‏إظهار الرسائل ذات التسميات مظفر حبيبوليف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مظفر حبيبوليف. إظهار كافة الرسائل

السبت، 7 ديسمبر 2024

لماذا لا يجب أن تدير ظهرك لغزة؟

 

لماذا لا يجب أن تدير ظهرك لغزة؟



مظفر حبيبوليف
كاتب وطالب دكتوراة في الأدب من أوزبكستان

منذ أكثر من 10 أشهر يتابع العالم حرب إبادة من شاشة صغيرة، أخبار عاجلة، صور تتبدل بسرعة قادمة من غزة، تلك الأرض الصغيرة المحاصرة، التي أصبحت مركز حديث العالم، ليس لأن العالم تحرك لنجدتها. بل لأن الصور كانت أكثر حدة، والدماء أكثر وضوحًا. تلك الصور لم تعد تتلاشى بمجرد تغيير القناة، بل اعتقد أن صارت عالقة في أذهان الكثيرين كوشمٍ لا يمحى.

أعود لغرفتي كل يوم في المساء بعد يوم طويل، وأحاول أن أسأل: أين العالم من كل هذا؟ أين ما تعلمناه في المدارس والمؤتمرات عن التضامن الإنساني؟ ذلك المفهوم الذي كان دائما ما يؤكده معلمونا أنه ليس مجرد فعل نبيل، بل ضرورة حتمية لاستمرار الحياة على هذا الكوكب. فالتضامن هو القاعدة التي توازن بين قوى الخير والشر في هذا العالم، وهو الحبل الذي يتشبث به من يشعر بالألم والحزن، ومن يعاني من الظلم والقهر. لكن هل حقًا نحن ندرك هذه الحقيقة؟ أم أننا مجرد متفرجين عاجزين عن الفعل، نكتفي بالتحديق في الشاشة ونندب حظنا لأننا لا نملك القوة لتغيير شيء؟

عندما أفكر في غزة، أتذكر أن هذه البقعة الصغيرة من الأرض ليست مجرد نزاع سياسي. إنها رمزٌ للصمود والكرامة في وجه الظلم، وهي أيضًا اختبار لقيمنا الإنسانية. فغزة ليست مجرد عنوان في الأخبار، إنها مأساة إنسانية بامتياز، مليئة بالتضحيات والآلام والأحلام الموءودة.

فالاحتلال الإسرائيلي ليس مجرد قوة عسكرية أو سياسية، بل هو رمز للوحشية التي لا تخطئها العين في كل لحظة ينتزع فيها حياة بريئة. في كل مرة يهدم فيها منازل الفلسطينيين أصحاب الأرض، ويسلب فيها حياة عائلات بأكملها، أمام أعيننا وكأنه يتحدى العالم بأكمله، بتدمير أي  معاني عن الإنسانية، هادماً أجساد الفلسطينيين وكل شئ عرفته البشرية عن القيم والأخلاق.

يرى إريك فروم، الفيلسوف وعالم النفس الاجتماعي، أن الحب هو الرابط الأساسي الذي يجمع البشر ويمنحهم القدرة على العيش معًا بسلام. هذا الحب لا يقتصر على العلاقات الشخصية، بل يمتد ليشمل كل جوانب الحياة، بما في ذلك التضامن مع الآخرين في أوقات الشدة. الحب، بالنسبة لفروم، هو القدرة على رؤية الآخر كجزء من الذات، وهو ما يجعلنا نتحرك لمساعدة الآخر.

إذا نظرنا إلى ما يحدث في غزة من منظور فروم، سنجد أن التضامن مع هذا الشعب هو نوع من الحب الإنساني العميق الضروري لاستمرار الحياة بشكلها الذي نعرفه، فإدراكنا بأن معاناتهم هي معاناتنا، وأن صمودهم هو صمودنا جميعًا، سندرك أن مساندتنا لهم ليست مجرد مساعدة شعب مضطهد، بل هي سعي للمحافظة على إنسانيتنا والقيم الأساسية للتعايش.

لذلك، يستمر الاحتلال في ارتكاب المجازر في غزة سعياً منه لترسيخ مشهد الظلم والمجازر في عقولنا كمشهد عادي يحدث فليس بالأمر الكبير عندما يحدث ضد الضعفاء، فنفقد كبشر قدرتنا  على الحب بمعناه العميق شيئا فشيئا، و نستبدلناها باللامبالاة والتخاذل. 

حينها يصبح هذا لتخاذل ليس مجرد موقف سياسي، بل هو جريمة أخلاقية بحق أنفسنا قبل أن يكون بحق الآخرين. إنه دليل على أن الإنسانية بدأت تفقد قدرتها على التعاطف، وأن القسوة بدأت تتسلل إلى عالمنا دون أن ندرك.

مرَّت أكثر من عشرة شهور منذ أن بدأت المجازر في غزة، والعالم ما زال يشاهد بصمت. لقد كنا نعتقد أن قصص الإبادة الجماعية التي نُقلت إلينا عبر التاريخ كانت شيئًا من الماضي، بعيدة عنا جغرافيًا وزمانيًا. كنا نتساءل كيف يمكن لشعب أن يبيد شعبًا آخر دون أن يتحرك العالم لإيقافه. لكن اليوم، ونحن نرى الدعم العسكري الهائل الذي تقدمه الإمبراطورية الأمريكية لإسرائيل في إبادة شعب محاصر منذ أكثر من عقد، ندرك أن الوحشية لم تكن يومًا جزءًا من الماضي، بل هي جزء من حاضرنا أيضًا.

هذه الإمبراطورية، التي تمتلك من القوة ما يمكنها من فرض إرادتها على العالم بأسره، لا ترى في غزة سوى فرصة لإثبات قوتها وهيمنتها. وفي هذه اللحظة التاريخية، يقف العالم متفرجًا، يدير ظهره، وكأن ما يحدث في غزة لا يمسه ولا يخصه. لكن الحقيقة المريرة هي أن صمت العالم هو إذعان من البشر لتقبل وحشية العالم وتصدر القوة بدلاً من القيم.

إن ما يحدث في غزة ليس مجرد اختبار لقوة المقاومة الفلسطينية، بل هو اختبار للإنسانية جمعاء. إنه امتحان لقدرتنا على الحفاظ على قيمنا وأخلاقنا في وجه القسوة والظلم. إذا فشلنا في هذا الاختبار، إذا سمحنا للعالم بأن يدير ظهره لغزة، فإننا بذلك نسمح للعالم بأن يتخلى عن إنسانيته.

إريك فروم كان يرى أن الإنسان بدون حب، بدون قدرة على التضامن مع الآخرين، يفقد قدرته على العيش كإنسان. وهذا ما نراه يحدث أمام أعيننا اليوم. إن الصمت الدولي أمام ما يحدث في غزة ليس فقط دليلًا على اللامبالاة، بل هو إشارة إلى أن الإنسانية بدأت تفقد بوصلة قيمها. إذا استمر هذا الصمت، فإن حروب الإبادة ستصبح أمرًا معتادًا، وستتآكل القيم الإنسانية حتى لا يبقى منها شيء.

في النهاية، يبقى لنا أن نتذكر أن غزة ليست مجرد ضحية، بل هي رمز للكرامة والصمود. شعب غزة لا ينتظر شفقة العالم، بل ينتظر دعمه وتضامنه. هؤلاء الذين يعيشون تحت الحصار والقصف اليومي يعلمون أن العالم ربما تخلى عنهم، لكنهم لم يتخلوا عن أنفسهم. إنهم يقاومون لأنهم يؤمنون بأن الكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع. هذه الكرامة هي ما يجعلهم يقفون في وجه قوى الاحتلال بلا تردد، وهي ما يجعلهم يستمرون في الحياة رغم كل الصعوبات.

إذا كان للعالم أن يستيقظ من غفوته، فعليه أن يدرك أن التضامن مع غزة ليس مجرد فعل سياسي، بل هو فعل أخلاقي وإنساني. هو اختبار لإرادتنا في الحفاظ على ما تبقى من قيمنا وأخلاقنا. غزة، التي تبدو صغيرة على الخريطة، هي في الحقيقة مركز الإنسانية اليوم. 

عندما نتضامن مع غزة، نحن لا نقف فقط ضد الظلم فقط، بل نقف مع أنفسنا، مع قدرتنا على الحب، على التضامن، على أن نكون بشرًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.


                  











الأحد، 29 سبتمبر 2024

الحرب على غزة ومرآة جورج أورويل.. كيف تحول الخيال إلى حقيقة مظلمة؟

 

الحرب على غزة ومرآة جورج أورويل.. كيف تحول الخيال إلى حقيقة مظلمة؟



مظفر حبيبوليف
كاتب وطالب دكتوراة في الأدب من أوزبكستان


تظل رواية "1984" لجورج أورويل بلا شك واحدة من أكثر الأعمال الأدبية شهرة وتأثيرًا. ولعل ما يميز هذه الرواية بشكل خاص عن غيرها من الأعمال الأدبية المكتوبة باللغة الإنجليزية هو الكم الكبير من المصطلحات والتعابير التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من اللغة والثقافة الإنجليزية. ربما كانت هذه إحدى أعظم هدايا أورويل للبشرية: لغة جديدة يمكن من خلالها وصف العصر الحديث الذي يسيطر عليه الرقابة الحكومية، الأخبار الزائفة، وسياسة ما بعد الحقيقة التي نشهدها اليوم. عندما يُقال إن سياسة أو تصرفات حكومة ما هي "أورويلية"، يفهم الجميع بوضوح ما يعنيه هذا الوصف.

إحدى العبارات الشهيرة من "1984" التي قد تكون مألوفة للكثيرين، حتى لأولئك الذين لم يقرأوا الرواية، هي: 

"يأتي وقت في مسيرة التاريخ يُعاقب فيه بالموت من يتجرأ أن يقول إن مجموع اثنين واثنين هو أربعة". 

ومع أن هذه الكلمات ليست من تأليف أورويل، بل هي اقتباس من رواية "الطاعون" للروائي الفرنسي ألبير كامو التي نُشرت عام 1947، قبل رواية "1984" بعامين، إلا أنها بالطبع، فكرة "اثنان زائد اثنان يساوي خمسة" لها جذور تسبق كلا من أورويل وكامو.

ولا داعي اليوم لأن نتخيل عالماً يصبح فيه الكذب هو الحقيقة بفعل الهيمنة والإخضاع، لأننا بالفعل نعيش في عالم مُعولم يخضع لرقابة صارمة، حيث الناس مبرمجون ومحكومون ومهيؤون لقبول عبوديتهم وأوهامهم. 

عالم من التضليل والتزوير واسع النطاق، حيث يمكن أن يصبح "2+2=5" حقيقة معترف بها، والحرية ليست إلا وهماً. هذا الواقع المعاصر بات يتحول تدريجياً إلى تجسيد حي لما كان يعتبر في الماضي خيالاً أدبياً.

فاليوم، تشن حرب وحشية صريحة واضحة المعالم على غزة، ورغم ذلك ما زالت أغلب الحكومات التي تدعي بأنها ديمقراطية تتجاهل أن هناك إبادة، وتسخر سياستها وممارساتها لتمجيد القاتل وسحق الحقيقة مع المقتول. 

ولعل بشاعة الواقع اليوم، تفوق خيال أورويل في رواية 1984، حيث لا داعي لوجود وزارة الحقيقة، فأكبر المؤسسات الإعلامية الغربية مع الأحداث الدولية تتعامل بمنطق ازدواجي يخلو من العدالة منذ بداية الحرب على غزة، فتلك المؤسسات تستغل تاريخها المزعوم في صناعة الأخبار بموضوعية، لقلب الحقيقة التي تناسب سياسة دولها، فمنذ اندلاع حرب الإبادة الوحشية على غزة، يُمكن العثور على آلاف الأمثلة التي تميع الحقيقة وقلبها في الإعلام الغربي، ولنأخذ مثالاً بسيطاً من صحيفة نيويورك تايمز، حيث يقول عنوانٌ: " الحرب والأمراض قد تقتل 85 ألف فلسطيني في غزة خلال ستة أشهر ". بشكل فج قرر محررو الصحيفة تجاهل أن الكارثة المحتملة من الأمراض ونقص المياه والموت المتفشي ليست سوى نتائج مباشرة للحرب الشاملة التي تشنها إسرائيل من البر والجو والبحر، بالإضافة إلى الحصار الخانق المفروض على غزة منذ أكثر من نصف عام، وكأنهم يحاولون تحميل غزة بمن فيها وزر ما يحدث، وتبييض وتبرئة المحتل بعدم ذكر اسمه في العنوان.

في "1984"، قدم أورويل مفهوم وزارة الحقيقة، وهي مؤسسة حكومية مسؤولة عن تعديل السجلات التاريخية، وإعادة صياغة الأخبار لتتوافق مع مصالح النظام. 

الشعار الشهير "الحرب هي السلام، الحرية هي العبودية، الجهل هو القوة"، ولا أعتقد أن من الصعب إسقاط تلك التخيلات الأدبية على واقعنا اليوم، إذ يشهد العالم كيف أن الإمبراطورية التي تهيمن على مفاصل العالم تسعى لقلب المفاهيم رأسًا على عقب لتخدم مصالحها. 

في يومنا هذا، نرى كيف يتم التلاعب بالحقائق حول الحرب على غزة بشكل مشابه، حيث تُصور المقاومة الفلسطينية على أنها الإرهاب، بينما يُبرر إجرام الاحتلال العسكري على أنه دفاع عن النفس. هذه الاستراتيجيات ليست بعيدة عن تلك التي وصفها أورويل؛ حيث يتم إعادة كتابة الواقع ليتماشى مع رواية القوة المهيمنة.

الحرب على غزة تشهد اليوم نفس التلاعب بالحقيقة الذي تنبأ به أورويل. إذ يتم قمع المعلومات، وتحريف الوقائع، ونشر الدعاية لتشويه صورة الضحية وتبرئة الجاني. كما قال أورويل: 

"إذا كانت جميع السجلات تحكي نفس القصة، فإن الكذبة تصبح حقيقة وتبقى كذلك إلى الأبد." 

هذا الاقتباس يتجسد اليوم في الإعلام الغربي الذي غالبًا ما يتجاهل أو يقلِّل من حجم المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون، ويصور الاحتلال وكأنَّه فعل دفاعي مشروع.

في "1984"، كان هناك مصطلح "جريمة الفكر" الذي يعاقب عليه كل من يفكر بشكل مخالف لما تفرضه الدولة. وبالعودة لواقعنا، نرى بكل وضوح العديد من الأمثلة حيث يتم وصف أي محاولة لكشف حقيقة حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين أو لوقف المذبحة التي راح ضحيتها أكثر من 40 ألف من الفلسطينيين بأنها "تحيز" أو "دعم للإرهاب"، ويتم التحقيق والتضييق على كل من يحاول أن يقول لا للمذبحة في بلاد تزعم أن تنعم بالديمقراطية وحرية التعبير، كألمانيا وغيرها.

 بهذا الشكل، يتم قمع أي محاولة لنشر الحقيقة، ويُعاد تشكيل الرأي العام ليقبل بالنسخة المشوهة التي تروج لها وسائل الإعلام الكبرى.

لقد صحب أورويل القرّاء إلى عالم خيالي مُرعب يعيش الناس فيه في ظروف مأساوية، حيث ترصدهم شاشات المراقبة على الدوام، ففي رواية أورويل، كانت شاشات المراقبة تراقب الناس على الدوام، مما جعل الرقابة جزءًا لا يتجزأ من حياتهم. 

اليوم، لا تختلف الأمور كثيرًا؛ فالرقابة الإلكترونية والرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت وسيلة فعالة لقمع الأصوات التي تحاول فضح الحقيقة. فيتم حظر المحتوى، وتوجيه الخوارزميات لتسليط الضوء على الأخبار التي تخدم الرواية السائدة، تمامًا كما كان يفعل النظام في عالم أورويل.

يبدو أن عالم أورويل الخيالي قد أصبح واقعًا نعيشه اليوم. 

إن الحرب على غزة ليست حرب فقط على الفلسطينيين، بل هي أيضًا حرب على الحقيقة، حيث يتم تزوير الواقع لخدمة الإمبراطورية الغربية ومصالحها عن طريق التلاعب بالحقائق وقمع الأصوات الناقدة أصبح جزءًا من اللعبة الكبرى التي تسيطر على العالم اليوم، مما يجعلنا نتساءل: هل نحن حقًا أحرار في واقعنا؟

الخميس، 21 ديسمبر 2023

رواية “العمى”.. عندما يفقد البشر البصيرة

 

رواية “العمى”.. عندما يفقد البشر البصيرة

مظفر حبيبوليف
كاتب وطالب دكتوراة في الأدب من أوزبكستان

لستُ أَعمى لأُبْصِرَ ما تبصرونْ فإنَّ البصيرةَ نورٌ يؤدِّي إلى عَدَمٍ أَو جُنُونْ!

محمود درويش"

لست ذلك الشخص الذي يعيد قراءة الكتب؛ إذ أرى العالم كبيراً جداً، بينما الحياة قصيرة جداً. وبالنسبة لي إعادة قراءة كتاب ما تسرق الوقت من كتاب جديد لم اكتشفه بعد، كتاب لن أقرأه وأنا على فراش الموت. لذا، عندما أخبرك أنني قرأت رواية "العمى" لجوزيه ساراماغو أكثر من مرة، ستعرف مدى جديتي في هذا الأمر. 

الرواية (العمى) للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو تعتبر عملاً أدبياً استثنائياً يفتح أبواب النقاش حول الطبيعة الإنسانية؛ إذ يضع الإنسان عارياً من كل الأقنعة الزائفة وهالات المثالية المصطنعة، والمكيجة الأخلاقية التي يتطلبها العيش في مجتمع.

يروي ساراماغو حكايته بروح الدعابة والرحمة، وبخيال لا حدود له، بما يكفي لاستحضار وباء مستحيل دون إغفال مقتضيات الحياة الفعلية، محققاً ذلك المزيج النادر من السحر والواقع الذي يسمح لنا فيه الخيال برؤية واقعنا. العالم بشكل أكثر وضوحاً، من منظور يبرز تفاصيل ربما لم نفكر فيها بطريقة أخرى. حيث يخلق جوزيه ساراماغو "حالة اختبار" للمعاني الإنسانية حين ينتشر وباء العمى في المجتمع، حيث يفقد الناس القدرة على الرؤية تباعاً.

تحكي الرواية عن وباء العمى، الذي يتسلل إلى أروقة الحياة، يأتي بصمت مدمر ليخلق عتمة، لكنها بيضاء. خلال أيام قليلة، يتحول البصر إلى ذكرى، ويختبئ العالم الذي نعتقد أننا نعرفه وراء ذلك البياض.

ومن خلال عيون 6 شخصيات، يتقاطع مصيرهم، هم طبيب عيون، زوجته ومرضاه في العيادة، وهذه الزوجة هي الوحيدة التي لا تصاب بالعمى. تتشابك الخيوط في رواية ملتوية؛ حيث تتحول البلاد إلى فوضى، وتتسارع الإنسانية نحو حافة الهاوية، وهنا بالتحديد تَختبر الإنسانية نفسها، إذ تُختبر الشعارات والمبادئ الرنانة، الأخلاق والضمير الإنساني.

 في رواية العمى لا وجود للأشرار بشكل واضح وصريح، إنما الذي يوجد ضحايا سقطوا من قاموس الإنسانية، أناس فشلوا في اختبارات ساراماغو القاسية لنيل درجة الإنسانية. 

في الرواية أيضاً لا توجد أسماء، فقط مجرد مهن وصفات عامة لتمييز الشخصيات عن بعضها، وكأن الكاتب يرغب في تجريدهم من بشريتهم – فهم ليسوا بشراً أسوياء- كما يعلنها في الرواية على لسان زوجة الطبيب، وإنما مجرد كائنات لا تريد أن تنحدر أكثر إلى درجة الحيوانية.

لن يتطلب الأمر من القارئ أن يقرأ الكثير من صفحات الرواية حتى يفهم أن ما يرمز إليه الكاتب بهذا العمى.. ما هو إلا الجهل فهو وحده الوباء الذي يجرّد البشر من إنسانيتهم، فالكاتب ينقل لنا بشكل مدهش كيف يمكن للجهل أن يتسلل إلينا كبشر؛ ليسلخنا من إنسانيتنا، فنستبصر من خلال العمى كيف لنزع الآدمية من البشر أن تؤدي إلى انهيار العالم. 

في عالم ساراماغو نجد المكفوفين الذين يقودون المكفوفين، وهو ما يشبه واقعنا اليوم الذي يقوده الجاهلون والمتطرفون باسم الحضارة، إذ نرى الاحتلال الإسرائيلي بكل وحشية يلتهم ويمزق الأطفال والنساء في غزة باسم الدفاع عن النفس، فنجد الحكومات الغربية التي تحصر العقلانية والتنوير في ذاتها فقطـ، تدعم الاحتلال ليسحق الفلسطينيين تحت شعارات الدفاع عن التحضر والإنسانية.

عمى يصيب العالم وينزع منه إنسانيته، فأي عالم متحضر ذلك، يدافع عن نفسه بقتل أكثر من 18 ألف برئ بأسلحة تكلف الملايين يومياً، أي جامعات أخرجت لنا ساسة ورؤساء بهذا الرقي ليدعموا استمرار المذابح بشكل يومي في بلاد لا تخصهم.

يكمن ذلك العمى (الجهل) في الفكر الاستعماري الذي عشش في أوروبا لقرون، تاركاً إرث فكرى ما  زال يسيطر على عقول أغلب الساسة في الغرب يجعلهم قادرين بكل أريحية على نزع الإنسانية عن أي شعب وقتله تحت شعار حماية التحضر، وربما هذا ما يفسر لماذا تسافر الإمبراطورية الأمريكية بجنودها إلى أفغانستان وفيتنام، واليوم إلى غزة بهدف حماية التحضر.

ما يعمى عنه أغلب الساسة في الغرب أن العالم أصبح أكثر تعقيداً وترابطاً، وبدعمهم المتواصل للمذابح والقتل ينسفون بذلك بشكل علني كل المبادئ والقوانين التي تترابط بها المجتمعات في العالم، فعلى سبيل المثال، عندما تقف أمريكا أمام العالم في مجلس الأمن رافعة حق الفيتو لوقف أي محاولات تعمل لوقف آلة القتل الإسرائيلية في غزة تحت شعار حقها القانوني، فهو ضرب لمفاهيم مثل القانون والعدل من الأساس، إذ تبدأ الأسئلة في الطرح بشكل جدي: لماذا تمتلك الدول الكبرى حق الفيتو دون غيرها؟ أليس لأنها تملك القوة؟! أليس ذلك ضد مفهوم العدل؟!

ما أشبه العالم اليوم بعالم ساراماغو، حيث يقود العميان عميان مثلهم، فرغم كل الفظائع التي تُرتكب في غزة يقف العالم صامتاً، بل يتجادل حول حقيقة ما يحدث في غزة وأسبابه، إذ استيقظ الناس على القضية الفلسطينية من شهرين فقط، بينما يستعمون من عمليات الإبادة الممنهجة للفلسطينيين المستمرة منذ أكثر من 75 عاماً.

اليوم أكثر من أي يوم مضى، أؤمن بأن البصيرة هي قطعاً أفضل من البصر، على الرغم من أنها تكون حملاً ثقيلاً لو امتلكها المرء وحده بين مجموعة من عديمي البصيرة، وربما هذا ما يشعر به كل من يقف مع فلسطين ضد العالم، وهو ما جسده ساراماغو في شخصية زوجة الطبيب، التي كانت المبصرة الوحيدة وسط العميان، فحين يبدأ الناس في استعادة بصرهم ببطء نجدها تقول: "هل تريد مني أن أخبرك بما أفكر فيه؟

 نعم.

لا أعتقد أننا أصبحنا عمياناً، أعتقد أننا عميان، عميان ولكننا نبصر، عميان يستطيعون أن يروا، لكنهم لا يبصرون".