‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. بشير موسى نافع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. بشير موسى نافع. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 3 مايو 2018

المشروع الذي لم ير النور: نهاية هادئة لترشح عبد الله غل


المشروع الذي لم ير النور: نهاية هادئة لترشح عبد الله غل

د.بشير موسي نافع

رتب المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية ورئيس الحكومة التركية السابق، أحمد داوود أغلو، بعد ظهر 26 نيسان/إبريل، على عجل، ولكن اللغة التي استخدمها في بيانه كانت واضحة، مفكر فيها، ولا تحتمل التأويل.

قال داود أغلو إنه لم يفكر مطلقاً في التخلي عن عضويته في حزب العدالة والتنمية وإن الحزب اختار الرئيس رجب طيب إردوغان مرشحاً لخوض الانتخابات الرئاسية، وأنه بالتالي سيدعم الرئيس في المعركة الانتخابية لعدة أيام، كانت التكهنات حول موقف داود أغلو في الرئاسيات أحد أبرز مسائل الجدل الذي أطلقته الدعوة لانتخابات مبكرة في البلاد.

والسبب، أو الأسباب التي تقف خلف أهمية موقف داوود أغلو معروفة على نطاق واسع في دوائر السياسة التركية، بل وحتى خارجها. لم يزل الأستاذ الجامعي، الذي دعي من قبل قادة العدالة والتنمية إلى الساحة السياسية قبل ما يزيد عن العقد ونصف العقد، يتمتع بشعبية ملموسة، سيما في أوساط شريحتين بالغتي الأهمية لتحديد نتائج المعركة الانتخابية: فئة المحافظين الحضريين من أبناء الطبقة الوسطى، والمحافظين الكرد في جنوب شرقي البلاد.

في 13 نيسان/أبريل، عندما قام داوود أغلو بزيارة مدينة ديار بكر، عاصمة تركيا الكردية، احتاج أكثر من ساعة ليصافح المستقبلين، قبل أن يصل جامع المدينة الكبير للصلاة.

وكان داود أغلو استقبل الرئيس التركي السابق، عبد الله غل، في 23 إبريل/نيسان بإسطنبول، ورفع بذلك وتيرة التكهنات حول طبيعة الاصطفافات في الانتخابات الرئاسية. 
والمؤكد أن غل طلب من داود أغلو مباشرة دعمه في المعركة الانتخابية. ولكن الأخير، الذي أكد على عرى الصداقة والاحترام للرئيس السابق، أعرب عن اعتذاره والتزامه بموقف حزب العدالة والتنمية، الذي ينتمي له الرجلان. 

وإلى جانب عدة تطورات أخرى، يمكن القول أن رفض داود أغلو تأييد ترشح عبد الله غل كان له الدور الرئيسي في إحباط مشروع الرئيس السابق والمجموعة التي التفت حوله، وتصورت أن بإمكانها أن تضع نهاية لرئاسة أردوغان، وربما حتى لحياته السياسية. 

ولكن، في واحدة من أكثر بلدان الشرق الأوسط تسييساً، لم تمض الأمور كما تمنى أنصار غل. خلال أسبوع واحد فقط على الإعلان عن انتخابات مبكرة في تركيا، صعدت أسهم غل وحمى التوقعات التي أطلقها مشروع ترشحه بصورة غير مسبوقة، ومن ثم أخذت في الانحسار.

وبدلاً من أن تصبح انتخابات حزيران/يونيو المقبل المبكرة مناسبة لنهاية حياة أردوغان السياسية، يبدو أن الرئيس السابق، والمؤسس الشريك للعدالة والتنمية، في طريقه إلى الانسحاب نحو سنوات من التقاعد الممل.

عند فوز العدالة والتنمية، الذي كان أسس قبل أقل من عامين، المفاجئ في انتخابات نهاية 2002، تسلم غل رئاسة أولى حكومات الحزب، نظراً لأن زعيم الحزب، زميله وصديقه، أردوغان، كان لم يزل تحت طائلة حظر سياسي قضائي مسبق. خلال شهور قليلة، وبعد انتهاء مدة الحظر، فاز أردوغان بمقعد في البرلمان، وتسلم قيادة الحكومة، بينما أصبح غل وزيراً للخارجية.

في 2007، وبالرغم من أن وضع العدالة والتنمية في الحكم كان لم يزل قلقاً، أبدى غل رغبته في الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية. ولكن تحالفاً بين المؤسسة القضائية، الجيش، وحزب الشعب الجمهوري المعارض، نجح في منع غل من الحصول على الأغلبية الضرورية للفوز بالرئاسة. خاض المعارضون لغل المعركة باسم منع زوجة المرشح المحجبة من دخول القصر الذي شهد رئاسة مؤسس الجمهورية وأول رئيس لها، وعملوا على أن يكون إفشال غل الخطوة الأولى نحو إطاحة العدالة والتنمية وحكومته. 

وربما حسب عدد من قادة وكوادر العدالة والتنمية أن الحزب تسرع في طرح اسم غل، وأنه كان من المبكر محاولة الحصول على مقعد الرئاسة. ولكن أردوغان لم يتراجع. دعا رئيس الحكومة إلى انتخابات برلمانية عاجلة، جاءت برفع نصيب الحزب من أصوات الناخبين وزيادة عدد مقاعده في البرلمان؛ ومن ثم انتخاب غل رئيساً للجمهورية.

اتسمت ولاية غل الرئاسية بدفء العلاقة بين الرئيس، ذي الصلاحيات المحدودة، ورئيس الحكومة؛ ولكن هذه العلاقة لم تخل من التوتر، سيما خلال العامين الأخيرين من رئاسة غل. في 2013، عندما نظمت مظاهرات ميدان تقسيم، في ذروة ردة الثورة المضادة في الجوار العربي، أظهر غل، بخلاف أردوغان، بعضاً من الاستعداد للتراجع أمام المتظاهرين.

كما أن البعض يقول أن غل شعر بالامتعاض لعدم التجديد له في الرئاسة، معتقداً أن تغيير قانون الانتخابات الرئاسية يسمح له بالبقاء في موقعه، إن قرر حزب الأغلبية، حزب العدالة والتنمية، ذلك.

في 2014، انتهت رئاسة غل، وانتخب أردوغان رئيساً للجمهورية في أول انتخابات رئاسية مباشرة. وفي صيف 2016، أظهر غل دعماً صلباً لأردوغان في مواجهة المحاولة الانقلابية. ولكن الخلافات بين الرجلين عادت إلى الظهور، في العام الماضي، عندما دعت حكومة العدالة والتنمية لاستفتاء شعبي حول تعديلات دستورية، تنقل البلاد إلى النظام الرئاسي.

خلال الأيام القليلة التالية للإعلان عن انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في 24 يونيو/حزيران المقبل، برز اسم غل باعتباره مرشحاً محتملاً لخوض الرئاسيات في مواجهة أردوغان، الذي لم يكن ثمة شك في أنه سيكون مرشح العدالة والتنمية.

رسمياً، كان حزب السعادة، وريث حزب الرفاه الذي ضم أردوغان وغل يوماً، تحت قيادة الراحل الأسطوري نجم الدين أربكان، من تبنى مشروع ترشح غل للرئاسة. ولكن الحقيقة أن الفكرة تعود لشهور مضت، وأنها دارت في أوساط أحزاب يسار الوسط الكمالي، كما في الأوساط المحافظة المعارضة لأردوغان.

في دورة تداولها الأخيرة، تطورت فكرة ترشح غل إلى مشروع لكافة أحزاب المعارضة، من كافة التوجهات الإيديولوجية، إضافة لعدد من المغتربين عن العدالة والتنمية. وبدأ عدد من الأخيرين، بمن في ذلك بشير أطلاي، سعد الله إرغن، وعلي باباجان، العمل على حشد القوى السياسية المختلفة خلف الرئيس السابق. 

وليس ثمة شك أن غل كان راضياً عن هذا التحرك؛ ويشير لقاؤه بداوود أغلو، وطلبه دعمه، إلى أنه اتخذ خطوات جادة في طريق الإعلان الرسمي عن الترشح. في النهاية، بالطبع، لم يستطع أنصار غل ومن تبنوا مشروع ترشحه توفير إجماع سياسي معارض ومظلة كافية للمشروع. ولم يكن ثمة بد من أن يعلن غل انسحابه من ساحة المعركة، حتى قبل ولوجه إليها.

كان بإمكان غل، بالتأكيد، خوض المنافسة بغض النظر عن حجم الغطاء السياسي لترشحه، والعمل على أن لا تحسم الانتخابات في دورتها الأولى. وفي حال انتقلت المواجهة إلى دور ثان، وكان أردوغان وغل من حصلا على أعلى الأصوات في الدور الأول، فليس ثمة شك أن قوى المعارضة كافة كانت ستدعم غل؛ ويتضح حينها ما إن كان قادراً على إيقاع الهزيمة بأردوغان. ولكن الرئيس السابق ليس معروفاً بخصاله القتالية، على أية حال؛ وهذا هو موضع ضعفه الموروث. 

مشكلة مشروعه الأخرى، أنه بدأ تحركه بالحديث إلى النخبة السياسية، وجعل همه حشد الأحزاب المعارضة خلفه. لم يتحدث غل إلى الشعب، ولا وضع ردود الفعل الشعبية في حساب خطواته الأولى. في الوقت نفسه، كان أردوغان يجيب معارضيه بلغة لا تخطئ هدفها: "الشعب هو من جاء بي، والشعب وحده صاحب الحق في اختيار رئيسه المقبل".

الخميس، 12 أبريل 2018

قيادة مرتبكة عاجزة عن بلورة رؤية استراتيجية


قيادة مرتبكة عاجزة عن بلورة رؤية استراتيجية


د.بشيرموسي نافع
فاجأ الفلسطينيون العالم مرة أخرى، كما فعلوا في الانتفاضتين الأولى والثانية، عندما حسب الجميع أنهم استكانوا للواقع المفروض وباتوا أعجز عن مواجهة التحدي. بالرغم من الحصار، تفكك الموقف العربي، انهيار ميزان القوى، وخضوع دول عربية نافذة للإرادة الأمريكية، خرجت غزة الصغيرة، حتى بدون مشاركة كافية من الضفة الغربية، لتغيير شروط المرحلة. 

في الجمعة الأولى من مسيرات العودة وكسر الحصار، ظن كثيرون أنها مجرد لحظة غضب، سرعان ما تتلاشى. 
في جمعة المسيرات الثانية، لم يعد ثمة شك أن جيلاً جديداً من الشبان الفلسطينيين تسلم الراية، وأن هذا الجيل على استعداد لتحمل أعباء الصراع مهما كان حجمها. 
بعشرات من الشهداء وآلاف الجرحى، ستستمر المسيرات إلى منتصف مايو/ أيار المقبل، وربما حتى بعد ذلك. 
ولكن، لتحقق انتفاضة المسيرات هدفها، لابد لقيادة السلطة الفلسطينية، على وجه الخصوص، رؤية الطريق التي شقها الشعب، والخروج من حالة الإرتباك والعجز التي يبدو أنها باتت أسيرة لها.

لم تكن المسيرات مشروع تنظيم فلسطيني ما، بالرغم من أنها تصب في صالح جهات وتحرج أخرى.
ولم تكن فكرة زعيم سياسي ما، بالرغم من أن قيادات أدركت حقيقة ما يجري واختارت الوقوف إلى جانب شباب المسيرات. هذه تعبير خالص عن ضمير الشعب، عندما وجد الفلسطينيون أنفسهم، كما في مرات سابقة، وظهرهم إلى الحائط، ورأوا المخاطر التي تهدد قضيتهم وحقوقهم. ولكن حماس ستفيد، بلا شك، من المسيرات، ليس فقط لأن حماس كانت من البداية الهدف الرئيسي للحصار ومخططات تصفية القضية الفلسطينية، ولكن أيضاً لأن خيارها النضالي يجعلها دائماً في معسكر المناضلين. 
من لم يكشف عن موقفه بعد، ويبدو أنه لم يزل عاجزاً عن رؤية المتغيرات والإمكانات التي تحملها المسيرات، هو الرئيس الفلسطيني. وأهمية موقف الرئيس لا تنبع من الموقع الذي يحتله وحسب، بل ومن أنه أصبح التجسيد الوحيد للقيادة الوطنية الفلسطينية. ثمة حالة لم يعرفها الفلسطينيون من قبل، لا في عصر المفتي الحسيني، في سنوات الشقيري المعدودة، ولا في حقبة عرفات الطويلة. 
في عهد الرئيس عباس، اختفت كافة الأصوات إلا صوت الرئيس، ولم يعد، في مؤسسات سلطة الحكم الذاتي أو في منظمة التحرير، من يستطيع الإعراب عن موقف يختلف، ولو قليلاً، عن موقف الرئيس.


لم يكن الوضع الفلسطيني مريحاً قبل تسلم ترامب مقاليد البيت الأبيض في مطلع العام الماضي. كان مسار التفاوض قد توقف أو لم يعد صالحاً للسير؛ وتعهدت حكومات نتنياهو المتعاقبة سياسة توسع استيطاني لا سابقة لها منذ احتلال الضفة والقطاع في 1967. 
ولم يكن عباس يعرف على وجه اليقين ما عليه أن يفعله، بعد أن جعل المفاوضات خياره الاستراتيجي والوحيد، منذ قاد المفاوضات للتوصل إلى اتفاق أوسلو.

اتخذ الرئيس موقفاً سلبياً من جهود المصالحة، وأختار الإبقاء على الانقسام الفلسطيني، بدون وجود أسباب مقنعة، على التوصل مع حماس إلى حل وسط واستعادة الوحدة الفلسطينية. في الوقت نفسه، أسقطت موجة الثورة المضادة المجال العربي في سلسلة من الانقسامات والحروب الأهلية، ولم يعد ثمة رافعة عربية يمكن أن تسهم في دفع القاطرة الفلسطينية، وإن قليلاً إلى الأمام.

الرئيس أوباما، حتى ووزير خارجيته غارق في محاولة إعادة الحياة للعملية التفاوضية، لم يكن راغباً في التورط في تعقيدات المسألة الفلسطينية، بينما أوروبا عاجزة عن التدخل، وليس ثمة من دور روسي مؤثر، بعد أن كان المفاوض الفلسطيني وافق على استبعاد روسيا من عملية التفاوض. والنتيجة أن جهود كيري لعبت دور المخدر السياسي، الذي أبقى عباس متردداً بين التعلق بحبل أمل واه والغرق في حالة من الانتظار الكئيب.

بوصول ترامب إلى الحكم، أصبحت الأمور أكثر وضوحاً، وأسوأ بكثير مما توقعه معسكر التسوية الفلسطيني، في الوقت نفسه. لم يكن مر وقت طويل على بداية رئاسته عندما أعلن ترامب عن قراره نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، في تحد صريح للفلسطينيين والعرب والمسلمين. الأكثر خطراً، كان ما أخذ يتسرب من مشروع إدارة ترامب للتوصل إلى تسوية نهائية للصراع على فلسطين، أو ما بات يعرف بمشروع صفقة القرن. محاصراً بين الشريك، أو اللاشريك، الإسرائيلي في المفاوضات، من جهة، وانحياز الدولة الكبرى الراعية لعملية التفاوض السافر، من جهة أخرى، بدأ الرئيس الفلسطيني يكشف عن مزاج يائس. 


ما فاقم من حالة الارتباك الوطنية الفلسطينية، كان اتضاح تورط دول عربية رئيسية في مشروع ترامب وممارستها الضغط على الرئيس عباس للقبول بما يستحيل على        فلسطيني، حتى من وقع أوسلو، القبول به.                   

كان الطبيعي في مواجهة هكذا وضع أن يبدأ أبو مازن إعادة بناء أوراق القوة الفلسطينية الوطنية، وأولها استعادة وحدة الشعب وقواه السياسية، والعمل على بلورة رؤية إستراتيجية جديدة، عمادها الاعتماد على الذات. ولكنه لم يفعل.

بصورة عصبية ولغة غير لائقة، استخدم الرئيس الفلسطيني محاولة اغتيال رئيس حكومته، التي يحيطها الكثير من الشكوك، لإعلان تخليه عن شعبه في قطاع غزة. في جوهر الأمر، كان الرئيس عباس يطلب استسلاماً كاملاً من حماس، بدون أن تكون لديه المسوغات أو الشرعية لهكذا طلب. 
يحتل الرئيس الفلسطيني موقع الرئاسة، ويتمتع بما هو أكبر من سلطاتها الدستورية، بصورة غير شرعية منذ سنوات، بعد أن انتهت فترته الرئاسية وأحجم عن عقد انتخابات جديدة. وليس من حقه بالتالي اتهام سلطة الأمر الواقع، التي تقوم بها حماس في غزة، بغير الشرعية. 

المؤسسة الفلسطينية الشرعية الوحيدة لم تزل هي المجلس التشريعي، الذي تتمتع فيه حماس بالأغلبية، والذي قام الرئيس، عن سابق تصميم وتصور، بإيقافه عن العمل. وبصفته رئيساً لمنظمة التحرير، يرفض الرئيس منذ سنوات طوال، وبالرغم من الاتفاقات التي وقعها، إعادة بناء مؤسسات المنظمة أو فتح أبوابها للقوى غير المنضوية في إطارها. وهذا ما يجعل المطالبة بتخلي حماس عن موقعها في مؤسسات السلطة بقطاع غزة، واستبعادها من قرار المنظمة، مدعاة للاستغراب. فبأي حق، وبأية أصوات، يفترض الرئيس أن السلطة لابد أن تكون حكراً عليه والملتفين من حوله، وأن منظمة التحرير لابد أن تبقى ملكيته الخاصة؟


تقدم مسيرات العودة فرصة جديدة، فرصة كبرى، لإعادة بناء العمل الوطني الفلسطيني على أسس جديدة. 
إن عمل الرئيس عباس على التخلص من ارتباكه ، أو ساعده من هم حوله على ذلك؛ 
إن قرأ متغيرات الساحة الوطنية وخارطة قواها، التي استقرت بالفعل منذ عقود، كما ينبغي؛ 
إن أدرك الدلالات التحولية لانتفاضة المسيرات وما قدم فيها حتى اليوم من تضحيات؛
إن رفع يده ويد مؤسساته الأمنية عن الشعب في الضفة، وأفسح المجال أمام شبان الخليل ورام الله ونابلس وجنين وطولكرم للالتحاق بأشقائهم في القطاع، فمن الممكن قلب الطاولة مرة أخرى. 
ثمة فرصة حقيقية لتقويض وضع الدولة العبرية الدولي، إيقاف عملية التطبيع الحثيثة، العلني منها والخفي، والتعاهدي وغير التعاهدي، بين الدولة العبرية والدول العربية، وطي صفحة صفقة القرن مرة وإلى الأبد.

الخميس، 5 أبريل 2018

خمسة عشر عاما على كارثة الحرب التي ولدت سلسلة من الكوارث

خمسة عشر عاما على كارثة الحرب التي ولدت سلسلة من الكوارث


د.بشير موسي نافع

كان نيسان/ إبريل 2003 شهرا كئيبا وقاسيا في آن، إن صح لنا أن نستعير افتتاحية "الأرض الخراب"؛ وحتى بعد مرور خمسة عشر عاما على التاسع منه، ليس ثمة وسيلة للتخلص من مرارة يوم سقوط بغداد.

لم تكن الحرب على العراق مبررة، بأية صورة من الصور.                                                    
ادعى الأمريكيون والبريطانيون أنهم يقومون بالحرب نيابة عن المجتمع الدولي، بهدف نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، التي تشكل خطرا على أمن العالم.

ولكن، لا وكالات الأمم المتحدة المتخصصة كانت أنهت عملها في العراق، ولا الولايات المتحدة وبريطانيا وجدت غطاء قانونيا دوليا، مهما كان هذا الغطاء هشاً، لتسويغ غزو بلد سيد ومستقل، يبعد عنهما آلاف الأميال.

كانت حربا في جوهرها أقرب إلى حروب إمبرياليات القرن التاسع، عندما كانت السفن البريطانية والفرنسية المسلحة تنطلق لغزو دول مثل الجزائر أو الصين، ليس لسبب سوى حدة استقبال الباي الجزائري للسفير الفرنسي أو مكافحة السلطات الصينية تجارة الأفيون.               

الشعور الفادح بالمظلومية، وليس الانتصار لنظام البعث، هو الذي دفع آلاف الشبان العرب إلى العراق للقتال ضد الغزاة.

وبالرغم من المظاهرات الحاشدة التي شهدتها لندن ومدريد وعواصم غربية أخرى، رأى ملايين العرب والمسلمين في سقوط بغداد إهانة لكل واحد منهم.

والحقيقة، أن إيقاع الإهانة بالعرب والمسلمين كان دافعا أساسيا بين دوافع الحرب.
 
لم يعد ثمة شك الآن، وبعد نشر نتائج عدد من التحقيقات الرسمية وغير الرسمية، في لندن وواشنطن، أن الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج بوش الابن، ورئيس الحكومة البريطانية الأسبق، توني بلير، كانا يعرفان أن ليس ثمة سلاح دمار شامل في العراق؛ وإن وجد هذا السلاح، لم يكن لديهما ثمة دليل على وجوده.

ولكن بوش كان قد صمم على غزو العراق حتى قبل اندلاع الجدل حول السلاح؛ بينما وجد بلير أن لا مناص أمام بريطانيا سوى الالتحاق بالحليف الأمريكي التاريخي، بغض النظر عن المسوغات.

واعتاد نائب الرئيس الأمريكي يومها، ديك تشيني، الذي لعب دورا رئيسا في التحريض على الحرب، وزوجته، دعوة أكاديميين أو مثقفين كبار لمنزلهما صباح الأحد، لتناول الإفطار وإثارة نقاش حول مسائل تتعلق بالشأنين الأمريكي والعالمي.

أحد ضيوف تشيني، قبل فترة من اتخاذ قرار الحرب، كان المؤرخ البريطاني ـ الأمريكي العجوز برنارد لويس. ما قاله لويس لنائب الرئيس، معلقاً على هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، أن هناك مشكلة تواجه قيادة الولايات المتحدة للعالم في حقبة ما بعد الحرب الباردة، تتعلق بالعرب والمسلمين، على وجه الخصوص.

أقر معظم العالم، قال لويس، خلال القرن العشرين، بصورة أو أخرى، بانتصار النموذج الغربي، المستند إلى النمط الرأسمالي في الاقتصاد والقيم الليبرالية في الاجتماع والسياسة.

العرب والمسلمون هم الكتلة الثقافية الوحيدة التي ترفض الاعتراف بالانتصار الغربي ولم تزل تقاوم النموذج. 

للتعامل مع هذه المشكلة، اقترح لويس، لابد من إيقاع هزيمة ثقيلة الوطأة بالعرب والمسلمين، هزيمة لا تحتمل التأويل. ولم يكن مثل احتلال بغداد واستباحتها تعبيراً عن التباين الصارخ بين الانتصار والهزيمة.

ليست بغداد مقر دولة الإسلام لأكثر من خمسة قرون، وحسب، بل وحاضنة تاريخ العرب والمسلمين، فيها نضجت لغتهم وآدابهم، ولد فقههم، تبلورت قيمهم، وتشكلت رؤيتهم لأنفسهم وللعالم.
وربما كان هذا ما أوحته كلمات توني بلير لقوات جيشه في مدينة البصرة، مباشرة بعد نجاح عملية الغزو والاحتلال، عندما قال أن هذه الحرب سترسم ملامح القرن الحادي والعشرين!

اليوم، يمكن القول، ربما، إن مشروع غزو العراق واحتلاله لم يؤت ثماره المرجوة في واشنطن ولندن؛ وأن برنارد لويس، على غير عادة المؤرخين، كان تسرع في توجيه نصيحته الخاصة جدا لنائب الرئيس. لم يخضع غزو العراق واحتلاله العرب والمسلمين، ولا صنع مجداً لبوش وبلير.

ولكن الحرب كانت كارثة بكل المقاييس، كارثة على من تعهدها وعلى شعوب المشرق ودوله، على السواء، كارثة لم تزدد بمرور السنوات إلا تفاقما.

لم تنته الحرب باحتلال العراق، بل ولدت سلسلة من الحروب الأخرى. نجح الأمريكيون والبريطانيون في الغزو بتكلفة قليلة نسبيا، ولكنهم لم يستطيعوا السيطرة على العراق قط. ولطبيعة التحالفات التي مهدت للحرب، التي منحت فيها القوى الكردية والشيعية السياسية موقعا بارزا، أدى الاحتلال، بإرادة أو دون إرادة أمريكية، إلى تقويض ما تبقى من اللحمة الوطنية العراقية.

أطاح المحتلون الدولة العراقية ومؤسساتها، وأفسحوا المجال واسعاً لاندلاع حرب أهلية عراقية، صعود مناخ طائفي غير مسبوق في تاريخ العراق الحديث، واندلاع صراع عراقي- عراقي مديد على السلطة والقوة والموارد.

ولأن مقاليد العراق سلمت لقوى طائفية، وأن دولته الجديدة بنيت على أساس من المحاصصات المذهبية والإثنية، لم يستطع العراق حتى اللحظة استعادة وحدته. مظلومية الحرب والإهانة التي استبطنتها، من جهة، والفشل في إدارة العراق وتصاعد حدة الصراع الطائفي والإثني، من جهة أخرى، هي التي سمحت ببروز القاعدة السريع في العراق، والتي انتهت، بعد عدد من التحولات، إلى ولادة داعش وما تمثله من وحشية وإيمان عدمي.

تحول العراق سريعا بعد الاحتلال إلى منطقة فراغ استراتيجي، ومصدر خلل كبير في توازنات قوى الإقليم. ولم يكن سوى إيران من يستطيع ملء هذا الفراغ، بعد أن أولت الدول العربية العراق ظهرها، ووضعت كامل ثقتها في الحليف الأمريكي.

عززت إيران المناخ الطائفي الذي ولده الغزو والاحتلال، وعملت على تأسيس العشرات من الجماعات الطائفية المسلحة، التي لم تقل في سلوكها بشاعة وعدمية عن داعش.

ولم تلبث الصنائع الميليشياوية، وخضوع الطبقة السياسية الطائفية وخوفها من بطش الحليف الإيراني، أن ساعدت إيران على اختراق بنية الدولة العراق الجديدة والتحكم في مفاصلها.

عندما غادر الأمريكيون بعد سنوات ثمان من الإخفاق، كان العراق أصبح رسمياً، وباعتراف دولي ضمني، منطقة نفوذ إيراني.

السيطرة على العراق هي التي نقلت الثقة الإيرانية بالنفس إلى مستوى من الغرور والصلف، وهي التي صنعت الظروف المواتية لرفع وتيرة النشاط الإيراني الطائفي في الخليج والجزيرة العربية واليمن، والتدخل الإيراني الدموي في سوريا. ولم يكن التوسع الإيراني وحده من أفاد من كارثة إسقاط العراق.

فعلى الجانب الآخر، وفر التشظي الطائفي والإثني، وانشغال العرب بأنفسهم، فرصة لصعود إسرائيلي غير مسبوق، وحرب وراء أخرى تعهدتها إسرائيل ضد لبنان وسوريا وقطاع غزة، عملت هي أيضاً على نشر الخراب وسفك المزيد من الدماء.

غادر الأمريكيون العراق بعد خسائر فادحة في أرواح الجنود والمعدات، والثمن المالي الباهظ. ولكن غرقهم في العراق كان مناسبة لنهاية التفرد الأمريكي، قصير العمر، في الشأن العالمي.

وعندما عاد الأمريكيون للعراق والشرق الأوسط، باسم مكافحة الإرهاب، كانت حربهم في العراق وعواقبها أوقعت دمارا أسطوريا في عشرات المدن والبلدات العربية، من العراق وسوريا إلى اليمن ولبنان وغزة، أودت بحياة مليونين على الأقل من أبناء شعوب المشرق، وصنعت حالة من الانقسامات والصراعات الداخلية، التي لا يبدو لها من نهاية.

حاول العرب في حركة الثورة والتغيير احتواء سلسلة الكوارث التي ولدتها كارثة العراق. ولكن أنانية الطبقات الحاكمة العربية، وخيانة الغرب الليبرالي، أغرقت حركة الثورة والتغيير في شلال أكبر من الدماء.

الخميس، 29 مارس 2018

سيرة مختصرة لعلاقة ملتبسة: تركيا.. أمريكا وحزب العمال الكردستاني


سيرة مختصرة لعلاقة ملتبسة: تركيا.. أمريكا وحزب العمال الكردستاني

د.بشير موسي نافع

يبدو أن عملية "غصن الزيتون"، التركية ـ السورية، حققت بعد شهرين على انطلاقها، أهدافها العسكرية. 

بذلك، انتهت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، على منطقة عفرين، بالرغم من البلاغات عالية النبرة في مطلع العملية، أظهرت وحدات حماية الشعب التابعة للاتحاد الديمقراطي مقاومة متواضعة في قرى عفرين وبلداتها. 

وما إن اقتربت القوات التركية وقوات الجيش السوري الحر من مشارف عفرين، حتى ذابت عناصر الحزب المسلحة في جموع المدنيين وفرت من المدينة. 

القول بأن وحدات حماية الشعب انسحبت من المدينة حرصا على أرواح المدنيين، لا ينسجم وتاريخ الحزب وسلوكه، لا في عفرين ولا غيرها من مناطق الشمال السوري وجنوب شرقي تركيا. 

هذا حزب فاشي شق طريقه نحو الهيمنة، خلال ربع القرن الماضي، في مناطق الأغلبية الكردية من تركيا وسوريا، بقوة السلاح وسفك دماء الأكراد المعارضين له قبل الأتراك والعرب.

في تركيا، استباح حزب العمال الكردستاني دماء مواطنيه الأكراد من الإسلاميين، واغتال المدرسين وأصحاب المخابز والمخاتير ومالكي محطات الوقود، الذين لم يستجيبوا لتوجهاته، تماما كما أنه وضع السيارات المتفجرة في شوارع المدن التركية. 

وفي سوريا، اغتال حزب الاتحاد الديمقراطي، أو سجن أو هجر، منذ اندلاع الثورة السورية، قادة ونشطي القوى المنضوية في المجلس الوطني الكردي. 

وعندما أتاحت له الظروف السيطرة على قرى ومدن عربية، حيث عاش الأكراد والتركمان والعرب في جوار متداخل منذ عشرات السنين، لم يتورع الحزب عن تهجير السكان العرب والتركمان وطردهم. 

أهالي تل رفعت، الذين تظاهروا يوم الجمعة 23 آذار/ مارس، مطالبين تركيا والجيش السوري الحر بتحرير منطقتهم من وحدات الاتحاد الديمقراطي المسلحة، هجر منهم ما يزيد عن مائتي ألف مواطن بعد سيطرة الحزب على المنطقة في مطلع 2016، بمساعدة من نظام دمشق. 

هذا حزب لا يعني المدنيون له الكثير؛ وتكشف التحصينات التي أعدها في عفرين عن تخطيط مسبق للقتال في المدينة. ولكن سرعة انهيار دفاعات الحزب في جوار عفرين وريفها، أصاب عناصره في المدينة بالذعر، وأظهر، كما في عشرات المرات السابقة، عجز قادته في جبال قنديل عن إجراء تقدير صحيح للموقف. 

قبل خمسة أعوام، في 21 آذار/ مارس 2013، احتشد عشرات الآلاف من السكان في مدينة ديار بكر للاحتفال بعيد النوروز والاستماع لرسالة قائد حزب العمال الكردستاني، المسجون في جزيرة في بحر مرمرة، عبد الله أوجلان. 

حملت رسالة أوجلان، مؤسس العمال الكردستاني وزعيمه التاريخي، دعما صريحا لمشروع رئيس الحكومة آنذاك، طيب رجب طيب أردوغان، لحل نهائي للمسألة الكردية في تركيا. 

كانت الاتصالات بين حكومة أردوغان والحزب بدأت بصورة سرية منذ 2010، ولكن العمل الملموس على مشروع الحل انطلق في خريف 2012. 

وشهدت تركيا، بالفعل، وقفا لإطلاق النار في الصراع الدموي وباهظ التكاليف طوال الفترة من خريف 2012 إلى خريف 2014. 

وأخذت الحكومة سلسلة من الإجراءات، التي عبرت عن الاستجابة للحقوق المشروعة للأكراد، ووفرت تسهيلات لقادة حزب الشعوب الديمقراطية، الذراع السياسي لحزب العمال الكردستاني، سواء للاتصال بأوجلان أو مع قادة الحزب في جبال قنديل. 

وبدأت عملية تنمية اقتصادية غير مسبوقة لجنوب شرقي تركيا، تعهدتها أجهزة الدولة وكبريات شركات القطاع الخاص، على السواء. 

وانطلق حوار واسع النطاق، شارك فيه سياسيون وأكاديميون وقادة رأي، من أجل الإعداد لتعديلات قانونية ودستورية، تضع البلاد على طريق إنهاء الصراع والانتقال بالجمهورية التركية إلى دولة المواطنين.

في تشرين الأول/ أكتوبر 2014، فاجأ حزب العمال الكردستاني حكومة العدالة والتنمية بإثارة حركة تظاهر وهجمات شوارع دموية في جنوب شرقي البلاد للاحتجاج على حصار داعش لعين العرب/ كوباني السورية، سقط خلالها زهاء الأربعين قتيلا. 

في كانون الأول/ يناير 2015، قتل ثلاثة من الجنود الأتراك على يد مسلحي الحزب. 

وفي تموز/ يوليو 2015، أعلن الحزب نهاية العملية السلمية وانسحابه كلية من الشراكة مع الحكومة التركية للتوصل إلى حل للمسألة الكردية. 

خلال الشهور القليلة التالية، اكتشفت أجهزة الأمن التركية أن الحزب مارس سياسة خداع منهجية للدولة طوال ما يزيد عن عامين من التهدئة. 

بدلا من أن يسحب السلاح والمجموعات المسلحة من البلاد، طبقا للاتفاق مع الحكومة التركية، كان الحزب في الحقيقة يعيد بناء خلاياه المسلحة ويكدس السلاح والمتفجرات في كافة أنحاء تركيا. 

وبين أيلول/ سبتمبر 2015 وآذار/ مارس 2016، خاض الحزب حربا حقيقية في شوارع مدن الأغلبية الكردية، لا سيما نصيبين وجزره (جزيرة ابن عمر) ومدينة ديار بكر القديمة، ضد الدولة التركية، أطلق عليها اسم "انتفاضة الخنادق والتحصينات". 

أوقعت حرب المدن تلك خسائر فادحة بالأحياء والسكان، كما بقوات الأمن والجندرمة التركية.

فما الذي حدث لتنتقل تركيا، بتلك الصورة المفاجئة، من مبادرة تسوية تاريخية إلى ما يشبه الحرب الأهلية؟

صنع مناخ الحل والتهدئة متغيرين رئيسيين في مناطق الأغلبية الكردية: حالة من الازدهار الاقتصادي المتسارع، وبروز قادة حزب الشعوب الديمقراطية كزعماء مؤهلين للحديث باسم الحركة القومية الكردية. 

كلا المتغيرين لم يبعث على اطمئنان قادة العمال الكردستاني في جبال قنديل، الذين خشوا من أن حل المسألة الكردية سيؤدي في النهاية إلى خسارة الحزب للمتعاطفين معه، وتهميش قيادة الحزب لصالح حزب الشعوب وقادته. 

ولكن متغيرا آخر في الجنوب السوري لم يقل أثراً على حسابات قادة العمال الكردستاني في جبال قنديل. 

وقدم الأمريكيون دعما كبيرا لمسلحي الحزب في سوريا منذ بداية معركة عين العرب/ كوباني؛ ومع الإعلان عن تحرير المدينة من سيطرة داعش في كانون الثاني/ يناير 2015، كان ضباط القيادة المركزية الأمريكية، بتأييد من إدارة أوباما، قد استقروا على خيار التحالف مع حزب الاتحاد الديمقراطي. 

واستخدام قوات حماية الشعب بديلا عن المشاة الأمريكيين، سواء في المعركة ضد داعش أو لتعزيز النفوذ الأمريكي في شرق سوريا، وحرمان الإيرانيين من تأمين ممر استراتيجي يصل إلى ساحل المتوسط. 

ولم تكن العلاقة المستجدة مع الأمريكيين وحدها من أوقع قيادة العمال الكردستاني في حساباتهم الخاطئة. ولكن الحزب أخطأ أيضا قراءة نتائج انتخابات حزيران/ يونيو 2014، التي خسر فيها حزب العدالة والتنمية أغلبيته البرلمانية المطلقة للمرة الأولى منذ 2002، وحسب أن أحمد داوود أغلو، رئيس الحكومة، أصبح من الضعف بحيث يسهل الضغط عليه. 

خلال الشهور القليلة التالية، ظهر خطأ حسابات قادة قنديل كما لم يظهر قط من قبل. 

أخذ داوود أغلو قرارا سريعا بمواجهة تمرد الخنادق والتحصينات بالقوة، تراجعت شعبية حزب الشعوب الديمقراطية بصورة كبيرة، واستعاد العدالة والتنمية أغلبيته في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر الطارئة. 

ولكن قيادة العمال الكردستاني لم تتعلم الدرس، وظنت أن تحالف فروعها السورية مع الولايات المتحدة سيساعد الحزب على تلافي خسائره التركية. 

ما فاقم من السكرة كان نجاح حزب الاتحاد الديمقراطي في السيطرة على منبج، تل رفعت، والرقة، التي هي جميعا مناطق أغلبية عربية. 

ليس من المتوقع أن يصحو قادة العمال الكردستاني سريعا من سكرتهم. فبالرغم من خيبة آمالهم الأمريكية في عفرين، يبدو أنهم مستمرون في الاعتقاد بأن الحلفاء الأمريكيين سيوفرون حماية لهم في منبج وتل رفعت والرقة وعين العرب. 

الذي اعتاد خطأ التقدير يصعب عليه غالبا تمييز الخطأ من الصواب. ثمة مسألة كردية في المشرق، بلا شك، تماما كما أن هناك مسألة فلسطينية، وأخرى سورية وثالثة عراقية. 

بعد مئة عام على ولادته، لم تزل شعوب المشرق تناضل من أجل التحرر من ميراث نظام ما بعد الحرب الأولى الإقليمي. 

ولكن المؤكد أن حزب العمال الكردستاني ليس مؤهلاً لقيادة المسألة الكردية إلى بر الأمان.

الخميس، 22 مارس 2018

ليست حربا باردة وبوتين حليف قتلة وليس صديقا للشعوب

ليست حربا باردة وبوتين حليف قتلة وليس صديقا للشعوب



د.بشيرموسي نافع*

عاد شبح اندلاع حرب باردة جديدة، ليسكن الجدل حول علاقات روسيا بالغرب ودورها في العالم. 

المناسبة هذه المرة تتعلق بمحاولة اغتيال العميل الروسي المزدوج، سيرغي سكريبال، وابنته، في مدينة سالزبوري البريطانية الصغيرة. 

كل الأدلة الظرفية التي تحيط بمحاولة الاغتيال تشير إلى مسؤولية روسية.
 
الاستخبارات الروسية فعلتها من قبل، وعلى الأرض البريطانية بالذات؛ كما أن الغاز المستخدم في تسميم سكريبال وابنته طور كسلاح في روسيا، ويكاد من المستحيل أن يتاح لجهات غير رسمية، أو أن تتمكن هكذا جهات من التعامل معه. 

لم تتردد رئيسة الحكومة البريطانية، تيريزا ماي، في توجيه الاتهام للدولة الروسية؛ بل أن وزير خارجيتها لم يستبعد مسؤولية بوتين شخصيا عن محاولة الاغتيال.

والواضح بالنظر إلى تكرار هذا السلوك الروسي، ووجود شبهات متزايدة حول وفاة معارضين آخرين لنظام بوتين في لندن، أن الحكومة البريطانية أخذت الأمر بجدية كاملة. 

هذه ليست انتهاكات لسيادة وأمن دولة أخرى، وحسب، بل وانتهاكات تهدد حياة مواطنين هذه الدولة. 

لإيضاح موقفها من الحادثة، قررت لندن طرد 23 من الدبلوماسيين الروس، تعتقد حكومة ماي أنهم جميعا من الجواسيس غير المعلنين، وأعلنت عزمها اتخاذ إجراءات تقيد حركة المشبوهين الروس وأموالهم في بريطانيا. 

ويشير طلب بريطانيا الدعم والتأييد من حلفائها الغربيين إلى الدرجة التي ترى فيها فداحة السلوك الروسي. 

روسيا، التي رفضت كلية الاتهامات الموجهة لها، سارعت إلى الرد بطرد عدد مساو من الدبلوماسيين البريطانيين، وإغلاق قنصلية بريطانيا في سان بيتسبرغ، ومعها المركز الثقافي البريطاني.

لو أن الأمر اقتصر على اغتيال معارضين وجواسيس مزدوجين ما كان ليثير الكثير من الجدل. 

لا يقود بوتين نظاما ديمقراطيا، حرا؛ ويظهر، والمحيطون به، قدرا قليلا من الاحترام للقانون. 

كما أن الرئيس الروسي عرف باحتقاره للجواسيس المزدوجين، "الذين يخونون رفاقهم ووطنهم"، كما أفصح مرة، تماما كما عرف بفقدان الصبر على التعددية السياسية ومعارضي نظام حكمه. 

ولكن التأزم في العلاقات البريطانية- الروسية يقع في سياق أكبر وأوسع، سياق من تصاعد العداء والخصومة بين روسيا والغرب، وارتفاع حدة اللغة التي يستخدمها مسؤولو الجانبين في وصف علاقات دولهم. 

يتهم الغرب روسيا باستخدام أدوات إلكترونية ووسائل الاتصال الاجتماعي لتقويض الديمقراطيات الغربية والعبث بنتائج الانتخابات، وبوتين بتغذية مناخ قومي روسي معاد للغرب. 

في الوقت ذاته، لم تضم روسيا شبه جزيرة القرم بصورة غير شرعية وحسب، بل وتدفع نحو حرب أهلية مديدة في أوكرانيا.

وإلى جانب الحرب الوحشية التي تعهدها بوتين لحماية نظام الأسد في سوريا، يتهم الغرب روسيا بتهديد دول البلطيق. 

قبل أسابيع قليلة، وفي ذروة حملته الانتخابية لفترة رئاسية رابعة، ألقى بوتين خطابا مدويا في موسكو، تحدث فيه باستفاضة عن تطوير روسيا أسلحة نووية متفوقة. 

وبالرغم من أن الأمريكيين ادعوا أنهم لم يفاجأوا بإعلانات الرئيس الروسي، إلا أن انتقال المناكفات الروسية- الغربية إلى ميدان سباق التسلح، أعاد التذكير بواحد من أبرز وجوه الحرب الباردة وأكثرها كلفة.

ثمة تمرد روسي على الغرب، تمرد يشي بالتهديد، ويفوق حتى التحدي الذي يراه الغرب في صعود الصين، بالرغم من أن الصين في وضع أفضل بكثير من وضع روسيا، اقتصادياً وبشريا. 

وليس هناك شك في أن الجدل حول العودة إلى الحرب الباردة يجد صداه في أوساط عربية محددة، أوساط المحتفلين بالمجزرة التي يخوضها نظام الأسد وحلفاؤه ضد الشعب السوري. بصورة أو أخرى، يحيي بوتين لهؤلاء ذكرى الأيام السعيدة، عندما كان الاتحاد السوفياتي، "نصير قوى التحرر والعالم الثالث"، يخوض صراعا كونيا ضد الإمبريالية الغربية، من جنوب شرق آسيا إلى الشرق الأوسط، ومن إفريقيا إلى أمريكا اللاتينية.

هذه ليست حربا باردة، ولا علاقة لها باستعادة الاستقطاب العالمي بين الاتحاد السوفياتي والغرب خلال معظم نصف القرن العشرين الثاني. 

كانت الحرب الباردة حربا فعلية، دارت رحاها في مستويات متعددة، داخل أوروبا، ميدانها المركزي، وخارجها، على السواء. 

خاض الاتحاد السوفياتي، المؤيد من كتلة شيوعية- جيوسياسية هائلة، صراعا ضد الغرب الأطلسي وحلفائه في العالم، فكريا وثقافيا، اقتصاديا وتقنيا، وفي سباق تسلح لم يعرف له التاريخ مثيلا. 

وخاض الاتحاد السوفياتي الصراع بالسلاح المجرد، في معارك دموية ومدمرة. 

خلال السنوات بعد الانهيار، كشف الكثير عن الجحيم الذي عاشته الشعوب السوفياتية وشعوب أوروبا الشرقية تحت الحكم الشيوعي، وكتب ما هو أكثر عن الانحراف الماركسي النظري الذي أسس للنظام السوفياتي الشمولي. 

ولكن أحدا لا يمكنه تجاهل سحر النموذج الاشتراكي السوفياتي، وخيالات اليوتوبيا التي سقط في مطاردتها ملايين الضحايا في كوريا وفيتنام ولاوس والقرن الإفريقي وأنغولا وموزمبيق وعدد من دول الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.

أحدا لا يمكنه مقارنة مقدرات روسيا بوتين بتلك التي وفرت للاتحاد السوفياتي فرصة الانتصار على الآلة العسكرية الألمانية في الحرب الثانية وخوض صراع كوني ضد الكتلة الغربية طوال عدة عقود. 

روسيا اليوم، بعد أن كانت حدودها الجيوسياسية في قلب برلين، تترقب نصب صواريخ الناتو على حدودها مع أوكرانيا، التي كانت جزءا من الإمبراطورية الروسية طوال قرون. 

عجز روسيا عن الحفاظ على نفوذها وأمنها الحيوي في جوارها القريب هو الذي دفع بها إلى حرب لا ناقة جيوسياسية لها فيها ولا جمل مثل حرب نظام الأسد على شعبه، في مسعى للحصول على أوراق لمساومة التوسع الغربي الحثيث في أوروبا والبلقان وجنوب القوقاز. 

ما لم يلحظه المصفقون العرب لجرائم روسيا في سورية أن الغرب لم ينظر مطلقا إلى سوريا باعتبارها رقما حيويا في حساباته الاستراتيجية. 

ليس ذلك فقط، بل إن واشنطن لم تخف ترحيبها بالتدخل الروسي في سوريا، واستعدادها للتعاون مع موسكو في حربها ضد الإرهاب، التي ضحي بالشعب السوري وثورته على مذبحها. 

وعندما تجاوز الروس الحد، كما حدث قبل أسابيع في جوار الرقة، لم يتردد الأمريكيون في إرسال العشرات من المرتزقة الروس إلى حتفهم، بدون أن ينبس بوتين ببنت شفة.

لا تنتج روسيا اليوم ما يثير اهتمام أحد في العالم. وبدون حصتها في تجارة السلاح، التي لم تعد بحجم حصة الاتحاد السوفياتي، على أية حال، تبدو روسيا ليس أكثر من دولة نفطية. 

خلال الأعوام القليلة الماضية، عندما هبطت أسعار النفط دون التوقعات، استهلكت روسيا معظم رصيدها النقدي، الذي راكمته خلال سنوات ارتفاع الأسعار، وعجزت حكومات محلية روسية عن دفع رواتب موظفيها بصورة منتظمة. وليس ثمة نموذج يقيمه بوتين ليخوض به الحرب الباردة المتوهمة. 

شيد بوتين نظاما "تسلطيا محافظا"، كما كتب جيرمي كوربن، زعيم المعارضة البريطانية، في غارديان 16 آذار/ مارس، يقوده عدد من المفسدين، ماليا وسياسيا، بما في ذلك الرئيس نفسه، ويقيم تحالفات مع أنظمة فاشية مثل نظام الأسد وأسوأ أحزاب اليمين العنصري الأوروبي.

صحيح أن سقوط الاتحاد السوفياتي لم يرافقه هدير أفواج الدبابات الأمريكية في شوارع موسكو، كما كانت هزيمة ألمانيا النازية، وأن روسيا لم تزل تمتلك ترسانة نووية هائلة. 

ولكن الترسانة النووية لا تكفي وحدها لخوض صراع كوني آخر من طراز الحرب الباردة، إلا إن كانت لدى بوتين دوافع انتحار قهرية.

لأسباب تاريخية وجيوسياسية ستظل روسيا مشكلة للغرب، بالتأكيد؛ ولكن هذا شيء وتعهد حرب باردة جديدة شيء آخر تماما.

* كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

الخميس، 1 فبراير 2018

الولايات المتحدة وتركيا وعملية عفرين

الولايات المتحدة وتركيا وعملية عفرين
صورة أرشيفية لزيارة الرئيس التركي أردوغان للولايات المتحدة ولقائه بالرئيس ترامب


بشير موسى نافع
كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

طبقًا لدوائر إعلامية تركية مقربة من حزب العدالة والتنمية الحاكم، تلقى إبراهيم كالن الناطق باسم الرئيس التركي، اتصالًا من سكرتير مجلس الأمن القومي الأمريكي جنرال ماكماستر، مساء 26 من يناير/كانون الثاني، خلال الاتصال أكد ماكماستر أن الولايات المتحدة ستوقف إمدادات السلاح لحزب الاتحاد الديمقراطي، الكردي السوري، وقوات حماية الشعب، التابعة للحزب.

هذه المرة الثانية التي قدمت فيها إدارة ترامب لتركيا مثل هذا الوعد، في 27 من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كان الرئيس نفسه، دونالد ترامب، من أخبر نظيره التركي طيب أردوغان، أن إدارته لن تقدم المزيد من السلاح للمسلحين الأكراد السوريين، مثيرًا حالة من الاحتفال في الإعلام التركي، بعد محادثة الرئيسين الهاتفية بأيام قليلة، رصدت قافلة إمدادات عسكرية أمريكية تقطع الحدود العراقية ـ السورية في طريقها للوحدات الكردية في منطقة الرقة، فهل يمكن لأنقرة أخذ وعود ماكماستر هذه المرة على محمل الجد؟

الحقيقة، أن تركيا لم تر في الموقف الأمريكي من المسألة السورية، منذ 2011، سوى الأكاذيب والخذلان، ولم يكن هذا هو المتوقع في أنقرة على الإطلاق؛ ليس فقط لأن تحالف الناتو يجمع الدولتين منذ مطلع الخمسينيات، ولكن أيضًا لأن تركيا ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، اقتصادية ـ مالية وثقافية وعسكرية، في المرحلة الأولى من الأزمة السورية، قبل التدخل الروسي المباشر، عندما أصبحت سوريا مسرحًا هائلًا للصراع بين المعارضين المسلحين، من جهة، وقوات النظام والميليشيات الشيعية الموالية لإيران، من جهة أخرى، رفضت إدارة أوباما التدخل لصالح الشعب السوري.

عندما وقع الصدام التركي ـ الروسي، بإسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، لم تتلق أنقرة سوى دعم لفظي من واشنطن ودعوات أمريكية لمنع التصعيد

وحتى قبل ظهور النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ترددت واشنطن في تقديم أي دعم جوهري للثورة، أو السماح لحلفائها في الإقليم توفير السلاح النوعي للثوار، على الأقل بما يسمح بمواجهة وحشية طيران النظام، وما إن بدأ صعود تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" والنصرة على حساب جماعات المعارضة الأخرى، حتى تخلت إدارة أوباما كلية عن هدف التخلص من نظام الأسد، لتتبعها، خلال فترة قصيرة، السعودية وعدد من دول الدول العربية الأخرى.

في نهاية سبتمبر/أيلول 2015، أصبحت روسيا طرفًا مباشرًا في الصراع على سوريا، وتغيرت بالتالي معادلة القوة بصورة كبيرة، وبدلًا من أن تتقدم الولايات المتحدة لتعديل ميزان القوى، تركت تركيا منفردة في مواجهة الروس، أعلنت إدارة أوباما أن مهمتها في سوريا محصورة بمكافحة الإرهاب، وأسست مجموعة تنسيق عملياتي مع موسكو لتجنب صدام محتمل بين الطرفين على أرض وفي سماء سوريا.

وعندما وقع الصدام التركي ـ الروسي، بإسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، لم تتلق أنقرة سوى دعم لفظي من واشنطن ودعوات أمريكية لمنع التصعيد، سوغت إدارة أوباما موقف عدم الاكتراث بأن سوريا لم تكن أبدًا منطقة اهتمام إستراتيجي للسياسية الأمريكية في الشرق الأوسط، ولكن موقف عدم الاكتراث سرعان ما تحول إلى تباعد عدائي، عندما بدأت واشنطن في دعم الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، التي تعتبرها تركيا امتدادًا لحزب العمال الكردستاني.

لم يكن الاتحاد الديمقراطي قوة رئيسية في المناطق الكردية السورية في بدايات الثورة، ولكن الحزب اتبع سياسة دموية لإقصاء القوى الكردية المتآلفة في المجلس الوطني الكردي، والممثلة في الائتلاف السوري المعارض، ومع 2014 – 2015، عندما انطلقت معركة تحرير بلدة عين العرب (كوباني) الكردية من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، أبدى الاتحاد الديمقراطي وميليشياته الاستعداد للتعاون مع الأمريكيين لدحر داعش، وبدأت بالتالي العلاقة التحالفية غير السوية بين واشنطن والاتحاد الديمقراطي. 

ساعد الدعم العسكري الأمريكي، سلاحًا وتدريبًا، الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب على تحقيق سيطرة كاملة على المناطق الكردية في شمال شرق سورية، وفي شمالها الغربي

خلال 2014، وحتى صيف 2015، انخرطت الحكومة التركية والعمال الكردستاني في عملية سلمية؛ ولم يكن ثمة قلق كبير في أنقرة من الصعود المستمر لامتدادات الحزب السورية، وقد لعبت تركيا دورًا مساندًا لتحرير عين العرب من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، حتى وهي تعلم أن القوة الكردية المسلحة الرئيسية في العملية تتبع للاتحاد الديمقراطي، ولكن كسر العمال الكردستاني وقف إطلاق النار في آب/أغسطس 2015، ونهاية العملية السلمية في تركيا، ولد قلقًا متصاعدًا من هيمنة امتدادات العمال الكردستاني على الساحة الكردية السورية.

خلال الشهور التالية، توفرت أدلة متزايدة لدى الأتراك على تعاون وثيق بين العمال الكردستاني في تركيا ووحدات حماية الشعب والاتحاد الديمقراطي في سوريا، ليس فقط على صعيد التدريب والاتصال، ولكن أيضًا فيما يتعلق بإمدادات السلاح والمتفجرات، وحتى أشتون كارتر وزير دفاع أوباما، خلال جلسة استماع بالكونغرس في أبريل/نيسان 2016، لم يستطع إنكار العلاقة العضوية بين حلفاء إدارته من الأكراد في سوريا والعمال الكردستاني في تركيا.

ساعد الدعم العسكري الأمريكي، سلاحًا وتدريبًا، الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب على تحقيق سيطرة كاملة على المناطق الكردية في شمال شرق سورية، وفي شمالها الغربي، راقبت تركيا، بقلق بالغ، تطور العلاقة بين الاتحاد الديمقراطي والأمريكيين في شمال سوريا الشرقي، وأعلنت بوضوح أنها لن تسمح بانتشار كردي مسلحة غربي الفرات، وسرعان ما ولد الدعم الأمريكي للأكراد السوريين مشكلة من نوع آخر. 

فرغم أن هناك مناطق وجود كردي ملموس في سوريا، لا يتمتع الأكراد بأغلبية قاطعة في هذه المناطق، ولذا، وكلما كان ذلك ضروريًا أو ممكنًا، اتبعت القوات الكردية المسلحة في سوريا سياسة تطهير عرقي ضد العرب والتركمان، بهدف توسيع نطاق منطقة الحكم الذاتي التي أعلنها الاتحاد الديمقراطي في الشمال السوري.

إدارة ترامب، ورغم الانتقادات التي توجهها لسياسة أوباما السورية، لم تغير شيئًا من هذه السياسة

ولكن، وطالما استمر الأكراد في تحمل عبء المواجهة مع تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وتجنب الأمريكيون دفع جنودهم إلى ساحة المعركة، غضت واشنطن النظر عن المخاوف التركية وعن سياسة التطهير العرقي التي اتبعها الأكراد.

في المقابل، وفي محاولة خداع ساذجة، دفع الجنرال رايموند توماس قائد القوات الخاصة في سوريا، وبرت ماكغورك مبعوث الرئيس أوباما للتحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، الاتحاد الديمقراطي، في أكتوبر/تشرين الأول 2015، إلى تشكيل ما يسمى بقوات سوريا الديمقراطية، التي تضم أكرادًا وعربًا، كمظلة لقوات حماية الشعب وميليشيات الاتحاد الديمقراطي الأخرى. 

في نهاية يوليو/تموز 2016، طلب الرئيس أوباما من أردوغان، في اتصال هاتفي، السماح بمشاركة القوات الكردية في تحرير منبج، المدينة العربية، من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، على أن تعود الوحدات الكردية المسلحة إلى مواقعها شرقي الفرات مباشرة بعد تحرير المدينة، دحرت تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" من منبج في مطلع أغسطس/آب، ولكن وعود أوباما لم تتحقق، ورغم الإلحاح التركي، لم تزل وحدات حماية الشعب الكردية تسيطر على المدينة.

تمامًا كما أن تحرير الرقة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي وضع المدينة العربية تحت السيطرة الكردية، وفي هذا الإثناء، كان الاتحاد الديمقراطي قد نجح، على خلفية فوضى الفصائل في الشمال السوري، وبفعل وجود قوات حماية الشعب في منبج، في تأسيس خطوط إمداد منتظمة للوحدات الكردية في منطقة عفرين، شمال غربي سوريا، التي تحولت خلال العام الماضي إلى قلعة حصينة للحزب وميليشياته.

بمعنى، أن إدارة ترامب، ورغم الانتقادات التي توجهها لسياسة أوباما السورية، لم تغير شيئًا من هذه السياسة، حتى بعد وعد ترامب الشهير لأردوغان بوقف إمدادات السلاح لميليشيات الاتحاد الديمقراطي.

أدى سحب الصواريخ الأمريكية من تركيا، من دون معرفة الحكومة التركية، خلال الأزمة الكوبية، في مطلع الستينيات، ورسالة جونسون لأنقرة في منتصف الستينيات بخصوص قبرص، إلى إجراء مراجعة شاملة للسياسة الخارجية التركية.

نجم عن تلك المراجعة تحسن ملموس في العلاقات مع الاتحاد السوفييتي والاعتراف بمنظمة التحرير وعضوية تركيا في منظمة المؤتمر الإسلامي، إصرار أنقرة على تنفيذ عملية عفرين، والتقارب مع روسيا، بما في ذلك شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية إس 400، مؤشرات على أن التحالف التركي ـ الأمريكي لم يعد كما كان.

الأربعاء، 16 أغسطس 2017

أمريكا: رئيس محاصر وإدارة في وضع لا يسرّ


أمريكا: رئيس محاصر وإدارة في وضع لا يسرّ


د.بشير موسي نافع


أقرت غرفتا الكونغرس الأمريكي عقوبات جديدة على روسيا وإيران وكوريا الشمالية، في نهاية تموز/ يوليو الماضي، بأغلبية كبيرة، أغلبية كفيلة بالحيلولة بين الرئيس وصلاحيات الاعتراض على قرارات الكونغرس. وفي 2 آب/ أغسطس، صدّق الرئيس دونالد ترامب على العقوبات، وإن على مضض.

في التقاليد الرئاسية الأمريكية، يحاط التوقيع على القوانين بمشهد احتفالي، يحاط فيه الرئيس بكبار المسؤولين والمهتمين، وتسجله وسائل الإعلام. هذه المرة، لم يكن هناك من احتفال، ولا شهود، ولا وسائل إعلام. بكلمة أخرى، وجد الرئيس نفسه مجبرا على التوقيع، فوقع. وكعادته، لم يستطع ترامب، في عدد من التصريحات اللاحقة، إخفاء امتعاضه وشعوره بالحصار والإهانة. 

لم يكن لدى الرئيس الأمريكي من اعتراض على العقوبات التي فرضها الكونغرس على إيران وكوريا الشمالية. فالحقيقة، أن إدارة ترامب اتخذت من البداية موقفا معاديا لإيران، ومشككا بالاتفاق الذي توصلت إليه إدارة أوباما حول المشروع النووي الإيراني. كما أن ترامب يجد نفسه في مواجهة أزمة كورية، لا يعرف على وجه اليقين كيف يمكنه إدارتها بنجاح. بمعنى، أن العقوبات على إيران وكوريا الشمالية صبت في المجرى العام للإدارة؛ وربما حتى وفر إقرارها فرصة لأن يقول ترامب أنه يقوم بالفعل بعمل ما في هذا المجال. 

مشكلة ترامب هي في العقوبات التي فرضت على روسيا، ليس فقط لأنها تخالف سياسة الإدارة المعلنة وتعهداتها بالسعي إلى تحسين العلاقات بين واشنطن وموسكو، وتعزيز التعاون بين الدولتين في الساحة الدولية، ولكن أيضا لأن المسوغ الذي استخدمه الكونغرس لفرض العقوبات يتصل بالتدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. 

ولأن ترامب يواجه اتهامات بأنه أفاد من التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية، وأن هناك أكثر من لجنة أمريكية (محقق خاص في وزارة العدل، ولجنتان في غرفتي الكونغرس)، تحقق في ما إن كانت حملة ترامب الانتخابية قامت باتصالات غير قانونية مع جهات روسية، تتعلق بالعملية الانتخابية، يبدو توقيع الرئيس على العقوبات شأنا مهينا بلا شك. فكيف يصر الرئيس على تبرئة الروس من التدخل في العملية الانتخابية، وعلى أن فوزه (الحرج) في الانتخابات كان فوزا مستحقا، ويصدق في الآن نفسه على عقوبات فرضت على خلفية من التدخل الروسي في العملية الانتخابية التي جاءت به رئيسا؟

بيد أن هناك ما هو أهم من ذلك؛ إذ أن هذه واحدة من الحالات النادرة منذ الحرب العالمية الثانية، وولادة ما يعرف بدولة الأمن القومي، التي يقرر فيها الكونغرس مسألة هامة في حقل السياسة الخارجية، بمعزل عن الرئيس وإدارته. ففي التقاليد الأمريكية الدستورية، يتمتع الرئيس بما يشبه الصلاحيات الحصرية لإدارة السياسة الخارجية، بحيث يمكنه اتخاذ قرارات كبرى بدون العودة إلى الكونغرس، بما في ذلك تعهد عملية عسكرية كبرى، طالما أنه لم يلجأ إلى الإعلان القانوني للحرب. وربما كانت لجنة بيكر ـ هاملتون، التي شكلت بقرار من الكونغرس لبحث حروب إدارة بوش الشرق أوسطية، المرة الأخيرة التي حاول فيها الكونغرس تدخلا فعليا في السياسة الخارجية. 

لكن حتى لجنة بيكر ـ هاملتون لم تذهب أبعد من وضع توصيات، وقد تجنب الكونغرس صياغة تلك التوصيات بقوانين تفرض على الإدارة. وكان أخذ بوش الابن بتوصيات اللجنة نابعا من السلطة المعنوية لرئيسيها والتوافق الجمهوري ـ الديمقراطي الكبير عليها؛ إضافة إلى أن إدارة بوش كانت تشعر آنذاك بالمأزق الكبير الذي وصلته في العراق وضرورة البحث عن مخرج. 

هذه المرة، أقرت العقوبات على روسيا، التي يعرف أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب أن الرئيس لا يرغب فيها، بقانون، وأقرت بأغلبية هائلة في المجلسين، وكأن الكونغرس يقول أنه يتدخل في حقل السياسة الخارجية عن سبق تصور وتصميم، وأن لا مجال أمام الرئيس سوى التصديق على قانون العقوبات. وهذا ما لم يستطع ترامب إخفاءه، عندما قال بحسرة لا تخفى أن الكونغرس أعطى لنفسه حق التدخل في حقل هو في الأصل من صلاحيات الرئيس.

تتفق وكالات ودوائر الدولة الأمريكية على أن جهة ما، أو جهات، في روسيا تدخلت في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، بصورة أو أخرى. ولكن أحدا لا يمكنه القول بعد لماذا قرر الروس التدخل. هل وقع التدخل لإنجاح ترامب وإسقاط السيدة كلينتون، نظرا لمخاوف موسكو من السياسات التي يمكن لكلينتون اتباعها، سيما بعد أن ساءت علاقاتها بالرئاسة الروسية خلال الفترة الأخيرة من توليها وزارة الخارجية في إدارة أوباما الأولى؟ أو أن الروس تدخلوا لمجرد خلق مناخ من عدم اليقين وفقدان الثقة في الديمقراطية الأمريكية؟ هل كانت قيادات حملة ترامب الانتخابية على دراية بجهود التدخل الروسية، أو شجعوا عليها، أو لا؟ وهل أثر هذا التدخل بالفعل على نتائج الانتخابات أو لم يؤثر؟ 

ليست ثمة إجابات يقينية على هذه الأسئلة، وسيكون على لجان التحقيق في مجلسي الكونغرس، وعلى المحقق الخاص الذي أوكلت له القضية برمتها في وزارة العدل، تقديم الإجابات. ما هو يقيني، أن لا فكاك لترامب من الشبهات التي تثيرها هذه القضية، وأنها ستستمر في ملاحقته لفترة طويلة بالتأكيد.

أطاحت قضية التدخلات الروسية في الانتخابات بأول سكرتير لمجلس الأمن القومي في إدارة ترامب، وتدفع دوائر اليمين القومي المحيطة بالرئيس لإقالة الجنرال ماكماستر، الذي تولى مجلس الأمن القومي بعد استقالة فالين. وبعد أن كان الرئيس، في مطلع ولايته، كال المديح لجيمس كومي، مدير الإف بي أي، فاجأ ترامب الرأي العام بإقالة كومي. ولكن هاجس قضية التدخل الروسي في الانتخابات ليس الوحيد الذي يثقل كاهل رئاسة ترامب. في الأسابيع الأولى لتوليه مقاليد البيت الأبيض، كان الاعتقاد السائد أن الرئيس يعاني من عوارض عدم الخبرة، كونه لم يسبق أن تولى منصبا تشريعيا أو تنفيذيا، ولم تتح له قبل فوزه في الانتخابات التعرف على آلية عمل الدولة الأمريكية. 

ولكن، وبعد مرور أكثر من نصف العام على ولايته، تبدو مشكلة الرئيس أكبر بكثير من عدم الخبرة. يستخدم ترامب لغة سوقية لا تليق بمنصب الرئاسة؛ وبالرغم من أن السياسيين جميعهم يكذبون، فإن الرئيس يكذب بصورة مرضية، وبطريقة ساذجة ومكشوفة في بعض الأحيان. 

وإلى جانب فقدان القدرة على التحكم بمظاهر الهوس غير المعهود بالذات، ثمة شواهد على أن الرئيس يتخذ قرارته بدون تأمل أو تشاور أو حسابات كافية. في أسبوع واحد فقط، أقال الرئيس كبير موظفي البيت الأبيض، الذي يقوم بمقام رئيس الحكومة في الدول الأخرى؛ كما أقال مدير الاتصالات العامة، ثم أقال خليفته. 

وإلى جانب تقدير الرئيس غير الصحيح للدور الذي ظن أن الصين ستلعبه في الأزمة الكورية الشمالية، والخلاف الواضح بين الرئيس وكبار مسؤولي إدارته حول اللغة التي ينبغي استخدامها في التعامل مع الأزمة، يبدو أن الرئيس عقد اتفاقا مع السعوديين والإماراتيين حول قطر دون معرفة وزيري الدفاع والخارجية أو مدير مجلس الأمن القومي. هذا ليس رئيسا في وضع جيد، وبالرغم من صعوبة التنبؤ بمصيره، فالمؤكد أن وضعه الداخلي يزداد ضعفا. وسيكون من السذاجة أن يعوّل بعض العرب، وبعض الفلسطينيين، على هكذا رئيس.