وقفات مع آيات (38).. ساحر أو مجنون
قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢–٥٣].
هذه تهمة تتكرر عبر التاريخ؛ فما من رسول جاء قومه بالحق إلا رماه المكذبون بما ينفّر الناس منه، فقالوا: ساحر أو مجنون. ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾، أي: هل أوصى بعضهم بعضًا بهذه المقالة؟ ثم يأتي الجواب: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾؛ فالذي جمعهم على هذا القول هو الطغيان وتشابه القلوب، حتى كأنهم تواصوا به على تباعد الأزمنة.
وقد وجد أهل الباطل في هاتين التهمتين وسيلة لتنفير العامة من الرسل وصرفهم عن سماع دعوتهم؛ فمن يُوصم بالجنون يُشكَّك في عقله وكلامه ورأيه، فكيف يطمئن الناس إلى اتباعه؟ ومن يُتهم بالسحر يُصوَّر لهم صاحبَ قدرة خفية مؤذية، يفسد في المجتمع، ويستعمل قوى غير مألوفة للإضرار بالناس.
ولهذا اتهموا نبينا محمدًا ﷺ بالسحر والجنون، لا لأن في قوله ما يشبه كلام المجانين، ولا في فعله ما يشبه أفعال السحرة، بل لما رأوا من أثر القرآن في القلوب، وما أحدثته الاستجابة له من تمايز بين المؤمن والكافر، وبين من يقبل الحق ومن يعانده. فسمّوا ذلك سحرًا، وأرادوا أن يحذّروا الناس من الاستماع إليه والتأثر به.
لكنهم لم يستطيعوا إطفاء نوره؛ فقد سمعه من أنصف وتدبّر، وعرف أنه ليس كلام بشر، وأن البشر يعجزون عن الإتيان بمثله، فآمن بالنبي ﷺ وصدّق بما جاء به.
ومن المواقف التي بقيت في ذاكرتي أنني كنت مسافرًا بالطائرة، وكان مقعدي أحد آخر مقعدين فيها، وإلى جواري امرأة ألمانية. دار بيننا حديث بإنجليزية متكسرة.
كان معي حاسوب محمول أحتفظ فيه بنسخة كاملة من القرآن الكريم بصوت الشيخ محمود خليل الحصري. عرضت عليها أن تستمع، ثم ناولتها سماعتي الأذن وشغّلت التلاوة. سكنت قليلًا، وأخذت تنصت. وبعد دقائق سألتها: ماذا سمعتِ؟ وبماذا شعرتِ؟
قالت: شعرت بالراحة. لا أفهم ما يُقال، لكن أعجبني اللحن، مع أنه لا توجد موسيقى.
وجدت في التلاوة ما استوقفها وأراح نفسها، فكانت تلك الدقائق مدخلًا إلى الحديث عن الإسلام. بيّنت لها أن ما سمعته هو القرآن الكريم، ثم عرّفتها بالإسلام تعريفًا موجزًا، راجيًا أن أوقظ فضولها لتقرأ عنه وتتعرف إليه، ولعل الله يجعل ذلك سببًا لهدايتها يومًا ما.


