الاثنين، 2 مارس 2026

حين يكون القرآن منهج حياة.. سيرة الشيخ الدكتور “محمد الراوي”

حين يكون القرآن منهج حياة.. سيرة الشيخ الدكتور “محمد الراوي”

الرجل القرآني:

– في فَجر السابع من رمضان، رحلَ عن الدنيا داعيةٌ من طينة العلماء الذين إذا سُلّ سيفهم للحق لم يضعفوا، وكانت صراحته قدرًا ملازمًا له، عاشه بثبات ودفعَ ثمنه راضيًا، صادقًا في قوله، لا يساوم على الحق، ولا يلين عند العواصف.

– لم يُجامل سُلطة، ولم يُساير موجة، فهو الرجل الذي تشرّب القرآن صغيرًا، فصار القرآن خُلقه ومنهجه ولسانه.

– أحد أساطين الأزهر، والفارس المجاهد الذي كانت “صراحته” سببا رئيسًا في كل ما حدث له، لم يهادن أو يتلون يوما، كما يفعل كثيرون، ولم يمسك العصا من المنتصف، أو ينحني حتى تمر الريح.. ولكنه كما قيل عنه: العالِمُ السَّيف.

– (د. محمد محمد عبد الرحمن الراوي)

– الميلاد: 1 فبراير 1928م، قرية ريفا، محافظة أسيوط،

– الوفاة: 2 يونيو 2017م. القاهرة (7 رمضان، 1438هـ)

– درسَ وتخـرّجَ في جامعة الأزهر

– عضو مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، ورئيس قسم التفسير بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.

– نشأ يتيمًا في بيئة دينية، مع خاله، ووالد زوجته بعد ذلك، الشيخ المجاهد: “محمد فرغلي” أحد رجال الأزهر، وأكبر علماء عصره

– حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة في القرية، وعمره 9 سنوات… وبعد الانتهاء من الدارسة في معهد أسيوط، تقدّمَ إلى كلية أصول الدين بالقاهرة، وحصل منها على الشهادة العالية عام 1954م.. ثم الشهادة العالمية مع تخصص التدريس من كلية اللغة العربية، جامعة الأزهر عام 1956م.

– عملَ بعد تخرّجه بقسم الدعوة في وزارة الأوقاف، ثم أصبح مفتشا عاما في مراقبة الشؤون الدينية بعد مسابقة عامة لجميع المفتشين، كان ترتيبه الأول على الناجحين.

– اُبتِعثَ من قِبل الأزهر إلى نيجيريا لتدريس اللغة العربية وعلوم القرآن.

– عمل بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، بداية من العام الدراسي 1390/ 1391هـ، واستمر بها مدة تزيد على 25 عاما

– ساهم في إنشاء المعهد العالي للدعوة الإسلامية، وقام بإلقاء المحاضرات فيه، وأشرف على بعض رسائل الماجستير والدكتوراه في كلية أصول الدين وغيرها من كليات الجامعة.

– اشترك في مناقشة كثير من الرسائل العلمية في جامعة الإمام محمد بن سعود، وجامعة أم القرى بمكة المكرمة، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة الملك سعود.

– نَعَى الأزهر الشريف العالم الدكتور محمد محمد الراوي، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر..

وأكد  أن التاريخ سيظل يذكر فقيد الأزهر والأمة بعلمه وفكره الوسطي في بيان سماحة الإسلام، وجهوده الدعوية على كافة المستويات، ومصنفاته ومحاضراته التي أفاد منها طلاب العلم.. وأضاف: «والأزهر الشريف، إذ ينعي فقيده العزيز، يَتقدَّم بخالص العزاء والمُواساة للعالم الإسلامي، ولأسرة الراحل، سائلًا الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان».

– نعاه الدكتور يوسف القرضاوي قائلا: (لقد ودَّعَنا يوم الجمعة السابع من رمضان لسنة 1438هـ، الموافق الثاني من يونيو 2017م، الأخ العالم الداعية الأزهري الصادع بالحق، الناطق بالصدق، صديقنا وحبيبنا الشيخ محمد محمد عبد الرحمن الراوي، عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، وعضو هيئة كبار العلماء.. وأتفق أنا والشيخ الراوي (رحمه الله) في أمور عديدة، فكلانا ابن القرية المصرية، غير أنه صعيدي، وأنا من الوجه البحري، فهو ابن قرية ريفا محافظة أسيوط، وأنا ابن قرية صفط تراب محافظة الغربية.. وكلانا أزهري تخرّج في كلية أصول الدين، وكلانا نهل من معين الحركة الإسلامية، وكلانا نشط في العمل الطلابي في كلية أصول الدين، وكلانا عُيِّنَ فترة في عمل إداري بوزارة الأوقاف المصرية، بسبب نشاطنا الدعوي والطلابي، وكلانا خطب في مسجد الزمالك، خطبت أنا فيه سنة 1956م، بعد العدوان الثلاثي، خلفا للشيخ محمد الغزالي الذي تسلّمَ وقتها منبر الجامع الأزهر، وخطب فيه الشيخ محمد الراوي بعدي بسنوات، وكلانا كان عضوا بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، وعضوا بهيئة كبار العلماء…)

– كان خال الدكتور محمد الراوي ووالد زوجته، هو العالم الكبير الذي كان مرشحا لمشيخة الأزهر في الخمسينيات، المجاهد الأزهري الذي دوّخَ الإنجليز في القنال، واليهود في فلسطين: الشيخ محمد فرغلي، الذي حُكم عليه بالإعدام بعد حادث المنشية الشهير عام 1954م، رغم صداقته الشخصية بجمال عبد الناصر..

من مؤلفات الدكتور الراوي:

1- الدعوة الإسلامية دعوة عالمية (مجلد كبير)

2- كلمة الحق في القرآن الكريم – موردها ودلالتها (مجلدان)

3- حديث القرآن عن القرآن

4- القرآن الكريم والحضارة المعاصرة

5- القرآن والإنسان

6- الرسول في القرآن الكريم

7- الرضا

8- منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله

9- كان خلقه القرآن

10- المرأة في القرآن الكريم

من أشهر برامجه الدينية:

– حق اليقين

– عِـبر من قصص القرآن

– وقفات مع آيات

.. وله أكثر من 30 شريط كاسيت في مختلف الموضوعات الدينية: عن العقيدة والعبادات وسلسلة شرائط «14 شريطا» عن السيرة النبوية، وآخر عن رمضان، وكان له (برنامج) في إذاعة القرآن الكريم يذاع يوميا لمدة 10 دقائق، بـ اسم: «كان خلقه القرآن».

– كان الشيخ محمد الراوي لا يخشى في الحق لومة لائم، وكان لا يهادن ولا يتنازل، وسبّب له هذا الكثير من المشاكل في مصر وخارجها..

وفاته:

تُوُفيَ الشيخ الدكتور محمد الراوي، فجر يوم الجمعة الأولى من شهر رمضان المبارك، 7 رمضان 1438 هـ، الموافق 2 يونيو 2017م، وصلى عليه الآلاف صلاة الجنازة في الأزهر الشريف بعد صلاة الجمعة، بمشاركة عددٍ من علماء الأزهر

…………..

(سطور من موسوعة: “شموسٌ خلفَ غُيومِ التأريخ” – يسري الخطيب)

الأحد، 1 مارس 2026

بقي ثلثاه.. دليلك العملي لتدارك ما فاتك من رمضان

بقي ثلثاه.. دليلك العملي لتدارك ما فاتك من رمضان


يمضي رمضان سريعًا، وهذه سنّة المواسم العظيمة؛ تأتي

 لتختبر صدق النوايا لا طول الأمنيات. كثيرٌ منا بدأ

 الشهر بخطةٍ عالية السقف، وهمةٍ مشتعلة، ثم خفّ الإيقاع

 شيئًا فشيئًا تحت ضغط العمل، ومسؤوليات الأسرة،

 وتراكم التفاصيل اليومية. لكن الحقيقة التي يجب أن

نستحضرها بوعي: لم يفت الأوان… بقي ثلثاه.

الحديث هنا ليس عن حساب الأيام، بل عن فقه الفرص. رمضان ليس كتلةً واحدة، بل مراحل تتصاعد فيها

 الروح، وتتدرج فيها النفس من المجاهدة إلى الأنس. من 

فاته ثلث، أمامه ثلثان يساويان عمرًا جديدًا من القرب،

 إن أحسن التقدير والتنظيم.

المشكلة ليست في قلة الوقت، بل في تشتته. ما تبقى من

 رمضان يحتاج إلى إعادة ترتيب، لا إلى جلد ذات.

 نُخفف من الزوائد، ونُثبت الأساسيات. وردٌ يومي من

القرآن لا يُمسّ، ولو كان يسيرًا. صلاة ليل ثابتة، ولو

 ركعتين. صدقة منتظمة، ولو بالقليل. أعمال صغيرة ثابتة

 تصنع أثرًا أكبر من اندفاعٍ مؤقت ثم انقطاع.

بقي ثلثاه، وفيهما العشر التي تتبدل فيها المقادير، وتُكتب

 فيها الأرزاق، وتُغفر فيها الذنوب. من الحكمة أن

 ندخل هذه المرحلة ونحن أخف حملًا، أوضح نية، أكثر

 صدقًا مع أنفسنا. رمضان ليس موسم مظهر، بل موسم

 مخبر. ليس المهم كم يراك الناس عابدًا، بل كم يراك الله

 صادقًا.

ينبغي أن نسأل أنفسنا بوضوح: 

ما الذي تغير فيّ منذ بداية الشهر؟ هل اقتربت أكثر من

القرآن؟ هل هدأت نفسي؟ هل صلحت علاقتي بأهلي؟ هل خفّ تعلقي بما لا ينفع؟ إن لم نجد الإجابة التي نطمح إليها، فما زال أمامنا متسع للتصحيح.

بقي ثلثاه، وهذا يعني أن باب الزيادة مفتوح. 

قد يكون ما بقي أعظم بركةً مما مضى إن أحسنّا استثماره. ليست العبرة بمن بدأ قويًا، بل بمن ختم صادقًا. كثيرون يشتعلون في البداية، وقليلون يثبتون حتى النهاية.

فلنغتنم ما تبقى بعقلٍ منظم وقلبٍ حاضر. نقلل الضجيج،

 نُكثر الخلوة، نُراجع أولوياتنا، ونستحضر أننا قد لا

 نُدرك رمضان آخر. هذا الوعي وحده كفيل بأن يحول ما بقي من أيام إلى كنزٍ لا يُعوّض.

اللهم أعنا على اغتنام ما بقي، واجعل ختام رمضان خيرًا

 من أوله، واكتب لنا فيه قبولًا يرفعنا، ومغفرةً

 تطهرنا، وعتقًا من النار.

وقفات مع آيات (5).. الإنسان والتقليد

وقفات مع آيات (5).. الإنسان والتقليد

 

﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ 

لقد دعا الأنبياء أقوامهم إلى توحيد الله، فكان من أبرز حجج الرافضين: التمسك بما وجدوا عليه آباءهم. 

وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾، فردّ القرآن عليهم بقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾

وهذه حجة تكررت على ألسنة أقوام متعددة عبر التاريخ.

إنه لأمر عجيب أن يكتفي الإنسان بالتقليد في أعظم قضية في حياته: معرفة الخالق وعبادته، دون أن يمنحها ما تستحقه من نظرٍ وتمحيص. 

فالعقول التي تبدع في شؤون الدنيا، وتخترع، وتخطط، وتحسن سبل العيش، لماذا لا تبذل الجهد نفسه حين يتعلق الأمر بالألوهية والغاية من الوجود؟

أيُعقل أن تكون حجة الإنسان في أخطر قضاياه: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾؟ 

لقد واجه الأنبياء أقوامهم بالمعجزات والآيات، ومع ذلك غلب على كثير منهم الكبر واتباع رأي الكبراء وتقليد الآباء. وتشير بعض الآيات إلى أن الفطرة قد تنكشف عند الشدائد، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ ففي لحظات الخطر يزول التعلق بالأصنام،

وتظهر حقيقة التوجه إلى الله وحده. ولا يزال التقليد حاضرًا في واقع كثير من الناس اليوم، ومنهم علماء ومفكرون وقادة، يستخدمون عقولهم بمهارة في شؤون دنياهم،

لكنهم لا يمنحون مسألة الوجود والربوبية والغاية من الحياة القدر نفسه من البحث والتأمل، بل قد يُسلّم بعضهم فكره لبيئته أو لموروثه في أمر الدين.

أذكر أنني حين كنت أدرس الماجستير في مانشستر، سألني مشرفي ذات يوم – وهو من المتميزين في الهندسة الكيميائية، جادٌّ في عمله، ويبذل الساعات الطويلة في الجامعة لكنه في امر الدين غير مبالٍ تمامًا- 

“ما رأيك لو اندلعت حرب نووية بين الغرب والاتحاد السوفيتي؟”

فقلت بعفوية: “الإنسان مقدر له موتة واحدة، وأنا مؤمن بأجلي، سواء كانت الوفاة طبيعية أو بسبب جائحة أو حرب”.

فنظر إليّ متعجبًا وقال: “ليتني أحمل فكرًا سطحيًا وساذجًا مثلك”.

وهنا تذكرت أن التفوق في ظاهر الحياة لا يعني إدراك الغاية منها، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.

فكم من عقول لامعة في أمور الحياة الدنيا، لكنها لم تتأمل بعمق في السؤال عن الخالق والدار الآخرة.