‏إظهار الرسائل ذات التسميات واقع الامة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات واقع الامة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 11 أبريل 2026

الأمة بين عدوّين في ميزان المآلات «غشاوة العاطفة وبوصلة الشرع»

الأمة بين عدوّين في ميزان المآلات

«غشاوة العاطفة وبوصلة الشرع» !!

د. محمد طه السامرائي

 في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، حيث تتلاطم أمواج الفتن وتختلط الأوراق على الساحة الإقليمية والدولية، تقف الأمة الإسلامية على مفترق طرقٍ وعر.

مشهدٌ تتقاطع فيه نيران الأعداء، وتتعالى فيه صيحات الاستقطاب التي تحاول جرّ العقل المسلم إلى مستنقع “الخيارات الصفرية”؛ إما الاصطفاف خلف المشروع الصهيو-أمريكي، أو الارتماء في أحضان المشروع الإيراني التوسعي.

هنا، وفي قلب هذه العاصفة، يجب أن تبرز “السياسة الشرعية” و”فقه المآلات” كطوق نجاة، لانتشال الوعي الجمعي من فخ العاطفة العمياء، وتأسيس موقفٍ مبدئيٍّ يزن النوازل بميزان المصالح والمفاسد، بعيداً عن الفتاوى المرتجلة التي تبيع دماء الأمس بثمنٍ بخسٍ في سوق التحالفات الموهومة.

أولاً: في تشريح العداوات.. الظاهر والباطن

إن العقل الاستراتيجي المسلم لا يختلف على بديهية أن كلا المشروعين المتصارعين هما شراكةٌ في تدمير أمتنا، وإن اختلفا في تفاصيل اقتسام الكعكة.

ولكنّ فقه الواقع يُوجب علينا تفكيك طبيعة كل خطر:

العدو الظاهر (المشروع الصهيو-أمريكي): هو احتلالٌ غاشم، وعدوٌّ كافرٌ كفراً بواحاً، ومقاومته حقٌّ وواجب.

ولكنه في التحليل العميق عدوٌّ “خارجي” تحركه أطماع جيوسياسية ومصالح استراتيجية، لا يمتلك مشروعاً عقائدياً يستهدف تبديل دين المسلمين.

إن الاحتلال الأمريكي للعراق، أو الكيان الصهيوني في فلسطين، لم يسعيا يوماً إلى تحويل السُّنة عن عقيدتهم، أو فرض طقوسٍ وثنيةٍ عليهم، بل غاية أمرهما السيطرة على الأرض والمقدرات.

العدو الباطن (المشروع الإيراني الصفوي): هنا تكمن المأساة الكبرى؛ مشروعٌ يتسربل بلبوس الإسلام، ويستغل مظلومية آل البيت لتمرير أجندةٍ إمبراطوريةٍ توسعية.

هذا المشروع لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يستهدف “الإنسان والعقيدة”.

إن الملايين الذين قُتلوا وهُجّروا في سوريا والعراق واليمن، لم يكونوا ضحايا حربٍ تقليدية، بل ضحايا لمشروع إحلالٍ ديموغرافي وتخريبٍ عقائدي، يسعى لغرس الخلايا الميليشياوية، وفرض الروايات التاريخية المزيفة، ونشر ثقافة اللعن والتكفير.

إنه عدوٌّ يخترق الحصون من داخلها، ويمزق النسيج المجتمعي للأمة.

ثانياً: أزمة الخطاب العاطفي.. وفتاوى التيه

من أشدّ ما يُدمي القلب في هذه الأزمة، انزلاق بعض المحسوبين على العلم والدعوة في خندق التنظير للمشروع الإيراني، متذرعين بـ”فقه الضرورة” أو قاعدة “أخف الضررين”.

لقد استغل هؤلاء مأساة أهلنا في غزة – فرّج الله كربهم – ليصموا كل من يقف على الحياد بـ”النفاق”.

أين كان هذا الخطاب حين دُمرت حلب وصنعاء والموصل؟

 كيف يطالبون السوري الذي ذُبحت عائلته، والعراقي الذي سُلب وطنه، بالاصطفاف مع جلاّد الأمس بحجة أن هذا الجلّاد يخوض صراعاً مع عدوٍّ آخر؟

 إن اختزال مصطلح “البدعة” في المشروع الإيراني هو تسطيحٌ مخلّ؛ فنحن أمام منظومةٍ تؤسس لتحريف الدين، وتأليه البشر، وتصدير ثورةٍ دموية.

إن إضفاء الشرعية الدينية على هذا المشروع هو تفريطٌ بعقيدة الأمة ومستقبل أجيالها.

ثالثاً: بوصلة النجاة.. ومسارات العمل الاستراتيجي

إن الاستقلالية هي جوهر السياسة الشرعية اليوم.

لا يجوز للأمة أن تكون وقوداً في حربٍ لا تخدم قضاياها الكبرى.

 الموقف الرشيد يتجسد في ثلاثة مسارات رئيسة:

 * تدافع الظَلَمة: الركون إلى قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.

إن المصلحة العليا للأمة تكمن في استنزاف هاتين القوتين الغاشمتين لبعضهما البعض، لكسر شوكتهما وتخفيف قبضتهما عن بلاد المسلمين.

 * تحصين الجبهة الداخلية: اعتبار الخطر العقائدي والوجودي القريب (التمدد الإيراني) هو التهديد الأشد خطراً على المدى الطويل؛ لأنه يمهد الطريق لكل غازٍ عبر تفتيت الدول وتدمير مؤسساتها.

التصدي لهذا الاختراق الأمني والفكري هو “واجب الوقت”.

 * بناء التحالف السُّني الصلب: إن الفراغ الذي نعيشه لا يُملأ بالبكائيات، بل بالعمل الجاد لتشكيل قطبٍ إسلاميٍّ وازن (يضم القوى المركزية كتركيا، والسعودية، وباكستان).

هذا المحور هو الكفيل – بإذن الله – بحفظ بيضة الأمة، وإيجاد قوة ردعٍ حقيقية تقف سداً منيعاً أمام كل مشاريع الهيمنة، شرقيةً كانت أو غربية.

خاتمة:

لا يُبنى مجد الأمم بمواقف الانفعال، ولا تُحفظ العقائد بمداراة المبتدعة والقتلة.

إن الوعي الجمعي لأمتنا اليوم، والذي تجلى في رفض الوصاية الإيرانية في ساحات العراق وسوريا وغيرها، هو أعمق وأرقى من خطابات النخب المأزومة.

السياسة الشرعية تقتضي إعداد العدة، وتمييز الصفوف، واليقين بأن تحرير الأوطان يبدأ من تحرير العقول من الوهم.

ثم قلت:

أَيَا مَنْ تَاهَ فِي لُجَجِ السَّرَابِ… وَيَرْجُو النَّصْرَ مِنْ بَابِ الْخَرَابِ

السبت، 4 أبريل 2026

اصطفاف الغساسنة والمناذرة لا يليق بالمسلمين

اصطفاف الغساسنة والمناذرة لا يليق بالمسلمين

إضاءات شرعية سياسية أخلاقية

  مضر أبو الهيجاء



قامت مملكتا الغساسنة والمناذرة قبل الإسلام في القرن الثاني الميلادي، وزالتا في القرن السابع الميلادي، ورغم أنهما ترجعان في نسبهما لقحطان في اليمن الأصيل والعريق، إلا أنهما قد انقسمتا بسبب توزّع ولاءاتهما على الفرس والروم المتنافسين على النفوذ آنذاك.

إن الاستخذاءَ السياسيَّ من قبل قبائل عربية أصيلة تجاه الفرس والروم كان سببًا في تفرّقها وتنازعها، حيث كانت مملكة المناذرة العربية مواليةً للفرس، فيما كانت مملكة الغساسنة مواليةً للروم، وهو ما آل إلى توسّع الشرخ بينهما لحدّ الاصطراع الذي جعلهما يقتتلان لصالح الصراع بين متنافسين هما الروم والساسانيون الفرس.

لا شك بأن هذه الصورة التاريخية تتكرر في سياقها العام في عصرنا وواقع اليوم، حيث يتنافس المشروع الإيراني الطائفي الشيعي مع المشروع الإسرائيلي الطائفي اليهودي حول النفوذ الأوسع في عموم المنطقة العربية والإسلامية، وخصوصًا منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي جعلهما تتسابقان على رضا الإدارة الأمريكية، القطب الوحيد الذي يتحكم بالأقاليم والدول.

معركة مشاريع الباطل المتنافسة هل تُشرخ الأمة الواحدة؟

إن ما حدث مع العرب الجاهليين الكفار قبل الإسلام، لا يجوز أن يحصل مع العرب بعد أن انتقلوا لدين التوحيد، كما أنه لا يليق بالمسلمين اليوم أن يتوزعوا على اصطفافات بين مشاريع كفر جميعها معادية للأمة والدين وكارهة لرسالة الإسلام، حيث تسعى أمريكا اليوم -وإيران- لصناعة فريق من العرب والمسلمين يصطف مع كل منهما، فيعود التناحر بين الغساسنة والمناذرة في ثوب سياسي جديد.

اصطراع الكفار منحة تسرّ المؤمنين وليست محنة تقض مضاجعهم.

ليس صحيحًا ولا هو صحيٌّ حجمُ الترويج لتفكك الأمة وزوال دولها في حال تفكك النظام الإيراني، ففي هذا عدمُ إدراكٍ لسنن الله في التدافع الذي يمنع استشراء الفساد في الأرض، والله سبحانه وتعالى يقول: {ولولا دفعُ الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} 

(البقرة: 251).

إن حالة الاصطراع القائم بين الإدارة الأمريكية وبين حليف الأمس الإيراني ليست كارثةً على الأمة كما يصوّرها ضعيفو تناول الوحي، الجاهلون بتاريخ صراعات الأمم والدول، بل هي منحة عظيمة إذا ما أحسن استغلالها المسلمون المستضعفون المقهورون من كلا المشروعين المعاديين للأمة والدين.

مشروع الأمة المستقل سياسيًا هو الحل.

إن واجب الوقت أن يستفيد المسلمون من حالة الاصطراع في معسكر الباطل، حيث ستوجد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية فراغاتٍ حقيقية -وفق سنن التدافع- يمكن للعرب والمسلمين أن ينفذوا من خلالها لبناء مشروعهم المستقل الذي طال انتظاره، منذ أن حلّ الغرب الصليبي المتصهين ثقيلًا في بلادنا وقام بالتخريب والهدم الواسع فيها.

الموقف العربي والإسلامي الواجب إزاء الأطراف والمشاريع المتصارعة المعادية.

إن التوقفَ السياسيَّ بحد ذاته موقفٌ واعٍ ومتقدم، وذلك عندما يكون منطلقًا في حكمه من تصور صحيح هو نتاج قراءة صحيحة من الناحيتين الشرعية والسياسية، وليست قراءة حزبية بغيضة ولا قطرية أنانية عليلة.

إن الموقف الواجب تجاه المعركة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية هو التوقف الواعي، والدعاء عليهم جميعًا بالهلاك -وذلك باعتبارهم جميعًا مشاريع ظالمة ومعادية ومعتدية-، وبنفس الوقت إطلاق نواة مشروع عربي إسلامي مستقل في رؤيته وقراره السياسي.

إن ضعفَ وتفكك وتراجع قوة وفاعلية تلك المشاريع المتعددة والمعادية فيه رحمة للعالمين وفرجة حقيقية ستصنع وتتيح للمسلمين فرصًا جديدة وفجواتٍ مفيدة.

وأؤكد وأقول:

إن تفكك النظام الإيراني وتراجع مشروع ولي الفقيه شرطٌ لتحقق الوحدة العربية والمشروع الإسلامي الذي سيتصدى للكيان الصهيوني، لاسيما وأن إيران تشكل أكبر عوائق تحقق الوحدة في المنطقة العربية والأقاليم الإسلامية وبين شعوبها، وذلك نتيجة منظومتها القائمة على تصدير ثورتها الملالية واستباحة دماء وثروات وبلاد المسلمين، الأمر الذي مكّنها من تفتيت شعوب المنطقة المنسجمة والمتعايشة والمتآلفة، وذلك من منطلق ثقافي معادٍ لثقافة الأمة المسلمة، مما أنتج شروخا بين شعوب المنطقة الواحدة وهدم بناها المجتمعية واحتلالها، تمامًا كما هي نتائج مشروعي العداء الصهيوني التوراتي والصهيوني الإنجيلي المعاديين للأمة وثقافتها.

وأخيرًا أوضح وأقول:

لقد تاهت مسطرةُ كثيرٍ من المنتمين في قياس المشاريع المعادية والصديقة والحليفة حتى فقدت التمييز بينها، وذلك للدرجة التي لم تعد تفرق فيها بين المشاريع المخالفة في المذهب والدين -وهذه لا إشكال في التعايش معها سياسياً والإحسان إليها أخلاقيا- وبين المشاريع المعادية والمعتدية.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

مضر أبو الهيجاء بلاد الإسلام 1/4/2026

الاثنين، 30 مارس 2026

إلهامى يكتب: أفغانستان.. ملعقة “الزبادي” التي كسرت أسنان السوفييت.. واقعنا دون مواربة

إلهامى يكتب: أفغانستان.. ملعقة “الزبادي” التي كسرت أسنان السوفييت.. 
واقعنا دون مواربة

 لو كنتُ كاتباً ساخراً، لنسجتُ من خيوط هذا الواقع سيناريو ممعناً في الكوميديا السوداء (وهي فكرة أضعها بين يديّ من يجد في نفسه ملكة التنفيذ)، تدور أحداثه حول تلك المفارقة العجيبة التي صبغت مرحلة فارقة من تاريخنا المعاصر.

عزيزي “قارئ الفيسبوك”، قد تخونك الذاكرة أو ربما لم تسعفك سنوات عمرك لتشهد تلك الأيام التي ضجّ فيها ملكوت السماوات والأرض بهتافات “الجهاد في أفغانستان”؛ فغالباً كنت حينها صغيراً تلهو، هذا إن كنت قد أبصرت النور أصلاً. لكنّ استنطاق شهادات تلك الحقبة وقراءة أدبياتها يرسم لنا مشهداً سريالياً: شبابٌ مسلم يُحشر حشراً ويُنادى به للنفير نحو بلاد تحكمها سلطة شيوعية تابعة للاتحاد السوفيتي، قبل أن يقرر “الدب السوفيتي” نفسه افتراسها بالاحتلال المباشر.

يومها، توهم الجميع أن أفغانستان ستكون مجرد “ملعقة زبادي” سهلة الابتلاع في جوف السوفييت، لكن الأفغان أثبتوا أنهم عظمة صلبة وإهابٌ مرّ لا يقبل الكسر. وفي تلك اللحظة، لمعت أعين الأمريكان؛ فقد وجدوا ضالتهم لإثخان عدوهم الأكبر والقوة العالمية المناظرة، فبدأت الماكينة الدولية تحشد المسلمين في أتون صراع الجبابرة.

وقبل أن نمضي في “سيناريو السخرية”، دعونا نضع النقاط على الحروف في ثوابت لا تقبل الجدل: أولاً، الجهاد دفعاً عن بيضة المسلمين واجبٌ شرعي. ثانياً، تلك الحكومة العميلة والاتحاد السوفيتي الملحد كانا عدواً مجرماً صائلاً بلا ريب. وثالثاً، إن أولئك الذين شدوا الرحال لم يكونوا في أغلبهم مغفلين ولا “متأمركين” بالضرورة؛ ففيهم المندفع مع الموجة بصدق نية، وفيهم من أدرك معادلة الصراع الكبرى وحاول استثمارها بذكاء.

من هذا المنطلق، أتصور حواراً خيالياً يجمع بين سياسي عربي “مخضرم” (أو ربما شيخ سلطة أو نخبوي أدمن الغفلة) وبين شاب يمتلك من الوعي ما يجعله يطرح الأسئلة الصعبة.. حوارٌ يكشف عورات الاستغلال السياسي تحت عباءة الدين، ويضعنا وجهاً لوجه أمام تلك المفارقات التي صنعت تاريخنا الدامي.

هكذا المقدمة، كتبها الباحث فى التاريخ الإسلامى محمد إلهامى.، والى نص الحوار كما كتبه بحسابه الشخصى على مواقع للتواصل الاجتماعى وفقا للسيناريو الذى تخيله :

= أبشر أيها الشاب الصالح المجاهد.. جاءك الفرج!!

– ماذا؟ معركة ضد الصهاينة؟! أو حلفائهم الأمريكان؟!

= لا، بل ضد الاتحاد السوفيتي.. في أفغانستان!! ألا ترى كيف يصنع الملاحدة في إخواننا الأفغان؟!

– ولكن الاتحاد السوفيتي قوة عظمى، ونحن قبل قليل استسلمنا لإسرائيل لأنه ما باليد حيلة! وهي أضعف من السوفييت.. ثم إن الأفغان بعيدون، أما الصهاينة فهم على مرمى حجر منا!

= لا تقل هذا.. نحن أمة قوية، أموال ونفط وجنود، وإخوانكم المجاهدون في أفغانستان على ضعفهم وقلة حيلتهم يفتكون بالسوفييت فتكا ذريعا! فما بالك لو تدفقت إليهم أفواج المجاهدين وأموال أهل الدثور يرجون الأجور؟!!.. هيا بنا إلى أفغانستان!!

– أليس إذا فرغت الأمة من رجالها وأموالها سيكون هذا فرصة للصهاينة والأمريكان ليتوسعوا في بلادنا؟!

= لا تقلق، فمن حسن الحظ، أن الأمريكان والصهاينة معنا في هذه الحرب.. إنه التقاء مصالح يا صديقي، وهو من السياسة الشرعية.. فحرب الملاحدة يجوز فيه التحالف مع أهل الكتاب!

– ملاحظة أخرى يا شيخنا؟!

= هات يا أيها المشاغب!!

– إن في طريقنا إلى أفغانستان شاه إيران.. القومي العلماني الرافضي حليف الصهاينة والأمريكان، وهو الذي يهدد مشرقنا العربي وموارد نفطنا الكثيرة.. فما رأيك أن نبدأ به؟!

= خسئت أيها الغبي.. ليس من الحكمة فتح هذه المعارك الآن

– حسنا، في طريقنا صدام حسين البعثي العلماني القومي الذي فعل بالمسلمين في العراق مثلما -وربما أشد- مما فعلته حكومة الشيوعيين في أفغانستان

= خسئت أيها الغبي.. ليس من الحكمة فتح هذه المعارك الآن.

***

ثم ذهب الشاب فجاهد ثم عاد.. فإذا به يجد نفسه مطلوبا لأجهزة الأمن في بلاده.. فمن إخوانه من قُتِل ومنهم من سُجِن ومنهم من هو الآن مطارد

– يا شيخنا.. ألم تكن تحرضنا على الجهاد في أفغانستان؟

= بلى، ولكن يبدو أنك تعلمت هناك أمورا خطيرة، أو التقيت بأشخاص خطرين، أو فعلت شيئا لم يرض عنه ولي الأمر، ويهدد الأمن القومي!

وتزداد حيرة الشاب والشباب..

***

وبينما هذا الشاب في مخبئه الذي يطارد فيه، أو في ملجئه في ديار أوروبا بعدما لفظته بلاده.. كان نفس هذا الشيخ أو السياسي أو النخبوي يحارب شابا آخر..

= أبشر أيها الشاب الصالح المجاهد.. جاءك الفرج!!

– ماذا؟ معركة ضد الصهاينة؟! أو حلفائهم الأمريكان؟!

= لا، بل معركة وعي هذه المرة.. سنشارك فيها بالأموال والخطب والكتب فحسب

– من يا مولانا؟!!

= الشيعة الفرس المجوس الرافضة.. ألم تعلم أنهم انقلبوا على الشاه وصنعوا ثورة ناجحة..

– من هؤلاء الرافضة يا شيخنا؟

= آه وآه وآه.. إنهم يا بني أخطر من الملاحدة، وأخطر من الصهاينة والنصارى.. إنهم مبتدعة كفرة.. حرفوا القرآن وطعنوا في الصحابة وأم المؤمنين، ولهم أحقاد شعوبية فارسية قديمة، ويريدون الاستيلاء على الحرمين الشريفين.. ولهذا فإن فتنتهم أشد من فتنة اليهود والنصارى.. فأولئك عدو صريح، وهؤلاء عدو باطني خبيث، يتسلل إلى بلادنا وافكارنا ووعي شبابنا تحت شعار آل البيت وحب آل البيت..

– غريبة يا شيخنا.. لم تحكِ لي شيئا عن هؤلاء من قبل

= هذا هو واجب الوقت يا بني

– ما موقفهم من إسرائيل وأمريكا يا شيخنا؟

= يزعمون أنهم ضد أمريكا وإسرائيل.. ولكن هذا كله كذب، بل هم حلفاء لأمريكا وإسرائيل، ويتعاونون سرا على تدمير الإسلام والعروبة وعلى اقتضام أرض المسلمين..

– غريبة يا شيخنا.. ألم يكن شاه إيران فارسيا وشيعيا رافضيا ويصنع هذا كله، وكان فوق ذلك قوميا وعلمانيا ومتصهينا؟!!

= ألم أقل لك: هؤلاء أخطر.. لأن الشاه عدو صريح، قومي صريح يعلن قوميته الفارسية، متصهين صراحة، متأمرك بوضوح.. أما هؤلاء فهم نفس مذهب الشاه ولكنهم باطنية خبثاء للغاية!!

– وما الذي يجعل هؤلاء أشد خطرا من الصهاينة والأمريكان.. إنهم على الأقل قاموا بثورتهم قبل شهور.. أمامهم سنوات وسنوات حتى يكونوا خطرا، هذا إن نجحت ثورتهم أصلا واستطاعت أن تتمكن من البلد؟

= ما زلت غبيا يا بني.. ولكي أثبت لك غباءك، لقد جاءت توجيهات أولياء الأمور ببدء المعركة من الآن وفعلا.. وبدأ الأخ العربي المسلم المجاهد حارس البوابة الشرقية صدام حسين في شن الحرب عليهم بالفعل.. والعالم العربي الآن كله وراءه؟!

– أليس صدام هذا هو الذي كان قوميا بعثيا علمانيا يطارد الإسلام في العراق يا شيخنا؟!!

= يتوب الله على من تاب يا بني.. يبدو أنه تاب لما شعر بخطورة الفرس الروافض، وصحا فيه عرق الانتماء العربي المسلم.. إنه الآن يشعلها “قادسية” جديدة، ويهتف باسم أمير القادسية الأول: سعد بن أبي وقاص، ويستلهم سيرة الحسين بن علي في الفداء والاستشهاد، وهذه حركة سياسية عبقرية لكي ينزع من أيديهم لواء أهل البيت الذي يرفعونه زورا وبهتانا!!

– لم تجبني يا شيخنا: لماذا هؤلاء أخطر علينا الآن من إسرائيل وأمريكا؟

= ألم أقل لك عشر مرات حتى الآن: هؤلاء عدو صريح وأما أولئك فعدو باطني خبيث.. ولا بد في النصر من تنقية الصفوف وتصفية الغبش وإزالة الدخل والخلل.. فإذا استوينا أمة واحدة تعتنق التوحيد والسنة وتزيل الضلالة والبدعة، فقد استكملنا أسباب النصر على العدو الصريح.

– أحسنت يا شيخنا.. توكلنا على الله!!

***

بعد ثماني سنوات.. انسحب صدام من إيران فاشلا.. وتوجه إلى غزو الكويت.. ورسائله السياسية تقول بأن الهدف التالي هو السعودية..

ولا يزال هذا الشيخ، السياسي، النخبوي يكلم شابا جديدا

***

= ألم تعرف بما جرى؟ ألم تسمع الأخبار؟

– ماذا حصل يا شيخنا؟

= هذا القومي العلماني البعثي المرتد صدام حسين غزا الكويت ويوشك أن يدخل إلى السعودية ويفترس الحرمين الشريفين؟.. إنه وقت الجهاد يا بني!!

– ألم يكن هذا بالأمس هو الأخ العربي المسلم المجاهد صدام حسين، الذي يتولى صد الفرس المجوس عباد النار عن ديارنا العربية وعن الحرمين؟

= آه من هذا الخبيث.. يبدو أنه كان مخادعا في توبته.. ومن خدعنا بالله انخدعنا له.. كان يُظهر الإسلام ويُبطن الكفر من أجل مصالحه.. ولهذا خذله الله ولم يستطع أن يقضي على الفرس المجوس رغم ما ساعدناه به من أموال طائلة ومن دعم هائل.. الآن ظهرت حقيقته.. هذا المرتد!!

– وما العمل يا شيخنا..

= ما العمل يا بني؟ ليس لنا إلا أن نلجأ لحلفائنا الأمريكان.. فهم الجهة الوحيدة القادرة على صده ورده؟!

– الأمريكان!!!.. كيف نعيد الكفار إلى جزيرة العرب يا شيخنا؟!!.. أليس في أمتنا من يستطيع أن يجاهد صدام حسين وجيشه البعثي.. نحن مئات الملايين، ولدينا جنود في كل مكان، فوق المتطوعين الذين سيأتون زحفا دفاعا عن مقدساتهم.

= لا تزال ضعيف السياسة ومندفعا يا بني.. نحن لدينا أموال ولكن ليس لدينا رجال.. وهذه الشعوب التي تراها شعوب ضعيفة وفقيرة ولا تستطيع أن تقوم بهذه المهمة؟

– كيف يا شيخنا؟.. أليست هذه الشعوب التي لما سُمِح لها جزئيا بالحركة، ذهبت إلى أفغانستان وقاتلت القوة العظمى العالمية (الاتحاد السوفيتي) وأثخنت فيه وكانت من أسباب انكساره؟!!

= على العكس يا بني.. الاتحاد السوفيتي انهار بفعل أمريكا وسلاح أمريكا وقوة أمريكا.. ألم تعلم أن أمريكا هي التي أمدت هؤلاء المتطوعين بالسلاح النوعي.. بغير أمريكا ما كان لهم أن يفعلوا شيئا.. أمريكا هي السر الكبير!!

– ولكن لماذا تأتي أمريكا لتدافع عن الحرمين؟.. والأهم من ذلك: كيف سيقول الناس إذا رؤوا الجيوش الأمريكية في قلب الديار المقدسة، وتقاتل عربا مسلمين عراقيين؟

= لا زلت تحتاج إلى الدروس المهمة لتفهم العالم والسياسة والشريعة.. أولا: أقر العلماء أنه يجوز الاستعانة بأهل الكتاب لقتال المرتدين.. فأهل الكتاب يهود ونصارى، لكن القوميين البعثيين العلمانيين مرتدون خرجوا عن نهج الأديان بالجملة..

ثم إنها مهمة مؤقتة وتحالف سريع.. اتفاق مالي مقابل معاونة عسكرية وبعدها لن يستقروا في أرضنا لحظة واحدة، وإنما سيعودون من حيث أتوا..

– هل تضمن هذا يا شيخنا؟

= لا شك يا ولدي.. هؤلاء الغربيون يحترمون كلمتهم، ويحترمون القانون الدولي مثلما نحترم نحن الشريعة.. والمسألة كما قلت لك.. والعلماء قد أفتوا بهذا والحمد لله رب العالمين.

***

بعد سنوات أخرى.. حوار آخر خلاصته: الإخوان المسلمون أخطر من اليهود والنصارى

وبعد سنوات أخرى.. حوار آخر خلاصته: السلام مع إسرائيل.. وفلسطين ليست قضيتي.. والحركة الخضراء خوارج..

وبعد سنوات أخرى.. أمريكا وإسرائيل تضربان إيران.. إيران ترد على قواعد الأمريكان ورادارتهم المنصوبة في ديارنا والنفط الذي يؤثر في قرار الحرب الأمريكي.. ولكن الحوار يدور حول: العدوان الإيراني على أهل السنة.. أولئك الفرس المجوس الذين يسبون الصحابة!!

يسألني معلق في التعليقات: لماذا لم تكتب بقية الحوارات؟ (هذا لو أنه بقي أحد وصل إلى هذا السطر)

والجواب: لقد تعبت من الكتابة.. مثلما تعبت أنت من طول المنشور.. ولا أقول: اللبيب بالإشارة يفهم.. بل أقول: إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور..

وتحسر معي على أمة كيف يجري التلاعب بمشاعرها لتكون دائما في خدمة الصهاينة والأمريكان.. تسالم من سالموا وتحارب من حاربوا.. بغير جزاء ولا شكور ولا مكسب في الدنيا ولا في الآخرة!