السبت، 1 أغسطس 2026

للمرة الثانية .. هل تفعلها تونس؟

بسم الله الرحمن الرحيم

للمرة الثانية .. هل تفعلها تونس؟

د. عطية عدلان

باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية


الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

هل تفعلها تونس هذه المرة أيضًا؛ لتفتتح صولة جديدة من صولات الربيع العربيّ؟ هل تفعلها وتسقط قيس سعيد وتلحقه بزين العابدين غير مأسوف عليه؟ 

سؤال من المؤكد أنّه دار بخلد المواطن العربيّ البائس المسكين، ومن المؤكد -ش كذلك - أنّ مشاهد الشوارع التي انتفضت في تونس ضدّ الرئيس (ال...) الذي أكل الدستور قد قدحت شرارة الاستبشار في النفوس، وما على عامّة الناس من عتب في ذلك، بل إنّهم - على عكس النخب - يدللون بسرعة استجابتهم على أنّهم أكثر إيجابية وفاعليه، ويدللون على أنّهم يعول عليهم في كثير من الأحيان، أمّا النخب - ولاسيما الإسلاميين - فيا لطول إِلْفِهِمْ للأساطير وركونهم للأوهام السرابية الخدّاعة! 

كم من مرّة تغتال عقولَهم ثقافةُ القطيع! 

وكم إنّهم عاجزون عن التفكير خارج الصندوق! وعاجزون عن الإبداع إلّا في التقليد! 

فهل رأيت قومًا يتمثل إبداعهم في التقليد المحض؟

    أمّا السؤال فله وجاهة، ومن حقّ كل عربيٍّ أن يسأله، لكنّ هذا السؤال - على واقعيّته وموضوعيته وكثرة الذين يثيرونه والذين يتلهفون ثم يتلقفون الإجابة عليه - ليس له إلا جواب واحد صامد، وهو (كلا)، كلّا لن يكون هذا أبدًا، ولن تفعلها تونس كما فعلتها في المرة الأولى أبدًا، ولن يرحل قيس سعيد بأيدي الثوار، كما لن يرحل السيسي ولا غيره ممن انقلبوا على ثورة الشعب في موجة 2011م؛ لسبب غاية في البساطة والواقعية، وهو أنّ الإصرار على آلية واحدة مع تغير الظروف والأحوال غباء تأباه طبيعة الثورات، وتأباه كذلك طبيعة الأمور في تجلياتها السياسية والاجتماعية والحضارية والأمنية.

    إنّ ما جرى في 2011م كان حدثًا استثنائيًّا في فلسفة التغيير، كان حدثًا له ظروفه البيئية والأمنية والإقليمية والدولية، التي لا توجد في أيامنا هذه، فقد كانت العروش آمنة مطمئنة مستقرة؛ فهي أقلّ تحفزًا وتحرّزًا مما هي عليه اليوم، وكذلك كان النظام العربيّ الإقليمي، أمّا النظام العالميّ فكان لايزال في بداية إقلاعه عن أجواء الحرب الباردة، فلم يكن بالقدر الذي هو عليه اليوم من الرعونة والعجلة وردة الفعل السريعة العنيفة ضدّ أي شيء يهدده، لقد صار النظام العالميّ أقلّ تسامحًا وأكثر ندية وتشاححًا، أمريكا المجرمة لم تكن على هذا القدر من الإجرام، وإسرائيل المتعنتة المتسارعة في التوغل لم تكن بهذا المستوى من التعنت والتسارع العدواني، والإقليم لم يكن على هذا القدر الذي هو عليه اليوم من التوفز والتحفز.

   ناهيك عن الخبرة التي اكتسبتها الأنظمة مع ثورات لم تكتمل، فقدمت - بعدم اكتمالها - سكينًا ماضيًا مسددًا في كبد الثورة، لقد اكتسبت الأنظمة مناعة ضدّ هذا اللون من الثورات، وما عادت الملايين التي تخرج إلى الشوارع ترفع سلاح السلمية وتكتسي بتروسها الحريرية الناعمة؛ ما عادت تشكل إزعاجًا للقوى الحاكمة، وما عاد أحدٌ يقيم وزنًا لشيء من هذه المصطلحات التي كانت رنّانة يومًا من الأيام: الشعب - الجماهير - الكتلة الحرجة - الزخم الثوري - المليونيات؛ لأنّ العالم تغيّر، ولعلّ من أكبر أسباب تغيّر العالم هو أنصاف الثورات التي قطعت ذيل الأفعى وتركتها مختبئة تحت غلالة من القشّ الهشّ، كلا لن يفلح الحراك التونسيّ هذه المرة بهذه الطريقة وهذا الأداء، لن يفلح في الإطاحة بنظام عسكريّ عتيق ضالع في الإجرام اكتسى بقيس ولو شاء لاكتسى بأي قيس أو - حتى - أي ليلى، لن يرحل نظام عسكريٌّ إلا بقوة عسكرية، أقول هذا وأعلم أنّ الذين يرجمونني من قومي سيرجمونني وهم يعلمون أنّني أقول الحقّ.

    ستقول لي - وكم بالأقاويل من تهاويل - إنّها ستكون حربًا أهلية تدمر الأخضر واليابس، وأقول لك إنّما الحرب الأهلية هي هذه التي تدور رحاها على الأحرار فقط، وستأتي الحرب الأهلية بالصورة التي تخوفوننا منها حتى ولو كنّا ملتصقين بمضاجعنا، ستأتي عندما يقرر ذلك الذي في يده القرار، ومع ذلك تستطيع الثورة الحقيقية أن تتلافاها أو على الأقل تخفف من حدّتها، والثورة الحقيقية ليست بالعسكرة وحدها، وما العسكرة والسلمية إلا أدوات تختلف باختلاف الزمان والمكان، وإنّما تكون الثورة ثورة حقيقية عندما تتوافر لها أركان خمسة: الرؤية الصحيحة والمشروع الواضح الجامع - القيادة الموحدة فردية كانت أو جماعية - الطليعة التي تتربى على التضحية وحمل همّ القضية - الحاضنة الشعبية الواسعة الممتدة - القوة بكافّة صورها وأشكالها وتجلّياتها وإن في حدّها الأدنى المستطاع، أمّا شروط النجاح فأولها جذرية التغيير، والمفاصلة التامّة مع الطغيان، والاعتصام بالهوية الإسلامية الجامعة لا الهويات الأيديولوجية للجماعات، إحياء المنظومة القيمية الإسلامية، والخلاص من ضغط ثقافة القطيع، والتفريق الحاسم بين المبادئ والأدوات.

    والوحدة ضرورة حتمية؛ فلا تغيير ولا تثوير إلا بها، ولا نجاح للمشروع الإسلامي إلا بها، هذه الوحدة لا يشترط لها أن يكون الجميع منخرطين في جماعة واحدة أو حزي واحد او ائتلاف واحد، وإنّما تتحقق بالتقاء الجميع على بنود ميثاق جامع، مع حسن إدارة الاختلاف وحسن إدارة التعدد وحسن إدارة المشترك، والميثاق الجامع يجب أن يكون قليل البنود متفقًا مع الهوية الحضارية والثقافية للأمة العربية الإسلامية.

    وما دمنا نتحدث عن مشروع؛ فهناك أسئلة يجب أن يجاب عنها بوضوح: 

ما هي منطلقاتنا في التغيير؟ وما هي القيم العليا الحاكمة لمشروع التغيير؟ وما مدى صحة كثير من المفاهيم والمصطلحات الرائجة اليوم والتي تقوم بدور كبير في توجيه الساحة بالإيجاب أو السلب؟ ما أهدافنا؟ وما مراحل مشروعنا، ما هي التحديات والعقبات وما هي الروافع والفرص؟ وهل هناك قنوات للتغيير وأدوات ووسائل للتثوير؟ وكيف تتم عملية الانتقال والتحول الكبير؟ هل يعتمد الجهاد سبيلًا للتغيير في كل صقع من الأصقاع؟ وما حكم الشرع في الثورات الشعبية، وما شروط أعتمادها وسيلة للتغيير، وهل معنا تصور لما بعد سقوط النظم المستبدة الفاقدة للشرعية، ما هو تصورنا للاقتصاد وللسياسة ولنظام الحكم وللعلاقات الدولية؟ وقبل ذلك كلّه: أين الطليعة والقاعدة الصلبة التي يقوم عليها عبء التغيير؟ وكيف السبيل إلى ربطها بحاضنة شعبية عريضة، وما الذي يلزم لتنضيج الوعي والغضب وتوجيههما والتأليف بينهما؟ وهل لدينا دراسات استشرافية مستقبلية؟ وكيف السبيل إلى توجيهها وترشيدها وربطها بالسنن الإلهية؟ 

وقبل ذلك كلّه: لماذا أخفقت الثورات؟ وما قدر الإنجاز الذي حققته حركات الجهاد وجماعات الدعوة وأحزاب السياسة؟ أسئلة لابد من الإجابة عنها بوضوح وشفافية ونحن نفكر في التغيير ونرتب لتثوير، والله المستعان.


د. عطية عدلان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق