‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلسلة رسائل التاريخ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلسلة رسائل التاريخ. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 31 يوليو 2026

تشويه الهُويّة الكردية في سورية: اضطرابات 1946–1963

 تشويه الهُويّة الكردية في سورية: اضطرابات 1946–1963



شفان إبراهيم


فتح رحيل القوات الفرنسية عن سورية الباب واسعاً أمام اضطرابات اجتماعية وسياسية واقتصادية استمرّت قرابة عقدَين. وبشكل خاص، تبلوَر العنف السياسي، وظهرت ديكتاتوريات عسكرية، ونشأ واقع يتعلّق بنظام التعليم والتنمية الزراعية، وغيرها من القضايا التي أثّرت مباشرة في الشعب السوري، وأسهمت في تعميق صراع الهُويّات. تُضاف إلى ذلك ظاهرة استيطان بعض الجماعات الرحّل في أماكن ليست لها، وتطوّر طبقة متوسّطة بين الحضريّين، والصراع العربي– الإسرائيلي. وفي المحصلة، قادت هذه العوامل إلى ديناميات داخلية وإقليمية جديدة، لم يُفسح فيها المجال للكرد للعب دور في إبراز هُويّتهم القومية.

مراحل للاضطرابات

مرّت الاضطرابات في أربع مراحل. الأولى: التغيّرات على المستوى الاجتماعي–الاقتصادي، وتأثّر الكرد بشكل خاص بالمعجزة الزراعية في المنطقة الكردية خلال الخمسينيّات، لا سيّما أنّ الكرد اشتغلوا في الزراعة قبل ذلك، وخلال العهد العثماني، بوصفها أحد عوامل الاستقرار. لكنّ تأثّر الوضع الاقتصادي بظروف الحرب العالمية الأولى وتوقّف الواردات ألزما القوّات الفرنسية وحلفاءها في سورية ولبنان بإنشاء آلية لتوفير التموين، فتأسّس مكتب الحبوب عام 1939، وعُرف بـ"الميرة". واستفاد منه المزارعون الصغار، فبيعت محاصيلهم، وارتفعت الأسعار تدريجياً، وتمكّنوا من استثمار الأرباح للحصول على مواد إضافية ومزيد من الأراضي الصالحة للزراعة.

بدأت المشكلة مع ثلاثة تحوّلات. 

الأول: الأدوار المتقدّمة التي حصل عليها تجّار محافظات الداخل السوري من ذوي رؤوس الأموال الضخمة، ودخولهم في خطّ المنافسة، وحصولهم على امتيازات زراعية ضمن المنطقة الكردية. 

والثاني: تسبّبت التنمية الاقتصادية التي نشأت مع زيادة الإنتاج الزراعي وأدوار التجّار في توتّرات بين التجار الوافدين وزعماء القبائل والعشائر، والتنافس على المكانة الاجتماعية. 

والثالث: انقسام المجتمع الكردي بين طبقة تستحوذ على مواقع سياسية واقتصادية مهمّة، وفئة تضرّرت من التطوّر السريع للزراعة، إذ هُمّشت، واستُغني عن مزارعين وعاملين زراعيين كثيرين، خصوصاً مع زيادة عدد مضخّات المياه في البلاد إلى 5068 مضخّة عام 1951، ما قاد إلى ريّ آلاف الهكتارات، إلى جانب دور الجرار الزراعي.

برّر أغلب قادة الانقلابات العسكرية في سورية تدخّلهم العسكري برغبتهم في "إعادة النظام" إلى السياسة التقليدية في أوقات الأزمات

قادت هذه التحوّلات إلى تمكّن قادة مجتمعيين كرد من ترسيخ وضع اجتماعي عبر تأمين سلطتهم المحلّية والاستحواذ على مواقع سياسية واقتصادية مهمة، فتحولوا إلى وسطاء بين المجتمعات المحلّية والنظام الوطني في تلك الفترة، عبر ما يملكونه من أموال ونفوذ، من دون أن يتحوّلوا إلى جزء من السلطة التي لم تكن، أساساً، تتقبّلهم خارج سياق الانتفاع منهم. وفي المقابل، فقدت شريحة أخرى أعمالها نتيجة الأسباب المذكورة، واضطرّت إلى الانتقال للعيش في المدن السورية الكُبرى، والعمل عتّالين وبنّائين وميكانيكيين، وعمل بعضهم في التجارة. وساعد هذا النزوح الريفي الكرد الفقراء على اكتشاف تحوّل اجتماعي مهمّ، عبر تعبئة الطبقات الدنيا، لا سيّما العمال منهم.

المرحلة الثانية: قادت مراكمة هذه التحوّلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية إلى الاضطراب الكبير الثاني في سورية؛ فالانتقال من دولة الانتداب إلى دولة مستقلّة، وأهمّية التخلّص من إرث وسردية بناء الوعي وتنظيم السلطة المبنيين من سلطة خارجية، هي فرنسا، كانا يقتضيان، بعد عام 1946، أن تجد السلطة أسساً جديدة لها، للحفاظ على وحدة سورية، وإعادة توجيه الطاقات التي صُرفت ضدّ الفرنسيين نحو إيجاد حلول للتحدّيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ظهرت. كما سيطر ائتلاف من العناصر العسكرية والمدنية، التي عملت معاً لإنشاء جهاز دولة قوي وموحّد تحت راية الاستقلال ضدّ الوجود الفرنسي. وبالتالي، استُبدلت طبقة الأعيان والوجهاء، واحتُكر تمثيل الطبقات الاجتماعية والسياسية للسلطة بفئات محدّدة من تلك العناصر.

كان هذا الجيل الجديد شبه خالٍ من الكرد القادمين من المنطقة الكردية، حيث توزّع اللاعبون الجدد بين أصول اجتماعية مختلفة، ومستويات تعليم وتدريب متفاوتة، وكانوا يحملون رسائلَ سياسيةً جديدةً، ومنضمّين إلى أحزاب جديدة، مثل الحزب الشيوعي السوري، والحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث، و"الإخوان المسلمين". وكان الصراع والتنافس بين ورثة السلطة السورية يبتعد، في كثير من المحطّات، عن المصالح الوطنية.

لعب الجيش دوراً مركزياً، على نحو متزايد، في الحياة السياسية في البلاد

المرحلة الثالثة: مهّد الاضطراب الطريق لاستمرار الاستبداد في سورية الذي بدأت بذوره مع استقلالها. ففي 1947، انهارت الكتلة الوطنية، وأنتجت الوقائع الجديدة منظّمات أصغر حجماً، هي الحزب الوطني، وحزب الشعب، وحزب الشعب الجمهوري، ونقلت ساحة التركيز من بناء السردية الوطنية إلى التركيز على شخصيات وزعامات محلّية في حلب وحماة وحمص ودمشق. وكان أكبر الأخطار التي وقعوا فيها فشلهم في إلهام الأقليات الولاء للفكرة الوطنية التعددية، على خلفية اعتبارهم مرتبطين ارتباطاً وثيقاً بالإسلام السنّي أو أحد فروعه. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الأقلّيات مهمّشةً في الساحة السياسية.

ليجد أعيان المدن والأرياف، خلال الخمسينيّات، أنفسهم في تحدٍّ مع صنّاع القرار. وكان العلويون أكثر من استفاد من هذه العملية، إذ استثمروا ذلك عبر زيادة قوّة الشبكات التي شكلوها، شأنهم في ذلك شأن أقليات ريفية أخرى دخلت بأعداد كبيرة في الإدارة والجيش، فصعدت إلى مواقع السلطة عبر القوّة أو الموارد السياسية أو الانقلابات. ولم يستفد الكرد من سكّان المنطقة الكردية في الشريط الحدودي من ذلك كلّه، بل ظلّوا خارج التأسيس والمنفعة.

المرحلة الرابعة: لعب الجيش دوراً مركزياً، على نحو متزايد، في الحياة السياسية في البلاد. وهي الحالة نفسها التي سادت الدول العربية بعد الانتداب. ففي غضون بضع سنوات، تغيّرت معظم الجمهوريات العربية المستقلّة من نظم حكم جمهورية برلمانية إلى نظم عسكرية ديكتاتورية. وبرّر أغلب قادة الانقلابات العسكرية في سورية تدخّلهم العسكري برغبتهم في "إعادة النظام" إلى السياسة التقليدية في أوقات الأزمات، متأثّرين بالنموذج الكمالي. والحقيقة أنّ قادة الانقلابات شرعوا في التحويل السريع للمجتمع، وتركيزه حول شخصية مركزية للزعيم المطلق. وجاءت هزيمة الجيوش العربية أمام القوات الإسرائيلية في فلسطين عام 1948، ليرتفع عدد أفراد الجيش السوري من 18 ألفاً إلى 43 ألفاً عام 1951، وهو ما انعكس على حجم ميزانية الدفاع الوطني، وأيضاً غيّب الكرد في الجزيرة من مصادر القرار والرتب العليا.

تأثير الاضطرابات في مكانة الأقلّيات

هشاشة النظام السوري الموروث من الانتداب الفرنسي، وعدم وجود استراتيجية موحّدة، جعلا من سورية بلداً يتعرّض للضغوط الداخلية والخارجية. وكانت أغلب تحالفات السياسيين المحلّيين تعتمد على التقلبات والأحداث الإقليمية. حتى إنّ أوّل حكومة بعثية عام 1963 دفعت إلى ظهور جيل جديد أكثر راديكالية ومعاداة للغرب. ومن نتائج تكثيف النقاشات بين القوميين السوريين والعروبيين في سورية، أنّها وصلت إلى انعدام الثقة بالأقلّيات القومية والدينية، مصطدمةً بما فعلته فرنسا. وهو ما ترك تراثاً سياسياً ثقيلاً يتسم بالانقسامات والتحالفات التي كان من الصعب توجيهها نحو خطّة وطنية.

هشاشة النظام السوري الموروث من الانتداب الفرنسي، وعدم وجود استراتيجية موحّدة، جعلا من سورية بلداً يتعرّض للضغوط الداخلية والخارجية

تميّزت فترة حكم أديب الشيشكلي، خلال الانقلابات، بأنّها المرحلة الأكثر دمجاً للأقلّيات قسراً في البنية الاجتماعية السورية، وسعى إلى سيادة السورنة أو السورية باستخدام العنف الجسدي واللفظي. وكانت، عملياً، نوعاً من سياسات التعريب ومساعٍ لتشويه الأقلّيات في النقاش السياسي العام في سورية. وخلقت ذهنيةً جماعيةً وصفت مطالب الأقلّيات بالحصول على امتيازات خاصّة تحمي وجودها وهُويّتها، بأنّها ترقى إلى الخيانة. بل إنّ المفاهيم المتشدّدة لتلك المرحلة كانت تتجه، على نحو متزايد، نحو القومية العربية، وتستند إلى إنكار حقوق الأقلّيات في سورية. ووجد الكرد أنفسهم كبش فداء آخر للقومية العربية، وأصبحوا جزءاً من الشعبوية، وأُبعدوا من السياسة نتيجة رفضهم التعريب، واعتُبروا عملاء وخونة مستأجَرين في خدمة الأعداء الأجانب الأقوياء.

ثلاثة تجمّعات متعارضة

مع نهاية حقبة الانتداب الفرنسي، برزت في المنطقة الكردية ثلاثة تجمّعات: القومية العربية، والشيوعية، والقومية الكردية. وقد أثبتت الأخيرة، خلال الحرب العالمية الثانية، نشاطاً خاصّاً، استناداً إلى المبادئ التي أعلنها الحلفاء خلال المؤتمرات المختلفة، وحرّكت الآمال الكردية لتشكيل دولة كردية مستقلّة بعد الحرب، لا سيّما السياسات التصعيدية للاتحاد السوفييتي تجاه تركيا منذ عام 1945.

ومن أبرزها ميثاق الأطلسي الخاصّ بالكرد، والوعود بالاستقلال الذاتي، وميثاق ويلسون المُعلَن في أعقاب الحرب العالمية الأولى عام 1941، حين ألزمت بريطانيا وأميركا نفسيهما بتعزيز حقّ جميع الناس في اختيار شكل الحكومة التي يرغبون في العيش في ظلّها، وكذلك رغبتهم في استعادة الحقوق السياسية، وإدارة شؤونهم بأنفسهم، وإعادة تأسيس الدول التي أُخذت منهم بالقوّة. والمسؤوليات والأفكار التي نصّ عليها الميثاق تنطبق، من الناحية النظرية، على العالم بأسره.

وصل خلال انتخابات 1990–1994 عدد من الكرد إلى البرلمان. لكنّ ظلّت المطالب الكردية غائبة عن المناقشات

ومنذ عشرة عقود وأكثر، لا يزال الكرد مستبعدين من مناقشات الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أنّ العشائر الكردية طالبت، في ظلّ الانتداب الفرنسي، بالحكم الذاتي لمناطقها، واعتماد اللغة الكردية في التدريس، وحصر الوظائف العسكرية والإدارية بأبناء المنطقة، فإنّ ذلك لم يتحقّق، وبقيت قضيتهم طيّ النسيان والنكران.

ومع تأسيس "المؤتمر السوري العام" عام 1919 في دمشق الذي يُعدّ أوّل هيئة تشريعية سورية حديثة، شاركت شخصيات كردية بارزة ضمن النُّخب السياسية والعسكرية في البلاد، في وقت لم تكن فيه الهُويّة القومية المحدِّد الأساس للعمل السياسي. ووصل الكرد إلى البرلمان السوري، وانخرطوا في صفوف الجيش السوري عام 1946. واستفادوا من النظام الانتخابي الموروث من الانتداب الفرنسي، ونجحوا في الوصول إلى البرلمان في الفترتين 1947– 1949 و1954– 1958، وشغلوا عدّة مناصب وزارية بين عامَي 1949 و1957، وخلال انتخابات الأعوام 1990–1994، وصل عدد لا يُستهان به من الكرد إلى البرلمان. ومع ذلك كلّه، لم يُسمح بإدراج وضع خاص على جدول الأعمال السياسي، وبالتالي ظلت المطالب الكردية غائبة عن المناقشات.

غمامة لا بدّ لها أن تنجلي

كان اثنان من أبرز زعماء الانقلابات من أصول كردية، ويُستشهد برئاستهما سورية للدلالة على الاندماج المثالي للكرد في سورية. وهي ظاهرة مدهشة. فمن جهة، يُكتفى في عملية الاستدلال بذكر وصول الكرد إلى المناصب المهمة، من دون أن يتحوّل ذلك، من جهة ثانية، إلى دليل على القِدم التاريخي للكرد في سورية.

يُذكر أن الرتبة العسكرية للشيشكلي، وهي عميد، ولحسني الزعيم، وهي عقيد، تؤكّد أنّ الفرنسيين هم الذين أوصلوا الكرد إلى المناصب عبر التوازنات في التمثيل المؤسّسي للحكومة مقابل الآخر. فعلى سبيل المثال، إذا كان أحد المكوّنات مهيمناً في السياسة، كان يتعّين وضع المكوّنات الأخرى في مواقع الهيمنة في الجيش. ففي عام 1944، حين كان العرب السنّة مهيمنين على السياسة في سورية، وعلى الضبّاط والقوات وأجهزة إنفاذ القانون والشرطة، كان تمثيلهم ناقصاً في رتب الجيش وصفوفه. وعلى النقيض، كان الكرد ممثَّلين تمثيلاً زائداً في الجيش، وفي أجهزة إنفاذ القانون والرتب، لكنّ تمثيلهم كان ضعيفاً في البرلمان تحت تأثير نموذج جمهوري.

خلفيات قادة الانقلاب الكردية لم تكن ذات نزعات قومية واضحة؛ فكلاهما (الشيشكلي والزعيم) كان من المتعاطفين مع الحزب السوري القومي الاجتماعي

لكنّ خلفيات قادة الانقلاب الكردية لم تكن ذات نزعات قومية واضحة؛ فكلاهما (الشيشكلي والزعيم) كان من المتعاطفين مع الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكان الشيشكلي عضواً فيه عن دمشق، وهو الحزب الذي كان يناضل من أجل "دولة سورية الكُبرى"، بدلاً من الإثنية أو الدين. كما شكّل اعتمادهما في الخزّان البشري لحكومتيهما على القواعد الاجتماعية في حماة، النقطة المشتركة الثانية.

ثمّ نال الشيشكلي عضوية حركة التحرّر العربي التي تأسست عام 1953، مدعوماً من الضبّاط السنّة في حماة، ومصحوباً بدعم اجتماعي قومي في هذه المنطقة. وغالباً لم تكن لدى الضبّاط أي نزعات إلى تشكيل كيانات قومية، بل إنّ الأصول الكردية لهما، وللصفّ الثاني من قيادتيهما، كانت مصادفةً بسبب الأيديولوجيا المشتركة. وعلى عكس الزعيم ونائبه محسن البرازي، فإنّ الشيشكلي لم يعترف أبداً بجذوره الكردية، وأظهر موقفاً متشدّداً تجاه الأنشطة الثقافية الكردية. وعلى الرغم من ذلك، لم تفارق النعرات والاتهامات الكرد في تلك الفترة، إلى درجة أ تحالف حسني الزعيم–محسن البرازي أثار ردّة فعل بين القوميين العرب الذين رأوا فيه تشكيل نظام عسكري كردي. وعارض "الإخوان المسلمين" إصلاحاته العلمانية المتعلّقة بالمرأة والتصويت والنقاب والديمقراطية. واتّجه المزاج السياسي إلى وصف الزعيم بأنّه يرغب في إنشاء نوع من "الجمهورية الكردية" التي تفضّل الشركس والكرد في الجيش على حساب الوحدات العربية. وبعد إعدام سامي الحنّاوي الزعيم والبرازي، تحدّثت الصحافة السورية عن نهاية "الحكومة الكردية".

يُكتفى بذكر وصول الكرد إلى المناصب المهمّة، من دون أن يتحوّل ذلك إلى دليل على القِدم التاريخي للكرد في سورية

علماً أنّ الزعيم كان يرغب في أداء دور الزعيم الوطني السوري عبر استخدام قنوات مجتمعية كردية، وتضامن جماعي عصبوي، والدعوة إلى القومية السورية. وبعد الانقلاب، أغلقت الأكاديميات العسكرية وقوات الشرطة أبوابها أمام الشباب الكرد. وشكّلت مرحلة الانفصال بين سورية ومصر بداية تعاظم قوة الائتلاف العسكري في مارس/ آذار 1963، الذي أصرّ على تمثيل حزب البعث في السلطة. وكانت هذه نهاية هيمنة النُّخبة الحضرية السنّية في سورية، فاستولى الضبّاط الدروز والعلويون على مناصب رفيعة في الجيش والمؤسّسات المدنية باسم العروبة، ونجح "البعث" في تأسيس عقيدة عروبية للجيش والتعبئة القومية للعصبية باسم الأيديولوجيا المُقنَّعة.

خاتمة

حصل كلّ شيء تحت ستار الإلغاء باسم القومية العربية والجمهورية العربية المتحدة. وسلسلة التحوّلات الاقتصادية والأيديولوجية والسياسية التي وقعت بعد الانتداب الفرنسي، حتّى بدايات انقلاب مارس 1963، حتّمت على المجتمع السوري الاستجابة المؤسّسية لتلك التحدّيات كلّها في بلد تحكمه الظروف المعقَّدة.

الغريب استمرار سردية تخوين الكرد. وعلى الرغم من كلّ ما قدّموه، منذ المؤتمر التأسيسي وحتّى لحظة سقوط النظام البائد، لا تزال العقلية هي هي، وإن لم يكن ذلك على نحو مطلق أو بالتعميم. لكنّ تذكير الكرد بأنّهم حكموا سورية يخضع لتجاذبات وتناقضات آن الأوان لحلّها والخروج من عباءتها، فلم يكن الكرد مهاجرين في يوم من الأيّام، ولم تُدرج قضيتهم في جدول أعمال الحكومة والبرلمان، ولم يتمكّنوا من تفكيك عقلية الإلغاء والتآمر المتأصّلة في ذهنية قسم من النُّخب السورية، فهي مستشرية، ولا نيّة لديهم، غالباً، في مراجعة أفكارهم. وعلى الرغم من أنّهم لم يتقاعسوا عن محاربة إسرائيل، ثمّ النظام السوري، تبقى قضية المنطق المتباين في توصيف الكرد واحدةً من طلاسم الحركة السياسية السورية.

الجمعة، 17 يوليو 2026

تستور وغرناطة

 تستور وغرناطة

مؤمن سحنون


على جدران مدينة تستور ترتسم زركشات فريدة، يضفي ظلالها عبقا تاريخياً لماضٍ مجيد، في هذه المدينة التي تعتبر أندلساً صغيرة في أرض تونس، شعرت بأنني أرى من وراء الأبنية العتيقة أيام غرناطة وطليلطة، كأن جمال قصر الحمراء لامس هذه الربوع فاستحال نموذجاً صغيراً يهتف لناظريه بروعة الاندهاش لذلك الزمن الجميل، زمن الأندلس. 

تعترضك الصومعة الشامخة عند دخولك للجامع الكبير بتستور، الذي أسسه المهندس المعماري الأندلسي محمد تغرينو حوالي سنة 1630-1631 م، تعلو الصومعة ساعة صنعت لتدور عقاربها مع دوران الطواف بالكعبة، قد يكون وجود تلك الساعة أمراً طبيعياً في هذه الأيام، لكنه في زمن صناعتها كان عجيبة من عجائب الدنيا لعبقرية الابتكار.

 وفي ساحة الجامع صنع نموذج رخامي يرصد توقيت دخول الصلاة عبر تقاطع ظل خيط في الشمس مع المستقيمات المرسومة ومعها أحرف وأعداد ترمز لمعنى وتوقيت كل خط. 

كل ما في تستور يستثير الأسئلة عن هؤلاء الذين جاؤوا من هناك، هؤلاء الذين طُبعت أرواحهم على الجمال، وما برحت مخيلتهم الأندلس التي غادروها بأجسادهم، لكنهم تركوا أرواحهم فيها لحظة خروجهم منها فرسموا معالمها على جدران وأحياء مدينة تستور.

ما هي الأندلس؟ وكيف انتهى عهد الإسلام فيها؟ ومن هم الموريسكيون المؤسسين لمدينة تستور؟

حضارة الإسلام في الأندلس 

سنة 92 للهجرة (711م) عبر طارق ابن زياد -مُرسَلاً من موسى بن نُصير- البحر من المغرب في اتجاه شبه الجزيرة الأيبيرية لتبدأ حقبة تواجد الإسلام في الأندلس التي سقت أرضَها دماءُ الفاتحين من بلاد القيروان والمغرب الاسلامي، ثم قام في الأندلس حكم أموي سنة 138 للهجرة (756م) بقيادة صقر قريش عبد الرحمن الداخل. 

عاشت الأندلس خلال حكم الإسلام لها حضارة مزدهرة  تجلت من خلال العلوم والفنون التي أنتجها رجال ذلك الزمن، لم يقتصر الأمر على العلوم الشرعية واللغوية بل تعدى إلى  الطب الرياضيات والفلك والهندسة والجغرافيا والعلوم العقلية وغيرها.. 

“مراكز قرطبة الاسلامية وعلى رأسها مسجد قرطبة، الذي كان يحوي سبع وعشرين مدرسة، يرتاده يوميا أربعة ٱلاف عالم وطالب علم كان مفخرة للعلم، بل كان الأوروبيون يأتون لمراكز قرطبة لطلب العلوم الدينية والدنيوية.”1

كما عاشت الأندلس نهضة معمارية تداخلت فيها العلوم مع الوجهة العامة لقيم الإسلام بما يخدم الناس، فوُلدت تلك الصروح الفنية؛ كقصر الحمراء، وجامع قرطبة، والآثار التي لا تزال إلى يومنا هذا شاخصة تنادي في الزمن ماضيه المجيد.

قصر الحمراء

من يرى الحمراء يفهم كيف شعر مؤسسو مدينة تستور، ما الذي كان يجيش في صدورهم من شوق، وما الذي تركوه خلفهم من روعة وجمال، لقد نطقت جوارحهم بذلك الإبداع المعماري في المدينة كأنهم لا يقدرون على حياة لا تذكرهم بالأندلس.

ما نسينا خبِّروها *** كيف ينساها الولوع

كيف ينساها مُحبّ *** بعدها عافَ الهجـوع

شهد الليل عليه *** وحكت عنه الدمــوع

أنهـا حب مكيـن *** عرشـه بين الضلـوع

كم تمنى أن يراها *** لو لـما فات رجوع

صار بعد الوصل دهرا *** في شذى الذكرى قنوع

انحسار حكم الاسلام للأندلس

لقد جرت سنة الله في الأندلس، فسنن الله لا تحابي أحداً، فعندما تفرق المسلمون وأصبحوا دول طوائف، يحكم كل دولة مَلِك يستقوي بالكفار ويواليهم، ويتآمر معهم على المسلمين، عندما فشا فيهم الترف والمجون، وبعُدَ الحكام عن حقيقة الدين، ثم ما أفشوه من أمراض في شعوبهم، فغمرت الدنيا القلوب، كتب الله للمسلمين الخروج من تلك الجنة الأرضية، عندما أنستهم الدنيا جوائز الجنة الأخروية.

قطفوا الزهرة منا *** زهرة كانت تضــوع

قد سقيناها دمانا *** مثلها كيف يضيــع

جنة عنها لهينا *** فطُردنا بالجمـــوع

وبها عشنا قروناً *** للدياجير شمــــوع

توسعت الممالك الصليبية داخل الأندلس منتهزة اقتتال ملوك الطوائف فيما بينهم، واستعانتهم على بعضهم بالكفار، فسقطت مدن الأندلس ببطء مدينة بعد مدينة بيد الصليبيين، ومعها سقط عز الإسلام في تلك الربوع. 

سقطت طليطلة سنة 1085 م 

وسقطت قرطبة  1236 م

وسقطت إشبيلية سنة 1248 م

هكذا توالى سقوط المدن المسلمة بيد الصليبية الناقمة، وبقيت مدينة غرناطة صامدة أمام هذه المد، صمدت أمام الحصار الطويل، وتحت الإكراه والاضطرار وقعت اتفاقية لتسليمها بشرط ضمان حقوق المسلمين فيها وأمنهم على دينهم ولغتهم، لكن الصليبية الناقمة نقضت العهد، وسقطت غرناطة سنة 1492م، لتبدأ بعدها حملة الاضطهاد وفتنة المسلمين عن دينهم وإرغامهم بالسيف والتعذيب والقهر على الكفر بالإسلام والدخول في دين الكنيسة. 

الموريسكيون واضطهاد الصليبية 

بعد سقوط غرناطة ونقض الصليبيين لمعاهدة استئمان المسلمين على دينهم ولغتهم وأعرافهم، مارسوا عليهم التنصير قسراً، ومُنعت اللغة العربية، وحرقوا المصاحف وكتب العلم، وفرضوا تنصير الأطفال وحديثي الولادة، وبدأ فصل دامٍ من فصول التعذيب في العالم، وهو جرائم محاكم التفتيش. 

كان عمل هذه المحاكم هو التفتيش عن عقائد المسلمين، حتى عند إظهارهم عدم اعتناقهم للإسلام، عذبت الصليبية الناقمة المسلمين بالحديد والنار، وفتنوا الناس عن دينهم، وابتكروا آلات استحدثوها لفنون وألوان التعذيب الجسدي والروحي، وفي غمار هذا التنكيل ظهر ما يسمى بالموريسكيين وهم المسلمون الذين أخفوا إسلامهم تحت وطأة تعذيب الكنيسة، وأُجبروا تحت القهر على التظاهر باعتناق المسيحية.

الموريسكيون (Los Moriscos) من “موريسكي” وهي كلمة إسبانية يُقصد بها معنى “العربي الصغير” أو “المسلم الصغير”، هكذا أراد الإسبان تسمية المسلمين ليضفوا عليهم صفات تحقيرية، تمهد لما سيفعلونهم فيهم من اضطهاد وسجن وتعذيب في ما بعد. 

لقد كانت هجرة الموريسكيين من أكثر صفحات التاريخ ألماً، فرّوا بدينهم من بطش الصليبية الحاقدة، واستقروا في مدن متناثرة في الأمة، منهم من رست به الأمواج على سواحل تونس، ومنهم من هاجر إلى المغرب، ومنهم من استقر في الجزائر، وآخرين في ليبيا، ومنهم من هاجر إلى عاصمة الخلافة العثمانية. 


الثلاثاء، 7 يوليو 2026

قصة (قبيلة عَكّ) اليمنية التي فتحَت مصر نحنُ غرابا عَك

قصة (قبيلة عَكّ) اليمنية التي فتحَت مصر
نحنُ غرابا عَك




1- كنا نشاهد فيلم فجر الإسلام، ونستمع إلى 

أغنية «نحنُ غرابا عَكّ»، فنبتسم ساخرين من 

كلماتها، دون

 
أن ندرك أن قبيلة عَك لم تكن مجرد اسمٍ عابر في

 عملٍ فني، بل كانت من القبائل التي شرَّفها الله

 بالإسلام، ثم سطَّرت واحدةً من أعظم صفحات الفتح

 الإسلامي، فقد كانت قبيلة “عَك اليمانية” القوة

 الضاربة والعمود الفقري في جيش عمرو بن العاص

 عند فتح مصر، وشكَّل رجالها نسبةً كبيرة من

 المقاتلين الذين عبروا الحدود، ويُقدَّر أنهم كانوا

 يقاربون نصف قوام الجيش الأول، فضلًا عن

 الإمدادات التي لحقت به..

2- كان لتلك القبيلة دورٌ حاسم في حصار حصن

 بابليون، ثم في فتح الإسكندرية، حتى ارتبط اسمهم

 بأحد أبرز الإنجازات العسكرية في تاريخ الإسلام:

 فتح مصر.. بعد أن كنا لا نعرف عنهم إلا مقطعًا

 غنائيًا كنا نردده دون أن نعرف ما وراءه من تاريخٍ

 ومجد.

3- “نحنُ غرابا عَكّ”.. عبارة كانت تُردّد في الجاهلية

 خلال طواف الحجاج حول الكعبة، وهي تعود إلى

 قبيلة يمنية اسمها “عَكّ”.

4- كان أهل هذه القبيلة يرسلون أمامهم عبدين

 أسودين ينشدان: “نحن غرابا عَكّ”، أي “نحنُ عبدا

 قبيلة عَكّ”، بينما يردد بقية أفراد القبيلة من ورائهما:

 “عَكّ إليك عانية”.

5- تفسير النشيد:

نحن غرابا عَكّ: يقصد بها عبيد قبيلة عَكّ.

عَكّ إليك عانية: أي قبيلة عك خاضعة لك ومستسلمة.

عبادك اليمانية: أي عبادك الذين أتوا من اليمن.

كيما نحج الثانية: أي لنحج مرة أخرى.

لبيك اللهم هُبَل: “هُبَل” اسم إله كان يُعبد في الجاهلية،

 و”لبيك” تعني “إجابة لندائِك”.

لبيك يحدونا الأمل: أي نستجيب لندائِك والأمل يحدونا.

الحمد لك، والشكر لك، والكل لك، يخضع لك: هذه

 الكلمات تعبّر عن الخضوع والثناء لله

6- الهدف:

كان هذا النداء بمثابة إعلان عن قدوم قبيلة عَك للحج

 وتلبية لنداء الكعبة.

7- أهمية العبارة:

تُعدّ من أشهر التلبيات التي كانت تُردّد في الجاهلية

 قبل الإسلام.

تظهر في العديد من الأفلام التي تتناول فترة الجاهلية.

تعكس عادات وتقاليد الحج عند العرب قبل الإسلام.

8- كانت قبيلة عَكّ تسكن تهامة اليمن، وتعتبر من

 أقدم القبائل اليمنية.

9- الهجرة إلى معد:

بسبب صراع مع قبيلة غسان، اضطرت قبيلة عك إلى

 الهجرة من اليمن والانتقال إلى منطقة معد.

10- الدور في الجاهلية:

كانت قبيلة عَك من القبائل التي تحج إلى الكعبة في

 مكة قبل الإسلام، وكانوا يرددون شعار “نحن غرابا

 عك” أثناء الطواف.

11- الدور في الإسلام:

شاركت قبيلة عك في الفتوحات الإسلامية، ولعبت

 دورًا كبيرا في حروب الردة.

12- أبرز الشخصيات:

من أبرز شخصيات قبيلة عك

– عبد الرحمن الغافقي، من كبار قادة وأمراء

 الأندلس، الذي ينتمي إلى بطن غافق من قبيلة عك.

– عبد الله بن مالك العُكّي

من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) كان له دور

 في نشر الإسلام في تهامة، وشارك في غزوات

 النبي.

– أبو الأزهر العُكّي، من الفرسان والأبطال في

 الجاهلية.. كان شاعرًا محاربًا، وورد ذكره في بعض

 المصادر القديمة.

– جذيمة الأبرش (ذو العقال) من ملوك العرب في

 الجاهلية، حكمَ في العراق ومناطق واسعة من

 الجزيرة العربية.

– الشاعر عمرو بن شأس العُكّي، من شعراء العصر

 الأموي.. له بعض القصائد في الفخر والحماسة.

13- الاستقرار الحالي:

لا تزال بعض فروع قبيلة عَك الرئيسة موجودة في

 تهامة اليمن، ويشار إليهم في بعض المصادر كأهل

 تهامة.

14- انتشرت قبيلة عَكّ في أنحاء مصر، وأصبحت

 مع مرور الزمن جزءًا أصيلًا من نسيجها

 الاجتماعي، وكان من أبرز مواطن استقرارها

 محافظة الشرقية، ولا سيما مدينة بلبيس وما حولها،

 حيث استقرت بطونٌ من القبيلة وأسهمت في إنشاء

 تجمعات عمرانية وزراعية تركت أثرها في المنطقة،

 كما امتدت فروع أخرى من القبيلة جنوبًا إلى

 محافظات الصعيد، واستقرت بين التجمعات القبلية

 هناك، وظلت محافظةً على حضورها التاريخي

 والاجتماعي عبر الأجيال.