‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. راغب السرجاني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. راغب السرجاني. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 30 سبتمبر 2024

الخيانة العبيدية الشيعية

 الخيانة العبيدية الشيعية





 أ.د. راغب السرجاني

ملخص المقال

موقف الدولة العبيدية بمصر بعد إرسالهم سفارة العار إلى الصليبيين يحتاج إلى وقفة، خاصة أن هذه ليست المحاولة الأولى التي يتضح فيها مدى كرههم للسنة


السفارة العبيدية الشيعية

وصلت السفارة العبيدية الشيعية المصرية إلى الصليبيين محمَّلة بالأموال الغزيرة والهدايا الثمينة لكل قائد من قوَّاد الحملة الصليبية، وبعرضٍ من الدولة العبيدية أن تسهِّل حجَّ الصليبيين وكل النصارى إلى بيت المقدس (المحكوم حتى هذه اللحظة بالدولة العبيدية)، على أن يدخل الحجاج إلى القدس غير مسلَّحين[1]، وسوف تقرُّ الدولة العبيدية الصليبيين على ما تحت أيديهم من بلاد، سواء في آسيا الصغرى أو سوريا أو لبنان.

هكذا!!

الرد الساخر


فاجأ الصليبييون السفارة العبيدية بالردِّ الساخر، أنهم سيتمكَّنون من أداء الحج كما يريدون ولكن ليس بمساعدة الدولة العبيدية، وهذا يعني إعلانًا مباشرًا للحرب[2]، إذ كيف سيدخلون البلد دون سماح حُكَّامها؟!

تاريخ الدولة العبيدية وبيت المقدس

الحقُّ أن موقف الدولة العبيدية يحتاج إلى نظرة وتدبُّر، وعودة للوراء قليلاً لنعرف شيئًا عن الدولة العبيدية، وعن تاريخ بيت لمقدس في هذه الفترة.

إن بعض المؤرِّخين -سواء من القدامى أو من المحدثين- يتعجَّبون من ردِّ فعل الدولة العبيدية تجاه الحملة الصليبية، ومن حالة المعاملة الفجَّة التي ظهرت في أقوالهم وأفعالهم، ومن بعض المواقف التي لا تُوصَف بأقل من أنها مخزية ومشينة[3]، ومع ذلك فالذي يُرَاجِع التاريخ يجد أنه لا عجب مطلقًا فيما رأيناه من ردِّ فعلٍ للدولة العبيدية تجاه الحروب الصليبية.

لقد كان من أهداف الدولة العبيدية الرئيسية منذ قامت هي أن تُحَارِب المسلمين السُّنَّة في كل مكان، فقد حاربت أهل السُّنَّة في المغرب، وقتلت العلماء والعُبَّاد، وكان ذلك في سنة 296هـ، ثم جعلت من همِّها أن تحارب الدولة السُنِّيَّة في الأندلس، بل وتعاونت مع الصليبيين في شمال الأندلس ضد دولة عبد الرحمن الناصر رحمه الله، ثم اجتاحت شمال إفريقيا، واحتلت مصر سنة (358هـ= 969م)، وفعلت بعلمائها السُّنَّة مثلما فعلت في المغرب، ثم توسَّعت في نفس السنة في الشام، واحتلت بيت المقدس وكذلك دمشق[4]، ودام هذا الاحتلال أكثر من مائة سنة.

لقد بقِيَ العبيديون في بيت المقدس حتى حرَّرها ألب أرسلان - رحمه الله- عن طريق قائده أتسز (الأقسيس)، وذلك في سنة (463هـ= 1071م)[5]، ثم دخل بيت المقدس في مُلْكِ تتش بن ألب أرسلان سنة (471هـ= 1079م)[6]، وتولَّى الإمارة حينئذ أرتق بن أكسب، ثم ابنه سكمان بن أرتق سنة (485هـ= 1091م) تحت ولاية دقاق بن تتش مَلِكِ دمشق[7].

ولكن العبيديين لم يُسَلِّموا بضياع بيت المقدس وفلسطين من أيديهم؛ ولذلك رحبوا بقدوم الصليبيين إلى آسيا الصغرى والشام لكي يشغلوا الأتراك السُّنَّة وينفردوا هم ببيت لمقدس وفلسطين[8]؛ ولذلك فقد استغلَّ العبيديون فرصة انشغال الأتراك في حرب الصليبيين، ووجَّهوا قوتهم لغزو بيت المقدس سنة (490هـ) 1097م، واستولَوْا عليه بالفعل[9]، بل ولم يتورَّعوا عن القيام بمفاوضات مع الصليبيين لإقرارهم على الشام في مقابل إقرار الصليبيين لهم على فلسطين كما وضَّحْنَا[10].

إنه تاريخ طويل من الخيانة والعمالة والطعن في ظُهُورِ المسلمين السُّنَّة.

أمَّا الصليبيون فقد أخذوا قرار احتلال فلسطين، وخاصَّةً بيت المقدس، فلا مجال عندهم الآن للتفاوض مع العبيديين، ومن ثَمَّ كان ردُّهم الساخر على سفارتهم.

خط سير الجيوش الصليبية نحو بيت المقدس

ترك الصليبيون طرابلس ووصلوا إلى بيروت فصيدا ثم صور، والمسلمون في كل ذلك يتجنَّبونهم بالهدايا والأموال لكيلا يتعرضوا للإيذاء، ثم اخترقوا لبنان إلى فلسطين، وعبروا نهر الكلب، وهو الحدُّ الفاصل آنذاك بين أملاك السلاجقة وأملاك الدولة العبيدية، فمرُّوا بعكا فقام أميرها العبيديّ بتمويلهم بالطعام والمؤن، ووعد بالدخول في طاعتهم بعد سقوط بيت المقدس[11]!

ثم مرَّ الصليبيون بقَيْسَارِيَة ثم أُرْسُوف[12]،[13] ثم غيَّروا طريق الساحل، وشقُّوا البلاد شرقًا إلى الداخل صوب بيت المقدس، واحتلُّوا في طريقهم الرَّمْلَة، وهي مدينة صغيرة، ولكنها تسيطر على الطريق الواصل من بيت المقدس إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، فسيطر عليها الصليبيون ليؤمِّنوا طريقهم بعد ذلك إلى البحر[14]؛ حفاظًا على إمدادات السفن والأساطيل الأوربية، وفي هذه المدينة (الرملة) توقَّف الصليبيون ليعقدوا اجتماعًا مهمًّا لتحديد خطوات الغزو، وكان ذلك في (492هـ= أوائل يونيو 1099م).

التطلع لاحتلال مصر

بحث الصليبيون في هذا اجتماع الرملة نقطة مهمة تُفَسِّر خطوات مستقبليَّة في الحملات الصليبيَّة، لقد ناقشوا قضيَّة غزو القاهرة وإسقاط مصر[15]!!

لقد فهم الصليبيون في ذلك الوقت المتقدِّم أن مفاتيح بيت المقدس موجودة في القاهرة، ولم يكن هذا فقط لأن العبيديين يُسيطرون على بيت المقدس الآن؛ فقد اتضح للصليبيين مدى هلع العبيديين من قوَّة الصليبيين، ولكن للبُعْدِ الإستراتيجي المهمِّ لهذا البلد الكبير مصر، والذي يحدُّ فلسطين من جنوبها وغربها، والذي به طاقة بشريَّة ضخمة، وإمكانيات اقتصاديَّة عالية، وشعور فطريّ بالتقارب مع فلسطين، وخاصَّة فيما يتعلق ببيت المقدس، وبه المسجد الأقصى؛ لذلك فكَّر الصليبيون في هذا الاجتماع في قضية غزو مصر، غير أنهم وجدوا أن قوتهم غير كافية لهذه الخطوة الجريئة، خاصة أن عليهم إذا فعلوا ذلك أن يجتازوا حاجزًا صحراويًّا صعبًا وهو صحراء سيناء، وقد تهلك فيه القوة الصليبية.

ولذلك عدلوا عن هذا الرأي، وقرَّروا التوجُّه مباشرة إلى بيت المقدس، لكن هذا الاجتماع أظهر فكرة ظلَّت مسيطرة على عقول قادة الحروب الصليبية وخلفائهم، والتي وُضِعت بعد ذلك موضع التنفيذ في الحملتين الخامسة والسابعة من الحملات الصليبية، حيث تمَّ غزو مصر غزوًا صريحًا[16].

سنة الله الماضية

سؤال لا بد منه: أين الجيوش الإسلاميَّة في طول هذه المسافة التي قطعها الجيش الصليبي من أنطاكية إلى بيت المقدس، وهي مسافة تزيد على ستمائة كيلو متر؟!

أليس في هذه المناطق كلها رجل رشيد؟!

لقد افتقد المسلمون في هذه الآونة لمقوِّمات رئيسية من مقومات قيام الأُمَّة؛ لذلك قَبِلَتْ جموع المسلمين أن تَحُثَّ هذه الأقدام النجسة على طريقها إلى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأُولَى القبلتين وثالث الحرمين، وإلى الأرض المباركة، دون أن يتحرَّك لهم ساكن؛ ولذلك حُصِر المسلمون في بيت المقدس!

لقد عانى المسلمون في هذا الوقت من أمراضٍ شتَّى.

لقد عانَوْا من بُعْدٍ عن الدين، وغياب للحميَّة الإسلاميَّة، وافتقاد للنخوة المستندة إلى عقيدة قويَّة صحيحة.

وعانوا كذلك من فُرقة مؤلمة، وتشتُّت فاضح، حتى صارت كل مدينة إمارة مستقلة، ودويلة منفصلة، بل ومتصارعة مع جيرانها المسلمين.

وعانوا -أيضًا- من افتقار لزعامة مخلصة متجرِّدة، تجمع الشتات في كيان واحد، وترغب في رفعة هذه الأمة دون نظر إلى مصالح الذات ورغبات النفس.

كما عانى المسلمون فوق ذلك من رؤية واضحة للواقع الذي يعيشونه، وللأخطار المحدقة بهم، وعانوا أيضًا من نقص حادٍّ في الدراية السياسية أو الكفاءة العسكريَّة.

لقد كانت الأُمَّة تمرُّ فعلاً بأزمة مركَّبة معقدة!

لكن إن كنا نتعجب من موقف الأمة وتخاذلها، فإن العجب يأخذنا وبشكل أكبر من موقف الصليبيين! كيف أَمِنُوا على أنفسهم أن يخوضوا كل هذه المسافات في عمق العالم الإسلامي، وهم لا يشعرون بخوفٍ ولا وَجَلٍ؟! إنهم يتوغلون في كثافة بشريَّة عالية جدًّا، ومحصورون بين عدة إمارات تحوي عدَّة جيوش مسلمة، والمسافة بينهم وبين أوطانهم بعيدة هائلة، فلو هُزِمُوا سُحِقُوا، وليس لهم مهرب ولا منجى!

كيف استطاعوا أن يتغلَّبوا على الخوف الفطريّ للبشر، وقَبِلُوا بهذه المغامرة الخطيرة؟!

إن الإجابة بأنهم خرجوا من ظروف صعبة جدًّا في أوروبا، جَعَلَت الحياة هناك أقرب إلى الموت، وجعلت طموحهم في ترك واقعهم الأليم يطغى على أية رغبة أخرى، وجعلت الموت في أرض فلسطين لا يفترق كثيرًا عن الحياة في أوربا الفقيرة آنذاك. إن هذه الإجابة فقط لا تشفي الغليل، ولا تفسِّر عدم الرهبة، وقلَّة الاكتراث الذي رأيناه في الجيوش الصليبية؛ فالروح عزيزة على النفس، وخاصَّةً إن لم يكن الإيمان باليوم الآخر والجنة وازعًا قويًّا يدفع إلى الموت.

فما تفسير هذه المعادلة الصعبة؟

ولماذا بدت الشجاعة في قلوب الصليبيين واضحة جليلة؟!


إن هذا يفسره لنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه ثوبان رضي الله عليه وسلم، وبه يفسِّر الأوضاع وكأنه يراها رأي العين؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا". قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ". قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: "حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ"[17].

إن الأمم الغربيَّة التي تداعت من فرنسا وإيطاليا وإنجلترا وألمانيا لم تأتِ بهذه القوة والشجاعة إلاَّ لأنَّ الله عز وجل نزع الرهبة من قلوبها من جموع المسلمين، فصاروا لا يكترثون بهم ولا بأعدادهم وحصونهم وسلاحهم، ورأينا اجتماعات الصليبيين لا تُعَبِّر أبدًا عن خوف في صدورهم، أو عن قلق من مقاومة المسلمين، إنما يتحرَّكون هنا وهناك بحرية تامَّة، وباطمئنان كامل!!

والمسلمون على الجانب الآخر أُلقى في قلوبهم الوَهْن والضعف والخَوَر، فيرتعبون لرؤية الجنود الصليبيين، ولو كان الصليبيون أقلَّ منهم في العدد، وأضعف منهم في العُدَّة.

ولنا مع الحديث وقفتان، وإن كانت وقفاته كثيرة:

أمَّا الوقفة الأولى:
فهي أن الله عز وجل هو الذي ينزع الرهبة مِنَّا من قلوب أعدائنا، وهو الذي يلقي في قلوبنا الوهن! وقد يقول قائل: ولماذا يفعل ربنا ذلك، مع أننا في النهاية مؤمنون، وهم كافرون؟! فنقول: إن الله عز وجل أَبَى أن يُعِزَّ المسلمين إلا إذا ارتبطوا بالإسلام، والتزموا بالقرآن والسُّنَّة، ولو نَصَرَهُم وهم يُفْرِطون في الشرع لصارت فتنة عظيمة؛ إذ سيقول الناس: إننا لسنا في حاجة للإسلام، فقد نُصِرْنَا بغيره؛ لذلك تحدث مثل هذه المواقف العجيبة ليلتفت المسلمون إلى دينهم، وليضع المسلمون أيديهم على مفاتيح النصر الحقيقيَّة.

أما الوقفة الثانية:
فإنها مع السبب الذي من أجله حدثت كل هذه التداعيات المؤلمة، إنَّ وصف الحدث والمأساة أخذ كلمات كثيرة، ولكن السبب وراء كل ذلك لم يأتِ إلاَّ في جُمْلَتين قصيرتين: حُبّ الدنيا، وكراهية الموت.

إن المسلمين تعلَّقوا بالدنيا تعلُّقًا غير مقبول، حتى صاروا يكرهون الموت في سبيل الله، وأُمَّة ترهب الموت لا بُدَّ أن تُقْهَر، وأُمَّة تعشق الدنيا لا بُدَّ أن تذلَّ، والدنيا ملعونة كما ذكر رسولنا صلى الله عليه وسلم، والمتمسِّك بها يهلك، ليس هذا فقط بل وتضيع منه الآخرة.

إن هذا السبب يُفَسِّر لنا التخاذل الرهيب الذي رأيناه من جموع المسلمين التي كانت تخرج إلى الصليبيين وهي تحمل الهدايا النفيسة، والأموال الطائلة، لكي يتركونهم "يعيشون"! مجرَّد حياة، أيًّا كانت هذه الحياة، وهذا -والله- هو الهوان بعينه.

هكذا حُصِرَ المسلمون المتمسِّكون بدُنياهم في بيت المقدس، وراقب المسلمون البعيدون عن القدس الموقف في سكون، ينتظرون اليوم الذي ستدور عليهم فيه الدوائر!!

المراجع

[1] Michaud: op. cit. 1, pp. 362-363.


[2] Guillaume de Tyr, 1, pp. 305-306.


[3] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/13، 14.


[4] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 7/309، وابن كثير: البداية والنهاية 11/266، 267.


[5] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/390


[6] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/418.


[7] ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص135.


[8] سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/191.


[9] ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص135.


[10] Setton: op. cit., vol. 1, p. 316.


[11] توديبو: تاريخ الرحلة إلى بيت المقدس ص294-299، وليم الصوري: تاريخ الأعمال المنجزة في ما وراء البحر 1/358، والمؤرخ المجهول: أعمال الفرنجة وحجاج بيت المقدس ص277.


[12] أرسوف: مدينة على ساحل بحر الشام بين قيسارية ويافا. ياقوت الحموي: معجم البلدان 1/151.


[13] Aِlbert d`Alex, p. 460.


[14] المؤرخ المجهول: أعمال الفرنجة وحجاج بيت المقدس ص277، فوشيه الشارتري: تاريخ الحملة إلى القدس ص70، وليم الصوري: تاريخ الأعمال المنجزة في ما وراء البحر 1/400.


[15] Raymond d`Alx. P. 299; Chalandon:p. 267; Grousset: 1, pp. 150-151.


[16] Albert d`Aix, p. 292.


[17] أبو داود: كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على أهل الإسلام (4297)، وأحمد (22450) واللفظ له، والطيالسي (992)، وابن أبي شيبة في مصنفه 7/463، والبيهقي في شعب الإيمان (10372)، وأبو نعيم في الحلية 1/182، وقال الألباني: صحيح (8183) صحيح الجامع.

الثلاثاء، 9 مارس 2021

عبد الرحمن الداخل .. القائد والإنسان

عبد الرحمن الداخل .. القائد والإنسان

 أ.د. راغب السرجاني

لولا عبد الرحمن الداخل لانتهى الإسلام من الأندلس بالكلية، هكذا قال المؤرِّخون عن عبد الرحمن الداخل، وإنَّا لتعلونا الدهشة ويتملَّكنا العجب حين نعلم أن عمره حينذاك لم يتجاوز الخامسة والعشرين عامًا، أي في سنِّ خريج الجامعة في عصرنا.

مَلَكٌ من السماء، أم ماذا هو؟! لن نذهب بعيدًا، وسنترك الحديث عنه إلى ابن حيَّان الأندلسي، الذي يقول مُستَعرِضًا بعضًا من صفات عبد الرحمن الداخل:

«كان عبد الرحمن راجح الحلم، راسخ العلم، ثاقب الفهم، كثير الحزم، نافذ العزم، بريئًا من العجز، سريع النهضة، متصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دَعَة، ولا يَكِلُ الأمور إلى غيره، ثم لا ينفرد في إبرامها برأيه، شجاعًا مقدامًا، بعيد الْغَوْرِ، شديد الحدَّة، قليل الطمأنينة، بليغًا مفوَّهًا، شاعرًا محسنًا، سمحًا سخيًّا، طلق اللسان، وكان يلبس البياض ويعتمُّ به ويُؤْثِره، وكان قد أُعْطِيَ هيبة من وَلِيِّه وعدوِّه، وكان يحضر الجنائز، ويُصَلِّي عليها، ويُصَلِّي بالناس إذا كان حاضرًا الجُمَع والأعياد، ويخطب على المنبر، ويعود المرضى»[1].

شخصية تُشخِص الأبصار وتَبْهَر العقول، فمع رجاحة عقله وسعة علمه كان لا ينفرد برأيه، فإذا اجتمعت الشورى على رأي كان نافذ العزم في تطبيقه –رحمه الله، ومع شدَّته وحزمه وجهاده وقوَّته كان –رحمه الله- شاعرًا محسنًا رقيقًا مُرهَف المشاعر.

ومع هيبته عند أعدائه وأوليائه إلاَّ أنه كان يتبسَّط مع الرعية، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويُصَلِّي بهم ومعهم، ومع كونه شديد الحذر قليل الطمأنينة، لم يمنعه ذلك من معاملة الناس والاختلاط بهم دون حرَّاس، حتى خاطبه المقرَّبُون في ذلك وأشاروا عليه ألاَّ يخرج في أوساط الناس حتى لا يتبسَّطوا معه[2].

ونستطيع أن نفهم شخصيته بصورة أوضح حين نعلم كيف كان في معاملته للناس، فقد جاء أن أحد الناس طلب منه حاجةً أمام أعين الحاضرين، فقضاها له، ثم قال له: «إذا أَلَمَّ بك خطب أو حزبك أمرٌ فارفعه إلينا في رقعة، لا تعدوك كيما نستر عليك خلتك، ونكف شمات العدوِّ عنك بعد رفعك لها إلى مالكك ومالكنا -عزَّ وجهه- بإخلاص الدعاء وصدق النية»[3].

إنها لَتربية ربَّانية لشعبه؛ فهو يُريد –رحمه الله- أن يربط الناس بخالقهم، يُريد أن يُعَلِّمهم أن يرفعوا حاجتهم إليه U أولاً، يُريد أن يُعَلِّمهم أنه U يملكه ويملكهم جميعًا، ثم مراعاةً لعواطف النفس الداخلية، وحفظًا لماء وجه الرعية عند السؤال قال له: فارفع إلينا حاجتك في رقعة كي نستر عليك ولا يشمت أحدٌ فيك.

وها هو ذا –رحمه الله- لما انتصر على ثائر سرقسطة الحسين الأنصاري، «أقبل خواصُّه يُهَنِّئُونه، فجرى بينهم أحدُ مَنْ لا يُؤْبَهُ به من الجند، فهنَّأه بصوت عال. فقال: والله! لولا أن هذا اليوم يوم أسبغ عليَّ فيه النعمة مَنْ هو فوقي فأوجب عليَّ ذلك أن أُنْعِمَ فيه على مَنْ هو دوني لأصلينك ما تعرضت له من سوء النكال، مَنْ تكون حتى تُقبل مهنِّئًا رافعًا صوتك غير متلجلج ولا متهيب لمكان الإمارة، ولا عارف بقيمتها، حتى كأنك تخاطب أباك أو أخاك؟! وإن جهلك ليحملك على العود لمثلها، فلا تجد مثل هذا الشافع في مثلها من عقوبة. فقال: ولعلَّ فتوحات الأمير يقترن اتصالها باتصال جهلي وذنوبي، فتشفع لي متى أتيت بمثل هذه الزلة؛ لا أعدمنيه الله تعالى. فتهلَّل وجه الأمير وقال: ليس هذا باعتذار جاهل. ثم قال: نَبِّهونا على أنفسكم، إذا لم تجدوا مَنْ يُنَبِّهنا عليها. ورفع مرتبته وزاد في عطائه»[4]. فهو هنا على رغم غضبه لمقام الإمارة إلاَّ أنه حلم عليه ولم يُعاقبه بل زاد في مكافأته؛ لَمَّا تكشَّفت له حكمة الجندي وفصاحته.

عبد الرحمن الداخل.. الإنسان


مع المدَّة الكبيرة التي حكمها القائد عبد الرحمن الداخل، ومع امتداد عمره، وموقعه القيادي في أي مكان ينزل فيه، مع هذا كله؛ لم يُؤْثَر عنه أيُّ خلق ذميم أو فاحش، بل مدحه العلماء بالعلم والفضل وحُسن الخلق؛ مما يدلُّ على إنسانيته السامية، ومعدنه النفيس، وأخلاقُ الإنسان الحقيقية لا تظهر بوضوح إلاَّ في وقت الشدَّة، وحياة عبد الرحمن كلها شدائد وحروب؛ مما يُظْهِر أخلاقه بوضوح أمام أيِّ باحث في التاريخ، ويُحَدِّد ما إذا كانت حسنة أو سيئة.

وكان عبد الرحمن الداخل خطيبًا مفوَّهًا يرتقي المنابر ويعظ الناس، فهو كما نعرف نشأ في بيت الإمارة، وهكذا الأمراء في ذلك العصر، كما كان -أيضًا- شاعرًا مرهف الحسِّ، قال سعيد بن عثمان اللغوي الذي توفي سنة أربعمائة: كان بقُرْطُبَة جَنَّة حديقة اتخذها عبد الرحمن بن معاوية، وكان فيها نخلة أدركتُها، ومنها تولَّدت كل نخلة بالأندلس.

قال: وفي ذلك يقول عبد الرحمن الداخل: [الكامل]

يَا نَخْلُ أَنْتِ غَرِيبَةٌ مِثْلِي 
فِي الْغَرْبِ نَائِيَةٌ عَنِ الأَصْلِ

فَابْكِي وَهَلْ تَبْكِي مُكَيَّسَةٌ 
عَجْمَاءُ لَمْ تُطْبَعْ عَلَى خَيْلِ؟

لَوْ أَنَّها تَبْكِي إذًا لَبَكَتْ 
مَاءَ الْفُرَاتِ وَمَنْبِتَ النَّخْلِ

لَكِنَّهَا ذَهِلَتْ وَأَذْهَلَنِي 
بُغْضِي بَنِي الْعَبَّاسِ عَنْ أَهْلِي[5]

ومن شعره أيضًا: [الخفيف]

أَيُّهَا الرَّاكِبُ الْمُيَمِّمُ أَرْضِي 
أَقْرِ مِنْ بَعْضِي السَّلامَ لِبَعْضِي

إِنَّ جِسْمِي كَمَا عَلِمْتَ بِأَرْضٍ 
وَفُؤَادِي وَمَالِكِيهِ بِأَرْضِ

قُدِّرَ البَيْنُ بَيْنَنَا فَافْتَرَقْنَا 
فَعَسَى بِاجْتِمَاعِنَا اللهُ يَقْضِي[6]

عبد الرحمن الداخل وفكره العسكري

تمتَّع عبد الرحمن الداخل بفكر عسكري في غاية الدقَّة والعجب؛ فحياته كُلُّها -تقريبًا- حروب ومناوشات منذ سقوط خلافة بني أمية وحتى وفاته، مرورًا بفراره عبر البلاد والصحارى والقفار والبحار، وانتهاءً بالثورات الكثيرة التي تغلَّب عليها بلا استثناء؛ ليُوَطِّد مُلكه في بلاد الأندلس دون منازع.

ولولا ذكاؤه العسكري ما تغلَّب على كل هذه الثورات، التي يحار العقل في كثرتها، وكيف قضى عليها جميعًا، ونعرض هنا لبعض ملامح فكره العسكري من خلال مواقفه في معاركه وبطولاته، التي شغلت طول حياته وعرضها؛ ومن هذه الملامح:

أولاً: مبدأ المباغتة والحرص على المبادأة

فهو يُخَطِّط بدقَّة من أجل الوصول إلى أهدافه، ثم هو لا يترك لخصومه الفرصة، بل يُسرع ليُباغتهم وهم في بداية أعمالهم القتالية المضادَّة له، والتاريخ يُؤَكِّد أن أفضل وسيلة للقضاء على أعمال التمرُّد هو تطويقها منذ بداياتها الأولى، وعدم السماح لها بالتطوُّر، والعمل على خنقها وهي لا تزال في مهدها، ويظهر هذا المبدأ واضحًا في معركة المصارة، فقد بات ليلته يستعدُّ للحرب بينما كان خصمه يحاول خداعه، بحُجَّة تأجيل القتال، وكانت المباغتة كاملة؛ بحيث لم تتمكَّن القوات المضادَّة من الصمود، على الرغم مما أظهرته في البداية من ضروب الشجاعة[7]، والأمر مماثل بالنسبة لبقية حروب الأمير عبد الرحمن ومعاركه؛ حيث كان للمباغتة دور كبير وحاسم في تقرير نتائج القتال من قبل أن تبدأ المعركة.

ولم يكن حرص عبد الرحمن الداخل على الاحتفاظ بالمبادأة أقل من حرصه على المباغتة، فهو يحاول باستمرار وضع خصومه أمام مواقف تحرمهم من حرية العمل، ويفرض عليهم زمن المعركة، وكان في معاركه كلها يُجَابه قادة على درجة عالية من الكفاءة، فكان لا بُدَّ له من البحث عن الوسيلة التي تحرمهم من استخدام قدراتهم وإمكاناتهم.

ثانيًا: الاقتصاد في القوى والمحافظة على الهدف

وتظهر أهمية هذين المبدأين عند مطالعة سيرته، فقد كانت حياته سلسلة متصلة الحلقات من الوقائع والمعارك، وكان لا بُدَّ من الموازنة المستمرَّة بين الأهداف المتتالية للحرب، وبين القوى والوسائط اللازمة للتعامل معها، مع إعطاء الأولوية للأهداف الأكثر أهمية وخطورة عندما يظهر أن هناك أكثر من هدف يجب التعامل معه في وقت واحد، وهذا ما كان يحدث في معظم الأحيان، وأمام هذه المواقف بمجموعها كان لا بُدَّ من إجراء حسابٍ دقيقٍ لموازين القوى؛ بحيث يمكن استخدامها على أفضل صورة وفي أحسن وجه، وهذا ما أَكَّدته مجموعة الأعمال القتالية للأمير عبد الرحمن.

حياة صقر قريش في سطور

لقد كانت حياة القائد العظيم عبد الرحمن الداخل وقفًا على الجهاد وإقامة الدولة الإسلامية، وتثبيت بُنيانها، وإرساء دعائمها، ورَدِّ الطامعين فيها، فكانت الأيام التي عاشها الأمير عبد الرحمن في طمأنينة وراحة لا تزيد على أيام قليلة، وكانت حياته حركة مستمرَّة في تنظيم الجيوش، وعقد الرايات، وتوجيه القوَّات، وتحصين الثغور، والقضاء على الفتن والثورات، ووضع أُسس البنيان الحضاري.

وفاته

عاش عبد الرحمن الداخل تسعًا وخمسين سنة؛ منها تسع عشرة سنة في دمشق والعراق قبل سقوط دولة الأمويين، وستُّ سنوات فرارًا من بني العباس وتخطيطًا لدخول الأندلس، وأربع وثلاثون سنة في المُلك ببلاد الأندلس، وتُوُفِّي بقُرْطُبَة ودُفِنَ بها في جُمادى الأولى 172هـ= أكتوبر 788م[8].



[1] المقري: نفح الطيب، 3/37.


[2] انظر: المقري: نفح الطيب، 3/37.


[3] المصدر السابق، 3/39.


[4] انظر: المقري: نفح الطيب، 3/41، 42.


[5] الذهبي: تاريخ الإسلام، 11/241، وانظر: ابن الأبار: الحلة السيراء، 1/37.


[6] الذهبي: تاريخ الإسلام، 11/241، 242، وانظر: ابن الأبار: الحلة السيراء، 1/36.


[7] المقري: نفح الطيب، 3/33.


[8] انظر: مجهول: أخبار مجموعة، ص105، وابن عذاري: البيان المغرب، 2/58، والمقري: نفح الطيب، 3/48.




الأربعاء، 21 أغسطس 2013

قلوب الشياطين د. راغب السرجاني

قلوب الشياطين 
قناصة يضربون المتظاهرين في رمسيس بالقاهرة




مشاهد عجيبة يراها المتابع لأحوال مصر في هذه الأيام.. فالبلد المسلم يشهد سفكًا عجيبًا للدماء، وامتهانًا للكرامة نادر الحدوث، وظلمًا شديدًا يخرج عن تصورات البشر، اللهم ما رأيناه من بشار الأسد، ومِنْ قَبْله والده المقبور حافظ الأسد..
إن هذا القتل العام بهذا الدم البارد ليحتاج إلى تفسير، فنحن عادة نفهم أن الحكام والوزراء مفتونون بكراسيهم، ومن أجلها يفعلون أي شيء، ويرتكبون أشنع الجرائم؛ ولكن الذي يحيُّرنا دومًا هم الحاشية والجنود والأتباع؛ الذين يرتكبون أبشع المنكرات لصالح أسيادهم، فيبيعون دينهم بدنيا هؤلاء، ويرضون بحمل السلاح في وجه إخوانهم وأبنائهم وجيرانهم وأصدقائهم وأبناء بلدهم؛ وذلك من أجل أن يرضى عنهم قائد أو مدير يكيل لهم الشتائم والإهانات كل يوم، فمجتمعهم هذا لا يحب فيه أحد أحدًا، ولا يُخلص فيه أحد لأحد، إنما الرابط الوحيد بينهم هو القهر والتسلط والمصلحة والإرهاب.
عجيب حقًّا أمر هؤلاء الأتباع!!
عجيب حقًّا أمر الجنود والضباط الذين نراهم يُطلقون النيران على الشباب الأعزل؛ بل ويتمايلون ضحكًا وطربًا وهم يرونهم يسقطون غرقى في دمائهم..
عجيب أمر هذا الضابط الذي يُريد أخذ صورة له، وفي خلفيته مجموعة من جثث الشهداء..
عجيب أمر هذا القناص الذي يقف أعلى الكوبري يمضغ اللبان ويُطلق النيران على امرأة تحمل هاتفًا تُصَوِّر به، أو على شاب يحمل جريحًا يُحاول إنقاذه!
عجيب أمر هؤلاء المجرمين الذين يحرقون الخيام وفي داخلها بشر!
مَنْ هؤلاء العتاة الذين يحملون الأسلحة في وجوه إخوانهم وأهلهم؟!
كنت أتعجب من طبيعتهم وقدرتهم على إنكار مشاعرهم، حتى قرأتُ حديثًا يصف نوعية هؤلاء الرجال..
فقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الوضع الخبيث بألفاظ عجيبة..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في جزء من حديث طويل يرويه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وهو يصف هذه الفئة العجيبة من البشر: "يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ" ! [1]
ما أعجب هذا الوصف؟!
إن النصف الأول من الوصف يرسم صورة الحكام والوزراء.. فهم أئمة لا يهتدون بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يستنُّون بسُنَّته، وهذا أمر مشتهر بين الحكام الظلمة أصحاب الهوى، فلن يهتم أحد منهم بالبحث عن سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو الحرص على اتباعها؛ بل إن منهم مَنْ يُخالفها عمدًا خوفًا من أن يُنسَب إليه الدين أو الفضيلة.
ولكن النصف الثاني من الوصف يتحدَّث عن هذه الطائفة العجيبة التي تُثبِّث أقدام الظالمين في الحكم؛ فهي في واقع الأمر ليست طائفة بشرية عادية، بل إنَّ لهم -كما في الوصف النبوي- قلوب الشياطين، وإن كان الشكل الخارجي لهم شكل إنسان!!
إنهم شياطين إذن!
ولهذا ليس هناك معنى لكلمة الرحمة والشفقة في قواميسهم..
إن الأمر الذي يتلقَّوْنَه بالقتل هو أمر عادي تمامًا ليس فيه ما يُنَغِّص المشاعر، أو يُوقظ الأحاسيس، إنهم في الغالب يسعدون به ويبتهجون! لماذا؟! لأنهم شياطين! وهذا تعريف رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم.
وهؤلاء الشياطين هم الذين يدعمون بقاء الظلم في الأرض؛ فالحكام الباطشون الظالمون لا يمارسون بأيديهم القتل أو السفك، إنما يرهبون الناس بهؤلاء الإجراميين؛ ولهذا فإنهم في العذاب مشتركون يوم الحساب، وما أكثر الآيات التي صوَّرت هذا المشهد الأليم يوم القيامة! حيث يتلاوم الأتباع مع قادتهم في محاولة لدفع العقوبة الرهيبة عن أنفسهم؛ ولكن هيهات! فبدونهم لم يكن للظلم أن يستشري في البلاد..
قال تعالى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ[غافر: 47، 48].
لقد وَضَحَ في هذه الآيات أن الله عز وجل لا يخصُّ الكافرين بهذه العقوبة الأليمة؛ إنما هو يذكر أن المستكبرين في الأرض بشكل عامٍّ، ومن يدعمهم من الضعفاء -كالجنود والضباط الأقل رتبة- الذين "يمارسون" القتل والظلم "بأمر" الحاكم المتكبر، كلهم سيقابل هذا المصير الأسود..
وفي مشهد عجيب آخر في سورة سبأ، يقول الله تعالى: {... وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ[سبأ: 31]..
هذه هي اللقطة الأولى! الظالمون الواقفون أمام الله عبارة عن مستكبرين وضعفاء؛ فالآية تذكر أن الظالمين يتناقشون ويتلاومون، فيُلقي الجندي التبعة على قائده، أو وزيره، ويقول له: لولا أنت لكنتُ رجلاً صالحًا مؤمنًا صاحب قضية شريفة!!
فتأتي اللقطة الثانية: {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ[سبأ: 32]..
فهذه اللقطة تُوَضِّح أن المستكبرين يفهمون جيدًا طبيعة أتباعهم؛ فهم مجرمون على حدِّ وصفهم، ولهم قلوب الشياطين على حدِّ وصف الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أُتيحت لهم سبل الهداية، وكذلك سبل الإجرام، فاختاروا الظلم على العدل، وقبلوا بسفك الدماء ودعم الفساد، فيكشف هنا المستكبرون التمثيلية القبيحة التي يُحاول أن يقوم بها المستضعفون يوم القيامة.
تأتي اللقطة الثالثة تُصَوِّر محاولة يائسة من المستضعفين بتحميل المستكبرين المسئولية.. قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا[سبأ: 33]..
ثم تأتي اللقطة الرابعة وقد أعلن الجميع عن ندمه بعد فوات الأوان: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ[سبأ: 33]..
 ثم اللقطة الخامسة والأخيرة: {وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[سبأ: 33]..
إن القضية بدأت بالحديث عن الظالمين، وانتهت بالحديث عن الكافرين؛ فطريق الدماء والظلم يحمل هذه النهايات، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم محذِّرًا: "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا[2].
إنها رسالة أُوَجِّهُهَا بعد قراءة هذه الآيات والأحاديث لعموم مَنْ يُطلقون على أنفسهم: "عبد المأمور". ليُسَوِّغوا لأنفسهم قتل العزَّل من أبناء شعبهم، أقول لهم: أنقذوا أنفسكم من النار، فلن يتحمَّل عنكم أسيادكم شيئًا، والقتيل الواحد قد يحرمك من دخول الجنة أبدًا.. قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا[النساء: 93].. لا تُبَرِّر لنفسك بأنك مسلم وموحِّد بالله، فالآية تتحدث عن القتلة بشكل عامٍّ.
ورسالة أُوَجِّهُهَا لأهل هؤلاء المشاركين في هذه الجرائم: أنقذوا إخوانكم وأزواجكم وأبناءكم وآباءكم.. تحدَّثوا معهم وانصحوهم؛ فالأجل يأتي فجأة، وهذا طريق نهايته مؤلمة.. لا تتركوهم على هذا المنكر؛ فالتوبة لا تكون إلا هنا في الحياة الدنيا، والموت يأتي بغتة.
ورسالة أخيرة أُوَجِّهُهَا إلى الصالحين الذين يُعانون من ظلم هؤلاء الظالمين؛ سواء كان ظلم المستكبرين أو أتباعهم من الضعفاء: احمدوا الله أنه لم يختر لكم هذا المصير، واحمدوه على ما عافاكم به من الشرِّ الذي وقع بهم، ونظرة واحدة إلى هذه النهايات تثلج صدوركم، وتخفف عنكم، فالآيات التي شرحتْ هذه المشاهد جاءت لردع الظالمين، وفي الوقت نفسه لتبشير المؤمنين، وتسكين قلوبهم..
والتعيس حقًّا من كان قلبه قلب شيطان!!
ونسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين.
د. راغب السرجاني

[1] مسلم: كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال وتحريم، (1847).
[2] مسلم: كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، (118)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

الجمعة، 16 أغسطس 2013

ولا تهنوا ولا تحزنوا

ولا تهنوا ولا تحزنوا
د. راغب السرجاني
في مثل هذه الأجواء المضطربة قد ينسى المؤمن بعض الأمور التي يتحتم عليه أن يضعها في حسبانه، ومن ثم وجب علينا أن نذكرَّ بها دومًا، حتى لا تنحرف السفينة، ويضل الصالحون الطريق .. قال تعالى:{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ[الذاريات:55].
ينبغي أن نتذكر دومًا أن العلو مقرون بالإيمان، ولقد قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[آل عمران:139]، فلو أدركت أن الله عز وجل أنزل هذه الآية بعد مصيبة كبيرة أحزنت المسلمين، لفهمت أن المعايير في عين الله تعالى مختلفة، فهو يؤكد أن المسلم المؤمن مرتفع عن غيره، وأعلى من كل البشر، بإيمانه لا بسلطاته، وبعقيدته لا بكرسيه، فزيدوا من إيمانكم يرفع رب العزة من شأنكم، ويرفع قدركم..
وينبغي أن نتذكر أن الله هو مالك الملك، وهو سبحانه كما قرر {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ[آل عمران: 26]، وإنما جعل ذلك بأسباب يتعارف عليها الناس في الدنيا، فيجعل رجلاً أو هيئة أو موسسة سببًا في وصول الملك لإنسان، أو نزعه من آخر، ولكن لا ينبغي أن ننخدع فنظن أن هذه الأسباب الواهية هي التي أعطت الملك أو نزعته، إنما الأمر كله لله، فصححوا عقيدتكم تؤجروا وتنصروا..
وينبغي أن نتذكر أن "كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ"، فليس هناك في البشر – إلا الأنبياء المعصومين – من لا يخطئ، وإن كان الخطأ كبيرًا عوقب المؤمن في الدنيا، وهذه رحمة من الله عز وجل، لأن هذا تكفير للذنوب قبل لقاء يوم القيامة، وهو في ذات الوقت لفت لنظر المؤمن حتى يصحِّح المسار، ويعدِّل الطريق، فلتكن هذه اللحظات لحظات مراجعة للأعمال وحساب للنفس، وبحث دقيق عن العيوب والذنوب، وتوبة صادقة إلى الله، وإنابة كاملة إليه، وعندها يتحول الخطأ إلى مصلحة، والضرر إلى نفع، فيستقيم طريق المؤمن، وتصح بهذه العقيدة حياته.
وينبغي أن نتذكر أن الله عز وجل لم يخيِّرنا في مسألة الأمل والتفاؤل، فقد قال بشكل حاسم: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ[يوسف: 87]، فلا وجود لكلمة اليأس في قاموس المسلمين، إنما هي دروات وأيام، وفي كل أحوالنا فنحن متفائلون مطمئنون، ونحن سعداء أننا ننتمي لهذا الدين، ونقرأ هذا القرآن، ونتبع هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ونؤمن أن الله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ونعتقد أن الله بالغ أمره، ونتيقن أن العاقبة للمتقين..
وينبغي أن نتذكر أن الله يحب أن يصطفي بعض عباده فيتخذهم شهداء، ليرفع مكانتهم، ويعز قدرهم، وأن هؤلاء الشهداء هم الفائزون حقًا، فهذه مصارع الأخيار، ولا تتعلق هذه النهاية السعيدة بالاختيارات السياسية التي يختارها بعض القواد، ولا بالقرارات المتخذة في أرض الميدان، إنما الأمر متعلق بشئ وقر في صدور الشهداء، وقد اصطفاهم الله به، وينبغي لنا أن نتذكر أننا ما زلنا إلى الآن نزور شهداء موقعة أحد، مع أنهم استشهدوا في خطأ كارثي - لا يد لمعظمهم فيه - أدى إلى مصيبة كبيرة، فاللهم ارفع من درجات الشهداء الذين ماتوا في سبيلك، وأنزل على أهلهم سكينة من عندك وصبرًا.
وينبغي أن نتذكر أن الحزن الذي يصيبنا في بعض أوقات هذه الدنيا، والألم الذي يعتصر قلوبنا في بعض مواقف هذه الحياة هو في الحقيقة خير كبير لا نعلم مداه، فبه يكفِّر الله الخطايا، وبه يرفع الدرجات، وبه ينقِّي الصف، وبه يطهِّر القلب، وبه يقترب الإنسان من خالقه سبحانه.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ، وَلَا نَصَبٍ، وَلَا سَقَمٍ، وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ، إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ"، ولقد كانت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم سلسلة من الأحزان، ولم يعطِّل ذلك مسيرته، أو يوهن عزيمته، بل اعتبر ذلك دليل علو الإيمان، فقال صلى الله عليه وسلم حين سئل عن أي الناس أشد بلاء؟ قال: "الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلَاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ".
وينبغي أن نتذكر أن الثبات هبة من الله عز وجل، فينبغي أن نكون أهلاً لهذه الهبة، وهي تؤتى للمؤمنين العاملين.. قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}[إبراهيم: 27]، فكلما اقتربت من الله أكثر أنار لك بصيرتك، وثَّبتك في الأمواج المتلاطمة، ويسَّر لك الرؤية الواضحة، فلا تضل ولا تزيغ، فاعملوا في هذا الاتجاه، وطهروا قلوبكم من علائق الدنيا، وأخلصوا للواحد الأحد سبحانه، وعندها ترزقون الثبات في الدنيا والآخرة..
أسأل الله عز وجل أن يحفظ ديننا وأمتنا، وأن يجعلنا من الصالحين..
وأسأله أن يعز الإسلام والمسلمين.


الاثنين، 12 أغسطس 2013

عبادة الأمل

عبادة الأمل

 د. راغب السرجاني 
ما الحياة في الواقع إلا سلسلة متتالية من الاختبارات، والله عز وجل يراقب أعمالنا وأقوالنا وردود أفعالنا في هذه الاختبارات، ومن هذا المنطلق فكل أحوال الدنيا ما هي إلا اختبار، فالعبادات اختبار، والمعاملات اختبار، والمواقف المختلفة التي نمر بها اختبار، ولا تمر لحظة واحدة من لحظات الدنيا إلا وهي اختبار!
ومن هذه الاختبارت المهمة اختبار خطير أسميه "عبادة الأمل"، وهو يكمن في قناعة المؤمن بالأمل في نصر الله وتأييده للمؤمنين، فإن الله عز وجل وعد في مواطن كثيرة من القرآن الكريم، وكذلك من السنة المطهرة بأنه ينصر عباده الصالحين، فقال على سبيل المثال: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ[غافر: 51]، فهو سبحانه في الآية الكريمة يعد بأنه لا ينصر الرسول فقط ولكن ينصر {الَّذِينَ آمَنُوا} كذلك، ولا ينصرهم في يوم القيامة فقط إنما ينصرهم في {الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، فمن الذي يصدق هذه الآية؟ ومن الذي يشك في تحقيقها؟
إن المسألة مسألة اختبار..
الذي يوقن بقدرة الله، وقوته، وإحاطته بكل شئ، وروعة تدبيره للأمور، يوقن يقينًا جازمًا بتحقق الآية، والذي يشك في هذه القدرة، وغير مطمئن إليها، لا يرى النصر ممكنًا، وبين درجة اليقين الكامل في النصر، والشك الكامل فيه، مئات والآف الدرجات حسب درجة الإيمان، فصارت مسألة الثقة في نصر الله من هذا المنظور اختبارا مهمًا يمر به الناس جميعًا..
وحتى يكون الاختبار حقيقيًا فإن الله عز وجل ينزع من المؤمنين أسباب النصر واحدًا تلو الآخر، ثم يعيد اختبار ثقتهم فيه سبحانه، لأن المؤمن إذا كان يمتلك كل الأسباب فإنه يعتمد عليها، ويطمئن إليها، ومن ثم لا يكون اختبار الثقة في الله كاملاً، ولكن إذا نُزعت الأسباب، وهو ما زال على نفس درجة الثقة في الله، فهذا يعني أنه يؤمن إيمانًا حقيقيًا لا يتزعزع مع النوازل والكوارث..
من هنا نفهم بعض الأحداث العجيبة في السيرة النبوية..
لقد أيَّد الله عز وجل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب فترة من الزمن بلغت عشر سنوات كاملة، وكان عمه يحوطه ويمنعه من بطش قريش، وكان المسلمون "يطمئنون" إلى وجود عم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جواره، فإذا بالله عز وجل "ينزع" عمه من الدنيا، فيموت أبو طالب، ويترك رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا إجارة ولا حماية من البشر، فهنا ترتفع وتيرة الاختبار لدى المؤمنين..
هل تطمئنون إلى نصر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم حتى لو غاب عمه أبو طالب؟
نعم نطمئن.. هذه علامة إيمان..
ولكن قد يكون اطمئنانًا راجعًا لقناعتنا بوجود قوى أخرى في الجزيرة العربية قد تساعدنا، وتقف إلى جوار قضيتنا..
فلنذهب إلى الطائف، فلعل ثقيف تساعدنا، وهي إحدى القبائل العظيمة في الجزيرة، وكانت تنافس قريشًا في الشرف، وقد تؤمن بالإسلام لإحداث شئ من التوازن في المنطقة مع قريش..
قد تكون هذه حسابات بعض السياسيين، ولكنها لم تكن في ذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أنه يريد الوصول بالدعوة إلى كل البشر، بصرف النظر عن الأوضاع السياسية المختلفة، ولكنه في النهاية اختبار للمؤمنين..
ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وهناك قابلوه بما نعرف جميعًا.. لقد كذبوه ورفضوا دعوته، بل وطردوه ورجموه وصاحبه زيد بن حارثة رضي الله عنه بالحجارة، وصارت
المصيبة مصيبتين، فالخبر سيطير إلى مكة، وسيتهم أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخابر مع قبيلة أجنبية، وخاصة أنه يطلب النصرة صراحة على قريش الظالمة..
هنا نزع الله عز وجل سببًا آخر من أسباب نصر التي حاول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتلكها.. لقد بذل الجهد، وسار أكثر من مائة كيلو متر سيرًا على الأقدام، وأبدع إبداعًا عظيمًا في إيصال الدعوة بأفضل الطرق، لكن شاء الله عز وجل أن يمنع هذا السبب من مساعدة المسلمين..
فلنحاول إذن اخفاء الأمر عن قريش لكي لا تعرف أنه كان ينوي الاستغاثة بثقيف عليها.. يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حديقة بالقرب من الطائف يحتمي فيها من السفهاء الذين يقذفون عليه الحجارة، ويستريح فيها قليلاً، وقد غطته وصاحبه الدماء، وظهرت عليه مظاهر التعب والإعياء، فإذا بالحديقة مملوكة لاثنين من كبار مشركي قريش: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وإذا هما موجودان في الحديقة، ورأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفا القصة بحذافيرها، وطار الخبر عن طريقهما إلى مكة بأسرع مما يتخيل أحد!
لقد نزع كذلك سبب "الحذر الأمني" الذي كان يرتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن العودة إلى مكة الآن صارت مستحيلة، فلقد أغلقت كل الأبواب، وغاب كل المناصرين، وصار المسلمون وحدهم أمام مدفع المشركين..
هذا اختبار عظيم للثقة في نصر الله.. فليس في أيدينا ما يجعلنا نقول أننا بهذا السبب من المحتمل أن نحقق النصر، فهذا هو الاختبار في قمته!
في هذا الموقف يسأل زيد بن حارثة رضي الله عنه سؤالاً يطمئن فيه على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمانه في الأيام القادمة الخطيرة.. يقول زيد: "كَيفَ تدخُل عَلَيْهِم وهم أَخرجوك؟!"، إن أسباب الأمان كلها منزوعة، واحتمال القتل أكبر من احتمال النجاة، فماذا تعتقد؟ وفيم تفكر؟ وماذا ستفعل؟
يقول صلى الله عليه وسلم: "يَا زيد، إنَّ الله جاعلٌ لِما ترى فَرَجَاً ومَخْرَجاً، وإنَّ الله ناصرُ دينه، ومُظهر نبيّه"
الله أكبر!!
هذا ما نعنيه بعبادة الأمل.. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعبد اللهَ عز وجل بالثقة في نصره، فكما اختبرنا اللهُ عز وجل بالإيمان باليوم الآخر، ونحن لم نره، واختبرنا بالإيمان بالرسل السابقين ونحن لا نعرفهم، واختبرنا بالتصديق بوجود الملائكة ونحن لم نر واحدًا منهم، كذلك اختبرنا بالثقة في نصره مع عدم وجود سبب واحد يدعم هذه الثقة، إلا أننا فقط نصدق ما قاله الله، وما بلغ عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذه الثقة المتناهية في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تمنعه من العمل، فراسل الأخنس بن شريق، ليدخل في جواره ليحميه من بطش القرشيين، ولكنه رفض، فراسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً آخر هو سهيل بن عمرو، فرفض هو الآخر، فراسل ثالثًا هو المطعم بن عدي فقبل، ومن ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في إجارته، وأكمل دعوته..
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف من أين ستأتي النجدة، بدليل أنه راسل في البداية رجلين لم يستجيبا له، فراسل الثالث فاستجاب، ولو رفض الثالث لراسل غيرهم وغيرهم، ولو رفضوا جميعًا لفتح الله عز وجل له بابًا جديدًا من أبواب النصرة..
إن النصر محقق لا محالة، ولكن المسألة مسألة اختبار.. فإذا اطمئن المؤمنون إلى وعد الله جاءهم النصر من عنده، وإن تشككوا واعتمدوا على قوى الأرض، وظنوا أن النصر يأتي بدعم فلان أو غيره من البشر والهيئات والدول، تأخر النصر وقد يضيع بالكلية..
إننا في اختبار خطير أيها المؤمنون..
ووجه الخطورة أن معظم البشر للأسف يفشلون في اختبار عبادة الأمل، فقد قال الله تعالى: {...وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[يوسف:21]، فأكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة، وكلما نزع الله عز وجل سببًا من أسبابا النصر ظنوا أن الأمل في نصر الله صار غير واقعي، ومن هنا تحدث الكارثة، بينما الواجب عليهم أنهم إذا رأوا الأسباب تُنزع علموا أنهم في عمق الاختبار، وأن عليهم أن يرفعوا درجة يقينهم أكثر وأكثر، وعندها سيجدون أن نصر الله صار قريبًا أكثر مما يتصورون..
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ[البقرة: 214]
ونسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين.

الثلاثاء، 6 أغسطس 2013

عودة مرسي

عودة مرسي 

 د. راغب السرجاني
اللهم أرجع لنا الدكتور مرسي سالماً غانمًا ممكَّنًا مطمئنًا..
هذه دعوة عامة الصالحين في مصر وبلاد العالم الإسلامي كلها.. ذلك أن الدكتور الخلوق لم يكن مجرد رئيس منتخب خانه مرءوسيه وأجهزة دولته من جيش وشرطة، وإعلام وقضاء، إنما كان يمثل لنا جميعًا بداية المشروع الإسلامي الكبير الذي ظلت الحركة الإسلامية تحلم به عشرات السنين.
اللهم أرجع لنا الدكتور مرسي سالماً غانمًا ممكَّنًا مطمئنًا..
تُرى كيف يمكن أن يعود الدكتور مرسي إن شاء الله!
إنه يعود بإذنه تعالى إذا عقدنا عهدين واضحين حاسمين مع الله عز وجل..
أما العهد الأول فإنه تعهد منا إنه إذا أعاد الله عز وجل لنا الدكتور مرسي، والحكومة السليبة، فإننا سنجعلها على منهاج النبوة!
إن الحكومة على منهاج النبوة مختلفة كثيرًا عن تصورات بعضنا لبناء الدولة، وقد فصَّلت قبل ذلك كثيرًا في هذا الأمر في محاضراتي السابقة، وخاصة في محاضرة نظرية هرم بناء الدولة، وستجدونها موجودة على موقع قصة الإسلام كخطبة جمعة، وكبرنامج في الفضائيات، وكمحاضرة في مؤتمر، وقريبًا ستجدونها في مقال إن شاء الله..
إن البناء النبوي لدولته صلى الله عليه وسلم لم يكن هدفه الأول توفير معيشة أفضل لشعبه على ظهر هذه الحياة الدنيا، ولم يكن يهدف في المقام الأول إلى توفير طعام أفضل، وشراب أكثر، ومسكن أوسع، وطاقة أقوى، وما إلى ذلك من رغبات الناس ومطامحهم.
نعم أنا أدرك أن الشعب "يريد" ذلك، لكن الله لا يريد ذلك من عباده!
بل عندما ذكر الله أمر الكافرين الفاسقين الفاجرين قال: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ[الحجر: 3].
لقد كانت فلسفة الحركة الإسلامية في فترة السنة الماضية هي أن "الشعب" لم يعتد الكلام عن الإسلام والدين والشريعة، فليكن اكتساب الناس عن طريق توفير أساسيات الحياة من الطعام والشراب والوقود والمال، فإذا استراحت الناس لذلك عرضنا عليها الإسلام الذي نتمناه، ومن ثم فإن تغييب كلمة الإسلام عن خطاباتنا ومناهجنا كان الأصل، وصار كلامنا مشابهًا لكلام أي حكومة إصلاحية في أي دولة غربية غير إسلامية.. كانت وعودنا دومًا بإصلاحات مادية أرضية دنيوية بحتة..
هذا - في اعتقادي - ليس المنهج النبوي!!
أنا أدرك أن النوايا طيبة، لكن النوايا الطيبة لا تكفي، بل لابد من موافقة السُنَّة النبوية..
كانت سنَّته صلى الله عليه وسلم هي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وذلك في أول أيام دعوته.. وقد أعلن ذلك صراحة في "كل" خطاباته.
وليس في هذا تدرج..
اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد!
مهمتنا أن يعبد الناس رب العالمين عبادة صحيحة، ولابد أن تكون هذه هي قضيتنا "المعلنة بوضوح" في خطاباتنا السياسية، وفي إعلامنا، وفي برامجنا الإصلاحية، وفي مفاوضاتنا وحواراتنا ومداخلاتنا..
نحن نهدف إلى تطبيق الشريعة، ولذلك سعينا للحكم..
ولو كان الحكم فقط لإمتاع الناس في الدنيا فنحن لا نريده..
ينبغي أن نشرح للشعب نعمة تطبيق الشريعة، ويمكن أن نطمئنهم أن التطبيق سيكون متدرجًا، ولكن بقدر! قد يكون على شهور أو سنوات قليلة جدًا..
لابد أن يدرك الشعب عن طريق ساستنا وعلمائنا أن الحدود لو طبقت ما وجدنا البلطجة بهذه الصورة، وأن التعامل بالربا لو وقف ما تعرضنا لحرب الله ورسوله، وأن الزكاة لو أخذت من الناس لعمت البركة في مالنا وحياتنا، وأن إعلامنا لو انضبط بضوابط الشرع ما حدثت الفتنة في الشوارع..
أنا أعلم أن هذا - في حسابات بعضنا - لن يرضي الناس..
لكن ها نحن قد جربنا بصدق إرضاء الناس، وترك الكلام في الدين، وجعل إشارات تطبيق الشريعة غير مباشرة، فماذا كانت النتيجة؟
هل رضي الناس؟!
لم يرض الناس، ولن يرضوا أبدًا.. أبدًا.. أبدًا، ونخشى أن يكون الذي أسخطهم هو الله عز وجل! وذلك أننا قدمنا مايريده "الناس" على ما يريده "الله"، فأنفقنا الأوقات والأموال والبرامج في إعداد ما يرضي الناس، وجاء إعلاننا عما يُرضي الله عز وجل باهتًا ضعيفًا يستحي من الظهور..
وأنا أعلم أن التدرج مهم، وأعلم أن الكثير منا متخوف من أن العالم كله سيحاربنا..
أقول لكم: أولاً عودوا إلى سيرة نبيكم صلى الله عليه وسلم، وانظروا كيف بنى دولته.. إنه لم يترك مناسبة من أول يوم إلا وتحدث فيها عن الدين، وتحكيم الله في حياتنا، والبعث والحساب، وربط كل أعمال شعبه بالحسنات والسيئات، وبالجنة والنار.. يفعل ذلك وشعبه خليط من المؤمنين واليهود والمشركين.
ثم أقول لكم ثانيًا: وماذا يفعل العالم معكم أكثر مما يفعل الآن؟
وهل هناك حرب أشد على الإسلام مما نراه في أيامنا هذه؟
يا إخواني وأخواتي، ويا أبنائي وبناتي: لا تضيعوا أوقاتكم في اجتهادات عقلية مخالفة لطريقته صلى الله عليه وسلم، فإنها والله لن تورثكم إلا الخسارة..
أعلونها صريحة: إسلامية إسلامية..
ونحن قد نكون على أبواب انتخابات جديدة، على الأقل لمجلس الشعب، فماذا سنقول للناس؟ وما هي أهدافنا من الترشح، والمنافسة على الحكم؟
عاهدوا الله أن تقولوا: إننا نريد تطبيق الزكاة، ومنع الربا، وتطبيق الحدود كاملة، وتحكيم القرآن والسنة في شوارعنا ومنتدياتنا وأعمالنا وإعلامنا.. دون أن نستحي من الناس، ودون أن نخاف من أهل الأرض كلهم..
خذوا هذا العهد الآن يا إخواني وأخواتي، وموتوا عليه..
هذا هو عهدنا الأول مع الله، وهي الأمانة التي حملناها عندما عرضها الله تعالى علينا..
{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا[الأحزاب: 72]
اللهم أرجع لنا الدكتور مرسي سالماً غانمًا ممكَّنًا مطمئنًا..
أما العهد الثاني مع الله فهو ألا نتفرَّق، وأن ننبذ الخلاف والشقاق، وأن نخرج من قلوبنا الشحناء والبغضاء..
لا تُقام الدولة الإسلامية أبدًا على أكتاف مفرقين مشتتين يتنازعون سويًا على شاشات الفضائيات، وأمام جموع الشعب التي تتعرف على الإسلام من خلال رؤية هذه النماذج..
عاهدوا الله ألا نجعل أحزابنا وتياراتنا وحركاتنا سببًا في فرقتنا وتنازعنا.. لا إخوان ولا سلفيين ولا جماعة إسلامية ولاأنصار سنة ولا جمعية شرعية ولا أحزاب ولا فرق.. بل كلنا مسلمون متحدون مترابطون..
احذروا أن تتنابزوا بالألقاب..
احذروا أن تسخروا من علماء أجلاء لا يمثلون حزبكم أو اتجاهكم..
احذروا من الطمع في كرسي أو منصب يجعلكم تحقدون على فصيل دون فصيل..
احذروا من أن تعطوا ظهوركم للإسلاميين بينما تقابلوا بالبشر والترحاب مَنْ تتيقنون أنه يحارب الله ورسوله..
اعتصموا بحبل الله يا إخواني وأخواتي..
إنها حياة واحدة سريعة فاجعلوها لله فقط.. أخرجوا حظ نفوسكم من نفوسكم.. غلِّبوا مصالح إخوانكم على مصالحكم.. تجمَّلوا بالإيثار، واعلموا أن الألفة بينكم أغلى من كل ما على الأرض من متاع..
هذا هو عهدنا الثاني مع الله عز وجل..
لو أخذنا هذين العهدين بصدق مع الله أعاد الله لنا دولتنا وزيادة..
كيف؟! أنا لا أدري!.
لكنه سبحانه يدري!
{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[آل عمران: 26]..
سيدبِّرها الله عز وجل عندما يرى جيلاً صادقًا أخذ العهدين معه..
ولا يحتاج هذا إلى وقت طويل، ولا إلى عمر مديد.. بل سيكون قريبًا إن شاء الله..
وسيعود رئيسنا الدكتور مرسي إن شاء الله..
اللهم أرجع لنا الدكتور مرسي سالماً غانمًا ممكَّنًا مطمئنًا..
والأعظم من ذلك سيرضى ربنا عنا، ويريح أفئدتنا، ويشف صدورنا..
رددوا معي يا إخواني وأخواتي، ويا أبنائي ويا بناتي:
اللهم مكِّن لشريعتك في الأرض، واستعملنا لذلك..
اللهم وحِّد صفنا واجمع كلمتنا على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم
اللهم أرجع لنا الدكتور مرسي سالماً غانمًا ممكَّنًا مطمئنًا..
اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين..