يمضي رمضان سريعًا، وهذه سنّة المواسم العظيمة؛ تأتي
لتختبر صدق النوايا لا طول الأمنيات. كثيرٌ منا بدأ
الشهر بخطةٍ عالية السقف، وهمةٍ مشتعلة، ثم خفّ الإيقاع
شيئًا فشيئًا تحت ضغط العمل، ومسؤوليات الأسرة،
وتراكم التفاصيل اليومية. لكن الحقيقة التي يجب أن
نستحضرها بوعي: لم يفت الأوان… بقي ثلثاه.
الحديث هنا ليس عن حساب الأيام، بل عن فقه الفرص. رمضان ليس كتلةً واحدة، بل مراحل تتصاعد فيها
الروح، وتتدرج فيها النفس من المجاهدة إلى الأنس. من
فاته ثلث، أمامه ثلثان يساويان عمرًا جديدًا من القرب،
إن أحسن التقدير والتنظيم.
المشكلة ليست في قلة الوقت، بل في تشتته. ما تبقى من
رمضان يحتاج إلى إعادة ترتيب، لا إلى جلد ذات.
نُخفف من الزوائد، ونُثبت الأساسيات. وردٌ يومي من
القرآن لا يُمسّ، ولو كان يسيرًا. صلاة ليل ثابتة، ولو
ركعتين. صدقة منتظمة، ولو بالقليل. أعمال صغيرة ثابتة
تصنع أثرًا أكبر من اندفاعٍ مؤقت ثم انقطاع.
بقي ثلثاه، وفيهما العشر التي تتبدل فيها المقادير، وتُكتب
فيها الأرزاق، وتُغفر فيها الذنوب. من الحكمة أن
ندخل هذه المرحلة ونحن أخف حملًا، أوضح نية، أكثر
صدقًا مع أنفسنا. رمضان ليس موسم مظهر، بل موسم
مخبر. ليس المهم كم يراك الناس عابدًا، بل كم يراك الله
صادقًا.
ينبغي أن نسأل أنفسنا بوضوح:
ما الذي تغير فيّ منذ بداية الشهر؟ هل اقتربت أكثر من
القرآن؟ هل هدأت نفسي؟ هل صلحت علاقتي بأهلي؟ هل خفّ تعلقي بما لا ينفع؟ إن لم نجد الإجابة التي نطمح إليها، فما زال أمامنا متسع للتصحيح.
بقي ثلثاه، وهذا يعني أن باب الزيادة مفتوح.
قد يكون ما بقي أعظم بركةً مما مضى إن أحسنّا استثماره. ليست العبرة بمن بدأ قويًا، بل بمن ختم صادقًا. كثيرون يشتعلون في البداية، وقليلون يثبتون حتى النهاية.
فلنغتنم ما تبقى بعقلٍ منظم وقلبٍ حاضر. نقلل الضجيج،
نُكثر الخلوة، نُراجع أولوياتنا، ونستحضر أننا قد لا
نُدرك رمضان آخر. هذا الوعي وحده كفيل بأن يحول ما بقي من أيام إلى كنزٍ لا يُعوّض.
اللهم أعنا على اغتنام ما بقي، واجعل ختام رمضان خيرًا
من أوله، واكتب لنا فيه قبولًا يرفعنا، ومغفرةً
تطهرنا، وعتقًا من النار.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق