‏إظهار الرسائل ذات التسميات التاريخ الاسلامي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التاريخ الاسلامي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

كُنْهُ المشروع الشيعي بلا تقيّة.. غيث التميمي نموذجًا إضاءات شرعية فكرية سياسية أخلاقية

كُنْهُ المشروع الشيعي بلا تقيّة.. غيث التميمي نموذجًا
إضاءات شرعية فكرية سياسية أخلاقية

 

غيث التميمي أحد مشايخ القبائل العربية العراقية الشيعية، وصاحب مواقف جريئة وقبيحة، يتحدث عن كنه المشروع الشيعي بلا تقية، وهو ما ألجأه اليه واقع التدافع القائم، وطموحه السياسي المتعاظم، الأمر الذي لم يدع له فسحة أو هامشا للتقية أمام حجم المغارم التي يتوقعها، والمغانم التي يسعى لتحقيقها على المستويين الشخصي والجماعي.

إن مضمون حديث غيث التميمي، والممتد على مدى ثمانين دقيقة، لا يمكن عرضه أو تلخيصه في هذا المقام. غير أنني أدعو كل من يريد استيعاب بعض الزوايا المعتمة المتعلقة بالشخصية والمشروع الشيعي السياسي بلا تقية، الى الاستماع للحلقة كاملة؛ ففيها إضافات تكشف جوانب من الصورة ليست بهذا الوضوح عند عموم الناس وكثير من النخب.

سأترك للمهتمين تقييم المضامين بعد الاستماع إلى هذه الحلقة الكاشفة، غير أنني سأقف عند بعض الملاحظات الرئيسة التي يمكن الاستفادة منها من خلال هذا اللقاء، وأضعها في نقاط:

1- إن حجم الجاهلية والعبث المتضمنين في مشاريع الدولة الوطنية لا بد ان ينتهيا الى مواقف سيئة، لا تحفظ البعد الأخلاقي عدا عن تعارضها الصريح مع مفهوم الامة، وتعويقها القاطع لتمكين رسالة الإسلام في الأرض، وتهديدها الدائم لمشروع الوحدة وهدرها القائم لقضايا العالمين العربي والإسلامي.

الأمر الذي يستدعي من العلماء ورثة الأنبياء -بل ورثة المواقف المتقدمة- بناء تصورات واسعة وعميقة لحقيقة وكنه مشاريع الدول الوطنية -التي تم استيرادها من التجربة الغربية في القرن التاسع عشر الميلادي- والتعامل معها بوعي يتجاوز الشعارات السطحية والمقاربات الضيقة والعصبية الحزبية والمشاريع المرحلية.

2- لم يعرف تاريخ العرب والمسلمين ولا أقاليمهم سيرة وسلوكا يعبر عن المقاومة والجهاد في تاريخ الأمم وسِيَر الحقب الشيعية، وإن ما يتحدث عنه بوضوح غيث التميمي كطموح سياسي في سياق معادلات ومقاربات جريئة ومفاجئة تجاه الكيان الإسرائيلي اليوم هي وقائع تعكس حقائق وتعبر عن كنه وحقيقة التصور والموقف والسلوك السياسي للشيعة عبر التاريخ.

غير أن المشروع الإيراني الطائفي انتزع فكرة المقاومة ليخدع قطيع المغفلين من أمتنا الذين يتصفون بهشاشة البناء العقدي.

3- لم يعرف التاريخ الإسلامي مواقف على المستوى الفردي والجماعي في مواجهة الباطل سواء أكان احتلالا خارجيا أم استبدادا داخليا أم منكرا قائما إلا عند المسلمين من أهل السنة والجماعة. وهو نتاج طبيعي يعكس جوهر التوحيد الذي لا ينحصر في التصورات العقلية والأعمال القلبية بل يترجم إلى واقع سلوكي فردي وجماعي سياسي -وهي ثلمة في مدارس التصوف-.

وقد جسدت شعوب الأمة دلالات التوحيد، وكان آخرها الجهاد في فلسطين، والذي سبقه جهاد في سوريا والعراق واليمن ومصر والمغرب والسودان والشيشان وأفغانستان وتركيا وكردستان، ولم تخل منه بقعة إسلامية.

4- إن الأدوار المشبوهة التي يمارسها رجالات الشيعة من السياسيين تجاه أمريكا وبريطانيا وإسرائيل ليست مواقف خارج الشرعية، فقد عبر عنها غيث التميمي -بلا تقية- وكشف إتصالها بالمرجعية الشيعية، حتى لو حملت المرجعية خطابا مغايرا بتقية، لينخدع خلفها المغفلين في الأمة.

5- إن فلسطين من أعظم وأقدس قضايا الأمة، والأقصى سبب يدفع نحو تحقيق الوحدة الاسلامية، كما أن احتلاله سبب لتثوير الشعوب ضد الظلم والاستبداد ورفض الاستخذاء أمام القوى الغربية.

غير أن حقبتنا المعاصرة قد شهدت وجود قيادات نافذة قادت فلسطين إلى مسارات خاطئة وخدعت أمة التوحيد وغررت بالمسلمين لصالح رؤية حزبية ضيقة. وهو ما يوجب عليها إعلان توبة من كبيرة الكبائر السياسية لتكَفِّر عن إثمها الكبير وتعالج آثار تجربتها ودعاويها المضطربة وترويجها المضلل الذي شوّه الجهاد ولوّثه وأفسد معنى النصر في أذهان المسلمين بلوثة إيرانية طائفية شيعية.

6- إن تعري المشروع السياسي الشيعي تجاه المسألة الفلسطينية وانكشاف خداعه يضع القضية برمتها أمام تحدي السقوط المرحلي، وذلك لأنها بنت استراتيجيتها خلال العقود الأخيرة على الحلف مع المشروع الشيعي الإيراني الذي أصبح جزءا رئيسيا من عمادها الحزبي التنظيمي المالي العسكري والسياسي.

وهو ما يوجب على المنتمين -الذين لا يعبدون فلسطين ولكن يعبدون رب فلسطين ويؤمنون برسالة المعراج ويهتدون بمن عرج من الأقصى للقاء ربه في السماء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم- أن يعيدوا صياغة تصور جديد ومختلف يعترف بالأخطاء ويحددها بوضوح دون كبر مفض إلى الخسارة والاستبدال، ليتمكنوا من بناء تصور جديد ومقاربة سياسية وجهادية ومجتمعية مختلفة تنطلق من هوية الأمة الثقافية القائمة على الدين، وترتكز على شعوب الأمة بديلا عن السرداب الأسود الذي تاهوا فيه تحت مسمى وحدة الساحات الإيرانية الشيعية.

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 12/6/2026

السبت، 23 مايو 2026

الكعبة منتصرة فقد كان ستالين يريد أن ينسينا الله

الكعبة منتصرة فقد كان ستالين يريد أن ينسينا الله


روسلان قربانوف
باحث أول في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين..

تاريخ الحج الإسلامي الروسي هو رحلة تمتد لقرون، من رحلات شاقة كانت تستغرق شهورا سيرا على الأقدام وبحرا، إلى الخدمات اللوجيستية الجوية الحديثة.

نشأت شعائر الحج في المناطق الإسلامية في روسيا المعاصرة في القرنين السابع والثامن الميلاديين في داغستان، لكنها اكتسبت شعبية واسعة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مع وصول التجار المسلمين الأثرياء من التتار.

توجد في روسيا منطقتان رئيسيتان يسكنهما المسلمون: شمال القوقاز، والأراضي الممتدة من نهر الفولغا إلى سيبيريا، والتي يسكنها التتار.

بدأت هذه القصة بأربعة أحداث تاريخية مهمة، تتيح للقارئ تكوين صورة واضحة عن كيفية امتداد الإسلام في الأراضي التي أصبحت فيما بعد جزءا من روسيا.

المراحل الرئيسية لاعتناق الإسلام

ترتبط المرحلة الأولى بوصول أول المسلمين إلى أراضي روسيا الحالية عام 642 للميلاد، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. حدث ذلك في داغستان، وهي منطقة مسلمة تقع على سواحل بحر قزوين. وقد اشتهرت داغستان عالميا بفضل انتصارات (بطل العالم في السامبو) حبيب نورمحمدوف.

لكن في البداية، دخل الإسلام إلى داغستان على يد صحابة النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- الذين وصلوا إلى داغستان بعد عشر سنوات من وفاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومباشرة بعد هزيمة الإمبراطورية الفارسية.

وأطلقوا على هذه المناطق الجديدة اسم الجبال. كان يقود الجيوش المسلمة التي وطأت أرض داغستان شقيقان: عبد الرحمن، وسلمان ابنا ربيعة الباهلي.

ومع وصول صحابة النبي- صلى الله عليه وسلم- سمع الأذان لأول مرة في داغستان، وبني أول مسجد فيها.

واليوم، يعد هذا المسجد أقدم مسجد في روسيا، ويقع في مدينة دربند التي أطلق عليها صحابة النبي- صلى الله عليه وسلم- اسم باب الأبواب. ومن هنا بدأ الإسلام ينتشر بين شعوب شمال القوقاز.

أما الفصل الثاني فيتعلق باعتناق التتار- الذين كانوا يسكنون نهر الفولغا- الإسلام.

حدث ذلك عام 922 للميلاد، عندما وصل أحمد بن فضلان سفير الخليفة العباسي إلى أراضي التتار. لم يكن أحمد دبلوماسيا فحسب، بل كان أيضا شاعرا ومؤرخا.

بعد رحلته إلى أراضي التتار والروس، ترك وراءه سجلا تاريخيا قيما للغاية يعرف باسم "الرسالة" المعروفة بـ"رحلة ابن فضلان".

ومن المثير للاهتمام أن منتجي أفلام هوليود استخدموا صورة أحمد بن فضلان في فيلم "المحارب الثالث عشر". يستند هذا الفيلم إلى الملاحم الإسكندنافية التي تحكي قصص الفايكنغ الذين حاربوا الوحوش ولم يتمكنوا من التغلب عليها حتى انضم إليهم المحارب المسلم أحمد بن فضلان، الذي جسد شخصيته أنطونيو بانديراس في الفيلم.

أما المرحلة الثالثة، فترتبط بافتتاح الوزير الأعظم للسلاجقة في العهد العباسي، نظام الملك الطوسي، عام 1075، فرعا للمدرسة النظامية في بغداد، في جبال داغستان. وطبقا لمصادرنا التاريخية الداغستانية كانت هذه المدرسة تعد بمثابة أول جامعة كلاسيكية في أوروبا، نظرا لأن داغستان تقع جغرافيا ضمن أوروبا.

واليوم، تعتبر الجامعة النظامية أول جامعة في روسيا.

ومن الفترات المهمة الأخرى في تاريخ المسلمين في روسيا القرنان الرابع عشر والسادس عشر.

ففي هذه الفترة، أصبح المماليك، من عداد الشركس- وهم أكبر مجموعة عرقية في شمال القوقاز- قوة مؤثرة للغاية في مصر.

وقد حكم المماليك البرجية- وهم سلالة من المماليك الشركس- مصر فعليا من عام 1382 إلى 1517، ولعبوا دورا محوريا في الحياة السياسية، إذ شغلوا أعلى المناصب الحكومية ودافعوا عن المنطقة، بما في ذلك ضد الصليبيين.

وشكل المماليك الشركس نواة النخبة الحاكمة، تاركين بصمة واضحة في تاريخ العالم العربي.

الخطوات الأولى نحو مكة

تظهر هذه اللمحة التاريخية الموجزة كيف أن الشعوب في مناطق القوقاز والتتر اعتنقوا الإسلام في وقت مبكر.

وفي تلك السنوات الأولى، بدؤوا أداء فريضة الحج إلى مكة. وكان المسلمون في تلك الحقبة يسافرون إلى الجزيرة العربية سيرا على الأقدام وعلى ظهور الخيل عبر أذربيجان وخراسان.

كانت هذه الرحلة الطويلة تستغرق في ذلك الزمان عدة أشهر، وأحيانا عدة سنوات.

بعد انتصارات القياصرة الروس، ضُمت مناطق التتار إلى الدولة الروسية في القرن السادس عشر، وأراضي الشعوب المسلمة في شمال القوقاز في القرن التاسع عشر. ومنذ ذلك الحين، بدأ القياصرة في فرض نظام سيطرة على حياة المسلمين في روسيا.

في القرون الأولى، حاول القياصرة الروس إجبار المسلمين على اعتناق المسيحية، فقاوم المسلمون هذه المحاولات بانتفاضات واسعة النطاق. لاحقا، أدركوا ضرورة الاعتراف رسميا بحق المسلمين في ممارسة الإسلام وأداء الشعائر الإسلامية الأساسية.

من التنظيم الحكومي إلى الحظر التام للحج

خلال هذه الفترة، أنشئ النظام الحكومي الروسي لتنظيم الحج. وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بدأ عدد المسلمين في روسيا، الذين يؤدون فريضة الحج، في الازدياد.

في تلك السنوات، كانت رحلة الحج من الأراضي الإسلامية في روسيا تستغرق من ستة أشهر إلى أكثر من سنة.

كان الناس يسافرون على ظهور الخيل أو الجمال أو سيرا على الأقدام إلى موانئ البحر الأسود وبحر قزوين، ثم عبر السفن البخارية.

في أواخر القرن التاسع عشر، بدأت الحكومة القيصرية، خوفا من تأثير صعود الإسلام في روسيا، بتشديد الرقابة على الحج.

وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر، بدأت الدولة الروسية بتنظيم حصص الحج، وإصدار التذاكر، وإنشاء شبكة من القنصليات، وتوفير الرعاية الطبية للحجاج.

وخلال تلك السنوات نفسها، بدأ تجار مسلمون أثرياء من بلاد التتار بإنشاء أوقاف وفنادق ونُزل على طول الطريق من روسيا إلى الجزيرة العربية.

بعد ذلك، حلت كارثة مروعة بمسلمي روسيا مع قيام الحكم الشيوعي في مناطقهم بعد الإطاحة بالقيصر عام 1917. فقد شنت السلطات الشيوعية الجديدة بقيادة جوزيف ستالين حملة ضد الدين في جميع أنحاء البلاد، مطالبة المسلمين والمسيحيين واليهود في روسيا بنسيان الله تماما.

علاوة على ذلك، أعدم العديد من القادة المسلمين والأئمة وعامة المؤمنين، وسجن بعضهم، ورحّل بعض سكان القوقاز إلى آسيا الوسطى.

خلال الحملات المعادية للدين في عهد ستالين، أصبح أداء فريضة الحج مستحيلا. فقد أغلقت حدود البلاد تماما، وتعرض المسلمون للقمع، وهدمت العديد من المساجد، وأحرقت المصاحف والكتب الإسلامية على نطاق واسع.

لم يبدأ الوضع بالتغير إلا في أواخر الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين مع إنشاء مجلس الشؤون الدينية. لم يسمح بفريضة الحج إلا لعدد قليل من الوفود الرسمية من الأئمة والمفتين، الخاضعة تماما لسيطرة الحزب الشيوعي، وجهاز المخابرات السوفياتية (كي جي بي).

وحتى انهيار النظام الشيوعي في روسيا، كان كل وفد من المسلمين يؤدي فريضة الحج يرافقه ضباط من جهاز المخابرات السوفياتية في الإحرام. وذلك خشية وقوع المسلمين الروس تحت تأثير المسلمين العرب، أو تجنيدهم من قبل أجهزة المخابرات الأجنبية.

إحياء الحج في روسيا

بعد انهيار النظام الشيوعي عام 1991، فُتحت حدود روسيا، وعادت الرغبة في أداء فريضة الحج إلى الظهور بين المسلمين الروس. وتم استقبال الحجاج الروس الأوائل استقبالا حافلا، وكأنهم رواد فضاء ينطلقون إلى عوالم مجهولة.

منذ مطلع الألفية الثانية، يتولى مجلس الدولة للحج تنسيق رحلات الحج، حيث يوزع المجلس سنويا حصصا على المناطق ذات الأغلبية المسلمة في روسيا، بالتوافق مع المملكة العربية السعودية.

خلال هذه السنوات، ازدادت شعبية الحج بشكل ملحوظ، حتى إن نوابا مسلمين في مجلس الدوما الروسي وقادة جمهوريات إسلامية- مثل رمضان قديروف من الشيشان ورستم مينيخانوف من تتارستان- باتوا يحرصون على السفر إلى مكة المكرمة.

اليوم، أصبح أداء فريضة الحج في روسيا مريحا وسريعا قدر الإمكان للمسلمين. ففي كل عام، يؤدي آلاف المسلمين الروس فريضة الحج على متن رحلات طيران مستأجرة مريحة من موسكو وداغستان والشيشان وتتارستان، ليصلوا إلى المملكة العربية السعودية في غضون ساعات قليلة.

حاليا، يسافر نحو 25 ألف شخص من روسيا سنويا لأداء فريضة الحج، ومئات الآلاف غيرهم لأداء العمرة. ويعد البطل الرياضي حبيب نورمحمدوف أشهر مسلم روسي على مستوى العالم ممن يؤدون فريضة الحج بانتظام.


الاثنين، 12 يناير 2026

ليست أندلسا واحدة.. فلكم ضيعنا أندلسا

 ليست أندلسا واحدة.. فلكم ضيعنا أندلسا

محمد إلهامي

هذه أيام الذكرى الأليمة المريرة.. ذكرى سقوط الأندلس..

في مطلع يناير 1492م، قرر أبو عبد الله الصغير حاكم غرناطة أن يستسلم، وفي يوم 2 يناير دخل الصليبيون إلى غرناطة، ورُفِع الصليب على المنارة الكبيرة.. وانطوت دولة الإسلام في الأندلس!

بدأ الانحلال يدب إلى الأندلس، ويسري فيها الضعف من ذلك العصر الذي عُرِف بعصر ملوك الطوائف، حيث انهار الحكم الأموي، ولم يعد في البلد زعامة قوية، فغلب كل طامح على ما تحت يده أو ما استطاع أن يحوزه، وإذ بالدولة القوية الفتية تتفتت إلى ثلاث وعشرين مملكة!

ومن ذلك الوقت، تعرضت الأندلس للأخطار الوجودية، غير أنه جرى إنقاذها غير مرة على يد أمراء المغرب الأقوياء، مثل المرابطين ثم الموحدين ثم المرينيين. 

فلما ذهب الأقوياء من المغرب ودب الضعف إلى تلك البلاد أيضاً، لم تجد الأندلس من ينقذها، فسقطت!

يتألم الأكثرون على سقوط الأندلس لكونها بقعة أرض عزيزة من ديارنا المسلمة، أزهرت فيها الحضارة الإسلامية، وأنارت تلك العصور التي يسميها الغربيون المظلمة. 

لكن ثمة ألماً مضاعفاً يغفل عنه الأكثرون من الناس، ويجب أن يُعرف. ذلك أن سقوط الأندلس لم يكن مجرد انهيار حضارة الإسلام في بلد ما، بل كان الأمر أشد من ذلك بكثير..

لقد كانت الأندلس بمثابة القفل الذي يغلق باب الشر الغربي على العالمين، فلما كُسِر القفل وانهار الباب، انفجر الشر الذي أصاب العالم كله: المسلمين وغير المسلمين معًا.

إن سقوط الأندلس ما زال يؤثر علينا حتى اليوم تأثيراً مباشراً وصارخاً، ولكننا لا نشعر بذلك. لا نشعر به لأننا نجهل التاريخ مع كل أسف، ونحن نجهل التاريخ لأن هذا الجهل نفسه هو نتيجة تسلط العدو علينا، وتَمَكُّنِه مِنَّا، فلما تسلط علينا وتَمَكَّن منا أنشأ في عموم ديارنا الآن أمثلة رديئة لملوك الطوائف الأندلسيين، وقد تولى هؤلاء الملوك تجهيلنا لكي ننسى ونفقد الذاكرة، ومن ثَمَّ نفقد بوصلة الطريق.

لما سقطت الأندلس، استعان الإسبان والبرتغال بأموال الأندلس وعلومها، فاستطاعوا أن “يكتشفوا” الأمريكتين وأن يكتشفوا طريق الدوران حول قارة إفريقيا للوصول إلى الشرق بغير عبور على قلب العالم الإسلامي في مصر والشام، ثم استطاعوا الدوران حول الكرة الأرضية عبر رأس ماجلان.. فماذا ترتب على هذا؟!

ترتب عليه أن تدفقت عليهم أموال هذه الديار والأرض، وأنشؤوا لأنفسهم المستعمرات، واستعبدوا ملايين البشر في إفريقيا وآسيا والأمريكتيْن، بل طمعوا في الدخول من باب المندب إلى البحر الأحمر لهدم الكعبة ونبش قبر النبي. 

ازدادوا أموالاً، وبها ازدادواً سلاحاً وعتاداً ورجالاً، وأخذوا في غزو المغرب حتى وصلوا إلى طرابلس بعد احتلال السواحل المغربية والجزائرية. ولولا أن قيَّض الله الدولة العثمانية ومجاهدي البحار: المتوسط والأحمر وعدن، لكان الإسلام قد صار نسياً منسياً!

لقد افتتح العالم بعد انهيار الأندلس عصراً من أظلم عصوره وأكثرها دموية وعنفاً: 

عصر الاستعباد ومحاكم التفتيش، لقد انكسر قفل الأندلس، وانتشر الشر الغربي، فدفعت الشعوب الإفريقية وشعوب الأمريكتين مئات ملايين الضحايا حتى بُنِي على رفاتهم وبأموالهم ومواردهم مجد الرجل الأبيض الذي لا يزال يقهرنا حتى الآن!

إن الذين كانوا يُحاصَرون في غرناطة لم يكونوا يعرفون أن صمودهم في المعركة قد يغير تاريخ العالم لخمسة قرون قادمة أو يزيد. لم يكن يعرف أبو عبد الله الأحمر، آخر ملوك الأندلس، أنه حين يستسلم ويؤثر السلامة ويتنازل عن غرناطة فإنه يزيل بيده آخر حجر في السدِّ الإسلامي الذي سينهمر بعده طوفان الدم الصليبي في العالم كله! كذلك فإن رسائل الاستغاثة التي تلقاها الملوك في المغرب والقاهرة واسطنبول لم يكن يعرف أحدٌ من حامليها ولا قارئيها أنها معركة فاصلة في أعمار دولهم هم: دول المغرب ومصر والشام والأناضول والبلقان!

إن التاريخ كان سيتغير تغيراً حاسماً لو أن المسلمين قد سبقوا إلى الأمريكتيْن، أو حتى استطاعوا أن يحجزوا الغربيين عن الوصول إليها أو الوصول إلى المشرق ولو لقرنٍ واحد على الأقل.

ونحن حين نقرأ التاريخ لا نقرؤه لنبكي إلى جوار الأوراق، بل نقرؤه لنعرف كيف نفعل حين نقوم من على الكتاب..

فإذا تأملنا في مصير الأندلس وما أوصلها إلى ذلك، فمن حسن الحظ أن سنجد إماماً كبيراً شجاعاً كان في عصر ملوك الطوائف، لخَّص لنا أسباب الحالة، وخلاصتها: خيانة الأمراء وجبن العلماء!

ذلك هو الإمام ابن حزم الذي قالها بأسلوبه الملتهب:

“عُمدة ذلك أن كل مدبر مدينة أو حصن في شيء من أندلسنا هذه، أولها عن آخرها، محارب لله تعالى ورسوله وساع في الأرض بفساد؛ للذي ترونه عياناً من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية التي تكون في ملك من ضارهم، وإباحتهم لجندهم قطع الطريق على الجهة التي يقضون على أهلها، ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين، مسلطون لليهود على قوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية والضريبة من أهل الإسلام، معتذرون بضرورة لا تبيح ما حرم الله، غرضهم فيها استدام نفاذ أمرهم ونهيهم. فلا تغالطوا أنفسكم ولا يغرنكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المُزَيِّنون لأهل الشر شرَّهم، الناصرون لهم على فسقهم. فالمخلص لنا فيها الإمساك للألسنة جملة واحدة إلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذمِّ جميعهم؛ فمن عجز منا عن ذلك رجوت أن تكون التقية تسعه، وما أدري كيف هذا، فلو اجتمع كل من ينكر هذا بقلبه لما غلبوا”.

وخلاصة كلامه لمن لم يفهم تلك اللغة العالية: أصل المشاكل هو في أمراء الطوائف، وكلهم محارب لله ورسوله ومفسد في الأرض، ومعهم علماء فُسَّاق يُزَيِّنون لهم الأمر. والواجب على الأمة ترك كل شيء إلا تغيير هذا الحال، ومن عجز عن ذلك فربما كان يُعذر، لكن هذا نفسه مُحَيِّر، فلو قد تكلموا جميعاً لما غلبهم الأمراء ولاضطروا للانصياع لهم.

وبعد هذه الفقرة بقليل، يقول ابن حزم أيضاً عن ملوك الطوائف وفرضهم الضرائب على المسلمين وإباحتهم بيع الخمر وغيره من المعاصي: “هذا هو هتك الأستار ونقض شرائع الإسلام وحل عراه عروة عروة، وإحداث دين جديد، والتخلي من الله عز وجل. والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيُمَكِّنونهم من حُرَمِ المسلمين وأبنائهم ورجالهم يحملونهم أسارى إلى بلادهم، وربما يحمونهم عن حريم الأرض وحسرهم معهم آمنين، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفاً من سيوفه”.

ذلك الكلام الواضح الصريح دفع ابنُ حزم ثمنه في حياته، لكنها بقيت قولة حق خالدة، ثم دفعت الأندلس والأمة كلها الثمن العظيم بعد وفاته بقرون.. ولا زلنا ندفع!

والآن.. قد صارت ديارنا كلها أندلساً!

وما نكاد نخرج من حرب يُستأصل فيها المسلمون إلا وندخل في غيرها، فلم تنقض حرب غزة إلا وقد نشبت حرب في السودان، وقد شهدنا قبل غزة تناقص أقطار المسلمين في بورما وتركستان الشرقية وكشمير والبوسنة وكوسوفا وزنجبار.. ولا فائدة من الاستقصاء والتعداد!

والكلام الذي قاله ابن حزم لا يزال قائماً.. ولا يزال القائلون به قلة!!

ولا تزال القلة تتعرض للفتنة والعذاب والمطاردة والسجن والنفي والملاحقة.. والبقية تختار السكوت.. مع أن الجميع لو تكلم لاعتدل الحال..

ثم نجلس جميعاً لنبكي على الأندلس في ذكراها.. ونحن نضيع ما بقي في أيادينا من أشباه الأندلس!

لئن قال ابن حزم ما قال عن حكام الطوائف في عصره، فإن قوله هذا أكثر انطباقاً وأشد لزوما على حكام عصرنا نحن.. فلئن كان يتوقع استشرافاً أنهم لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نرى بأعيننا الآن كيف قد مَكَّنوا للصليبيين والصهاينة في بلادنا!

وهذه الأيام نفسها، انظر كم في ديار العرب والمسلمين من احتفالات بعيد النصارى (الكريسماس)، مما لا يُفعل شيء منها في أعياد المسلمين: الفطر والأضحى!!.. 

إنني أكتب هذه السطور قبل موعد الاحتفال، ولكن كما قال البارودي:

ولست بعلام الغيوب وإنما .. أرى بلحاظ الرأي ما هو واقع

وقد عوّدتنا الإمارات، لا سيما: دبي، على احتفالات صاخبة ماجنة تسفح فيها ملايين من أموال المسلمين، وثلاثة أرباع المسلمين جوعى وغرقى ومرضى ومصابون بأنواع الإصابات والهموم!

وهل أتاك نبأ من الأردن، حيث ملكها ينتسب إلى النبي ﷺ، ثم هو يعتقل الدعاة والشباب الذين ينصحون المسلمين ويبينون لهم حرمة الاحتفال بأعياد النصارى؟!!

وهل أتاك نبأ الديانة الإبراهيمية؟!!

من قرأ تاريخ الأندلس، رأى فيه شخصية كانت محور السقوط والانحدار، وهي شخصية الوزير الإشبيلي أبو بكر بن عمار.. 

كان وزير سوء وصاحب فتنة، فكأنما هو وزير للقشتاليين لا للأندلسيين، وإنه ليشنّ الحروب على الأندلسيين ويحرض النصارى عليهم أكثر مما يفعل النصارى أنفسهم.. ما أشبه هذا الوزير بشخصية محمد بن زايد رئيس الإمارات، وصاحب كل سهم في كل حرب تجري على المسلمين!

ما من نقيصة كانت في ملوك الطوائف الأندلسيين ليست قائمة ظاهرة في ملوكنا اليوم، بل لقد كان في ملوك الطوائف الأندلسيين من العلم والثقافة والازدهار الحضاري ما ليس مثله في الحاكمين الآن. ولقد جاء يوم على كبيرهم “المعتمد بن عباد” فرأى أنه لما وقع الاختيار، اختار جانب المسلمين، وقال: “رعي الإبل خير من رعي الخنازير”.. 

أما هؤلاء الحكام المعاصرون، فقد هيؤوا حظيرة الخنازير ونزلوها وباعوا أعراضهم فيها، ثم هم يجتهدون في إدخال من لم يدخل إليها.. وما نبأ تواطئهم على أهل غزة ببعيد!

ولقد كان في ملوك الطوائف شعراء، وما في هؤلاء الحاكمين الآن رجل واحد فصيح.. بل يتنافسون في عي اللسان ورداءة القراءة من الأوراق المكتوبة لهم!

ولقد كان في ملوك الطوائف من يحضرون الجُمَع والجماعات، ويدخل عليهم العلماء فربما وعظوهم واشتدوا عليهم، وأما هؤلاء الحاكمون الآن ففي كل يوم لهم تسريب وفضيحة، وحتى علماؤهم الذين ينافقونهم هم عندهم في أذل مقام وأقل مكان!

ترك لنا واحدٌ من ملوك الطوائف مذكراته، وهي كسائر مذكرات السياسيين جُلُّها تبرير وتزيين وزخرفة، ذلك هو عبد الله بن بلقين بن باديس بن حبوس، ثالث ملوك غرناطة في عصر الطوائف وآخرهم، وقد ذكر لنا في مطلع هذه المذكرات كيف بدأ الانحلال.. لقد كانت البداية: إيثار السلامة وترك الجهاد!

ساعتها، قام ملك الأندلس الكبير محمد بن أبي عامر، الذي هو ذروة التاريخ الأندلسي، فصار يأتي بالمجاهدين من عدوة المغرب، فكثر أهل المغرب في الأندلس لذلك العهد، وبهم كان آخر عصر الجهاد الكبير في الأندلس. ومنذ ذلك الوقت صار أهل الأندلس يعتمدون على إخوانهم أهل المغرب. فلما ضعف المغاربة ضعف الأندلسيون والمغاربة جميعاً!

فما لم نقم الآن بواجب الوقت في إسقاط هؤلاء الخونة، وفي تعرية العلماء الفسقة، وفي استنهاض طاقة الأمة للجهاد.. فنحن في كل يوم على موعد مع أندلس جديد!

وصدق الذي قال: 

ما زلنا نذكر أندلسا .. نبكيها في صبح ومسا

ليست أندلسا واحدة .. فلكم ضيَّعنا أندلسا


نقلا عن مجلة أنصار النبي صلى الله عليه وسلم – يناير 2026