رمضان هنا هي قصة الصمود في وجه القمع، والانتعاش الثقافي في أعقاب الاستقلال، وقصة مجتمع يجتمع للاحتفال بتراثه بفرح وتقوى. مع بداية الشهر الفضيل في مدن وقرى أوزبكستان، فإنه يحمل معه تذكيراً بالقوة الموجودة في الإيمان، وجمال التقاليد، والروابط غير القابلة للكسر التي تربط الماضي والحاضر والمستقبل لهذه الأمة النابضة بالحياة.




عربي بوست