الأربعاء، 2 ديسمبر 2015

هذا التدافع على التدخل العسكري في سوريا


هذا التدافع على التدخل العسكري في سوريا
د. بشير موسى نافع
 كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

راقبت باهتمام كبير كلمة رئيس الحكومة البريطانية، ديفيد كاميرون، للبرلمان يوم الأربعاء الماضي، 26 تشرين ثاني/نوفمبر. لست أنا فقط، بل أن قطاعاً واسعاً من الرأي العام البريطاني عاش منذ اسابيع في انتظار هذه الكلمة.
السبب أن كلمة كاميرون هذه المرة تتعلق بمسألة كبيرة، مسألة يفترض أنها من أهم مهمات الدولة الحديثة: الحرب.
يريد رئيس الحكومة البريطانية أن تنخرط بريطانيا في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، أو داعش، في سوريا، وليس في العراق وحسب، وتوجب عليه أن يقدم للبرلمان الأسباب التي تسوغ هذه المشاركة.
لا شيء في مراقبة الآلة الديمقراطية وهي تعمل يبعث على الملل. فكيف إن كانت شغل الآلة الديمقراطية يتعلق بالحرب، بحياة البشر وهدر الموارد. ولكن ثمة شيئاً آخر خيم على قاعة البرلمان البريطاني ذلك اليوم، لمسه الجميع بدون أن يروه: كارثة الحرب البريطانية ـ الأمريكية في العراق. 
وربما ما كان كاميرون سيأتي بمشروع المشاركة في قصف داعش في سوريا للبرلمان لولا قرار حكومة بلير المشاركة في غزو العراق في 2003، الذي أوصل العراق إلى ما وصل إليه اليوم. 
تشارك بريطانيا بالفعل في التحالف الغربي لمواجهة داعش في العراق. ولكن، لأن الجهد الغربي العسكري في العراق تم بطلب من حكومة عراقية شرعية، مهما كان الرأي في هذه الشرعية، فليس هناك شبهة قانونية خلف المشاركة البريطانية.
الأمر، بالطبع، مختلف في سورية، فليس هناك من موافقة حكومية سورية على تدخل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة؛ كما أن هذا التدخل لا يتمتع بغطاء قانوني دولي.
فإن كان كاميرون يخطط لمشاركة سلاح الجو البريطاني في سوريا، فلابد أن يحصل على تأييد من برلمان بلاده. فكيف تحدث رئيس الحكومة البريطانية للبرلمان، إذن؟
لم يول كاميرون في كلمته أي اهتمام خاص بالجانب القانوني الدولي. يعرف رئيس الحكومة، بلا شك، أن قرارات الأمم المتحدة التي تدعو لتعاون دولي ضد إرهاب داعش لا توفر شرعية قانونية لأي عمل عسكري بهذا الشأن في سوريا.
ما تقوم به الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها في سوريا، وما بدأته فرنسا مؤخراً، لا يتمتع بغطاء قانوني دولي. المسوغ الآخر الذي يمكن اللجوء إليه هو، بالطبع، الدفاع عن النفس.
وقد جاءت موجة الهجمات الإرهابية الأخيرة في باريس لتقدم عوناً كبيراً لرئيس الحكومة البريطانية. فداعش تمثل خطراً داهماً على المجتمعات الغربية، ولن تتوانى عن مهاجمة بريطانيا إن استطاعت؛ بل إن أجهزة الأمن البريطانية قد نجحت بالفعل في إجهاض عدد من مخططات داعش الإرهابية ضد بريطانيا.
هناك أيضاً المسوغ الليبرالي للتدخل، إن صح التعبير. فداعش تمثل تهديداً لحياة البشر الذين يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرتها، ولاستقرار مجتمعاتهم، سواء بفعل السياسات الوحشية والقوانين البدائية التي تفرضها في مدن وبلدات الشرق السوري، أو بفعل اضطهادها للأقليات الدينية وتقييدها للحريات.
بيد أن كاميرون يدرك أن تقديم مسوغات ما للتدخل لا يكفي للحصول على تأييد البرلمان لأطروحته. عندما تقرر دولة ديمقراطية خوض غمار الحرب، سيما عندما تكون الحرب خياراً وليست إجباراَ، لابد من توضيح كيفية الانتصار في هذه الحرب. مسكوناً بكارثة العراق، كما يجب أن يكون، أوضح رئيس الحكومة البريطانية أن دور بلاده في الحرب سيقتصر على مشاركة سلاح الجو البريطاني في الغارات ضد مناطق سيطرة داعش، وليس في عمليات برية. 
ولأن الأمر لا يحتاج نواباً برلمانيين وسياسيين محترفين لإدراك أن الهجمات الجوية لن توقع الهزيمة بداعش، وأن التحالف يقوم بمثل هذه الهجمات منذ شهور بدون أن يحقق نتاج ملموسة، قال كاميرون أن لديه تقديرات استخباراتية تفيد أن ثمة 70 الفاً من المقاتلين السوريين المناهضين لداعش، على استعداد لخوض المعركة على الأرض إن توفر عون عسكري خارجي.
هذه، باختصار، عناصر أطروحة الحرب التي تقدم بها رئيس الحكومة البريطانية. أما ما لم يتطرق إليه، ما يقوض أطروحته من أساسها، فكثير.
لم يقل رئيس الحكومة للبرلمان، مثلاً، ما الذي سيضيفه تدخل بريطاني محدود في عملية قصف جوي، يقودها التحالف الأمريكي منذ شهور، إلى نتيجة الحرب. الحقيقة، أن الدور العسكري البريطاني لن يغير الكثير في مسار الحرب على داعش، سيما بعدما ألقت فرنسا بثقلها إلى جانب الأمريكيين، وأن بريطانيا تسعى من خلال تدخلها العسكري إلى ضمان دور سياسي ما في مستقبل سوريا، أكثر منها إلى المساعدة في حسم حرب لا يعرف أحد بعد كيف ستحسم.
 وما لم يقله رئيس الحكومة، أيضاً، أنه لا بريطانيا، ولا أمريكا، ولا أي من أطراف التحالف، يعرف على وجه اليقين ما إن كان السبعون ألفاً من المقاتلين المناهضين لداعش هم فعلاً بهذا الحجم، وإن كانوا كذلك فأي صنف من المقاتلين هم، أو ما إن كانت أولويتهم هي مواجهة نظام الأسد أو داعش.
ما يعرفه مراقبو الساحة السورية أن القطاع الأكبر من المناضلين لداعش في شمال وشرق سوريا هم من ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذي تعتبر مجرد جناح سوري لحزب العمال الكردستاني (المصنف إرهابياً في تركيا وعدد واسع من الدول الغربية).
خلال الشهور القليلة الماضية، ارتكبت الميليشيات الكردية السورية جرائم لا حصر لها ضد المواطنين السوريين العرب والتركمان في البلدات والمدن التي سيطرت عليها، بما في ذلك التطهير العرقي. 
ولأن هزيمة داعش في النهاية ليست ممكنة بدون دور تركي كبير، فإن من الصعب تصور مواجهة مع داعش على الأرض، تعتمد على قوات كردية، بينما ترى تركيا في في هذه القوات خطراً إرهابياً عليها وعلى العرب والتركمان السوريين.
المجموعات السورية المقاتلة الأخرى، سواء في الجيش الحر أو خارجه، تناهض داعش هي الأخرى. ولكن هذه المجموعات لن تكرس بعضاً من الجهد لمواجهة داعش، بدون أن تتوجه الحرب ضد نظام الأسد وقواته وحلفائه الإيرانيين وداعش في الوقت نفسه. وماذا عن الموقف من الدور الروسي، بعد أن أصبحت روسيا منذ 30 ايلول/سبتمبر طرفاً مباشراً في الصراع على سوريا؟ دخلت روسيا الساحة السورية بهدف مواجهة داعش والإرهاب، ولكن دلائل الواقع تشير إلى أن جل الجهد العسكري الروسي مكرس لحماية نظام الأسد، ويستهدف جماعات المعارضة السورية، التي تعرف بالمعتدلة. فما هو الموقف الذي ستتخذه دول التحالف الأمريكي من الدور الروسي، بعد أن ازدحمت سماء سوريا بالطائرات، الروسية والأمريكية والفرنسية، وفي المستقبل القريب ربما البريطانية؟ وكيف يمكن أن تلعب تركيا، والدول الإقليمية الأخرى، مثل السعودية وقطر، الدور المتوقع منها في الحرب ضد داعش، بينما هي تشهد الطائرات الروسية تقوم بتدمير حلفائها في المعارضة السورية؟
المسألة التي لا تقل أهمية تتعلق بأفق هذه الحرب. قبل سنوات، نجحت القوات الأمريكية وحلفاؤها من الصحوات العراقية في إخراج القاعدة في بلاد الرافدين، التنظيم الأم لداعش، من الأنبار. تفرقت القاعدة إلى مجموعات صغيرة في أنحاء العراق، وتعهدت سلسلة لا نهاية لها من الهجمات على المدنيين وعلى أهداف حكومية عراقية. وبعد سنوات قليلة، عادت باسم داعش لتسيطر على ما يقارب من ثلث مساحة العراق.
المؤكد أن إخراج داعش من الرقة ومناطق سيطرتها الاخرى في سوريا لن يصنع فرقاً كبيراً في مصير داعش ولا في مصير سوريا. وهنا يقع قصر النظر الفادح في المقاربة البريطانية، والغربية ككل، للمسألة السورية. بدون إطاحة النظام السوري وبناء مؤسسة حكم جديدة في دمشق، يتوحد حولها أغلب السوريين، لن تكون ثمة نهاية لداعش ولا للخطر الذي تمثله.
السوريون وحدهم من يستطيع استئصال هذا الوباء، ومن الصعب تصور دخول السوريين حلبة المعركة قبل أن توجد دولة سورية تعبر عن إراداتهم وتوحد قواهم.

أعيدوا لنا جيشنا


أعيدوا لنا جيشنا
وائل قنديل



لماذا يصرّون على مواصلة إهانة العسكرية المصرية، بإغراق الجيش في تجارة اللحوم والخضروات المجمدة؟ لماذا يستمرون في خدش صورتها، بإرسال الجنود والضباط في عربات متنقلة، تبيع السلع للناس في القرى والمدن؟ في أي دولة في العالم يتحول الجيش إلى بائع خضار، أو موزع لحوم، أو منافس للشركات والأفراد في تنظيم حفلات الزواج؟
أذكر أنني كنت ومجموعة من الزملاء الصحافيين والإعلاميين المصريين في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، نهايات العام 2012، حين أصيب المارة في شوارع العاصمة بالوجوم والصدمة، عند مرور مدرعة عسكرية الشوارع، حيث وقف المواطنون يلتقطون صوراً لهذا الكائن العجيب الذي يمرق في الشوارع ليلاً.
قال لنا مرافقنا، وقتها، إن هذا حدث تاريخي، لأن هناك أجيالاً كاملة في الدنمارك لم تشاهد آلية عسكريةً، تحمل جنوداً، طوال عمرها، إلا في أفلام الحرب القديمة، لذا، فإن مشهد مرور مدرعة بين المدنيين، لا يتكرّر إلا كل عقود.
حين سألنا عن سبب عبور المدرعة والجنود، قالوا إنهم ينقلونها من نقطة عسكرية خارج العمران إلى نقطة أخرى في الطرف الآخر من البلد.
في العالم كله، الجيش مكانه المعسكرات خارج الحواري والأزقة، يندر أن ترى جندياً أو ضابطاً في الشارع، بينما في مصر توجد العسكرية وتحضر، وتشتبك، حد الابتذال، في التفاصيل اليومية الصغيرة، من اللف بسيارات اللحوم والخضار، إلى مطاردة التلميذات والتلاميذ، إلى تشغيل الأغنيات الراقصة في الميادين، والتمايل عليها. 
لو قلت إن هذا لا يليق بجيش بلدك، ستكون التهمة الجاهزة أنك خائن وحاقد وعميل وكاره لوطنك. 
في العام 2010، أثرت قضية إهانة رجل المخابرات المشهور باسم جمعة الشوان، حين تركته الدولة نهباً للمرض والفقر والحاجة، فانتفض المجتمع المدني، لجمع المبلغ المطلوب، لإنقاذ حياة هذا البطل.. ثم تفاعلت القوات المسلحة، وأعلنت تكفلها بعلاجه، فكتبت سطوراً في حب الجيش الوطني المحارب، من واقع صورته الناصعة في وجداننا. أحد القراء الأعزاء فتش في أرشيفي، وأرسل إلي ما كتبته، قبل ثورة يناير بثلاثة أسابيع، معتبراً إياه دليلاً على تناقضي وازدواجيتي في التعامل مع الجيش، أستسمحك في إعادة نشره: كالعادة، تظل المؤسسة العسكرية هي الجهة الأكثر مصريةً، والأعمق إحساساً برموز الوطنية المصرية، وفي طليعة الصفوف منهم البطل جمعة الشوان. وبينما غابت أجهزة الدولة عن أزمة الشوان، حضرت المؤسسة العسكرية، كما تحضر دائماً في مناسبات عديدة تكون الأجهزة الأخرى المعنية فيها، غارقة في مستنقعات التخبط والإهمال والنسيان والتجاهل. وفي جملة واحدة، تظل هذه المؤسسة العريقة هي الحصن والحضن والمأوى، عندما يضيع الآخرون في متاهات البيروقراطية والانشغال بتوافه الأمور. وعلى الرغم من نوبة الانتباه والتعاطف والالتفاف والاصطفاف، من أجل تبني قضية الشوان من شخصيات ورموز مصرية محترمة، في تجسد رائع لحضور المجتمع المدني، تعويضاً لغياب الدولة، فإن بادرة القوات المسلحة المصرية بإعلان تكفلها بنفقات علاج البطل المصري لها مذاق خاص ومدلولات أخرى. وكانت اللقطات واللقاء الذي عرض، أمس، في قناة "أون تي في"، واليوم في "صباح دريم" لمندوب وزارة الدفاع، وهو يحتضن الشوان، ويسلمه قيمة نفقات علاجه، ويبلغه رسالة واضحة وناصعة بأن القوات المسلحة لا تنسى الأبطال الذين ساهموا في صناعة انتصارات هذا الشعب. كان ذلك مشهداً عبقرياً أثار شجون المصريين، وحرّك الدموع في العيون، واستعاد الناس قبساً من دفء ملاحم العمليات الخارقة للقوات المسلحة والمخابرات المصرية، والتي لقنت العدو الصهيوني دروساً، لا تزال كالوخز في عظامه، حتى الآن. 
ذلك ما كتبته قبل نحو ست سنوات، وذلك هو الجيش كما عرفناه، وكما أحببناه. لذا، لا تناقض أبداً حين ينتابك حزن وأسى وأسف، وأنت ترى النظام الدموي الفاشل يجرّ الجيش إلى ما لا يليق به وبتاريخه.

لعبة القرن الكبرى: ضرب الإسلام بالإسلام



لعبة القرن الكبرى: ضرب الإسلام بالإسلام

يوسف قابلان

ترجمة وتحرير – تركيا بوست  أقولها منذ البداية: في هذا المقال سأقلب كل ما تحفظونه رأسا على عقب.

في السنوات الخمس والعشرين الماضية، في بلاد البلقان التي سيطرت عليها أمريكا وفي القفقاس ومنطقة الشرق الأوسط ومنذ انتهاء الحرب الباردة عام 1989 إلى هذه اللحظة، كان هناك دولتان فقط تكبران ويتوسع نطاق نفوذهما. هاتان الدولتان هما إنجلترا وإيران.

الحرب الباردة تم إنهاؤها من قبل الإنجليز، ولكن ما السبب؟


تغيّر القوى العالمية
في عام 1980، كان قدوم مارغريت تاتشر هو السبب في إنهاء الحرب الباردة. تاتشر المعروفة بلقب المرأة الحديدية، قامت بإشعال الفتيل الذي دفن العالم الاشتراكي في مقبرة التاريخ. لقد أنهت الحرب الباردة على الفور، واتخذت من الإسلام عدوا للنظام العالمي.

السكرتير العام لحلف شمال الأطلسي الناتو، هو الذي اخترع مصطلح العدو الجديد، حيث قال:
"إن التهديد الكبير الذي يقف أمام النظام العالمي، هو الإسلام". وبالتالي، بفضل ويلي كليس، السكرتير العام للناتو، أصبح الإسلام هو الشاغل الأكبر لهذا الحلف.

نعم فأنا هنا أقول شيئا إذا تمت قراءته فسيقلب الحرب الباردة رأسا على عقب: الولايات المتحدة الأمريكية، فقدت خاصيتها في كونها القوة العظمى، تماما مثل روسيا. ففي فترة الحرب الباردة، كان هناك قوتان عظيمتان في العالم: الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي.

تقريبا، بعد نصف قرن من تلك الحرب، تمكن الإنجليز بهدوء وبخبث من الوصول إلى موقع استطاعوا من خلاله تغيير مجرى التاريخ.

التخلّص من اليهود

خلال فترة الحرب الباردة، استوطن اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل كبير. بعبارة أخرى، سيطر اليهود على الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية.

إن إنهاء الحرب الباردة، كان نتيجة لرغبة الولايات المتحدة الأمريكية في التخلص من احتلال وسيطرة اليهود.

لقد كانت الحرب العالمية الثانية والتي انتهت بمذبحة لليهود، هي مبررهم الوحيد في السيطرة على الولايات المتحدة الأمريكية من الداخل، في حين أن مؤسسي الولايات المتحدة الأمريكية هم الإنجليز.

لقد تسبب حكم اليهود للولايات المتحدة الأمريكية في إنهاء سيطرة الإنجليز، ليس هذا فحسب بل كان سببا في إنهاء حكم أصحاب الثورة الصناعية الكبرى على العالم.

لقد كان صعبا جدا على الإنجليز، أصحاب الثورة الصناعية الكبرى وهازمي الدولة العثمانية، أن يطردوا من الولايات المتحدة الأمريكية من قبل اليهود.

لذلك قام الإنجليز في هذه الفترة بالاجتماع وقرروا إحضار تاتشر حيث بدؤوا بالقيام بحملات من أجل إبعاد اليهود عن النظام العالمي.

إن النظام الرأسمالي العالمي تم إنشاؤه من قبل اليهود والإنجليز معا، ولكن الإنجليز تعرضوا لطعنة قوية في الظهر من قبل اليهود، من خلال الإبادة الجماعية.


الوقوف في وجه الإسلام

أقول ذلك مشددا على أهميته: لقد كان الهدف البعيد من إنهاء الحرب الباردة هو منع الإسلام من الصعود إلى منصة التاريخ من جديد.

لمدة قرنين، كان الإنجليز هم الذين يوجهون ويشكلون العالم، هم من دفنوا حضارة ومدنية الدولة العثمانية في مقبرة التاريخ وهم من اتبعوا سياسة ذكية وخبيثة، تحدد حدود ومشاكل العالم الإسلامي. لذلك، فقد كان الإنجليز هم وحدهم القادرون على منع الإسلام من الوقوف على منصة التاريخ من جديد.

لهذا السبب تماما، قام الإنجليز بإنهاء الحرب الباردة.

لماذا؟ دعوني أوضح ما قلته سابقا، لأنهم رأوا أن العالم الإسلامي، وبخاصة تركيا، قد بدأ يدخلون التاريخ مجددا.

لقد كان الإنجليز يفكرون كالآتي: إذا عادت تركيا إلى جذورها ووصلت إلى مدارها الإسلامي، فسيكون من المستحيل إيقاف ميلاد الإسلام من جديد.. وذلك، لأن جميع الدول التي كانت تقع في الجغرافيا العثمانية، في منطقة الشرق الأوسط وبلاد القفقاس والبلقان، ستستمد قوتها من قوة تركيا..

لقد كان الإنجليز يعلمون جيدا أن قدوم تركيا يعني ذهاب إنجلترا.

كان يجب أن يقفوا في وجه تركيا وأن يفتحوا الطريق أمام إيران، ولكن لماذا؟

لماذا إيران؟


كان لا بد لهم من أن يوقفوا تركيا ويفتحوا المجال أمام إيران. وكان لا بد لهم أيضا أن يوجهوا ضربة قاضية إلى جماعة الإخوان المسلمين التي شكلت العمود الفقري لأهل السنة في القرن العشرين.

بهذه الطريقة، استطاعوا أن يدمروا النظام الإسلامي العالمي الذي تم إنشاؤه عبر آلاف السنين من قبل أبناء السلاجقة والعثمانيين.

وقامت ثورة في إيران وذلك قبل إنهاء الحرب الباردة بعشر سنوات. وبعد أن استقرت الأمور فيها عقب الثورة، قرروا إنهاء الحرب الباردة. لقد كانوا بذلك يمهدون للدخول في حرب جديدة، هي حرب ضرب الإسلام بالإسلام.

لقد كانوا يهدفون إلى إيقاف عودة الإسلام من جديد في كل من السعودية وإيران، وذلك من خلال الاستعانة بمنظمات إرهابية مثل تنظيم الدولة وحزب العمال الكردستاني.. وأيضا حزب الاتحاد الديمقراطي.

لقد كانت تلك خطة ذكية منهم، فقد انتهى زمن الحروب المباشرة وبدأ زمن الحروب بالوكالة.

لعبة القرن الكبرى

إن حرب الإسلام ضد الإسلام بدأت بشكل خبيث وكانت تقوم على ثلاثة محاور:

المحور الأول: إيجاد منظمات إرهابية في العالم الإسلامي، بهدف مساواة الإسلام بالإرهاب.

المحور الثاني: مشروع الإسلام المعتدل؛ فإيجاد دين مواز للإسلام يعني التلاعب بجينات الإسلام والمسلمين والقضاء على أهداف وغاية الإسلام العالمية الحقيقيين.

المحور الثالث: التخطيط لحرب مصطنعة بين السنة والشيعة، والسعي من أجل أن تتحقق هذه الحرب.

لقد كانت هذه المشاريع الثلاث المرتبطة ببعضها البعض أركان هذه الحرب الجديدة، حرب الإسلام ضد الإسلام.

تم قطع مسافة كبيرة في المشروعين الأول والثاني، أما الآن فهم يسعون إلى تحقيق المشروع الثالث.

هل فهمتم الآن السبب وراء إغلاق المجال أمام تركيا من جميع الجهات في حين يتم فتح المجال أمام إيران؟


هذه المسألة هي مسألة حياتية بالنسبة لنا، مسألة حياة أو موت. لذلك، سنستمر في دحض المفاهيم التي تم تلقينها لنا وسنسعى إلى فتح أذهان العقول التي نال منها الصدأ في كتاباتنا القادمة.

(عن صحيفة "يني شفق" التركية)

افتراءات جاهلة

افتراءات جاهلة
محمد عمارة

في مجلة الثقافة الجديدة - التي تصدرها وزارة الثقافة المصرية، عدد أغسطس 2015 - مقال عن "العلمانية وثقافة التكفير"، وصف فيه كاتبه ثقافة التكفير بأنها "ثقافة غيبية ماضوية أحادية قمعية إرهابية نصية تحريمية انغلاقية نرجسية فاشية تقديسية سكونية ذكورية قبلية رعوية، ثقافة تميل إلى الخرافة وتكره العلم، ولا تعترف بالعقل، تقدس الماضي ولا تشعل بالها بالمستقبل، تكره الحرية وتهرب منها، وتعشق فقط حرية العبودية أو العبودية المختارة".

وقد لا يكون لدينا خلاف مع كل هذه الأوصاف التي وصف بها الكاتب "ثقافة التكفير"، لكن الكارثة أن كاتب هذا المقال قد حكم على تراثنا الفكري والحضاري - الذي جعل أمتنا العالم الأول على ظهر الأرض لأكثر من عشرة قرون، والذي استلهمته أوروبا وأسست عليه نهضتها الحديثة - قد حكم على هذا التراث بكل هذه الصفات البشعة التي وصف بها "ثقافة التكفير"!!.. فقال "إن ثقافة التكفير هذه قد تشكلت وتكونت وترسخت تاريخيا عبر تراكمات لأفكار وممارسات ترتبط إيديولوجيا بما يمكن أن نسميه بالأصوليات الدينية أو الأرثوذكسية لعدد من كبار الفقهاء ورجال الدين أمثال الشافعي وأحمد بن حنبل ومالك بن أنس وأبي حنيفة والأشعري والباقلاني والبخاري والشهرستاني والغزالي وابن تيمية وابن كثير وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب وأبي الأعلى المودودي وحسن البنا وسيد قطب"!!.

أي أن هذا المقال قد وصم تراث أمتنا - الفقهي والفلسفي - بالصفات البشعة التي وصف بها "ثقافة التكفير".

وأمام هذا "الافتراء الجاهل" نتساءل: هل قرأ كاتب هذا المقال - وناشره - شيئا عن موقف هؤلاء العلماء الأعلام من التكفير؟!.

وإذا كان المقام لا يتسع إلا لمثال واحد، فإننا نقدم بعض ما كتبه ابن تيمية في رفض "التكفير"، يقول هذا الإمام - الذي تنشر الكتب والمقالات في الافتراء عليه - : "والذي نختاره أن لا نكفر أحدا من أهل القبلة، وإن المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة من مثل: أن الله تعالى هو عالم بالعلم أو بالذات؟ وأنه تعالى هل هو موجد لأفعال العباد أم لا؟ وأنه متحيز؟ وهل هو في مكان وجهة؟ وهل هو مرئي أم لا؟ لا تخلو هذه المسائل إما أن تتوقف صحة الدين على معرفة الحق فيها أو لا تتوقف؟ والأول باطل.! إذ لو كانت معرفة هذه الأصول من الدين لكان الواجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يطالبهم بهذه المسائل ويبحث عن كيفية اعتقادهم فيها، فلم يطالبهم بهذه المسائل، بل ما جرى حديث عن هذه المسائل في زمانه عليه السلام ولا في زمان الصحابة والتابعين، علمنا أنه لا يتوقف صحة الإسلام على معرفة هذه الأصول، وإذا كان كذلك لم يكن الخطأ في هذه المسائل قادحا في حقيقة الإسلام، وذلك يقتضي الامتناع عن تكفير أهل القبلة، إن أهل السنة لا يكفرون من اجتهد فأخطأ، وإن كان مخالفا لهم، مكفرا لهم، مستحلا لدمائهم، كما لم يكفر الصحابة الخوارج مع تكفيرهم لعثمان وعلي ومن والاهما واستحلالهم لدماء المسلمين المخالفين لهم، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية، وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد بكفر ولا بفسق ولا بمعصية، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله". وإذا كان تكفير المعين على سبيل الشتم كقتله، فكيف يكون تكفيره على سبيل الاعتقاد؟ فإن ذلك أعظم من قتله".

هكذا تحدث ابن تيمية، الذي يوصف - مع كل علماء الأمة - بأبشع صفات "ثقافة التكفير" في الخطاب الثقافي الإسلامي السائد الآن.

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015

الجيل الأخير من الرعاع



 الجيل الأخير من الرعاع


آيات عرابي 

عندما احتلت القوات البريطانية مصر افتى العلماء بردة الخديوي توفيق عن الدين لمعاونته للاحتلال.

ولكن الاحتلال وجد ضالته في نوع من الأوباش لا يهتمون بشيىء الا بملء بطونهم, ومنهم اقام المحتل جيشاً وشرطة


ففي سنة 1886 صدر مرسوم من اللود دافرين بحل جيش عرابي باشا وتكوين قوة صغيرة من ستة آلاف يعملون تحت إمرة المحتل.

لا فرق بين اولئك الخونة وبين شيكو الحلاق في فيلم بورسعيد, ولا فرق بينهم وبين من كانوا يوردون الطعام لمعسكرات الجيش البريطاني كما تصورهم الأفلام القديمة.

فقط الأفلام كانت تحدثك عن موردي الطعام للجيش البريطاني, وتتجاهل تماما اولئك الخدم الرعاع الذين يمسحون أحذية المحتل ويسمون أنفسهم جيشاً.

وشاهد إن شئت مسلسل ريا وسكينة لتعلم أن حسب الله وعبد العال وعبد الرازق وعرابي الصوامعي, الأوباش المجرمين كانوا يعملون بـ “السلطة” وهو الاسم الذي كان يُطلق على العمل مع جيش الاحتلال في خدمات مد الأسلاك وحفر الآبار والخنادق .. الخ

وهو ما كان يسمى بـ “فيلق العمال المصري” أو Egyptian Labor Corps والمعروف اختصارا بإسم (ELC) وهي قوات من العمال بخلاف جيش الخدم الذي انشأه الانجليز.

وكانت فكرة الانجليز هي الاستعانة ببعض الأوباش والقمامة من أهل البلد المحتل ليقاتلوا عنهم بالوكالة تحت إشرافهم ودون أن يخسروا كثيراً من دماء ابناءهم البيض, فهم مرتزقة متخلفين غير مكلفين مادياً.

الفكرة تم تنفيذها في أكثر من دولة الا عاصمة الخلافة تركيا, هناك كان الوضع مختلفاً, فالجيش العثماني تم اختراقه بمجموعة من الدونمه وقتها لكنه ظل في قواعده جيش تابع للخلافة (لذلك ففكرة الاصلاح العسكري وتطهير القيادات عملية جدا ويمكن تنفيذها في تركيا وقد بدأ الرئيس اردوغان في تنفيذها منذ فترة بينما هي فكرة فاشلة تماماً في مصر لأن البذرة نفسها معطوبة ومهما وجدت عناصر صالحة في المنظومة فطبيعة المنظومة العلمانية القائمة في الاساس على الولاء للمحتل قادرة على طرد العناصر الصالحة دائماً والاحتفاظ بالعناصر الملوثة)

كان من انجازات تلك القوة من المرتزقة

محاربة المسلمين في السودان تحت قيادة البريطانيين سنة 1889

محاربة جيش الخلافة (تحت راية الانجليز) في معارك 1916 و1917 في سيناء عندما تحرك جيش الخلافة لتحرير مصر من الاحتلال البريطاني

وشارك فيلق العمال في حفر الخنادق اثناء الهجوم البريطاني على تركيا

كما شارك في امداد الجيش البريطاني بالماء والطعام في سيناء وفي حفر الحواجز في سيناء لمواجهة جيش الخلافة

كما شارك في امداد البريطانيين بالماء والطعام اثناء احتلال القدس سنة 1917

وهي جرائم تماثل تلك التي ارتكبها الخديوي توفيق وافتت هيئة العلماء وقتها بأنه مرتد بسببها.

هؤلاء الرعاع ورثوا تلك القيم المنحطة لأجيال جاءت بعدهم من الرعاع مما يسمى بالجيش المصرائيلي وما نشهده اليوم هو الجيل الأخير من هؤلاء الرعاع والمرتزقة وخدم المحتل

ولذلك لا غرابة مطلقا في أن تستعيد تلك العصابات المسماة الجيش المصرائيلي ولاءها الأصلي للمحتل (بعد أن مثلوا على الشعب عقوداً طويلة وتظاهروا بأنهم جيش وطني ونسجوا عدة مسرحيات مثل مسخرة اكتوبر التي ما زال البعض يصدقون انها كانت حرباً بل ويصدق البعض انها كانت انتصارا اصلا) وتعمل في خدمة الصهاينة وحماية أمن الكيان الصهيوني ومهاجمة المصريين في سيناء.


ومهمة ذلك الفيروس المزروع في مصر هي:


أولاً: العمل كقوات شرطة كبيرة (الفرق انها مسلحة الطائرات والدبابات والمدافع) لمنع مسلمي مصر من الثورة وتغيير النظام العلماني الذي يحكم مصر منذ عهد محمد علي وحتى الآن وقد ظهر هذا واضحاً بعد الانقلاب.

ثانياً: حماية أمن الكيان الصهيوني من مسلمي مصر, والفكرة ببساطة هي أن مسلمي مصر إذا تصرفوا بوعي وإذا زالت ستارة الخداع الإعلامي سيصطدمون حتما بالكيان الصهيوني الذي لا يستطيع من الناحية العددية مقاومة زحف ملايين المسلمين من مصر, فكان لابد من وجود غفر مسلحين يقمعون الشعب.

ثالثاً: حماية ممر قناة السويس الذي اقامه الاحتلال كمانع مائي يفصل ممتلكات الخلافة الاسلامية ويمثل مانعاً حقيقياً يحمي الكيان الصهيوني (حجم التجارة الدولية التي تمر بقناة السويس لا تزيد عن 8%)

الجيش المصرائيلي هو فيروس تركه المحتل وعناصره من الناحية النفسية (أو أغلبهم على وجه الدقة) هم الصورة المعكوسة لكل القيم الاسلامية, أو على احسن تقدير, فهذا ما يتم تلقينه لهم اثناء خدمتهم بحيث يتم فصلهم نفسيا وعقائديا وذهنيا واخلاقيا عن قيم الاسلام ويصبحوا تربة صالحة لانتقاء الجواسيس منهم وهي عملية نفسية مستمرة ساتحدث عنها لاحقا ان شاء الله)

لا يغير من هذه الحقائق أن شقيقك تم اجباره على التضحية بسنة او سنتين او ثلاث من عمره للعمل عبدا في ذلك الجيش, ولا يغير من تلك الحقائق ان جيرانك ارتدوا زي الخدم العسكري اثناء فترة العبودية الاجبارية.
هذه حقائق يجب أن تواجهها قبل ان تقول ان الجيش المصرائيلي هو ( اخوك وابن عمك وذلك الكلام المحفوظ المكرر عديم القيمة)


يجب تفكيك ذلك الجيش وحله واقامة جيش مسلم بعقيدة اسلامية فقط يتم اختيار افراده من بين شباب التيارات الاسلامية المؤمنين بفكرة الخلافة واصحاب الهوية الواضحة وفق خطة يضعها المتخصصون ويتم فيها حساب كل الاحتمالات.


*الصورة لرعاع ومرتزقة فيلق العمال في غزة سنة 1917 اثناء امداد اسيادهم البريطانيين بالماء والطعام على سواحل غزة قبيل احتلال القدس.

"رجلنا في موسكو": كيف مهَد أوباما الطريق لبوتين؟


"رجلنا في موسكو": كيف مهَد أوباما الطريق لبوتين؟


الترجمة:خدمة العصر
كيف حول الرئيس أوباما سيطرة السياسة الأمريكية على الشرق الأوسط إلى فلاديمير بوتين.
في أعقاب هجمات باريس برز التهديد واضحا بالنسبة للعواصم الغربية:
الجهاد العالمي يتمتع بملاذ آمن في سوريا، وهو ما سمح ببناء الشبكات الجهادية في أوروبا والشرق الأوسط، كما كتب "مايكل دوران"، وهو زميل بارز في معهد هدسون والنائب السابق لمساعد وزير الدفاع ومدير سابق في مجلس الأمن القومي، في مقاله الأخير.

ولم يكن الارتباك الفرنسي نابعا من تحديد هذا التهديد ولكن من معرفة ما يمكن عمله لمواجهته.


بعد هجمات باريس، تصدر نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي السابق، الموقف. فرنسا، كما قال، هي "في أسوأ أوضاعها.."، وكان الحل جاهزا: "يجب على الروس أن يشتركوا مع التحالف في مهمة تدمير تنظيم الدولة".


واقتراح ساركوزي ليس جديدا، فقد طرح بوتين نفسه فكرة التحالف الموحد ضد "الدولة الإسلامية"، لأول مرة، قبل شهرين في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

في ذلك الوقت، كان رد حكومة فرانسوا هولاند باردا، مشيرة إلى أن روسيا كانت أقل اهتماما بهزيمة تنظيم الدولة وأكثر تركيزا على إنقاذ نظام الأسد، وكانت باريس ترى في المذابح الطائفية الجماعية للسنة أعظم أداة تستخدمها "داعش" لتجنيد المزيد من المتطوعين للقتال في صفوفها.

من وجهة نظر الحكومة الفرنسية، كانت بربرية الأسد، بدعم من الروس والإيرانيين، السبب الرئيس، أيضا، لأزمة اللاجئين التي تعاني منها أوروبا.

وكان هذا الموقف مقنعا فكريا، ولكن الآن، في أعقاب هجمات 13 نوفمبر، يتوقع الجمهور الفرنسي العمل وليس التحليل. صورة قصف قاذفات بوتين المقاتلة لمواقع الدولة الإسلامية تحظى بشعبية سياسيا بين الأحزاب المحافظة واليمينية في البلاد. وحتى قبل الهجمات الأخيرة، كان تيار الرأي في أوروبا يتطلع إلى بوتين باعتباره شريكا ضروريا لإنهاء الصراع في سوريا، وبالتالي وقف تدفق المهاجرين.

بعد هجمات باريس، امتد تأثير هذا التيار إلى عالم الدبلوماسية. فعندما التقى زعماء G20 في أنطاليا بتركيا، في الأسبوع التالي، كان بوتين مركز الانتباه.
ووفقا لصحيفة فاينانشال تايمز:"كان اللقاء مع الرئيس الروسي واحدا من أهم التذاكر في المدينة، حيث أجبر القادة الغربيون على الاعتراف بأن طريق السلام في سوريا يمتد حتما عبر موسكو"، وكان هذا انقلابا مذهلا مقارنة بقمة العشرين في أستراليا العام الماضي.

إذ عزَز بوتين، بإرسال قوات روسية إلى سوريا في سبتمبر الماضي، صورته كرجل عمل والزعيم الذي يحصل على النتائج. وقارن هذا مع صورة الرئيس الأمريكي، باراك أوباما.

وقال الكاتب إن إستراتيجية أوباما المهزوزة تجاه الصراع كانت من أهم العوامل التي مهدت الطريق لفلاديمير بوتين أن يلعب دورا رئيسا في الشرق الأوسط، وبالتالي، تقديم نفسه بوصفه منقذ أوروبا.

وعلى هذا، فإعادة تأهيل بوتين لم يحدث خلال نوبة من الذهول في البيت الأبيض، بل هو نتيجة مباشرة لرؤية أوباما للنظام العالمي.

* إعادة تأهيل روسيا:

في البدء، يقول الكاتب، كان العمل باتجاه "إعادة تشغيل" الروس، حيث استهل أوباما فترة رئاسته الأولى بالدعوة لإصلاح العلاقات بين واشنطن وموسكو. إذ كان أوباما وفريقه للأمن القومي يعتقدون أنها تدهورت بشدة في ظل رئاسة جورج بوش.

طوال فترة ولايته الأولى، اعتبر أوباما وحاشيته إعادة تشغيل ضربة معلم دبلوماسية. ثم في فترة ولايته ثانية، ظهرت قضية "سنودن".

في صيف عام 2013، سرق المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي السابق، إدوارد سنودن، وثائق وكشف تفاصيل حول برامج مراقبة الحكومة الأمريكية ومن ثم تمكن من الفرار إلى روسيا، حيث حصل على اللجوء في نهاية المطاف.

وهنا، يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت روسيا قد تلاعبت بسنودن في التخطيط والتنفيذ لعمليته أم إن الأمر مجرد منح ملاذ آمن لهذا الهارب. وفي كلتا الحالتين، تضرر الأمن القومي الأميركي وفكرة إعادة تأهيل روسيا.

وأخذت الأمور منحى أسوأ في فبراير 2014 عندما أطاح المتظاهرون في أوكرانيا بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش لنسفه اتفاق شراكة بين هذا البلد والاتحاد الأوروبي.

وكان يانوكوفيتش قد تصرف بما يرضي بوتين، حيث عارضت روسيا بشدة تحول أوكرانيا نحو أوروبا. بعد الإطاحة بالرئيس يانوكوفيتش، انتقل بوتين بسرعة لضم شبه جزيرة القرم، وهي الجمهورية ذات حكم ذاتي تابعة لأوكرانيا، وإثارة الاضطرابات في شرق أوكرانيا وإشعال الحرب بين المسلحين الموالين لروسيا والحكومة الجديدة في كييف.

من يومه الأول في البيت الأبيض، خطط أوباما لتشكيل نظام جديد: نادي الدول التي تعمل معا لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط. وكان مركز هذه الرؤية هو بوتين.

وعندما ردَ أوباما على سلوك بوتين العدواني بفرض عقوبات على روسيا، رأى المعلقون أن عملية "إعادة التأهيل" فشلت فشلا ذريعا.
وفقا لتفكيره، فإن "إعادة التأهيل" مرتبطة بشكل وثيق بما اعتبره أكبر تحد له إستراتيجي، وهما: إنهاء الحروب القديمة وتجنب أخرى جديدة.

في الشرق الأوسط، فإن توازن القوى القديم، ببقائه كما كان على رأس أولوية القوة الأميركية، بدا لأوباما وكأنه دعوة لعدم إنهاء الصراع مطلقا. والمطلوب بدلا من ذلك كان نظاما إقليميا جديدا بهدف واحد جديد: ما وراء تمكين الرئيس من سحب القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان، هو الحيلولة دون ضرورة الاضطرار إلى إرسالها مرة أخرى.

ومن يومه الأول في البيت الأبيض، كان أوباما يتطلع إلى إنشاء هذا النظام الجديد. كانت فكرته نظاما متجانسا: ناد للدول متحدة في عدائها للتطرف الإسلامي السني تعمل معا لتحقيق الاستقرار في المنطقة من خلال الحفاظ الذاتي الواعي على توازن القوى فيما بينها.

ومحور هذه الرؤية بوتين، الذي كان يرى أوباما أنه أُغضب بحرب إدارة بوش على الإرهاب والتفاني وغبائها في تعزيز الديمقراطية، وهي السياسات التي تسببت في رد فعل روسيا السلبي بحجب التعاون في المسائل ذات المنفعة المتبادلة مثل هزيمة القاعدة واحتواء التطرف السني.

إن إعادة تأهيل روسيا كانت الطريقة التي اعتمدها أوباما لدعوة بوتين للانضمام إلى الشرق الأوسط الجديد المتناغم كعضو مؤسس. ولإغرائه بالمنافع المشتركة، اتخذت أمريكا اتخاذ خطوة إلى الوراء وشجعت روسيا على اتخاذ خطوة إلى الأمام. ومهما كانت العقبات التي قد تواجه السلوك الروسي على طول الطريق، فإن التركيز كان على السلامة الأساسية للإستراتيجية.

كان هناك آخرون يعمل على جلبهم، أبرزهم: إيران. بطبيعة الحال، في خضم الجدل الدائر حول برنامج طهران النووي، كان من المستحيل الحديث عن "إعادة تأهيل". ولكن تفكير أوباما ربما اتجه إلى أقصى نقطة ممكنة في هذا الشأن اختصارا للطريق: تحقيق اتفاق بشأن الطموحات النووية لإيران -باعتباره شرطا مسبقا لأي انفتاح أمريكي على النظام في طهران- ليصبح أيضا ممرا لانضمام إيران إلى النظام الشرق أوسطي الجديد، وفقا لتصور أوباما.

كانت عملية إعادة تأهيل روسيا والمفاوضات النووية الإيرانية خطين في نسيج واحد. لأسباب واضحة، لم يصف أوباما هذه الرؤية بالكامل، ذلك أن الرأي العام الأميركي وحلفاء أمريكا التقليديين في المنطقة لا يثقون بروسيا وإيران. بدلا من ذلك، فقد تحرك خطوة خطوة، مبررا كل خطوة جديدة كرد فعل على التطورات الآنية مع تركيزه على الهدف النهائي.

* التخفف من الصراع السوري:


وهنا يأتي دور سوريا، فهي ذات أهمية حيوية لكل من روسيا وإيران (وذات أهمية محدودة بالنسبة لأمريكا)، وأتاحت فرصا لاحترام أوباما للمصالح الروسية والإيرانية. والاستيلاء على تلك الفرص حظي بأهمية كبيرة، خاصة بعد اندلاع الحرب السورية في عام 2011، فالبلاد سرعان ما أصبحت ساحة المعركة الرئيسة في مسابقة السيطرة الإقليمية.

في قلب هذه المنافسة كان هناك سؤال بسيط: هل يجب على الأسد البقاء أم الرحيل؟ بالنسبة لموسكو وطهران، لم يكن هناك شك في أنه يجب أن يبقى، وأيدوه بقوة عنه حتى أطلقوا العنان لهجمات فتاكة وعشوائية على المدنيين. في عام 2012، تورطت إيران ووكيلها، حزب الله، إلى سوريا في القتال إنقاذا لنظام الأسد، مما دفع بخصومهم الإقليميين إلى طلب المساعدة الأمريكية في تدريب وتجهيز المعارضة السورية.

وتجاوب الأعضاء المؤثرون في فريق أوباما للأمن القومي هيلاري كلينتون، ليون بانيتا وديفيد بترايوس، مع طلب الحلفاء. ورغم ذلك، لم يلتزم أوباما برأي كبار مستشاريه. ومما لا شك فيه أنه يخشى الانزلاق إلى اشتباك طويل وحلقة أخرى من التورط الأميركي في المنطقة.

لكنه يخشى أيضا استعداء روسيا وإيران، وبالتالي تدمير أحلامه، وإلى الأبد، في شرق أوسط متجانس القوى. ومن أجل إرضاء حلفاء أميركا التقليديين، دعا الأسد في أغسطس 2011 للتنحي.

على مدى الأشهر والسنوات التالية لاندلاع الحرب، حدد أوباما بشكل أكثر وضوحا الطريق لترك الأسد لمنصبه: "الانتقال المنظم". وفي المراحل المبكرة، يمكن للأسد نفسه البقاء في سوريا في منصب رئيس شكلي للدولة، في حين تنقل صلاحياته إلى الحكومة وبعدها تؤول الأمور إلى مجلس تنفيذي انتقالي. وفي مراحل لاحقة، فإن الأسد ستنحى عن السلطة.

في الواقع، فكرة أن نظام الأسد سوف يترأس الإصلاح السياسي في خضم حرب أهلية دموية بعيدة المنال، على أقل تقدير. والقول بأن بوتين وآخرين، وتحديدا إيران، قد يقرون مثل هذا المشروع وربما يساعدون أوباما بنشاط على تنفيذه هو أكثر واقعية حتى الآن.

وإذا تجسدت هذه الخطة في الواقع، فإن هذا يعني تلقائيا نهاية النفوذ الروسي والإيراني في سوريا، وهذا الأمر ليس في مصلحة أي من الطرفين.

والنقطة المركزية في مفهوم الانتقال هي الحاجة إلى إصلاح الحكومة السورية من خلال إشراك السنة. وقد تعامل بوتين مع هذه الفكرة واستمر في القيام بذلك، ولكن إلى حد ما، فقط، لأنه يدرك أن وجود السنة بشكل مؤثر وبارز في الحكومة سيقوض النظام، الذي يستند إلى قوة العلويين.

وباختصار، فإن المشاركة السنية في الحكومة تدمر الأساس الذي يستند إليه النفوذ الروسي والإيراني. وبغض النظر عما تهمس به موسكو وطهران قد تهمس في الجلسات الخاصة من وقت لآخر، فإنها لن توافق على ذلك، وفقا للكاتب.

ومع ذلك، يبدو أن أساس نظام الأسد آيل إلى الانهيار.
وبالنسبة لأوباما، فإنه كان واضحا لديه أن أيام الأسد باتت معدودة. وبالتالي، فإن الأحداث، عاجلا أم آجلا، ستجبر بوتين والمرشد الأعلى علي خامنئي على رؤية أن أفضل طريقة لتأمين مصالحهم هو العمل جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة على تشكيل نظام سياسي جديد في سوريا. في غضون ذلك، بإمكان واشنطن أن تمارس، في لغة الإدارة، "الصبر الإستراتيجي".

تركيا وروسيا ومستقبل الشرق الإسلامي


تركيا وروسيا ومستقبل الشرق الإسلامي 

مهنا الحبيل

لم يكن التصعيد الإعلامي الروسي على دول التحالف الداعم للثورة السورية مرتبطا بإسقاط المقاتلة الروسية التي كانت في مهمة قتالية علنية، سحقت فيها عددا من التركمان السوريين، بعد أن أبادت وجرحت آلافا من أشقائهم العرب السوريين، واخترقت خلال العملية الحدود التركية أكثر من مرة، كما أظهرت أجهزة الرصد المحايدة.
فتبني البرافدا الصحيفة الروسية العريقة في العهد السوفياتي الشيوعي -التي عادت بقوة في العهد القيصري للرئيس بوتين- أهمية استهداف الرياض وأنقرة والدوحة، في المخطط الدولي لمواجهة الإرهاب، كان له خط متصاعد سابق في أروقة السياسة والإعلام الروسي، حتى مع الزيارات المتبادلة واستمرارها.

الأهم من إسقاط الطائرة كان حجم ما كشفت عنه العملية، من توجه مركزي لنظام بوتين للتورط الواسع في سوريا، وتحقيق مناطق تصفية ديمغرافية لمصلحة النظام، كما أن القصف الشرس على مناطق الجيش السوري الحروالمدنيين في مناطق الثورة يُظهر أيضا حدود هذا المخطط 
وسواء اتجهت الأزمة للاحتواء أو التصعيد، لن تترك موسكو الانتقام والرد غير المعلن، ومنه قصف قوافل الإغاثة داخل سوريا عبر الطيران الروسي وتدميرها وقتل طواقمها، مع حريق هائل في طريق إعزاز السورية.

ولم يجهل الأتراك هذا السيناريو، لكن ما بعد صفعة بوتين التي أغاظته كثيرا، فإن التسوية السياسية المرحلية هي مطلب ظرفي في مرحلة حسّاسة من الصراع الخطير الذي بدأ يبرز إستراتيجيا مع موسكو في سوريا ومجمل الشرق الإسلامي.

وقديما كانت حرب الإمام شامل الداغستاني الذي قاد مقاومة شرعية وطنية بكل المعايير العالمية والإنسانية ضد روسيا القيصرية، هي إحدى أهم المحاولات الكبرى لإعاقة التوسع والتوحش الروسي، ولكن أحبطت مقاومته من خلال تسويات دولية وحصار.

وتحول هذا الاحتلال للقوقاز، بعد الثورة البلشفية وقبلها، إلى عمليات إبادة نازية غير مسبوقة، هجّرت المسلمين التتر والقوقازيين من أراضيهم إلى سيبيريا، ليستشهد مئات الآلاف منهم، لتحقيق أطماع الروس بالتصفية الديمغرافية للمناطق المحتلة.

فتاريخ الأطماع الروسية قديم، لكن العهد السوفياتي الأخير، ونشر رقعة المد الشيوعي الذي يُخفي تحته أطماعا اقتصادية وسياسية، والذي اختتم بتورط موسكو في حرب غزو أفغانستان، عاصر أكثر من مدرسة، أبرزها البيريسترويكا للرئيس غورباتشوف، والتي ضَمِنت تفكيك الاتحاد السوفياتي والقبول بقواعد لعبة جديدة، سمحت لروسيا الاتحادية بالبقاء كدولة مركزية مؤثرة، وهو ما كان ذكاء من غورباتشوف، لكن البيريسترويكا الهادئة يتم اليوم استبدالها بالبوتينية الهائجة.

فالأهم من إسقاط الطائرة، كان حجم ما كشفت عنه العملية، من توجه مركزي لنظام الرئيس بوتين للتورط الواسع في سوريا، وتحقيق مناطق تصفية ديمغرافية لمصلحة النظام، كما أن القصف الشرس على مناطق الجيش السوري الحر والمدنيين في مناطق الثورة، يُظهر هنا حدود هذا المخطط، وقد جاء متزامنا مع زيارة تاريخية لبوتين لطهران، أكدت على اندماج المحور الروسي الإيراني.

واستفادت موسكو من تفجيرات باريس وتحول الموقف الفرنسي ليتحدّ مع بقية أوروبا في دعم بقاء الأسد كأولوية، والثورة بذاتها مرفوضة من المجتمع الدولي الجديد، إذا كانت ستُلغي استبداد الأقليات الذي يخدم تل أبيب.

إن وقف حسابات المحاور الغربية سواء موسكو وحليفها الإقليمي، أو واشنطن وحلفاؤها الغربيون وتل أبيب، يستدعي مباشرة سريعة للأولويات الثلاث: المنطقة الآمنة، والتسليح النوعي، وإعلان المشروع السياسي الانتقالي في مؤتمر الرياض القادم للمعارضة
وقد يكون هناك خلاف في التفاصيل، كما في الفَرق في التعبير عن هذا الهدف، عبر التأكيد على أن داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) هي الأولية، وليس النظام، والجميع يعرف أن النظام هو من خلق بيئة داعش، كما خلقت أميركا بيئتها في العراق، وإن وُجدت ترسانة غلو مذهبي سهلت زراعتها في الوسط السني.

والأخطر من ذلك، أن المشروع الروسي الذي يتقدم بتفويض من الغرب، وشراكة مع إيران، تُظهر تصريحات باحثيه الكبار وتلميحات مسؤوليه تصورا أبعد للشراكة مع إيران، حيث تسعى البوتينية من جديد لوجود مختلف في الخليج عبر هذا التحالف، وأخطره التلاعب بملف الأقليات المذهبية وتعزيز التوتر معها من جديد.

لقد أدى التأخر في تنفيذ المنطقة الآمنة للشعب السوري، ومنع تعزيز المعارضة بأسلحة نوعية مضادة للطائرات، إثر التهديد الأميركي لحلفاء الثورة، إلى تفاقم الوضع بصورة كبيرة، والتأخر ثانية سيجعل كلفة المعالجة أكبر بكثير، وتتجاوز سوريا واليمن.

ولذلك فإن وقف حسابات المحاور الغربية سواء موسكو وحليفها الإقليمي، أو واشنطن وحلفاؤها الغربيون وتل أبيب، يستدعي مباشرة سريعة للأولويات الثلاث: المنطقة الآمنة، والتسليح النوعي، وإعلان المشروع السياسي الانتقالي في مؤتمر الرياض القادم للمعارضة.

يستدعي الأمر بالضرورة نقل التحالف التركي السعودي من الموقف السياسي إلى غرفة العمليات الإستراتيجية العليا، وتفعيل خطوطها، ولن تستطيع البوتينية الجامحة هزيمة الثوار حين يُرتب هذا الدعم، لكن من المهم أيضا عدم إعطائها فرصة لزيادة المذابح فوق مذابحها ومذابح طغاة إيران وأسدها الحقير.

كل هذا لا يعني عدم حاجة أنقرة الضرورية للعمل على تحييد هذا الجموح الروسي، فهذه خطة طوارئ لا يُتعاطى معها بالعاطفة ولا الاحتفالات الشعبية، ولكن بحسن إدارة المواجهة، وتفكيك توترها، ثم هناك مساحة كبيرة لمواجهة غطرسة موسكو ببرامج مختلفة، فتركيا اليوم تحت حصار شرس ولا يوجد ظهير صلب، وموقف الناتو لا يمكن الاعتماد عليه، كما أن رسائل الغرب جاءت مواربة هشة.
إن التوسل للغرب وانتظار حلوله لن يثمر شيئا، وهذا لا يعني القطيعة معه ولا نبذ التواصل الدبلوماسي، لكن المقصد أن تكون قوة الشرق الإسلامي في موضع الفعل فيما يخص ملفاته، لا ردود الأفعال
ولدى حزب العدالة والتنمية ترسانة من صناعة تفكيك الأزمات، وهو يباشرها الآن مع ملاحظة أن الديمقراطية في تركيا التي ثبت رهانها في الفاتح من نوفمبر/تشرين الثاني لم تصل إلى مستوى الالتزام الوطني الدفاعي والأمني في بعض أوساط المعارضة، حين تدهم الدولة تحديات كبيرة كأزمة بوتين، وهو ما يعزز ضرورة تحويل هذا الهجوم الروسي عن مساره دون تقديم تنازلات مبدئية له.

كما أن أي انسحاب من دعم الميدان السوري سيضر كثيرا ليس بالشعب السوري فحسب، بل بواقع الأمن القومي لدول الشرق الكبرى، وخاصة السعودية وتركيا، وتضامنهما اليوم هو في ذاته قاعدة أمن قومي، على أساس توزيع المسؤوليات بينهما في ملفي سوريا واليمن، فتتولى إحداهما ملفها المباشر وتدعم الثانية الأخرى دعما مركزيا بشراكة قطرية، وهو أمرٌ واسع يمكن تنسيقه. ولكن المهم هو المبدأ والصمود في مواجهة الاندماج الروسي الإيراني المدعوم غربيا وإسرائيليا.

إن لعبة الغرب لاستنفاد جموح روسيا الجديدة بحرب مع الشرق الإسلامي هي أيضا مضرة بكل العمق الإسلامي الشرقي، وإنما تضبط المواجهة من خلال مصالح الشرق الإسلامي وأمنه القومي الجمعي، ويُحسن التخطيط لمواجهة الدب الروسي الغاضب، والمتحمس ليكون حليفا لعمامة ولي الفقيه، لعلها تسقيه مباشرة ومناصفة من نفط الخليج.

إن التوسل للغرب وانتظار حلوله لن يثمر شيئا، وهذا لا يعني القطيعة معه ولا نبذ التواصل الدبلوماسي، لكن المقصد أن تكون قوة الشرق الإسلامي في موضع الفعل فيما يخص ملفاته، لا ردود الأفعال. فانتظار هذه المحاور بات يعني قرب تغيير خرائط المنطقة، وخسارة وجود لا حدود، وأول وقف للمشروع تنكيسه في سوريا، وإقامة البديل الوطني مباشرة في دمشق، حينها ستشرق شمس السلام للشرق.