‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.راغب السرجاني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.راغب السرجاني. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 30 سبتمبر 2024

الخيانة العبيدية الشيعية

 الخيانة العبيدية الشيعية





 أ.د. راغب السرجاني

ملخص المقال

موقف الدولة العبيدية بمصر بعد إرسالهم سفارة العار إلى الصليبيين يحتاج إلى وقفة، خاصة أن هذه ليست المحاولة الأولى التي يتضح فيها مدى كرههم للسنة


السفارة العبيدية الشيعية

وصلت السفارة العبيدية الشيعية المصرية إلى الصليبيين محمَّلة بالأموال الغزيرة والهدايا الثمينة لكل قائد من قوَّاد الحملة الصليبية، وبعرضٍ من الدولة العبيدية أن تسهِّل حجَّ الصليبيين وكل النصارى إلى بيت المقدس (المحكوم حتى هذه اللحظة بالدولة العبيدية)، على أن يدخل الحجاج إلى القدس غير مسلَّحين[1]، وسوف تقرُّ الدولة العبيدية الصليبيين على ما تحت أيديهم من بلاد، سواء في آسيا الصغرى أو سوريا أو لبنان.

هكذا!!

الرد الساخر


فاجأ الصليبييون السفارة العبيدية بالردِّ الساخر، أنهم سيتمكَّنون من أداء الحج كما يريدون ولكن ليس بمساعدة الدولة العبيدية، وهذا يعني إعلانًا مباشرًا للحرب[2]، إذ كيف سيدخلون البلد دون سماح حُكَّامها؟!

تاريخ الدولة العبيدية وبيت المقدس

الحقُّ أن موقف الدولة العبيدية يحتاج إلى نظرة وتدبُّر، وعودة للوراء قليلاً لنعرف شيئًا عن الدولة العبيدية، وعن تاريخ بيت لمقدس في هذه الفترة.

إن بعض المؤرِّخين -سواء من القدامى أو من المحدثين- يتعجَّبون من ردِّ فعل الدولة العبيدية تجاه الحملة الصليبية، ومن حالة المعاملة الفجَّة التي ظهرت في أقوالهم وأفعالهم، ومن بعض المواقف التي لا تُوصَف بأقل من أنها مخزية ومشينة[3]، ومع ذلك فالذي يُرَاجِع التاريخ يجد أنه لا عجب مطلقًا فيما رأيناه من ردِّ فعلٍ للدولة العبيدية تجاه الحروب الصليبية.

لقد كان من أهداف الدولة العبيدية الرئيسية منذ قامت هي أن تُحَارِب المسلمين السُّنَّة في كل مكان، فقد حاربت أهل السُّنَّة في المغرب، وقتلت العلماء والعُبَّاد، وكان ذلك في سنة 296هـ، ثم جعلت من همِّها أن تحارب الدولة السُنِّيَّة في الأندلس، بل وتعاونت مع الصليبيين في شمال الأندلس ضد دولة عبد الرحمن الناصر رحمه الله، ثم اجتاحت شمال إفريقيا، واحتلت مصر سنة (358هـ= 969م)، وفعلت بعلمائها السُّنَّة مثلما فعلت في المغرب، ثم توسَّعت في نفس السنة في الشام، واحتلت بيت المقدس وكذلك دمشق[4]، ودام هذا الاحتلال أكثر من مائة سنة.

لقد بقِيَ العبيديون في بيت المقدس حتى حرَّرها ألب أرسلان - رحمه الله- عن طريق قائده أتسز (الأقسيس)، وذلك في سنة (463هـ= 1071م)[5]، ثم دخل بيت المقدس في مُلْكِ تتش بن ألب أرسلان سنة (471هـ= 1079م)[6]، وتولَّى الإمارة حينئذ أرتق بن أكسب، ثم ابنه سكمان بن أرتق سنة (485هـ= 1091م) تحت ولاية دقاق بن تتش مَلِكِ دمشق[7].

ولكن العبيديين لم يُسَلِّموا بضياع بيت المقدس وفلسطين من أيديهم؛ ولذلك رحبوا بقدوم الصليبيين إلى آسيا الصغرى والشام لكي يشغلوا الأتراك السُّنَّة وينفردوا هم ببيت لمقدس وفلسطين[8]؛ ولذلك فقد استغلَّ العبيديون فرصة انشغال الأتراك في حرب الصليبيين، ووجَّهوا قوتهم لغزو بيت المقدس سنة (490هـ) 1097م، واستولَوْا عليه بالفعل[9]، بل ولم يتورَّعوا عن القيام بمفاوضات مع الصليبيين لإقرارهم على الشام في مقابل إقرار الصليبيين لهم على فلسطين كما وضَّحْنَا[10].

إنه تاريخ طويل من الخيانة والعمالة والطعن في ظُهُورِ المسلمين السُّنَّة.

أمَّا الصليبيون فقد أخذوا قرار احتلال فلسطين، وخاصَّةً بيت المقدس، فلا مجال عندهم الآن للتفاوض مع العبيديين، ومن ثَمَّ كان ردُّهم الساخر على سفارتهم.

خط سير الجيوش الصليبية نحو بيت المقدس

ترك الصليبيون طرابلس ووصلوا إلى بيروت فصيدا ثم صور، والمسلمون في كل ذلك يتجنَّبونهم بالهدايا والأموال لكيلا يتعرضوا للإيذاء، ثم اخترقوا لبنان إلى فلسطين، وعبروا نهر الكلب، وهو الحدُّ الفاصل آنذاك بين أملاك السلاجقة وأملاك الدولة العبيدية، فمرُّوا بعكا فقام أميرها العبيديّ بتمويلهم بالطعام والمؤن، ووعد بالدخول في طاعتهم بعد سقوط بيت المقدس[11]!

ثم مرَّ الصليبيون بقَيْسَارِيَة ثم أُرْسُوف[12]،[13] ثم غيَّروا طريق الساحل، وشقُّوا البلاد شرقًا إلى الداخل صوب بيت المقدس، واحتلُّوا في طريقهم الرَّمْلَة، وهي مدينة صغيرة، ولكنها تسيطر على الطريق الواصل من بيت المقدس إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، فسيطر عليها الصليبيون ليؤمِّنوا طريقهم بعد ذلك إلى البحر[14]؛ حفاظًا على إمدادات السفن والأساطيل الأوربية، وفي هذه المدينة (الرملة) توقَّف الصليبيون ليعقدوا اجتماعًا مهمًّا لتحديد خطوات الغزو، وكان ذلك في (492هـ= أوائل يونيو 1099م).

التطلع لاحتلال مصر

بحث الصليبيون في هذا اجتماع الرملة نقطة مهمة تُفَسِّر خطوات مستقبليَّة في الحملات الصليبيَّة، لقد ناقشوا قضيَّة غزو القاهرة وإسقاط مصر[15]!!

لقد فهم الصليبيون في ذلك الوقت المتقدِّم أن مفاتيح بيت المقدس موجودة في القاهرة، ولم يكن هذا فقط لأن العبيديين يُسيطرون على بيت المقدس الآن؛ فقد اتضح للصليبيين مدى هلع العبيديين من قوَّة الصليبيين، ولكن للبُعْدِ الإستراتيجي المهمِّ لهذا البلد الكبير مصر، والذي يحدُّ فلسطين من جنوبها وغربها، والذي به طاقة بشريَّة ضخمة، وإمكانيات اقتصاديَّة عالية، وشعور فطريّ بالتقارب مع فلسطين، وخاصَّة فيما يتعلق ببيت المقدس، وبه المسجد الأقصى؛ لذلك فكَّر الصليبيون في هذا الاجتماع في قضية غزو مصر، غير أنهم وجدوا أن قوتهم غير كافية لهذه الخطوة الجريئة، خاصة أن عليهم إذا فعلوا ذلك أن يجتازوا حاجزًا صحراويًّا صعبًا وهو صحراء سيناء، وقد تهلك فيه القوة الصليبية.

ولذلك عدلوا عن هذا الرأي، وقرَّروا التوجُّه مباشرة إلى بيت المقدس، لكن هذا الاجتماع أظهر فكرة ظلَّت مسيطرة على عقول قادة الحروب الصليبية وخلفائهم، والتي وُضِعت بعد ذلك موضع التنفيذ في الحملتين الخامسة والسابعة من الحملات الصليبية، حيث تمَّ غزو مصر غزوًا صريحًا[16].

سنة الله الماضية

سؤال لا بد منه: أين الجيوش الإسلاميَّة في طول هذه المسافة التي قطعها الجيش الصليبي من أنطاكية إلى بيت المقدس، وهي مسافة تزيد على ستمائة كيلو متر؟!

أليس في هذه المناطق كلها رجل رشيد؟!

لقد افتقد المسلمون في هذه الآونة لمقوِّمات رئيسية من مقومات قيام الأُمَّة؛ لذلك قَبِلَتْ جموع المسلمين أن تَحُثَّ هذه الأقدام النجسة على طريقها إلى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأُولَى القبلتين وثالث الحرمين، وإلى الأرض المباركة، دون أن يتحرَّك لهم ساكن؛ ولذلك حُصِر المسلمون في بيت المقدس!

لقد عانى المسلمون في هذا الوقت من أمراضٍ شتَّى.

لقد عانَوْا من بُعْدٍ عن الدين، وغياب للحميَّة الإسلاميَّة، وافتقاد للنخوة المستندة إلى عقيدة قويَّة صحيحة.

وعانوا كذلك من فُرقة مؤلمة، وتشتُّت فاضح، حتى صارت كل مدينة إمارة مستقلة، ودويلة منفصلة، بل ومتصارعة مع جيرانها المسلمين.

وعانوا -أيضًا- من افتقار لزعامة مخلصة متجرِّدة، تجمع الشتات في كيان واحد، وترغب في رفعة هذه الأمة دون نظر إلى مصالح الذات ورغبات النفس.

كما عانى المسلمون فوق ذلك من رؤية واضحة للواقع الذي يعيشونه، وللأخطار المحدقة بهم، وعانوا أيضًا من نقص حادٍّ في الدراية السياسية أو الكفاءة العسكريَّة.

لقد كانت الأُمَّة تمرُّ فعلاً بأزمة مركَّبة معقدة!

لكن إن كنا نتعجب من موقف الأمة وتخاذلها، فإن العجب يأخذنا وبشكل أكبر من موقف الصليبيين! كيف أَمِنُوا على أنفسهم أن يخوضوا كل هذه المسافات في عمق العالم الإسلامي، وهم لا يشعرون بخوفٍ ولا وَجَلٍ؟! إنهم يتوغلون في كثافة بشريَّة عالية جدًّا، ومحصورون بين عدة إمارات تحوي عدَّة جيوش مسلمة، والمسافة بينهم وبين أوطانهم بعيدة هائلة، فلو هُزِمُوا سُحِقُوا، وليس لهم مهرب ولا منجى!

كيف استطاعوا أن يتغلَّبوا على الخوف الفطريّ للبشر، وقَبِلُوا بهذه المغامرة الخطيرة؟!

إن الإجابة بأنهم خرجوا من ظروف صعبة جدًّا في أوروبا، جَعَلَت الحياة هناك أقرب إلى الموت، وجعلت طموحهم في ترك واقعهم الأليم يطغى على أية رغبة أخرى، وجعلت الموت في أرض فلسطين لا يفترق كثيرًا عن الحياة في أوربا الفقيرة آنذاك. إن هذه الإجابة فقط لا تشفي الغليل، ولا تفسِّر عدم الرهبة، وقلَّة الاكتراث الذي رأيناه في الجيوش الصليبية؛ فالروح عزيزة على النفس، وخاصَّةً إن لم يكن الإيمان باليوم الآخر والجنة وازعًا قويًّا يدفع إلى الموت.

فما تفسير هذه المعادلة الصعبة؟

ولماذا بدت الشجاعة في قلوب الصليبيين واضحة جليلة؟!


إن هذا يفسره لنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه ثوبان رضي الله عليه وسلم، وبه يفسِّر الأوضاع وكأنه يراها رأي العين؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا". قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ". قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: "حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ"[17].

إن الأمم الغربيَّة التي تداعت من فرنسا وإيطاليا وإنجلترا وألمانيا لم تأتِ بهذه القوة والشجاعة إلاَّ لأنَّ الله عز وجل نزع الرهبة من قلوبها من جموع المسلمين، فصاروا لا يكترثون بهم ولا بأعدادهم وحصونهم وسلاحهم، ورأينا اجتماعات الصليبيين لا تُعَبِّر أبدًا عن خوف في صدورهم، أو عن قلق من مقاومة المسلمين، إنما يتحرَّكون هنا وهناك بحرية تامَّة، وباطمئنان كامل!!

والمسلمون على الجانب الآخر أُلقى في قلوبهم الوَهْن والضعف والخَوَر، فيرتعبون لرؤية الجنود الصليبيين، ولو كان الصليبيون أقلَّ منهم في العدد، وأضعف منهم في العُدَّة.

ولنا مع الحديث وقفتان، وإن كانت وقفاته كثيرة:

أمَّا الوقفة الأولى:
فهي أن الله عز وجل هو الذي ينزع الرهبة مِنَّا من قلوب أعدائنا، وهو الذي يلقي في قلوبنا الوهن! وقد يقول قائل: ولماذا يفعل ربنا ذلك، مع أننا في النهاية مؤمنون، وهم كافرون؟! فنقول: إن الله عز وجل أَبَى أن يُعِزَّ المسلمين إلا إذا ارتبطوا بالإسلام، والتزموا بالقرآن والسُّنَّة، ولو نَصَرَهُم وهم يُفْرِطون في الشرع لصارت فتنة عظيمة؛ إذ سيقول الناس: إننا لسنا في حاجة للإسلام، فقد نُصِرْنَا بغيره؛ لذلك تحدث مثل هذه المواقف العجيبة ليلتفت المسلمون إلى دينهم، وليضع المسلمون أيديهم على مفاتيح النصر الحقيقيَّة.

أما الوقفة الثانية:
فإنها مع السبب الذي من أجله حدثت كل هذه التداعيات المؤلمة، إنَّ وصف الحدث والمأساة أخذ كلمات كثيرة، ولكن السبب وراء كل ذلك لم يأتِ إلاَّ في جُمْلَتين قصيرتين: حُبّ الدنيا، وكراهية الموت.

إن المسلمين تعلَّقوا بالدنيا تعلُّقًا غير مقبول، حتى صاروا يكرهون الموت في سبيل الله، وأُمَّة ترهب الموت لا بُدَّ أن تُقْهَر، وأُمَّة تعشق الدنيا لا بُدَّ أن تذلَّ، والدنيا ملعونة كما ذكر رسولنا صلى الله عليه وسلم، والمتمسِّك بها يهلك، ليس هذا فقط بل وتضيع منه الآخرة.

إن هذا السبب يُفَسِّر لنا التخاذل الرهيب الذي رأيناه من جموع المسلمين التي كانت تخرج إلى الصليبيين وهي تحمل الهدايا النفيسة، والأموال الطائلة، لكي يتركونهم "يعيشون"! مجرَّد حياة، أيًّا كانت هذه الحياة، وهذا -والله- هو الهوان بعينه.

هكذا حُصِرَ المسلمون المتمسِّكون بدُنياهم في بيت المقدس، وراقب المسلمون البعيدون عن القدس الموقف في سكون، ينتظرون اليوم الذي ستدور عليهم فيه الدوائر!!

المراجع

[1] Michaud: op. cit. 1, pp. 362-363.


[2] Guillaume de Tyr, 1, pp. 305-306.


[3] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/13، 14.


[4] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 7/309، وابن كثير: البداية والنهاية 11/266، 267.


[5] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/390


[6] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/418.


[7] ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص135.


[8] سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/191.


[9] ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص135.


[10] Setton: op. cit., vol. 1, p. 316.


[11] توديبو: تاريخ الرحلة إلى بيت المقدس ص294-299، وليم الصوري: تاريخ الأعمال المنجزة في ما وراء البحر 1/358، والمؤرخ المجهول: أعمال الفرنجة وحجاج بيت المقدس ص277.


[12] أرسوف: مدينة على ساحل بحر الشام بين قيسارية ويافا. ياقوت الحموي: معجم البلدان 1/151.


[13] Aِlbert d`Alex, p. 460.


[14] المؤرخ المجهول: أعمال الفرنجة وحجاج بيت المقدس ص277، فوشيه الشارتري: تاريخ الحملة إلى القدس ص70، وليم الصوري: تاريخ الأعمال المنجزة في ما وراء البحر 1/400.


[15] Raymond d`Alx. P. 299; Chalandon:p. 267; Grousset: 1, pp. 150-151.


[16] Albert d`Aix, p. 292.


[17] أبو داود: كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على أهل الإسلام (4297)، وأحمد (22450) واللفظ له، والطيالسي (992)، وابن أبي شيبة في مصنفه 7/463، والبيهقي في شعب الإيمان (10372)، وأبو نعيم في الحلية 1/182، وقال الألباني: صحيح (8183) صحيح الجامع.

الأحد، 28 مايو 2023

القاضي الفاضل

القاضي الفاضل


كتبة/قصة الإسلام

    كان القاضي الفاضل الرجل الثاني في دولة صلاح الدين الأيوبي، وقد اعتمد عليه صلاح الدين في تدبير شئون دولته وتجهيز جيوشه وتأمين رعاياه، وفي تربية أبنائه، ولم تقتصر سيرة القاضي الفاضل على إدارته وسياسته وتدبيره، بل تعدّتها إلى الأدب من نثر وشعر، وقد ظلت كتاباته الرسمية من سجلات ورسائل نموذجًا تحتذي به الأجيال التي تلته، أيضًا حفظ لنا المؤرخين قسمًا من كتاباته بعضها تاريخي وبعضها أدبي.

    نسب القاضي الفاضل ومولده

     هو المولى، الإمام، العلامة البليغ[1]، وشيخ البلاغة[2]، وسيد الفصحاء[3]، أبو علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن الحسن اللخمي[4]،  الشامي، البيساني الأصل، العسقلاني المولد، المصري الدار، الكاتب، صاحب ديوان الإنشاء الصلاحي[5]، المعروف بالقاضي الفاضل وزير صلاح الدين، والملقب بمجير الدين، وبمحيي الدين [6]، ولد في مدينة عسقلان بفلسطين سنة 529هـ= 1135م[7].

     نشأة القاضي الفاضل

    عاش القاضي الفاضل نحو سبعة عشر عامًا من حياته في مدينة عسقلان في كنف والديه[8]، ودرس القرآن والحديث وغير ذلك من العلوم، ولأنه كان يحب الكتابة قصد مصر ليشتغل بالأدب، فاشتغل به وبرع فيه، وقال الشعر والمراسلات، ثم عمل في ديوان الإنشاء[9] وظل يتدرج فيه إلى أن تولى رئاسته، ولما ملك أسد الدين شيركوه وزارة مصر أعجب به وبدينه فجعله كاتبًا له، ثم بعد ذلك استخلصه السلطان صلاح الدين لنفسه، وحسن اعتقاده فيه ووجد البركة في رأيه، ولذلك لم يكن أحد في منزلة القاضي الفاضل عند صلاح الدين[10].

    دور القاضي الفاضل في دولة صلاح الدين

     عمل القاضي الفاضل كاتبًا وزيرًا للسلطان الناصر صلاح الدين وترقي في منزلته عنده، حتى أنه كان صاحبه ومشيره ونائبًا عنه في الحكم[11]، وبعد وفاة صلاح الدين استمر على ما كان عليه في المكانة والرفعة عند سلاطين الدولة الأيوبية حتى وفاته[12]، وقد شهد صلاح الدين نفسه بدور القاضي الفاضل الفكري والإداري البارز في تأثيره فيه وفي حكمه، وفي استرداد الأراضي المقدسة، فقال صلاح الدين في القول المأثور[13]: "لا تظنوا أني ملكت البلاد بسيوفكم، بل بقلم الفاضل"[14].
    وقد شهد المؤرخون أيضًا بدور القاضي الفاضل في الجهاد، وبوقوفه إلى جانب صلاح الدين موقف إخلاص وصدق طوال حياته، وأطلق هؤلاء المؤرخون على القاضي الفاضل لقبين يمثّلان دوره في دولة صلاح الدين، فأشار إليه البعض بمحيي الدين، والبعض الآخر بمجير الدين، فهو محيي الدين لأنه ساعد صلاح الدين في القضاء على الخلافة الفاطمية الشيعية وإحياء المذهب السنّي في مصر، وهو مجير الدين لوقوفه إلى جانب صلاح الدين في تحرير بيت المقدس من الصليبيين وإعادته إلى حظيرة الإسلام، وأما لقب القاضي الفاضل حصل عليه في مصر لعلمه في الإدارة المصرية[15].

    زهد القاضي الفاضل وعبادته

    كان القاضي الفاضل رحمه اللّه كثير العبادة والتلاوة، يختم كل يوم وليلة، كثير المطالعة والصداقة والصلة[16]، وذا دين وعفاف وتقى، ومواظب على أوراد الليل والصيام، كما كان قليل اللذات كثير الحسنات دائم التهجد، ومتقللًا في مطعمه ومنكحه وملبسه، ويكثر تشييع الجنائز، وعيادة المرضى، وله معروف في السر والعلانية، ولم يكن له انتقام من أعدائه إلا بالإحسان أو الإعراض عنهم[17]، وكان يستعين بآيات القرءان الكريم في كثير من رسائله[18].

    بلاغة القاضي الفاضل ورسائله

    كان القاضي الفاضل واسع المعرفة والمطالعة، سريع الخاطر في الإنشاء، ونظرًا إلى مكانته الرفيعة بين معاصريه وعلمه وبلاغته، كان مجلسه حافلًا بمختلف العلوم وملتقى العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء، وقد مدحه الكثير من العلماء والمؤرخين بصفات تميّز بها مثل براعته في الكتابة وكفاءته في الإدارة وصواب رأيه وفطنته وفصاحته، فقال عنه الذهبي: " انتهت إلى القاضي الفاضل براعة الترسل، وبلاغة الإنشاء، وله في ذلك الفن اليد البيضاء، والمعاني المبتكرة، والباع الأطول"[19].  
    كما قال عنه الأصبهاني: ربّ القلم والبيان، واللّسن واللّسان، والقريحة الوقَّادة، والبصيرة النَّقادة، والبديهة المعُجِزة، والبديعة المطرَّزة، فهو كالشريعة المحمَّدية التي نسخت الشرائع، ورسخت بها الصنائع، أين قُسُّ عند فصاحته؟! وأين قَيس في مقام حصافته؟! ومَنْ حاتم وعمرو في سماحته وحماسته[20].
     وكانت رسائل القاضي الفاضل كثيرة، وكتبه كتبًا عظيمة حتى قيل: إنها كانت تزيد على مائة ألف مجلد[21]، وقد بقي منها مجموعات، منها: ترسل القاضي الفاضل، ورسائل إنشاء القاضي الفاضل، والدر النظيم في ترسل عبد الرحيم، وله أيضًا ديوان شعر[22]، وقد بنى بالقاهرة إلى جانب داره مدرسة ومكتبًا للأيتام، ووقف كتبه جميعها عليها،[23]، فقال ابن العماد الحنبلي: كان له بمصر ربع عظيم يؤجَّر بمبلغ كثير، فلما عزم على الحج ركب ومر به ووقف وقال: اللهم إنك تعلم أن هذا الربع ليس شيء أحب إليّ منه، اللهم فاشهد أني وقفته على فكاك الأسرى[24].

    رسائل القاضي الفاضل

    مدونات

    يصف القاضي الفاضل أحوال الدولة العبيدية (الفاطمية) في مصر ، قال عن الجيش:
    "وبها أجناد عددهم كثير وسوادهم كبير، وأموالهم واسعة وكلمتهم جامعة، وهم على حرب الإسلام أقدر منهم على حرب الكفر، والحيلة في السر فيهم أنفذ من العزيمة في الجهر"

    ثم إنهم يتحاربون بالحيلة والمكر والخديعة، لا بالمجاهرة والمصارحة والقوة كما هو الحال اللائق بالجيش والعسكر!

    ويواصل القاضي الفاضل 
    "لا يعرفون ربا إلا ساكن قصره، ولا قبلة إلا ما يتوجهون إليه من ركنه وامتثال أمره"

    ويتحدث القاضي الفاضل عن ترسخ الدولة وهيبتها في النفوس  فيقول:

    "دولة قد كبر نملها الصغير، ولم يعرف غيرها الكبير، ومهابة تمنع من خطرات الضمير، فكيف بخطوات التدبير"
    ويتحدث عن انتشار الكفر والمنكرات فيقول:

    "هذا إلى استباحة للمحارم ظاهرة، وتعطيل للفرائض على عادة جائرة، وتحريف للشريعة بالتأويل، وعدول إلى غير مراد الله بالتنزيل، وكفر سُمِّيَ بغير اسمه، وشرع يُتَسَتَّر به، ويُحْكَم بغير حكمه"

    وفاة القاضي الفضل

    توفي القاضي الفاضل رحمه الله في سنة 596ه= 1200م، قال العماد الأصبهاني ناعيًا إياه: وتمت في هذه السنة الرزية الكبرى والبلية العظمى وفجيعة أهل الفضل بالدين والدنيا وذلك بانتقال القاضي الفاضل من دار الفناء إلى دار البقاء[25]، ثم علق العماد على وفاته بقوله: ومضى شهيدًا حميدًا، فكانت له بسيد الأولين والآخرين أسوة، فلم يبق في مدة حياته عملًا صالحًا إلا وقدَّمه ولا عهدًا في الجنة إلا أحكمه، ولا عقدًا في البر إلا أبرمه[26].
     


    المصادر
    [1] الذهبي: سير أعلام النبلاء، تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1405هـ= 1985م، 21/ 338.
    [2] ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تحقيق: محمود الأرناؤوط، دار ابن كثير، دمشق، بيروت
    الطبعة الأولى، 1406هـ= 1986م، 6/ 530.
    [3] الذهبي: سير أعلام النبلاء، 21/ 338.
    [4] الطيب با مخرمة: قلادة النحر في وفيات أعيان الده، 4/ 373.
    [5] الذهبي: سير أعلام النبلاء، 21/ 339.
    [6] ابن خلكان: وفيات الأعيان، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 3/ 158، 163.
    [7] ابن خلكان: وفيات الأعيان، 3/ 161، والزركلي: الأعلام، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة عشر، 2002م، 3/ 346.
    [8] هادية دجاني: القاضي الفاضل ودوره التخطيطي في دولة صلاح الدين وفتوحاته، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، ص40.
    [9] ديوان الإنشاء يشبه وزارة الخارجية في وقتنا هذا.  
    [10] ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، 6/ 531.
    [11] الإسنوي: طبقات الشافعية، 2/ 138.
    [12] ابن خلكان: وفيات الأعيان، 3/ 162.
    [13] هادية دجاني: القاضي الفاضل ودوره التخطيطي في دولة صلاح الدين وفتوحاته، ص24.
    [14] سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان في تواريخ الأعيان، دار الرسالة العالمية، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى، 1434هـ= 2013م، 22/ 83.
    [15] هادية دجاني: القاضي الفاضل ودوره التخطيطي في دولة صلاح الدين وفتوحاته، ص24، 25.
    [16] الإسنوي: طبقات الشافعية، تحقيق: كمال يوسف الحوت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 2002م، 2/ 138.
    [17] الذهبي: سير أعلام النبلاء، 21/ 343.
    [18] سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان في تواريخ الأعيان، 22/ 83.
    [19] الذهبي: سير أعلام النبلاء، 21/ 339.
    [20] ابن خلكان: وفيات الأعيان، 3/ 158، 159.
    [21] الإسنوي: طبقات الشافعية، 2/ 138.
    [22]  الزركلي: الأعلام، 3/ 346.
    [23] الإسنوي: طبقات الشافعية، 2/ 138.
    [24] ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، 6/ 533.
    [25] سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان في تواريخ الأعيان، 22/ 84.
    [26] أبو شامة المقدسي: الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، 4/ 473، والزركلي: الأعلام، 3/ 346.
     

الأحد، 21 مارس 2021

معركة موهاكس 1526م

معركة موهاكس 1526م


أ.د. راغب السرجاني

2021/03/22

    جهود إدارية، ودبلوماسية، وعسكرية كبيرة تمهيدًا لفتح المجر: (1522-1525م)

    كانت الخطوة التالية للسلطان سليمان القانوني بعد سقوط بلجراد، والسيطرة على رودس، هي غزو المجر؛ لضمِّها إلى الدولة العثمانية، أو على الأقل لتحويل تبعيَّتها إليها بدلًا من التبعيَّة للإمبراطورية النمساوية.

     كانت هذه خطوةً كبيرة، ومن المتوقَّع أن تُحْدِث آثارًا كبرى في أوروبا؛ لأن المجر دولةٌ كبيرة، ومن الناحية الجغرافية هي أوَّل دولةٍ كاثوليكيَّةٍ في وسط أوروبا بعد الشرق الأرثوذكسي، وسقوطها في أيدي المسلمين سيفتح الباب إلى وسط وغرب أوروبا، وسيُخِلُّ بتوازن القوى لصالح العثمانيين. كان السلطان القانوني يعلم ذلك، لذا، وقبل التحرُّك بجيشٍ كبيرٍ لهذا الغزو، قام ببعض الإجراءات التي تكفل نجاحًا لمهمَّته، وكان منها ما يلي:

    أولًا: فتح مدينة أورسوڤا Orșova على نهر الدانوب في عام 1522م[1]، وهي في رومانيا الآن، وبالقرب من الحدود الصربية، وتُمثِّل آنذاك قاعدة انطلاقٍ مهمَّةٍ إلى داخل الأراضي المجرية، كما أنها تمنح السيطرة الكاملة على الملاحة في نهر الدانوب المهم.

    ثانيًا: قام السلطان بتغييراتٍ مهمَّةٍ في الحكومة العثمانية، فوضع في 27 يونيو 1523م في مركز الصدارة العظمى صديقه الشاب إبراهيم باشا، وهو من أصولٍ يونانيَّةٍ على الأغلب، وقد تحوَّل من النصرانية إلى الإسلام في فترة شبابه الأولى[2]، وهو من ألمع الشخصيَّات في تاريخ الدولة العثمانية، ويتميَّز بمهاراتٍ إدارية، وقيادية، وعسكرية عالية[3]، وهذا يُناسب المرحلة القادمة.

     سيبقى إبراهيم باشا في منصبه هذا ثلاثة عشر عامًا، ويشهد كثيرٌ من المؤرخين أن ولاية هذا الرجل لمركز الصدارة العظمى كانت نقلةً نوعيَّةً في الإدارة العثمانية[4]، وله فضلٌ كبيرٌ في النجاحات التي حقَّقتها الدولة في زمن سليمان القانوني.

    ثالثًا: تأمين الجبهة الصفوية، وهي الجبهة الشرقية الجنوبية للدولة العثمانية؛ لأن خروج جيوشٍ كبيرةٍ إلى الغرب لحرب المجر، ومن خلفها النمسا، قد لا يكون آمنًا إذا كانت هذه الجبهة مضطربة، خاصَّةً أن المدَّة التي ستقضيها الجيوش العثمانية في هذه الممارسات غير معلومة، ومن الصعب توقُّعها؛ حيث إن الجيوش العثمانية ستدخل هذه الأراضي الشمالية في المجر للمرَّة الأولى في تاريخها.

     هذا التأمين كان دبلوماسيًّا؛ فقد استقبل السلطان سفارةً من الدولة الصفوية لتهنئته بالنصر في رودس، ولتجديد الهدنة بين الطرفين. كان سليمان القانوني مطمئنًّا إلى أن الشاه إسماعيل الصفوي، المنهمك في معاقرة الخمور منذ هزيمته في تشالديران عام 1514م، لن يقوى على حرب الدولة العثمانية؛ ومع ذلك كان لا بُدَّ من توثيق هذا الأمر.

     تمت هذه المعاهدة في 1523م[5]، وبعدها بسَنَةٍ أراد اللهُ أن يُريح صدر سليمان القانوني بشكلٍ أكبر من هذه الناحية، فمات الشاه إسماعيل الصفوي في 23 مايو 1524م، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، تاركًا على رأس الدولة الصفوية ابنه الطفل طهماسب الأول Tahmasp I، وعمره عشر سنواتٍ فقط[6]، وهكذا صار هدوء الجبهة الصفوية حتميًّا لعدَّة سنواتٍ قادمة.

    رابعًا: تأمين الجبهة الروسية، وهي الجبهة الشرقية الشمالية للدولة العثمانية، والتي كانت مضطربة بصراعاتٍ بين الإمارات التترية المسلمة المسيطرة على هذه المناطق آنذاك، وكانت المشكلة أن القوى الغربية كانت تتعاون مع هؤلاء التتر المسلمين، و-أيضًا- مع الدولة الصفوية، لضرب الدولة العثمانية من الخلف. قامت جيوش التتار القرميين المسلمين التابعين للدولة العثمانية ببعض العمليَّات العسكريَّة في هذه المناطق النائية؛ حيث تمَّت السيطرة على خانيَّة (إمارة) أستراخان Astrakhan Khanate التترية في عام 1523م، وكذلك على خانيَّة قازان Kazan Khanate التترية في عام 1524م، ثم الوصول في العام نفسه إلى مدينة نيجني نوڤجورود Nizhny Novgorod الروسية، على بعد 400 كم2 شرق موسكو[7]، وهي أبعد نقطة في الشرق وصلت لها الجيوش العثمانية في كلِّ تاريخها، وبذلك انعدم التهديد العسكري للدولة من هذا الجانب.

    خامسًا: تأمين الجبهة الجنوبية (مصر فقد حدث فيها انقلابٌ مفاجئٌ في أوائل 1524م[8]؛ حيث أعلن الوالي العثماني أحمد باشا الانفصال عن الدولة العثمانية بعد تعيين إبراهيم باشا في منصب الصدارة العظمى، وكان هذا الوالي يطمع في هذا المنصب[9].

     تمكَّن سليمان القانوني من السيطرة على الوضع من جديد، وأُعدِم الوالي المنشق في مارس من السنة نفسها[10]، وأُرسل إبراهيم باشا الصدر الأعظم إلى مصر قرابة سنة كاملة (من أكتوبر 1524 إلى سبتمبر 1525م)؛ ليقوم بتنظيم الأمور[11]، والاطمئنان على عدم تكرار مثل هذا الانفصال مرَّةً ثانية. استمر هذا الترتيب الذي قام به إبراهيم باشا لأكثر من قرنٍ كامل[12]، ولم تحدث اضطرابات في مصر طوال هذه الفترة، ويُعتبر المؤرخون هذا الترتيب من إنجازات إبراهيم باشا المهمَّة.

    سادسًا: إقامة علاقات دبلوماسية مع فرنسا، وهذا منعطفٌ تاريخيٌّ مهم، فهذه أوَّل مرَّة تعقد فيها دولة كاثوليكية كبرى حلفًا مع الدولة العثمانية، وكان سليمان القانوني يسعى إلى تفتيت الغرب النصراني في حربه للدولة العثمانية، فجاءته الفرصة مواتيةً في ديسمبر 1525م عندما أتته رسالة استغاثة من الملكة الفرنسية لويزا Louise of Savoy أم الملك الفرنسي الشهير فرانسوا الأول Francis I[13]، وكان هذا الأخير قد دخل في صراعٍ مع الإمبراطور شارل الخامس إمبراطور النمسا وإسبانيا، انتهى بكارثة؛ حيث أُسِرَ الملك الفرنسي[14]، فاضطرَّت أمُّه للاستغاثة بأقوى شخصيَّة أوروبية معادية للإمبراطور، وهو السلطان العثماني سليمان القانوني!

     تكشف هذه الاستغاثة عن مدى قوَّة الدولة العثمانية في هذه الحقبة؛ لأن اضطرار مملكة فرنسا الكاثوليكية المتزمِّتة إلى الاستعانة بدولةٍ مسلمةٍ لن يأتي من فراغ، كما تكشف هذه الاستغاثة مدى الشقاق الذي وصلت إليه القوى النصرانية في أوروبا، وهو ما كان يستفيد منه السياسيون العثمانيون.

     بلا شكٍّ لم يكن طلب التحالف والصداقة من الفرنسيِّين عن حبٍّ أو ولاء؛ إنما هي البرجماتية البحتة؛ إذ سرعان ما سينقلب الصديق إلى عدوٍّ عند تغيُّر المصالح! كان سليمان القانوني يقرأ كلَّ ذلك ويتفهَّمه؛ ولذلك استجاب بسرعةٍ إلى طلب أم الملك، وأرسل لها رسالةً يُطمئنها فيها إلى قبوله مساعدة الملك الفرنسي. جاءت هذه الرسالة فريدةً في صياغتها؛ ولذلك اهتمَّت الكتب بمحتواها.

    كتب سليمان القانوني: «بسم الله العلي المعطي المغني المعيَّن، بعناية حضرة عزة الله، جلَّت قدرته، وعلت كلمته، وبمعجزات سيِّد زمرة الأنبياء وقدوة فرقة الأصفياء محمد المصطفى، الكثيرة البركات، وبمؤازرة قدس أرواح حماية الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وجميع أولياء الله. أنا سلطان السلاطين، وبرهان الخواقين، متوج الملوك، ظلُّ الله في الأرضين، سلطان البحر الأبيض والبحر الأسود، والأناضول، والروملي، وقرمان الروم، وولاية ذي القدرية، وديار بكر، وكردستان، وأذربيچان، والعجم، والشام، وحلب، ومصر، ومكة، والمدينة، والقدس، وجميع ديار العرب، واليمن، وممالك كثيرة أيضًا، التي فتحها آبائي الكرام وأجدادي العظام بقوَّتهم القاهرة، أنار الله براهينهم، وبلاد أخرى كثيرة افتتحتها يد جلالتي بسيف الظفر. أنا السلطان سليمان خان بن السلطان سليم خان بن السلطان بايزيد خان. إلى فرنسيس ملك ولاية فرنسا، وصل إلى أعتاب ملجأ السلاطين المكتوب الذي أرسلتموه مع تابعكم فرانقبان النشيط مع بعض الأخبار التي أوصيتموه بها شفاهيًّا، وأعلمنا أن عدوَّكم استولى على بلادكم، وأنكم الآن محبوسون، وتستدعون من هذا الجانب مدد العناية بخصوص خلاصكم، وكلُّ ما قلتموه عُرض على أعتاب سرير سدَّتنا الملكية، وأحاط به علمي الشريف على وجه التفصيل، فصار بتمامه معلومًا، فلا عجب من حبس الملوك وضيقهم، فكن منشرح الصدر، ولا تكن مشغول الخاطر؛ فإن آبائي الكرام وأجدادي العظام -نوَّر الله مراقدهم- لم يكونوا خالين من الحرب لأجل فتح البلاد، وردِّ العدو، ونحن -أيضًا- سالكون على طريقتهم، وفي كلِّ وقتٍ نفتح البلاد الصعبة، والقلاع الحصينة، وخيولنا ليلًا ونهارًا مسرجة، وسيوفنا مسلولة، فالحقُّ سبحانه وتعالى يُيسِّر الخير بإرادته ومشيئته، وأمَّا باقي الأحوال والأخبار تفهمونها من تابعكم المذكور، فليكن علمكم هذا. تحريرًا في أوائل شهر آخر الربيعين، سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، بمقام دار السلطنة العلية القسطنطينية المحروسة المحميَّة»[15]!

    هذه الرسالة بالطبع تكشف عن مدى قوَّة الدولة العثمانية، ومنطلق العزَّة التي يتكلَّم بها قادتها، ويستخدم كثيرٌ من المؤرخين المسلمين هذه الرسالة للفخر بالمستوى العظيم الذي وصلت إليه الأمَّة الإسلامية في بعض فتراتها؛ ومع ذلك فإن صياغة الرسالة -في رأيي- لم تكن موفَّقة من الناحيتين الدبلوماسيَّة والشرعيَّة؛ فهذا أسلوبٌ يُنبئ عن غرور القوَّة، وكِبْر السُلْطة، وهي أمورٌ ينبغي للقائد المسلم أن يتجنَّبها.

     ولقد كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم رسائل كثيرة إلى ملوك الأرض، فكان يتواضع فيها، ويُعَظِّم المرسلَ إليه، وهذا أدعى لدعوته وشعبه، فيقول مثلًا: «مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ»[16]، وهذا الأسلوب يفتح قلوب الناس، كما إنه أنجح في العلاقات الدبلوماسيَّة، فالأَوْلى أن يشعر فرانسوا الأوَّل بصداقة سليمان القانوني بدلًا من أن يشعر بالذلِّ تجاهه، وينبغي ألَّا يُقال: إن هذا أفضل في مثل هذه المواطن الحربيَّة لإظهار قوَّة المسلمين؛ فالملك الفرنسي هنا يستغيث، وليس الحوار في ساحة حرب،وقد استجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن سالم زعيم خزاعة عندما استغاث به؛ لغدر قريش وبني بكر به، بكلماتٍ يسيرةٍ ليس فيها كِبْرٌ ولا غرور، فقال له: «نُصِرْتَ يَا عَمْرُو بْنَ سَالِمٍ»[17].

    هذه الصياغة التي جاءت بها الرسالة العثمانيَّة تُفسِّر الضعف الدبلوماسي الذي اتَّصفت به الدولة العثمانية في كامل تاريخها؛ حيث لم نرَ لها أصدقاء حقيقيين؛ لا من المسلمين، ولا من غير المسلمين! وهذا قد يكون بسبب هذه الروح المتعالية المرتكزة على نزعةٍ عنصريَّةٍ واضحة. -أيضًا- هذه النزعة التي رأيناها في الرسالة تُفسِّر قلَّة الشعوب التي دخلت في الإسلام في الأقطار التي فتحتها الدولة العثمانية، بالقياس إلى الشعوب التي أسلمت عندما دخلها الخلفاء الراشدون أو الأمويون. إن الشعوب، قادة ومحكومين، لا تستجيب لدعوةٍ متكبِّرة، إنما يفتح قلوبَها التواضعُ!
    عمومًا قام تحالفٌ دبلوماسيٌّ بين الدولة العثمانية وفرنسا، وإن لم يترتَّب عليه شيءٌ في هذه المرحلة تحديدًا؛ لأنه في أثناء إرسال الرسالة الفرنسية والردِّ عليها كان الملك الفرنسي فرانسوا الأول قد عقد في 14 يناير 1526م معاهدة مذلَّة في مدريد مع الإمبراطور النمساوي شارل الخامس، وأُطْلِق حرًّا بعدها[18].

    سابعًا: يلحق بالجهود الدبلوماسية السابقة عملٌ آخر قام به سليمان القانوني، وهو دعم حركة الإصلاح البروتستانتي[19] التي قامت في أوروبا في هذا الوقت على يد مارتن لوثر Martin Luther، وكان هذا بالطبع من منطلق سياسي بحت دون أيِّ خلفيَّاتٍ دينيَّة؛ فسليمان القانوني متمسِّكٌ بدينه، ومارتن لوثر يدعو للنصارى بالانتصار على الأتراك المسلمين[20]؛ لكن التقت المصالح السياسية؛ حيث يُحارب كلاهما الكاثوليك، خاصَّةً الإمبراطور النمساوي، والبابا الڤاتيكاني. تلقَّى الأمراء الألمان الذين اعتنقوا البروتستانتيَّة الدعم من سليمان القانوني، وإن لم يَرْقَ هذا الدعم إلى المعونة العسكريَّة؛ بل ظلَّ على المستوى الإعلامي، والسياسي، والمخابراتي، وكان هذا كافيًا لإزعاج الإمبراطورية النمساوية!

    هكذا، بهذه الجهود السابقة، صارت الفرصة مواتيةً للقيام بغزو المجر!

    معركة موهاكس Mohacs: (29 أغسطس 1526م).

    هذه معركةٌ من أهمِّ المعارك في تاريخ أوروبا؛ ومع أنها كانت معركة يومٍ واحد، إلا أن آثارها امتدَّت لعدَّة قرون! إنها الحملة الهمايونيَّة الثالثة للسلطان القدير سليمان القانوني بعد حملتي بلجراد ورودس!

    رصدت عيون الأعداء خروج الجيش الهمايوني الكبير من إسطنبول في 16 أبريل 1526م[21]؛ لكنها لم تستطع أن تُحدِّد الوجهة تمامًا. نعم هو مُتَّجهٌ على الأغلب لحرب المجر، فكلُّ الإرهاصات تُشير إلى ذلك؛ ولكن إلى أيِّ مكانٍ في المجر الواسعة؟ كانت لدى الجيوش العثمانية -على كثرتها، ووفرة عتادها، وثِقَل مدافعها- القدرة على التمويه على أعدائها وجواسيسهم، فلا يكتشفون وجهتهم النهائيَّة إلا متأخِّرًا، وهذا يُحقِّق عنصر المباغتة.

    جعل السلطان سليمان القانوني وجهته إلى بلجراد، وقرَّر الانتقال منها شمالًا قاصدًا بودا عاصمة المجر[22]؛ ولكنه لم يشأ أن يترك خلفه قلاعًا مجريَّةً قد تُهدِّد مؤخرة جيشه، فانحرف بجيشه إلى الشمال الغربي ليحتلَّ مدينة بيتروڤارادين Petrovaradin الصربية، ومنها اتجه غربًا ليحتلَّ مدينة إيلوك Ilok الكرواتية[23]، ثم اتجه شمالًا ليُسيطر على القلعة الأخيرة في طريقه إلى بودا، وكانت في مدينة أوزيك Osijek الكرواتية[24]، على بعد حوالي مائتي كيلو متر جنوب بودا.

    كان الجيش المجري في تاريخه القريب من أقوى جيوش أوروبا؛ لكن في العقود الأخيرة، وبعد وفاة الملك القوي ماتياس في 1490م؛ أي منذ ستة وثلاثين سنة، لم يَجْرِ تحديثه، وتناقصت أعداد مقاتليه بشكلٍ كبير، خاصَّةً بعد الأزمات الاقتصادية الكبيرة التي تعرَّضت لها البلاد، وثورات الفلاحين، والتصارع على الحكم، وعدم الوفاق بين النبلاء ورجال الدين.

     إنها مجموعةٌ من المشكلات المتفاقمة أدَّت إلى انهيارٍ سياسيٍّ وعسكريٍّ كبير. دعا الملك الشابُّ عديم الخبرة لويس الثاني فرقَ الجيش من هنا وهناك للاستعداد لمواجهة الجيش العثماني الذي يقترب بسرعة. كان الجيش المجري الرئيس في بودا مع الملك، وتأهَّبت فرقةٌ كبيرةٌ من الجيش قوامها ثلاثة عشر ألف مقاتل للقدوم من ترانسلڤانيا في الشرق تحت قيادة أمير الولاية الشهير چون زابوليا[25] John Zapolya، وهو أحد أثرى وأقوى نبلاء المجر، بالإضافة إلى فرقةٍ كرواتيَّةٍ صغيرةٍ نسبيًّا كانت تستعدُّ للقدوم من الغرب.

     أخذ الملك قرارًا خاطئًا بمواجهة الجيش العثماني في حربٍ مفتوحةٍ خارج بودا. لعلَّ الملك كان يريد أن يجعل له خطَّ رجعةٍ في بودا، ولا يريد للحرب الأساسية أن تكون في عقر داره بهذه الصورة؛ لكنه في الواقع لم يُقَدِّر الفوارق الضخمة بين جيشه الضعيف نسبيًّا، وبين الجيش العثماني الحديث بأعداده الأكبر، وتسليحه العصري، ومدافعه القويَّة، ومقاتليه المهرة، وقادته الاحترافيِّين.

     كان الجيش المجري يقترب من ثلاثين ألف مقاتل[26] معهم خمسة وثمانون مدفعًا[27]؛ بينما كان الجيش العثماني في حدود مائة ألف جندي، معهم ثلاثمائة مدفع حديث[28]. كان الأَولى بالملك أن ينتهج سياسة الأرض المحروقة، وحرب العصابات، ولا يلتقي والعثمانيِّين في حربٍ ميدانيَّة، خاصَّةً بعد فشل فرديناند أمير النمسا في الاستجابة لاستغاثة الملك المجري لانشغاله بصراعات الكاثوليك مع البروتستانت، خاصَّةً أن البروتستانت كانوا مبتهجين بهجوم العثمانيين على المجر الكاثوليكية، ويرون ذلك عقابًا من الله لهم[29]! ارتكب الملك لويس الثاني خطأً جديدًا بعدم انتظار فرقتي ترانسلڤانيا وكرواتيا، وكانوا على بعد أيامٍ قليلةٍ منه؛ ولكن ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا!

    اختار الملك المجري أرضَ سهلٍ واسعٍ من سهول المجر يُدْعَى سهل موهاكس Mohacs لتتم عليه الموقعة، والسهل يتميَّز بمرتفعات ومنخفضات، ووجود مستنقعات مائيَّة كبيرة فيه[30]، وقد تصوَّر الملك أن هذه العوائق الجغرافيَّة يمكن أن تُمكِّنه من المناورة مع الجيش العثماني. يقع سهل موهاكس على بعد مائةٍ وسبعين كيلو مترًا جنوب بودا. وافق القانوني على اختيار الملك المجري، فعبر نهر دراڤا Drava، واتَّجه شمالًا إلى السهل، فوصله في يوم 29 أغسطس 1526م[31] (20 ذو القعدة 932 هجرية[32].

     كان الجيش العثماني بوصوله إلى هذا النقطة قد قطع مسافة ألف وخمسمائة كيلو متر قادمًا من إسطنبول؛ وذلك في مائةٍ وأربعة عشر يومًا! إنها مسافةٌ طويلة، ومدَّةٌ كبيرة، كان من الممكن أن تُؤثِّر على أيِّ جيش، لولا اللياقة البدنية والروح العالية التي كان عليها الجيش العثماني الكبير.

    خطب سليمان القانوني في جيشه بعد صلاة الظهر خطبةً قصيرةً مؤثِّرة، ذكر فيها أن روح رسول الله صلى الله عليه وسلم تنظر إليكم[33]، وبعدها أخذ الجيش مواقعه، ونظَّم مدفعيَّته، وما هي إلا لحظاتٌ حتى بدأ القتال! بدأت المعركة بهجومٍ مجريٍّ كبيرٍ قامت به قوَّات الميمنة، وأحدث الهجوم شيئًا من الاضطراب في الجيش العثماني، حتى إن الميمنة المجريَّة استطاعت اختراق فرقٍ عديدةٍ من الجيش العثماني، ووصل بعض المغامرين إلى السلطان سليمان القانوني، وأُطلقت على صدره رصاصة، غير أنها لم تخترق درعه الحديدي[34]! تماسك الجيش العثماني بسرعة، والتفَّ حول الفرقة المهاجمة، وجاءت قوَّات الاحتياط لتدعم بقوَّة، وأبدى الإنكشارية براعةً وشجاعةً فوق المعتاد[35]، وفي وقتٍ قصيرٍ سيطر المسلمون على الموقف، وبدأت المدفعيَّة العثمانيَّة في حصد الجيش المجري.

     أدرك المجريُّون أنهم وقعوا في كمائن خطرة، فبادروا بالانسحاب في حركةٍ عشوائيَّة، وهذا زاد من حجم مصيبتهم. كانت الساحة مليئةً بالمستنقعات العميقة، وكانت وبالًا على الجيش المجري؛ حيث غرق فيها الكثير من الجنود. اكتملت المأساة المجرية بغرق الملك المجري لويس الثاني في أحد المستنقعات[36] لتموت كلُّ عزيمةٍ عند جيشه! قُتِل من الجيش المجري -أيضًا- ثمانيةٌ وعشرون بارونًا، وعددٌ كبيرٌ من النبلاء والقادة يقتربون من ألف رجل، بالإضافة إلى سبعةٍ من كبار القساوسة[37]. أُبيد معظم الجيش المجري في هذا اللقاء، وصار الطريق مفتوحًا بلا أدنى مقاومةٍ إلى العاصمة بودا!

    مع أن الموقعة لم تستغرق إلا ساعات معدودات[38]، إلا أنها كتبت تاريخ المجر لأكثر من ثلاثة قرون! وصفها المؤرخ المجري تيبور ميندي Tibor Mende في كتابه عن المجر وتاريخها بأنها أسوأ هزيمةٍ في كلِّ تاريخ الدولة[39]. ويقول المؤرخ الأميركي ألفريد ريبير Alfred Rieber، والمتخصِّص في تاريخ المجر وشرق أوروبا: «انهارت دولة المجر بعد المعركة، وصارت موهاكس رمزًا لإذلال الأمَّة»[40].

    خرجت المجر بهذه المعركة من قائمة القوى العظمى في أوروبا، وصار شعبها البائس تابعًا بلا إرادة؛ مرَّةً للعثمانيِّين، وأخرى للنمساويِّين، وثالثةً للبولنديِّين، وصارت الأرض المجريَّة ساحةً للمعارك المتتالية بين الدولة العثمانية والنمسا؛ ممَّا أفقدها خصوبتها، بالإضافة إلى هجران الفلاحين لها هربًا من جحيم المعارك. مثَّلت المعركة -أيضًا- منعطفًا تاريخيًّا مهمًّا، وهو انتقال عبء الدفاع عن الكاثوليكيَّة ووسط أوروبا من المجر المتداعية إلى النمسا الفتيَّة، وهكذا؛ بينما كانت المجر هي العدوُّ الأكبر للدولة العثمانية في القرن الخامس عشر، صارت النمسا كذلك في القرنين السادس عشر والسابع عشر، بالإضافة إلى أعداء آخرين بطبيعة الحال.

    لم يكن السلطان القانوني مطمئنًّا إلى أن هذا الجيش الضعيف الذي قابله في موهاكس هو كلُّ الجيش المجري صاحب الصيت الواسع في أوروبا، وكان يخشى من وجود قوَّاتٍ أخرى في بودا؛ ولذلك مكث عدَّة أيَّامٍ في أرض المعركة، ثم تقدَّم بحذرٍ صوب العاصمة.

    لم تكن مخاوف سليمان القانوني حقيقية، وكانت بودا بلا جيش! ودخل القانوني المدينة الحصينة بلا أدنى مقاومةٍ في يوم 11 سبتمبر 1526م[41]. لم يكن السلطان سليمان راغبًا في حكم المجر بشكلٍ مباشرٍ في هذا التوقيت. لم تذكر المصادر لماذا زَهَدَ السلطان في حكم الدولة العتيدة مع خلوِّها من الجند، ولم تذكر كذلك لماذا أضاع فرصة حكم المدينة العريقة بودا، مع أن فتح هذه المدن الحصينة ليس أمرًا سهلًا أو متكرِّرًا.

     الذي يبدو لي أنه لم تكن لديه «القدرة» الحقيقيَّة الواقعيَّة على حكم البلد الكبير بشكلٍ مباشر، فهذا يحتاج إلى أطقمٍ إدارية، وحكومية، وقضائية، وعسكرية لعلها غير متوفِّرة الآن، وبالتالي فمن ناحيةٍ واقعيَّة كان السلطان يُفَضِّل إدارة البلد «كتابع»، بمعنى أن تُدار بأهلها لصالحه، بدلًا من أن يُديرها هو بشكلٍ فاشلٍ قد يُحدث آثارًا سلبيَّة. هذا احتمال، وهناك احتمالٌ آخر هو أنه كان يريد قياس ردود الفعل في أوروبا، وخاصَّةً عند النمسا والبابا، لكي يُجهِّز نفسه للردِّ المناسب. إن أوروبا المنشغلة الآن في حروبها مع البروتستانت قد تتناسى همومها وتلتفت إلى الدولة العثمانية إذا رأتها تحكم المجر بشكلٍ مباشر؛ لذا يمكن أن يكون التدرُّج في الأمر أفضل.

     أيَّا ما كان الأمر فإن السلطان اختار أن يجعل المجر تابعًا برئاسة أحد المجريِّين الموالين له. التقى السلطان وبعض نبلاء المجر، ثم جرى ترشيح چون زابوليا -أمير ترانسلڤانيا الذي لم يشترك في موهاكس- ليكون ملك المجر تحت رعاية الدولة العثمانية[42]. لم يكن زابوليا أثرى وأقوى نبلاء المجر فقط؛ ولكنه كان يتمتَّع بأمرين إضافيَّين: الأول أنه يقود جيشًا سليمًا بلا إصابات؛ حيث لم يشترك في موهاكس، وهذا يُعطيه القدرة العمليَّة على إدارة الدولة، والثاني أنه كان من الحزب المجري المعارض لآل هابسبورج النمساويِّين[43]، وكان لا يرغب في تدخُّلهم في شئون المجر أيام الملك الراحل.

     هذان الأمران جعلا أسهمه ترتفع عند النبلاء المتبقِّين في المجر بعد موهاكس، وهما الأمران أنفسهما اللذان رجَّحا كفَّة زابوليا عند السلطان القانوني؛ فهو يريد حاكمًا قويًّا يمكن أن يُسيطر بجيشه على الوضع في المجر، ويريده في الوقت نفسه معاديًا، ولو نسبيًّا، للنمسا. وافق السلطان على ترشيح زابوليا، واستقبله في القصر الملكي، وأقرَّه ملكًا على المجر تابعًا له، وصار لقبه: چون الأول John I.

    رجع السلطان القانوني إلى إسطنبول بعد أن أمضى ثلاثة عشر يومًا في بودا[44].

     لم يكن هذا هو الوضع المثالي؛ لأن البلاد التابعة يمكن أن تتفلَّت بسهولة، كذلك يمكن للنمسا أن تطمع فيها بشكلٍ أكبر؛ لكن يبدو أن هذا كان أفضل استثمار «واقعي» لنصر موهاكس العظيم، خاصَّةً أن جيش زابوليا لم يكن مخيفًا؛ نعم هو كافٍ للسيطرة على الأمور في المجر المتهالكة؛ لكنه لن يكون كافيًا أبدًا لمقاومة العثمانيين في حال غَدَرَ المجريون! والغدر في سياستهم متوقَّع![45].
     


    [1] شوجر، بيتر: أوروبا العثمانية 1354 – 1804، ترجمة: عاصم الدسوقي، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1998م.صفحة 88.
    [2] Turan, Ebru: The Marriage of Ibrahim Pasha (CA. 1495-1536): The Rise of Sultan Süleyman's Favorite to the Grand Vizierate and the Politics of the Elites in the Early Sixteenth-Century Ottoman Empire, Turcica journal, Peeters Online Journals, Volume 41, 2009., pp. 3–36.
    [3]  Kia, Mehrdad: The Ottoman Empire: A Historical Encyclopedia, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2017., vol. 1, p. 83.
    [4] Jenkins, Hester Donaldson: Ibrahim Pasha, Outlook Verlag GmbH, Deutschland, Frankfurt am Main, Germany, 2018., p. 43.
    [5]  فريد، محمد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ=1981م.صفحة 206.
    [6] جرامون، ﭼان – لوي باكي: أوج الامبراطورية العثمانية: الأحداث (1512-1606)، ضمن كتاب: مانتران، روبير: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: بشير السباعي، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة–باريس، الطبعة الأولى، 1993م. صفحة 1/222.
    [7]  أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، 1988 صفحة 1/265.
    [8] Hathaway, Jane: The Arab Lands Under Ottoman Rule, 1516-1800, Pearson Longman, London, UK, 2008., p. 56.
    [9] فريد، 1981 صفحة 207.
    [10] Hathaway, 2008, p. 56.
    [11] Jenkins, 2018, pp. 44-46.
    [12] جرامون، 1993 صفحة 1/219.
    [13] Whitford, David M.: A Reformation Life: The European Reformation through the Eyes of Philipp of Hesse, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2015., p. 61.
    [14] ديورانت، ول: قصة الحضارة، ترجمة: زكي نجيب محمود، وآخرين، تقديم: محيي الدين صابر، دار الجيل-بيروت، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم-تونس، 1408هـ=1988م. صفحة 25/33.
    [15] جودت، أحمد: تاريخ جودت، تحقيق: عبد اللطيف بن محمد الحميد، تعريب: عبد القادر أفندي الدنا، مؤسسة الرسالة، 1999م.الصفحات 487، 488.
    [16] البخاري: بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ (7).
    [17] ابن هشام، 1955 صفحة 2/395، والطبري، 1967 صفحة 3/45، والبيهقي في السنن الكبرى (18638)، صحَّح سنده إبراهيم العلي، 1995 صفحة 402، والعمري، 1994 صفحة 2/473، وقال الصوياني: سنده صحيح، رواه ابن إسحاق ومن طريقه البيهقي في الكبرى. انظر: الصوياني، 2004 صفحة 4/ 12، وذكره البرزنجي في صحيح الطبري، انظر: البرزنجي، 2007 الصفحات 2/270، 271.
    [18] ديورانت، 1988 صفحة 25/37.
    [19] Miller, Roland E.: Muslims and the Gospel: Bridging the Gap: A Reflection on Christian Sharing, Kirk House Publishers, Burnsville, Minnesota, USA, 2005., p. 208.
    [20] Schwarz, Hans: Islam, Luther and, In: Lamport, Mark A.: Encyclopedia of Martin Luther and the Reformation, Rowman & Littlefield, Lanham, Maryland, USA, 2017.vol. 2, p. 382.
    [21] Sisa, 1983, p. 76.
    [22] اختيرت مدينة بودا Buda لتكون عاصمةً للمجر في عام 1361، ومدينة بودا تقع على الضفة الغربية لنهر الدانوب، ويُقابلها من الناحية الشرقية مدينة بِست Pest، وقد توحَّدت المدينتان في كيانٍ واحدٍ عام 1873 تحت اسم بودابست Budapest، وصارت عاصمة المجر منذ ذلك الحين.
    [23] Rogers, Clifford J. (Editor): The Oxford Encyclopedia of Medieval Warfare and Military Technology, Oxford University Press, New York, USA, 2010., vol. 1, p. 360.
    [24] Setton, Kenneth Meyer: The Papacy and the Levant (1204–1571), The Sixteenth Century to the Reign of Julius III, 1984, vol. 3, p. 249.
    [25] Black, Jeremy: War and Technology, Indiana University Press, Bloomington, Bloomington, Indianapolis, USA, 2013., p. 85.
    [26] Ágoston, Gábor: Mohács, Battle of (1526), In: Ágoston, Gábor & Masters, Bruce Alan: Encyclopedia of the Ottoman Empire, Infobase Publishing, New York, USA, 2009 (H).p. 389.
    [27] Black, 2013, p. 85.
    [28] أوزتونا، 1988 صفحة 270.
    [29] ديورانت، 1988 صفحة 5/103.
    [30] Tucker, Spencer C.: A Global Chronology of Conflict: From the Ancient World to the Modern Middle East, ABC-CLIO, Santa Barbara, California, USA, 2010., vol. 2, p. 498.
    [31] Setton, 1984, vol. 3, p. 249.
    [32] فريد، 1981 صفحة 211.
    [33] أوزتونا، 1988 صفحة 270.
    [34] Williams, Henry Smith: The Historians' History of the World: A Comprehensive Narrative of the Rise and Development of Nations as Recorded by Over Two Thousand of the Great Writers of All Ages, Hooper & Jackson Limited, London, UK, 1909., vol. 24, p. 347.
    [35] Grant, R. G.: 1001 Battles That Changed the Course of History, Chartwell Books, New York, USA, 2017., p. 259.
    [36] Agnew, Hugh LeCaine: The Czechs and the Lands of the Bohemian Crown, Hoover Institution Press, Stanford University, Stanford, California, USA, 2013., p. 59.
    [37] Corvisier, André & Childs, John: A Dictionary of Military History and the Art of War, Translated: Chris Turner, Wiley-Blackwell, New Jersey, USA, 1994., pp. 365–366.
    [38]  زاده، صولاق: تاريخ صولاق زاده، إستانبول، 1297هـ=1880م.صفحة 455.
    [39] Mende, Tibor: Hungary, Macdonald & Company Limited, 1944., p. 41.
    [40] Rieber, Alfred J.: The Struggle for the Eurasian Borderlands: From The Rise Of Early Modern Empires To The End Of The First World War, Cambridge University Press, New York, USA, 2014., p. 320.
    [41] Jessup, John E.: Balkan Military History: A Bibliography, Garland publishing, Inc, New York, USA, 1986., p. 69.
    [42] Kohn, George C.: Dictionary of Wars, Infobase Publishing, 2006., p. 236.
    [43] Dvornik, Francis: The Slavs in European History and Civilization, New Brunswick, NJ, USA, Rutgers University Press, 1962., p. 442.
    [44] أوزتونا، 1988 صفحة 1/271.
    [45]   دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442هـ= 2021م، 1/ 427- 437.
    لشراء كتاب قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط يرجى الاتصال على الرقم التالي: 01116500111
     

الثلاثاء، 9 مارس 2021

عبد الرحمن الداخل .. القائد والإنسان

عبد الرحمن الداخل .. القائد والإنسان

 أ.د. راغب السرجاني

لولا عبد الرحمن الداخل لانتهى الإسلام من الأندلس بالكلية، هكذا قال المؤرِّخون عن عبد الرحمن الداخل، وإنَّا لتعلونا الدهشة ويتملَّكنا العجب حين نعلم أن عمره حينذاك لم يتجاوز الخامسة والعشرين عامًا، أي في سنِّ خريج الجامعة في عصرنا.

مَلَكٌ من السماء، أم ماذا هو؟! لن نذهب بعيدًا، وسنترك الحديث عنه إلى ابن حيَّان الأندلسي، الذي يقول مُستَعرِضًا بعضًا من صفات عبد الرحمن الداخل:

«كان عبد الرحمن راجح الحلم، راسخ العلم، ثاقب الفهم، كثير الحزم، نافذ العزم، بريئًا من العجز، سريع النهضة، متصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دَعَة، ولا يَكِلُ الأمور إلى غيره، ثم لا ينفرد في إبرامها برأيه، شجاعًا مقدامًا، بعيد الْغَوْرِ، شديد الحدَّة، قليل الطمأنينة، بليغًا مفوَّهًا، شاعرًا محسنًا، سمحًا سخيًّا، طلق اللسان، وكان يلبس البياض ويعتمُّ به ويُؤْثِره، وكان قد أُعْطِيَ هيبة من وَلِيِّه وعدوِّه، وكان يحضر الجنائز، ويُصَلِّي عليها، ويُصَلِّي بالناس إذا كان حاضرًا الجُمَع والأعياد، ويخطب على المنبر، ويعود المرضى»[1].

شخصية تُشخِص الأبصار وتَبْهَر العقول، فمع رجاحة عقله وسعة علمه كان لا ينفرد برأيه، فإذا اجتمعت الشورى على رأي كان نافذ العزم في تطبيقه –رحمه الله، ومع شدَّته وحزمه وجهاده وقوَّته كان –رحمه الله- شاعرًا محسنًا رقيقًا مُرهَف المشاعر.

ومع هيبته عند أعدائه وأوليائه إلاَّ أنه كان يتبسَّط مع الرعية، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويُصَلِّي بهم ومعهم، ومع كونه شديد الحذر قليل الطمأنينة، لم يمنعه ذلك من معاملة الناس والاختلاط بهم دون حرَّاس، حتى خاطبه المقرَّبُون في ذلك وأشاروا عليه ألاَّ يخرج في أوساط الناس حتى لا يتبسَّطوا معه[2].

ونستطيع أن نفهم شخصيته بصورة أوضح حين نعلم كيف كان في معاملته للناس، فقد جاء أن أحد الناس طلب منه حاجةً أمام أعين الحاضرين، فقضاها له، ثم قال له: «إذا أَلَمَّ بك خطب أو حزبك أمرٌ فارفعه إلينا في رقعة، لا تعدوك كيما نستر عليك خلتك، ونكف شمات العدوِّ عنك بعد رفعك لها إلى مالكك ومالكنا -عزَّ وجهه- بإخلاص الدعاء وصدق النية»[3].

إنها لَتربية ربَّانية لشعبه؛ فهو يُريد –رحمه الله- أن يربط الناس بخالقهم، يُريد أن يُعَلِّمهم أن يرفعوا حاجتهم إليه U أولاً، يُريد أن يُعَلِّمهم أنه U يملكه ويملكهم جميعًا، ثم مراعاةً لعواطف النفس الداخلية، وحفظًا لماء وجه الرعية عند السؤال قال له: فارفع إلينا حاجتك في رقعة كي نستر عليك ولا يشمت أحدٌ فيك.

وها هو ذا –رحمه الله- لما انتصر على ثائر سرقسطة الحسين الأنصاري، «أقبل خواصُّه يُهَنِّئُونه، فجرى بينهم أحدُ مَنْ لا يُؤْبَهُ به من الجند، فهنَّأه بصوت عال. فقال: والله! لولا أن هذا اليوم يوم أسبغ عليَّ فيه النعمة مَنْ هو فوقي فأوجب عليَّ ذلك أن أُنْعِمَ فيه على مَنْ هو دوني لأصلينك ما تعرضت له من سوء النكال، مَنْ تكون حتى تُقبل مهنِّئًا رافعًا صوتك غير متلجلج ولا متهيب لمكان الإمارة، ولا عارف بقيمتها، حتى كأنك تخاطب أباك أو أخاك؟! وإن جهلك ليحملك على العود لمثلها، فلا تجد مثل هذا الشافع في مثلها من عقوبة. فقال: ولعلَّ فتوحات الأمير يقترن اتصالها باتصال جهلي وذنوبي، فتشفع لي متى أتيت بمثل هذه الزلة؛ لا أعدمنيه الله تعالى. فتهلَّل وجه الأمير وقال: ليس هذا باعتذار جاهل. ثم قال: نَبِّهونا على أنفسكم، إذا لم تجدوا مَنْ يُنَبِّهنا عليها. ورفع مرتبته وزاد في عطائه»[4]. فهو هنا على رغم غضبه لمقام الإمارة إلاَّ أنه حلم عليه ولم يُعاقبه بل زاد في مكافأته؛ لَمَّا تكشَّفت له حكمة الجندي وفصاحته.

عبد الرحمن الداخل.. الإنسان


مع المدَّة الكبيرة التي حكمها القائد عبد الرحمن الداخل، ومع امتداد عمره، وموقعه القيادي في أي مكان ينزل فيه، مع هذا كله؛ لم يُؤْثَر عنه أيُّ خلق ذميم أو فاحش، بل مدحه العلماء بالعلم والفضل وحُسن الخلق؛ مما يدلُّ على إنسانيته السامية، ومعدنه النفيس، وأخلاقُ الإنسان الحقيقية لا تظهر بوضوح إلاَّ في وقت الشدَّة، وحياة عبد الرحمن كلها شدائد وحروب؛ مما يُظْهِر أخلاقه بوضوح أمام أيِّ باحث في التاريخ، ويُحَدِّد ما إذا كانت حسنة أو سيئة.

وكان عبد الرحمن الداخل خطيبًا مفوَّهًا يرتقي المنابر ويعظ الناس، فهو كما نعرف نشأ في بيت الإمارة، وهكذا الأمراء في ذلك العصر، كما كان -أيضًا- شاعرًا مرهف الحسِّ، قال سعيد بن عثمان اللغوي الذي توفي سنة أربعمائة: كان بقُرْطُبَة جَنَّة حديقة اتخذها عبد الرحمن بن معاوية، وكان فيها نخلة أدركتُها، ومنها تولَّدت كل نخلة بالأندلس.

قال: وفي ذلك يقول عبد الرحمن الداخل: [الكامل]

يَا نَخْلُ أَنْتِ غَرِيبَةٌ مِثْلِي 
فِي الْغَرْبِ نَائِيَةٌ عَنِ الأَصْلِ

فَابْكِي وَهَلْ تَبْكِي مُكَيَّسَةٌ 
عَجْمَاءُ لَمْ تُطْبَعْ عَلَى خَيْلِ؟

لَوْ أَنَّها تَبْكِي إذًا لَبَكَتْ 
مَاءَ الْفُرَاتِ وَمَنْبِتَ النَّخْلِ

لَكِنَّهَا ذَهِلَتْ وَأَذْهَلَنِي 
بُغْضِي بَنِي الْعَبَّاسِ عَنْ أَهْلِي[5]

ومن شعره أيضًا: [الخفيف]

أَيُّهَا الرَّاكِبُ الْمُيَمِّمُ أَرْضِي 
أَقْرِ مِنْ بَعْضِي السَّلامَ لِبَعْضِي

إِنَّ جِسْمِي كَمَا عَلِمْتَ بِأَرْضٍ 
وَفُؤَادِي وَمَالِكِيهِ بِأَرْضِ

قُدِّرَ البَيْنُ بَيْنَنَا فَافْتَرَقْنَا 
فَعَسَى بِاجْتِمَاعِنَا اللهُ يَقْضِي[6]

عبد الرحمن الداخل وفكره العسكري

تمتَّع عبد الرحمن الداخل بفكر عسكري في غاية الدقَّة والعجب؛ فحياته كُلُّها -تقريبًا- حروب ومناوشات منذ سقوط خلافة بني أمية وحتى وفاته، مرورًا بفراره عبر البلاد والصحارى والقفار والبحار، وانتهاءً بالثورات الكثيرة التي تغلَّب عليها بلا استثناء؛ ليُوَطِّد مُلكه في بلاد الأندلس دون منازع.

ولولا ذكاؤه العسكري ما تغلَّب على كل هذه الثورات، التي يحار العقل في كثرتها، وكيف قضى عليها جميعًا، ونعرض هنا لبعض ملامح فكره العسكري من خلال مواقفه في معاركه وبطولاته، التي شغلت طول حياته وعرضها؛ ومن هذه الملامح:

أولاً: مبدأ المباغتة والحرص على المبادأة

فهو يُخَطِّط بدقَّة من أجل الوصول إلى أهدافه، ثم هو لا يترك لخصومه الفرصة، بل يُسرع ليُباغتهم وهم في بداية أعمالهم القتالية المضادَّة له، والتاريخ يُؤَكِّد أن أفضل وسيلة للقضاء على أعمال التمرُّد هو تطويقها منذ بداياتها الأولى، وعدم السماح لها بالتطوُّر، والعمل على خنقها وهي لا تزال في مهدها، ويظهر هذا المبدأ واضحًا في معركة المصارة، فقد بات ليلته يستعدُّ للحرب بينما كان خصمه يحاول خداعه، بحُجَّة تأجيل القتال، وكانت المباغتة كاملة؛ بحيث لم تتمكَّن القوات المضادَّة من الصمود، على الرغم مما أظهرته في البداية من ضروب الشجاعة[7]، والأمر مماثل بالنسبة لبقية حروب الأمير عبد الرحمن ومعاركه؛ حيث كان للمباغتة دور كبير وحاسم في تقرير نتائج القتال من قبل أن تبدأ المعركة.

ولم يكن حرص عبد الرحمن الداخل على الاحتفاظ بالمبادأة أقل من حرصه على المباغتة، فهو يحاول باستمرار وضع خصومه أمام مواقف تحرمهم من حرية العمل، ويفرض عليهم زمن المعركة، وكان في معاركه كلها يُجَابه قادة على درجة عالية من الكفاءة، فكان لا بُدَّ له من البحث عن الوسيلة التي تحرمهم من استخدام قدراتهم وإمكاناتهم.

ثانيًا: الاقتصاد في القوى والمحافظة على الهدف

وتظهر أهمية هذين المبدأين عند مطالعة سيرته، فقد كانت حياته سلسلة متصلة الحلقات من الوقائع والمعارك، وكان لا بُدَّ من الموازنة المستمرَّة بين الأهداف المتتالية للحرب، وبين القوى والوسائط اللازمة للتعامل معها، مع إعطاء الأولوية للأهداف الأكثر أهمية وخطورة عندما يظهر أن هناك أكثر من هدف يجب التعامل معه في وقت واحد، وهذا ما كان يحدث في معظم الأحيان، وأمام هذه المواقف بمجموعها كان لا بُدَّ من إجراء حسابٍ دقيقٍ لموازين القوى؛ بحيث يمكن استخدامها على أفضل صورة وفي أحسن وجه، وهذا ما أَكَّدته مجموعة الأعمال القتالية للأمير عبد الرحمن.

حياة صقر قريش في سطور

لقد كانت حياة القائد العظيم عبد الرحمن الداخل وقفًا على الجهاد وإقامة الدولة الإسلامية، وتثبيت بُنيانها، وإرساء دعائمها، ورَدِّ الطامعين فيها، فكانت الأيام التي عاشها الأمير عبد الرحمن في طمأنينة وراحة لا تزيد على أيام قليلة، وكانت حياته حركة مستمرَّة في تنظيم الجيوش، وعقد الرايات، وتوجيه القوَّات، وتحصين الثغور، والقضاء على الفتن والثورات، ووضع أُسس البنيان الحضاري.

وفاته

عاش عبد الرحمن الداخل تسعًا وخمسين سنة؛ منها تسع عشرة سنة في دمشق والعراق قبل سقوط دولة الأمويين، وستُّ سنوات فرارًا من بني العباس وتخطيطًا لدخول الأندلس، وأربع وثلاثون سنة في المُلك ببلاد الأندلس، وتُوُفِّي بقُرْطُبَة ودُفِنَ بها في جُمادى الأولى 172هـ= أكتوبر 788م[8].



[1] المقري: نفح الطيب، 3/37.


[2] انظر: المقري: نفح الطيب، 3/37.


[3] المصدر السابق، 3/39.


[4] انظر: المقري: نفح الطيب، 3/41، 42.


[5] الذهبي: تاريخ الإسلام، 11/241، وانظر: ابن الأبار: الحلة السيراء، 1/37.


[6] الذهبي: تاريخ الإسلام، 11/241، 242، وانظر: ابن الأبار: الحلة السيراء، 1/36.


[7] المقري: نفح الطيب، 3/33.


[8] انظر: مجهول: أخبار مجموعة، ص105، وابن عذاري: البيان المغرب، 2/58، والمقري: نفح الطيب، 3/48.




الاثنين، 29 أكتوبر 2018

شنجول وسقوط الدولة العامرية



شنجول وسقوط الدولة العامرية

تولية عبد الرحمن المنصور المعروف بشنجول وانقلاب أهل الأندلس عليه وسقوط حكم بني عامر
د. راغب السرجاني 
من خَلْف ستار الخلافة الأموية ظلَّ الحاجب المنصور بن أبي عامر يحكم الأندلس ابتداءً من سنة (366هـ= 976م) وحتى وفاته –رحمه الله- سنة (392هـ= 1002م)، وقد استخلف على الحجابة من بعده ابنه عبد الملك بن المنصور، فتولَّى الحجابة منذ قُتل والده وحتى وفاته سنة (399هـ= 1009م) أي سبع سنوات متصلة، سار فيها على نهج أبيه في تولِّي حُكم البلاد، فكان يُجاهد في بلاد النصارى كل عام مرَّة أو مرَّتين، كل هذا وهو -أيضًا- تحت غطاء الخلافة الأموية.

في هذه الأثناء وعند بداية ولاية عبد الملك بن المنصور أمر الحجابة كان الخليفة هشام بن الحكم (هشام المؤيد) قد بلغ من العمر ثمانية وثلاثين عامًا، ومع ذلك فلم يطلب الحُكم، ولم يحاول قط أن يُعمل نفوذه وسلطانه في بلاد الأندلس، فكان قد تعوَّد على حياة الدعة واستماع الأوامر من الحاجب المنصور ومن تلاه من أولاده.

عبد الرحمن شنجول

في سنة (399هـ= 1009م) توفي الحاجب المظفر، فتولَّى أمر الحجابة من بعده أخوه عبد الرحمن بن المنصور المشهور بعبد الرحمن شنجول[1]؛ حيث كان أولاد بني عامر يتملَّكُون زمام الأمور في البلاد، وأخذ -أيضًا- يُدير الأمور من وراء الستار، لكنه كان مختلفًا عن أبيه وأخيه، فإضافة إلى أن أُمَّه كانت بنت ملك نافار وكانت نصرانية، فقد كان عبد الرحمن بن المنصور شابًّا ماجنًا فاسقًا، شَرَّابًا للخمر، فعَّالاً للزنا، كثير المنكرات، فكرهه الناس في الأندلس [2].

وفوق ذلك فقد قام عبد الرحمن بن المنصور بعمل لم يُعهد من قَبْلُ عند العامريين، وهو أنه أجبر الخليفة هشام المؤيد في أن يجعله وليًّا للعهد من بعده، وبذلك لن يُصبح الأمر من خَلْفِ ستار الخلافة الأموية كما كان العهد حال تولِّي والده محمد بن أبي عامر، أو أخيه عبد الملك بن المنصور، فكان أن ضجَّ بنو أمية لهذا الأمر، وغضبوا وغضب الناس أجمعون، لكن لم تكن لهم قدرة على القيام بأي ردِّ فعل؛ خاصة وأن عبد الرحمن بن المنصور قد جعل جميع الولايات في أيدي العامريين وفي يد البربر، الذين هم أتباع العامريين منذ أيام الحاجب المنصور[3].

سقوط الدولة العامرية

ومع كل هذا الفسق وهذا المجون الذي كان يعيشه عبد الرحمن بن المنصور إلاَّ أن الشعب كان قد تعوَّد حياة الجهاد، والخروج كل عام إلى بلاد النصارى، فلمَّا خرج شنجول على رأس جيش من الجيوش إلى الشمال، انتهز الناس الفرصة وأرادوا أن يُغَيِّرُوا من الأمر، فذهبوا إلى هشام المؤيد في قصره وخلعوه بالقوَّة، وعَيَّنُوا مكانه رجلاً من بني أمية اسمه محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر (من أحفاد عبد الرحمن الناصر)، وما أن طار الخبر إلى عبد الرحمن شنجول حتى بدأت الجموع التي معه تنفضُّ من حوله شيئًا فشيئًا، فلمَّا دخل إلى قُرْطُبَة كان الناس قد انفضوا عنه وانحازوا إلى محمد بن هشام الذي تلقَّب بـ«المهدي»، ثم ما لبث أن أرسل إليه المهدي جماعة قبضوا عليه وقتلوه وأرسلوا إليه برأسه[4].

وتقول بعض الروايات أنه التجأ إلى دَيْر فأعطاه أحد رهبانه طعامًا وشرابًا، ثم عثر عليه رجال بني أمية سكران، فأظهر الخوف والجزع، وادعى دخوله في طاعة المهدي، فلم يشفع له ذلك فقتلوه[5].

واشتعلت الثورات في الأندلس، فكأنَّ مقتل عبد الرحمن بن المنصور واشتعال الفتن والثورات في الأندلس كانا بميعاد، فمنذ أن قُتِلَ عبد الرحمن بن المنصور انفرط العقد تمامًا في البلاد، وبدأت الثورات تكثر والمكائد تتوالى، وبدأت البلاد تُقَسَّم.

[1] شنجول: هو لقب كانت أمه تدعوه به منذ صغره، باسم سنجول Sanchuelo، تذكراً منها لأبيها سانشو غرسيه ملك نافار الذي أهدى ابنته للمنصور بن أبي عامر فتزوجها واعتنقت الإسلام وحسن إسلامها.

[2] ابن عذاري: البيان المغرب، 3/38، وابن الخطيب: أعمال الأعلام، ص66.

[3] ابن الخطيب: أعمال الأعلام، ص94، وتاريخ ابن خلدون، 4/149، والمقري: نفح الطيب، 1/426.

[4] انظر: ابن الخطيب: أعمال الأعلام، ص96، وتاريخ ابن خلدون، 4/149، والمقري: نفح الطيب، 1/426.


[5] ابن عذاري: البيان 
 المغرب، 3/72.



   فتنة شنجول".. كيف بدت 
  الأندلس آخر أيام الخلافة ؟ 
كان الخليفة الحكَم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر (350 - 366هـ/961- 977م) آخر عظيم أموي في الأندلس على الحقيقة، وإن جاء بعده أمويون ضعفاء. لقد أنجب الحكمُ ولدين، هما عبد الرحمن الذي مات طفلاً، وهشام الذي اضطر الحكَم إلى إعلانه وليا للعرش قُبيل وفاته سنة 365هـ، حين نزل به مرض الموت منذ عام 364هـ، وما لبث المستنصر أن وفاته المنية سنة (366هـ/976هـ) عن عُمر ناهز الرابعة والستين عامًا.


الحاجب المنصور بن أبي عامر

كان هشام المؤيد بن المستنصر في الثانية عشرة من عمره حين ارتقى إلى سدة العرش، وكانت بجواره أمه صبح البشكنجية وصية على ولدها الخليفة القاصر، على أن القوة الحقيقية كانت بيد رجلين، الأول جعفر بن عثمان المصحفي الحاجب، وقائد الشرطة محمد بن أبي عامر الذي كان على صلة وثيقة بصبح حين كان وكيلا لأعمال وأملاك ولدها هشام الثاني المؤيّد. وإثر تنافس محموم بين الرجلين، تمكن محمد بن أبي عامر من استصدار مرسوم من الخليفة القاصر بمساعدة من أمه، يأمر فيه بعزل المصحفي وسجنه سنة 371هـ، وهو ما تم له، ثم أمر ابن أبي عامر بعدما استتب له الأمر، بإقصاء صبح حليفته السابقة، والحجر على ولدها هشام المؤيّد، ولُقب بالمنصور، ودُعي له على المنابر[1]، وبهذا أطلت الدولة العامرية برأسها في الأندلس، منذ تلك اللحظة ولمدة ربع قرن قادم بوصاية على الأمويين تشبه ما قام به البويهيون والسلاجقة في المشرق على بني العباس.
تمثال للحاجب المنصور بن أبي عامر الذي لم يهزم قط (327هـ/938م - 392هـ/1002) 


تمكّن المنصور من قيادة الأندلس ببراعة على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، واتسعت غزواته وفتوحاته في الشمال، حتى إنه حين وفاته قد جمع غبار تلك المعارك التي بلغت أكثر من خمسين غزوة وأوصى أن تنثر على كفنه.

خلف المظفّرُ عبدُ الملك بن محمد بن أبي عامر أباه في الحجابة في رمضان سنة 392هـ، وهي بمثابة رئاسة الحكومة والدولة على الحقيقة مع وجود الخليفة الضعيف المحجور عليه هشام المؤيّد بن الحكم، الذي أقرّه على ما كان عليه والده المنصور، ولقد شابه المظفر عبد الملك أباه في اليقظة والذكاء والحنكة والمهارات السياسية والعسكرية، غير أنه كان أقل منه في المعرفة والعلم، وسار على درب والده في جهاد الإفرنج النصارى في شمال الأندلس، فغزاهم ست غزوات في عصره القصير كُتب له فيها الظفر والنصر، لكن باغته الموت وهو ما يزال شابًا في الرابعة والثلاثين من عمره في 16 صفر سنة (399هـ/ أكتوبر (تشرين الأول) 1008م)، وقد قيل إن أخاه عبد الرحمن هو الذي دسّ له السم حسدًا وغيرة[2].

شنجول يُوقد الفتنة!
كان عبد الرحمن الذي لقّب نفسه الناصرَ قد أطلق عليه أهل قُرطبة "شنجول"؛ ذلك أنه لم يكن أخا شقيقا للمظفر عبد الملك الذي كانت أمهم سلمة حرة، لكن عبد الرحمن كان حفيداً لسانشوغرسية ملك نافار، وكانت أمه الأميرة النافارية حينما تزوجت المنصور قد اعتنقت الإسلام، وتسمّت باسم "عبدة"، وكان ولدها عبد الرحمن "أشبه الناس بجده" النافاري الإسباني. وكان لهذه الأرومة الفرنجية الواضحة، أثرها في انصراف الناس عن محبته والعطف عليه، وكان يزيد في هذه الوحشة بين عبد الرحمن وبين الشعب، انحرافه وخلاله السيئة، فقد كان فاجرًا كثير الاستهتار والمجون، يقضي معظم وقته في الشراب واللهو[3].

"قرر عبد الرحمن التوجه صوب قرطبة مع نفر من بعض أنصاره الإسبان من مقاطعة كريون في جلّيقية، ظنًا منه أنه متى ما ظهر في قرطبة فإن الناس سينصرونه، لكن هذا القرار كان حتفه"

لم يكن عبد الرحمن يجاهر بالعصيان، ويستهزئ بالشعارات المتبعة، ويحقر من أصحاب المكانة من الأشراف والأكابر، ويجاهر بالطغيان فقط، بل فوق ذلك أرهب الخليفة الضعيف -هشام المؤيد- واضطره إلى إعلانه وليا للعهد في سابقة لم تحدث، يريد بذلك نزع الخلافة وانتقالها من بني أمية إلى بني عامر، وقد كان أبوه المنصور أشد منه قوة، وأكثر حنكة وذكاء، قد استمر في حكم الأندلس مع وجود هشام أكثر من ثلاثين عاما، ولم يجرؤ على هذه الخطوة لعواقبها الوخيمة في نفوس الشعب الأندلسي، لكن عبد الرحمن شنجول استصدر الأمر، وأعلنه على عامة الناس بقرطبة في (15 ربيع الأول 399هـ/نوفمبر 1008م)، بُعيد أيام قليلة على ارتقائه للحجابة ووفاة أخيه المظفر[4]!


رأت الأسرة الأموية في قرطبة أن عبد الرحمن بن المنصور العامري قد بلغ من الطيش مداه، فسعت سرًا إلى تأليب الناس، وصنع التحالفات ضده، وانتهزت فرصة خروجه لغزو الممالك المسيحية في الشمال، وكانت غزوة فاشلة بكل المقاييس لخروجها في الشتاء، وعدم الإعداد الجيد لها، وكونها مجرد دعاية لشنجول، حتى أعلن أحدهم وهو محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر تزعّمه لحركة العصيان والانقلاب على الحاجب عبد الرحمن "شنجول"، وبالفعل نجح الأمير الأموي بمساعدة عامة الناس في حركته، فاحتل قصر الإمارة في قرطبة، وأذعن الحرس له، وتمكن من خلع قريبه الخليفة الضعيف -هشام المؤيد- في (17 جمادى الآخرة سنة 399هـ/ 16 فبراير 1009م)، ولُقّب بالمهدي بالله، وعين ابن عم له وليا لعهده هو سليمان بن هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، وقد عاث الناس في مدينة الزاهرة التي بناها المنصور العامري حتى استحالت خرابًا[5].


وصل الخبر إلى الحاجب عبد الرحمن العامري، فبادر إلى خلع نفسه من ولاية العهد والاكتفاء بالحجابة، وأرسل إلى أهل قرطبة بذلك بُغية التعاطف معه، لكن أحدًا لم يأبه له، وحاول أن يأخذ العهد على كبار رجال جيشه بنُصرته في المواجهة المرتقبة أمام الأمويين، لكنهم لم يفعلوا، وتخلوا عنه، حتى إن والي طُليطلة أحد أشد الموالين لأبيه المنصور لم يقف بجوار شنجول في هذه المحنة، وبدلاً من الفرار والتخفي، قرر عبد الرحمن التوجه صوب قرطبة مع نفر من بعض أنصاره الإسبان من مقاطعة كريون في جلّيقية، ظنًا منه أنه متى ما ظهر في قرطبة فإن الناس سينصرونه، لكن هذا القرار كان حتفه، فما كاد يقترب من قرطبة حتى تمكن الجند الموالي للمهدي بالله الخليفة الجديد من القبض عليه وقتله[6].

خلافة المهدي الطائش
أحسّ المهدي بالقوة المفرطة بعد القضاء على خصومه، وكان كما يقول أديب الأندلس ومؤرخها، لسان الدين بن الخطيب "جرار جسور، ثائر مخاطر، خليع، مداخل للصقورة والفتاك، لا يدري في أي واد يهلك"[7]، لم يكن المهدي الأموي مثل سابقيه من الأمويين، مثل المستنصر وجده الأكبر الناصر، هؤلاء العظماء الذين حكموا الأندلس بالسياسة الثاقبة، وبالقوة واللين والذكاء، والنظر إلى تقديرات المواقف والعواقب.

حرّض المهدي على قتل البربر، وجعل لرؤوسهم أثماناً، ففتكَ العامة بكثير منهم، ومن بينهم عدة من الزعماء، ونهبوا دورهم، واغتصبوا النساء وسبوهن، كل ذلك في مناظر مثيرة من السفك والاعتداء الغاشم (مواقع التواصل)

في تلك الأثناء، استغل المهدي وجود شبه بين موتى أحد النصارى في قرطبة وبين الخليفة المخلوع هشام المؤيّد بن المستنصر، فأعلن عن وفاته ليأمن عدم الانقلاب عليه، وبالفعل أقنع كبار القوم وعامة قرطبة بهذا الخبر.



حين رأى المهدي أن الأمور قد استقرت له، أطلق العنان لشهواته ومجونه، بصورة أفقدته تأييد أقرب المُقرَّبين له وهو ولي العهد سليمان بن هشام الأموي، الأمر الذي أخذ معه قرارًا بسجن ولي العهد وعددا من كبار الأسرة الأموية، وقرر تسريح سبعة آلاف جندي من الجيش، ثم إنه لم يكتف بهذه العداوات، فجرّ على نفسه عداوة أخرى أطم وأعظم حين أعلن عداوة البربر، وكان المهدي بالله يمقتهم أشد المقت لأنهم كانوا عضد المنصور ابن أبي عامر على الأمويين[8].



رأى بعض كبار الأسرة الأموية أن ما يفعله المهدي يضعهم جميعًا على المحك، ويُدخلهم في عداوة مباشرة مع طوائف وقبائل قرطبة وبقية الناس في الأندلس كافة، فقرر هشام بن سليمان والد ولي العهد أن يتحالف مع بقايا القادة العسكريين العامريين الصقالبة والبربر، فأرسلوا إلى المهدي بالله طالبين منه خلع نفسه عن العرش، والإفراج عن ولي العهد سليمان بن هشام، لكن محمد المهدي بالله لم يلتفت لهم، وحين وصل الطرفان إلى لحظة الصدام، كانت المواجهة التي لابد منها.

خرج محمد المهدي بالله في جموعه لمواجهة خصومه، ودار القتال بينهم على مدار يومين متواليين في قرطبة، وقد أسفرت المعركة عن هزيمة هشام وجموعه من البربر والعامريين، فأُسر هشام وابنه وأخوه أبو بكر ونفر من الزعماء الآخرين، فأصدر المهدي قراره بقتلهم جميعاً. وانهالت الدهماء على دور البربر، فأعملت فيها التدمير والنهب حتى دخل الليل، وكان ذلك في أواخر (شوال 399هـ/يونيو 1009م). ودافع البربر عن أنفسهم، ثم انسحب معظمهم إلى أرملاط (Guadimellato) ضاحية قرطبة، ووقع القتال بقرطبة بين من تبقى منهم وبين العامة، وحرّض المهدي على قتلهم، وجعل لرؤوسهم أثماناً، ففتكَ العامة بكثير منهم، ومن بينهم عدة من الزعماء، ونهبوا دورهم، واغتصبوا النساء وسبوهن، كل ذلك في مناظر مثيرة من السفك والاعتداء الغاشم؛ واختفى كثير من زعمائهم. وتوجس المهدي من العواقب، فأصدر للبربر أمانًا، ونادى بالكف عنهم[9].

المصادر
1محمد عبده حتاملة: مدخل لدراسة تاريخ الأندلس ص89
2ابن عذارى: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب 3/37
3محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس 1/623.
4تاريخ ابن خلدون 6/148.
5المقّري: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب 1/426.
6ابن عذارى: البيان المُغرب 3/70.
7ابن الخطيب: أعمال الأعلام ص109.
8محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس 1/643.
9محمد عبد الله عنان: السابق 1/645.