السبت، 4 أبريل 2026

اصطفاف الغساسنة والمناذرة لا يليق بالمسلمين

اصطفاف الغساسنة والمناذرة لا يليق بالمسلمين

إضاءات شرعية سياسية أخلاقية

  مضر أبو الهيجاء



قامت مملكتا الغساسنة والمناذرة قبل الإسلام في القرن الثاني الميلادي، وزالتا في القرن السابع الميلادي، ورغم أنهما ترجعان في نسبهما لقحطان في اليمن الأصيل والعريق، إلا أنهما قد انقسمتا بسبب توزّع ولاءاتهما على الفرس والروم المتنافسين على النفوذ آنذاك.

إن الاستخذاءَ السياسيَّ من قبل قبائل عربية أصيلة تجاه الفرس والروم كان سببًا في تفرّقها وتنازعها، حيث كانت مملكة المناذرة العربية مواليةً للفرس، فيما كانت مملكة الغساسنة مواليةً للروم، وهو ما آل إلى توسّع الشرخ بينهما لحدّ الاصطراع الذي جعلهما يقتتلان لصالح الصراع بين متنافسين هما الروم والساسانيون الفرس.

لا شك بأن هذه الصورة التاريخية تتكرر في سياقها العام في عصرنا وواقع اليوم، حيث يتنافس المشروع الإيراني الطائفي الشيعي مع المشروع الإسرائيلي الطائفي اليهودي حول النفوذ الأوسع في عموم المنطقة العربية والإسلامية، وخصوصًا منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي جعلهما تتسابقان على رضا الإدارة الأمريكية، القطب الوحيد الذي يتحكم بالأقاليم والدول.

معركة مشاريع الباطل المتنافسة هل تُشرخ الأمة الواحدة؟

إن ما حدث مع العرب الجاهليين الكفار قبل الإسلام، لا يجوز أن يحصل مع العرب بعد أن انتقلوا لدين التوحيد، كما أنه لا يليق بالمسلمين اليوم أن يتوزعوا على اصطفافات بين مشاريع كفر جميعها معادية للأمة والدين وكارهة لرسالة الإسلام، حيث تسعى أمريكا اليوم -وإيران- لصناعة فريق من العرب والمسلمين يصطف مع كل منهما، فيعود التناحر بين الغساسنة والمناذرة في ثوب سياسي جديد.

اصطراع الكفار منحة تسرّ المؤمنين وليست محنة تقض مضاجعهم.

ليس صحيحًا ولا هو صحيٌّ حجمُ الترويج لتفكك الأمة وزوال دولها في حال تفكك النظام الإيراني، ففي هذا عدمُ إدراكٍ لسنن الله في التدافع الذي يمنع استشراء الفساد في الأرض، والله سبحانه وتعالى يقول: {ولولا دفعُ الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} 

(البقرة: 251).

إن حالة الاصطراع القائم بين الإدارة الأمريكية وبين حليف الأمس الإيراني ليست كارثةً على الأمة كما يصوّرها ضعيفو تناول الوحي، الجاهلون بتاريخ صراعات الأمم والدول، بل هي منحة عظيمة إذا ما أحسن استغلالها المسلمون المستضعفون المقهورون من كلا المشروعين المعاديين للأمة والدين.

مشروع الأمة المستقل سياسيًا هو الحل.

إن واجب الوقت أن يستفيد المسلمون من حالة الاصطراع في معسكر الباطل، حيث ستوجد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية فراغاتٍ حقيقية -وفق سنن التدافع- يمكن للعرب والمسلمين أن ينفذوا من خلالها لبناء مشروعهم المستقل الذي طال انتظاره، منذ أن حلّ الغرب الصليبي المتصهين ثقيلًا في بلادنا وقام بالتخريب والهدم الواسع فيها.

الموقف العربي والإسلامي الواجب إزاء الأطراف والمشاريع المتصارعة المعادية.

إن التوقفَ السياسيَّ بحد ذاته موقفٌ واعٍ ومتقدم، وذلك عندما يكون منطلقًا في حكمه من تصور صحيح هو نتاج قراءة صحيحة من الناحيتين الشرعية والسياسية، وليست قراءة حزبية بغيضة ولا قطرية أنانية عليلة.

إن الموقف الواجب تجاه المعركة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية هو التوقف الواعي، والدعاء عليهم جميعًا بالهلاك -وذلك باعتبارهم جميعًا مشاريع ظالمة ومعادية ومعتدية-، وبنفس الوقت إطلاق نواة مشروع عربي إسلامي مستقل في رؤيته وقراره السياسي.

إن ضعفَ وتفكك وتراجع قوة وفاعلية تلك المشاريع المتعددة والمعادية فيه رحمة للعالمين وفرجة حقيقية ستصنع وتتيح للمسلمين فرصًا جديدة وفجواتٍ مفيدة.

وأؤكد وأقول:

إن تفكك النظام الإيراني وتراجع مشروع ولي الفقيه شرطٌ لتحقق الوحدة العربية والمشروع الإسلامي الذي سيتصدى للكيان الصهيوني، لاسيما وأن إيران تشكل أكبر عوائق تحقق الوحدة في المنطقة العربية والأقاليم الإسلامية وبين شعوبها، وذلك نتيجة منظومتها القائمة على تصدير ثورتها الملالية واستباحة دماء وثروات وبلاد المسلمين، الأمر الذي مكّنها من تفتيت شعوب المنطقة المنسجمة والمتعايشة والمتآلفة، وذلك من منطلق ثقافي معادٍ لثقافة الأمة المسلمة، مما أنتج شروخا بين شعوب المنطقة الواحدة وهدم بناها المجتمعية واحتلالها، تمامًا كما هي نتائج مشروعي العداء الصهيوني التوراتي والصهيوني الإنجيلي المعاديين للأمة وثقافتها.

وأخيرًا أوضح وأقول:

لقد تاهت مسطرةُ كثيرٍ من المنتمين في قياس المشاريع المعادية والصديقة والحليفة حتى فقدت التمييز بينها، وذلك للدرجة التي لم تعد تفرق فيها بين المشاريع المخالفة في المذهب والدين -وهذه لا إشكال في التعايش معها سياسياً والإحسان إليها أخلاقيا- وبين المشاريع المعادية والمعتدية.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

مضر أبو الهيجاء بلاد الإسلام 1/4/2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق