‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. مالك الأحمد وقفات مع آيات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. مالك الأحمد وقفات مع آيات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 15 يونيو 2026

وقفات مع آيات (34) حياة طيبة للمؤمنين

 وقفات مع آيات (34) حياة طيبة للمؤمنين

د. مالك الأحمد

قال الله تعالى: 

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ 

قيل في الحياة الطيبة: هي الرضا والقناعة، وقيل: الرزق الحلال، وقيل: التوفيق للطاعة والانشراح بها، وقيل: السعادة. وهذه المعاني في حقيقتها متكاملة لا متعارضة.

والآية وعد من الله لعباده المؤمنين بحياة طيبة، تشمل طمأنينة القلب وسكينة النفس ورضاها. فالحياة الطيبة للمؤمن ليست أمرًا واحدًا، بل هي معانٍ متكاملة، أصلها الإيمان بالله والعمل الصالح والالتزام بشرعه وحسن الخلق، وقد يصاحبها رزق طيب وأمن واستقرار. فهي تجمع بين ما يسعد القلب من المعاني الإيمانية، وما تأنس به النفس من أسباب الحياة.

إن جودة الحياة لا تُقاس بوفرة مظاهرها، بل بصلاح باطنها؛ فالحياة الطيبة التي وعد الله بها عباده المؤمنين هي في حقيقتها حالة من السكينة الداخلية والرضا العميق، تنشأ من اجتماع الإيمان والعمل الصالح.

وقد ترى مؤمنًا في السجن، ومع ذلك يعيش في سكينة ورضا عجيبين، وترى آخر، رغم ما ابتُلي به من مرض، عالي الروح، قوي الصبر، عظيم التجلد.

وفي المقابل، قد يُعطى من فقد هذا الأصل شيئًا كثيرًا من متاع الدنيا، لكنه يبقى محرومًا من كمال الحياة الطيبة وطمأنينة الإيمان، وقد يعيش في قلق واضطراب، مهما بدا عليه من رفاه. وقد ينال لذة مادية عابرة، لكنها لا تبلغ أعماق القلب ولا تمنحه السكينة الحقيقية. 

مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. 

ونقل ابن القيم رحمه الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قوله “إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة”.

فالحياة الطيبة ليست أن يعيش الإنسان بلا ابتلاء، بل أن يعيش مطمئن القلب رغم الابتلاء. وهي فضل من الله وثواب عاجل للمؤمن، وتشمل الاستقرار والرضا والطمأنينة، وإن مرّ بشيء من المشقة أو الحزن؛ فهي ليست خلوًّا تامًّا من الألم، بل سكينة تعين على التوازن والصبر والرضا في تقلبات الحياة.

وقد رأيت معنى هذه الحياة الطيبة ماثلًا في رجل عرفته منذ زمن بعيد، وعايشته ردحًا من الدهر. 

لا أعرفه إلا مبتسمًا، ولا أذكر أنني سمعت منه إلا الكلمة الطيبة. لا يتأفف، ولا يضجر، ولا يكثر الشكوى. 

إن قلت: إنه من الصالحين، فذلك ما نحسبه، والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدًا. 

وإن قلت: إن في بعض أخلاقه وسمته شبهًا بما نقرأ عن أخلاق الصحابة وسمتهم، فلا أظنني مبالغًا. ناله من أذى الدنيا ولأوائها الشيء الكثير، لكنه صبر واحتسب، فرأيت آثار عوض الله عليه في أسرته ومجتمعه، وقبل ذلك في نفسه، بل وفي رزقه ومعاشه. 

كان القرآن سلواه في خلواته، وكانت الصلاة زاده في الليل. ورأيت في حاله أثرًا من آثار الحياة الطيبة التي يهبها الله لعباده المؤمنين. قصّ عليّ كثيرًا من المواقف التي عاشها، وحدثني بما رأى في حياته من عطاء الله وحفظه وآثار إجابة الدعاء. جمع بين العلم الشرعي، والدعوة، والبذل، والاجتهاد في العمل؛ فهنيئًا له ما أنعم الله به عليه في دنياه، ونرجو له في الآخرة الجزاء الأوفى، كما نرجوه لكل مؤمن صادق.



وقفات مع آيات (28).. حفظ الله أكمل وأوثق من حفظ الناس



الأربعاء، 10 يونيو 2026

وقفات مع آيات (33).. الابتلاء بالنعمة

 وقفات مع آيات (33).. الابتلاء بالنعمة

 

خرجت للتنزه في آخر أيام الربيع، في أطراف إحدى البلدات، ومعي أولادي. كان الجو في أوله لطيفًا، ثم ما لبث أن اشتد الحر عند الظهر، ولم تكن معنا خيمة نستظل بها. 

رأيت مزرعة ضخمة، فوقفت بالسيارة قريبًا منها، واستأذنت العامل أن نجلس ساعة تحت ظل نخلة فحسب، فوافق الرجل برحابة.

ما إن فردت البساط، وتهيأ الأولاد للجلوس في الظل، حتى عاد العامل مسرعًا، وعلى وجهه شيء من الحرج، وقال:

«معليش يا أستاذ، صاحب المزرعة رفض جلوسكم. لازم تخرجوا».

في تلك اللحظة لم يؤلمني الخروج بقدر ما آلمني المعنى. لم نطلب طعامًا، ولا شرابًا، ولا شيئًا ينتقص من ملك الرجل. طلبنا ظل نخلة ساعة من نهار وقت الظهيرة. كنت أظن أن صاحب المزرعة، وقد بلغه أن عابري سبيل وقفوا بباب مزرعته في شدة الحر، سيأمر بحسن الاستقبال وكرم الضيافة فإذا به يأمر بالطرد. 

عندها تذكرت قول الله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ}

والآية تشير إلى حقيقة كبرى: أن الفضل الذي في يد الإنسان وكل ما وسّع الله به عليه من أمور الدنيا ليس ملكًا مطلقًا ننسبه إلى أنفسنا، بل نعمة ابتلانا الله بها، لينظر كيف نصنع فيها. 

واستحضرت قوله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} فإذا كان أصل النعمة من الله، فكيف يليق بالعبد أن يبخل بها على عباد الله؟

وقد ذم الله تعالى منع اليسير، فقال في سياق ذم من يغفلون عن حقوق الخلق: “وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ” والماعون هو الشيء اليسير الذي جرت العادة أن يتسامح الناس في بذله. فإذا بلغ الإنسان أن يمنع ما لا يضره، ولا ينقص من ماله، فليفتش عن قلبه قبل أن يفتش عن خزائنه.

ولقد كان العرب في جاهليتهم، على ما فيهم من ضلال، يتفاخرون بإكرام العابر، ويعدّون البخل عارًا لا يغسله المال. فكيف بمن قرأ القرآن، وسمع أخبار إبراهيم عليه السلام حين جاءه الضيفان، فما لبث أن أسرع إلى إكرامهم؟ قال تعالى: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ}

لم ينتظر إبراهيم عليه السلام أن يطلبوا، ولم يسألهم عن مقامهم، ولم يزن الضيافة بحساب الربح والخسارة، بل بادر إلى المعروف؛ لأن الكرم في النفوس العظيمة سجية قبل أن يكون تكلفًا.

ان منع اليسير أبلغ في كشف النفس من منع الكثير؛ لأن الكثير قد تعتذر النفس عنه بالخوف والحاجة، أما اليسير فلا عذر في منعه إلا ضيق القلب.

ومن تأمل القرآن وجد أنه يربّي النفس على أن ما زاد عندك ليس شرفًا لك وحدك، بل اختبار لك. قال تعالى: {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} فمن أحسن الله إليه بسعة، فليجعل لسعته أثرًا في الناس.

واستحضرت قوله تعالى “وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” فالشح إذا استولى على النفس أفسد مروءتها، وجعل صاحبها يخاف النقص من كل بذل، ولو كان البذل لا ينقص شيئًا.

خرجت من المكان بمعنى لا أنساه: أن قيمة الإنسان لا تظهر فقط فيما يعطيه من ماله، بل فيما يسمح به من رحمته. وأن بعض القلوب قد تملك المزارع الواسعة، لكنها تضيق بظل نخلة.