السبت، 11 أبريل 2026

الأمة بين عدوّين في ميزان المآلات «غشاوة العاطفة وبوصلة الشرع»

الأمة بين عدوّين في ميزان المآلات

«غشاوة العاطفة وبوصلة الشرع» !!

د. محمد طه السامرائي

 في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، حيث تتلاطم أمواج الفتن وتختلط الأوراق على الساحة الإقليمية والدولية، تقف الأمة الإسلامية على مفترق طرقٍ وعر.

مشهدٌ تتقاطع فيه نيران الأعداء، وتتعالى فيه صيحات الاستقطاب التي تحاول جرّ العقل المسلم إلى مستنقع “الخيارات الصفرية”؛ إما الاصطفاف خلف المشروع الصهيو-أمريكي، أو الارتماء في أحضان المشروع الإيراني التوسعي.

هنا، وفي قلب هذه العاصفة، يجب أن تبرز “السياسة الشرعية” و”فقه المآلات” كطوق نجاة، لانتشال الوعي الجمعي من فخ العاطفة العمياء، وتأسيس موقفٍ مبدئيٍّ يزن النوازل بميزان المصالح والمفاسد، بعيداً عن الفتاوى المرتجلة التي تبيع دماء الأمس بثمنٍ بخسٍ في سوق التحالفات الموهومة.

أولاً: في تشريح العداوات.. الظاهر والباطن

إن العقل الاستراتيجي المسلم لا يختلف على بديهية أن كلا المشروعين المتصارعين هما شراكةٌ في تدمير أمتنا، وإن اختلفا في تفاصيل اقتسام الكعكة.

ولكنّ فقه الواقع يُوجب علينا تفكيك طبيعة كل خطر:

العدو الظاهر (المشروع الصهيو-أمريكي): هو احتلالٌ غاشم، وعدوٌّ كافرٌ كفراً بواحاً، ومقاومته حقٌّ وواجب.

ولكنه في التحليل العميق عدوٌّ “خارجي” تحركه أطماع جيوسياسية ومصالح استراتيجية، لا يمتلك مشروعاً عقائدياً يستهدف تبديل دين المسلمين.

إن الاحتلال الأمريكي للعراق، أو الكيان الصهيوني في فلسطين، لم يسعيا يوماً إلى تحويل السُّنة عن عقيدتهم، أو فرض طقوسٍ وثنيةٍ عليهم، بل غاية أمرهما السيطرة على الأرض والمقدرات.

العدو الباطن (المشروع الإيراني الصفوي): هنا تكمن المأساة الكبرى؛ مشروعٌ يتسربل بلبوس الإسلام، ويستغل مظلومية آل البيت لتمرير أجندةٍ إمبراطوريةٍ توسعية.

هذا المشروع لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يستهدف “الإنسان والعقيدة”.

إن الملايين الذين قُتلوا وهُجّروا في سوريا والعراق واليمن، لم يكونوا ضحايا حربٍ تقليدية، بل ضحايا لمشروع إحلالٍ ديموغرافي وتخريبٍ عقائدي، يسعى لغرس الخلايا الميليشياوية، وفرض الروايات التاريخية المزيفة، ونشر ثقافة اللعن والتكفير.

إنه عدوٌّ يخترق الحصون من داخلها، ويمزق النسيج المجتمعي للأمة.

ثانياً: أزمة الخطاب العاطفي.. وفتاوى التيه

من أشدّ ما يُدمي القلب في هذه الأزمة، انزلاق بعض المحسوبين على العلم والدعوة في خندق التنظير للمشروع الإيراني، متذرعين بـ”فقه الضرورة” أو قاعدة “أخف الضررين”.

لقد استغل هؤلاء مأساة أهلنا في غزة – فرّج الله كربهم – ليصموا كل من يقف على الحياد بـ”النفاق”.

أين كان هذا الخطاب حين دُمرت حلب وصنعاء والموصل؟

 كيف يطالبون السوري الذي ذُبحت عائلته، والعراقي الذي سُلب وطنه، بالاصطفاف مع جلاّد الأمس بحجة أن هذا الجلّاد يخوض صراعاً مع عدوٍّ آخر؟

 إن اختزال مصطلح “البدعة” في المشروع الإيراني هو تسطيحٌ مخلّ؛ فنحن أمام منظومةٍ تؤسس لتحريف الدين، وتأليه البشر، وتصدير ثورةٍ دموية.

إن إضفاء الشرعية الدينية على هذا المشروع هو تفريطٌ بعقيدة الأمة ومستقبل أجيالها.

ثالثاً: بوصلة النجاة.. ومسارات العمل الاستراتيجي

إن الاستقلالية هي جوهر السياسة الشرعية اليوم.

لا يجوز للأمة أن تكون وقوداً في حربٍ لا تخدم قضاياها الكبرى.

 الموقف الرشيد يتجسد في ثلاثة مسارات رئيسة:

 * تدافع الظَلَمة: الركون إلى قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.

إن المصلحة العليا للأمة تكمن في استنزاف هاتين القوتين الغاشمتين لبعضهما البعض، لكسر شوكتهما وتخفيف قبضتهما عن بلاد المسلمين.

 * تحصين الجبهة الداخلية: اعتبار الخطر العقائدي والوجودي القريب (التمدد الإيراني) هو التهديد الأشد خطراً على المدى الطويل؛ لأنه يمهد الطريق لكل غازٍ عبر تفتيت الدول وتدمير مؤسساتها.

التصدي لهذا الاختراق الأمني والفكري هو “واجب الوقت”.

 * بناء التحالف السُّني الصلب: إن الفراغ الذي نعيشه لا يُملأ بالبكائيات، بل بالعمل الجاد لتشكيل قطبٍ إسلاميٍّ وازن (يضم القوى المركزية كتركيا، والسعودية، وباكستان).

هذا المحور هو الكفيل – بإذن الله – بحفظ بيضة الأمة، وإيجاد قوة ردعٍ حقيقية تقف سداً منيعاً أمام كل مشاريع الهيمنة، شرقيةً كانت أو غربية.

خاتمة:

لا يُبنى مجد الأمم بمواقف الانفعال، ولا تُحفظ العقائد بمداراة المبتدعة والقتلة.

إن الوعي الجمعي لأمتنا اليوم، والذي تجلى في رفض الوصاية الإيرانية في ساحات العراق وسوريا وغيرها، هو أعمق وأرقى من خطابات النخب المأزومة.

السياسة الشرعية تقتضي إعداد العدة، وتمييز الصفوف، واليقين بأن تحرير الأوطان يبدأ من تحرير العقول من الوهم.

ثم قلت:

أَيَا مَنْ تَاهَ فِي لُجَجِ السَّرَابِ… وَيَرْجُو النَّصْرَ مِنْ بَابِ الْخَرَابِ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق