الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

التصالح مع القدر.. هزيمة أم ذكاء؟

التصالح مع القدر.. هزيمة أم ذكاء؟
د. جاسم الجزاع




دائماً ما يجد الإنسان نفسه أمام باب قد أُغلق أمامه بإحكام، كعلاقة مع شخص انتهت، أو مشروع تجاري خسره، أو وظيفة مرموقة فقدها، أو حلم تأخر حتى تغيّرت ملامحه وقل الشغف، فيقف أمام سؤال قد صعبت أمام إجابته السبل: هل أواصل مقاومة ما حدث، أم أتصالح معه؟ وهل يكون التصالح شجاعة ووعيًا، أم اسمًا مهذبًا للهزيمة؟


لقد اعتدنا في أطروحاتنا الشعبية أن نمدح من يقاتل حتى النهاية، وأن ننظر بشيء من الدونية إلى من يقول: "قد قبلت ما جرى لي"، كأن القبول ضعف، وكأن القوة تعني أن نظل في حرب دائمة مع الحياة ومعتركاتها، ولكن ليست كل مقاومة بطولة، فقد تكون أحيانًا عجزًا عن الاعتراف بأن هذا الفصل قد انتهى، وأن الإصرار على فتح باب أغلقه القدر قد يستهلك العمر الذي كان يمكن أن نبني فيه أبوابًا أخرى.

لذلك فالتصالح مع القدر لا يعني أن لا نعترف بإيلام الجروح، أو أن الظلم كالعدالة في طعمه، أو أن الخسارة لم تكن قاسية على القلب والعقل، ولا يعني أن نتوقف عن المطالبة بحقوقنا أو إصلاح أخطائنا، بل يعني أن نرى الواقع كما هو، من غير إنكار ولا تجميل لصورته، ثم أن نمنع ما حدث لنا بالأمس من الاستيلاء على ما بقي لنا في قابل الأيام.

فالمهزوم هو من يرفع شعار "لا شيء يمكن فعله"، أما المتصالح فيقول: "قد لا أستطيع تغيير ما وقع، نعم صحيح لكنني أستطيع أن أقرر ماذا سأفعل بعده"، ولذلك نجد المستسلم يسلم مستقبله للماضي، بينما الذكي الفطن يأخذ من الماضي معناه، ثم يرفض أن يمنحه بقية عمره.

والإنسان لا يختار ما ينزل به القدر من حوادث، لكنه يختار بإرادته ما قد يصنعه بعد ذلك، فإما أن تكون الخسارة حفرة يقيم فيها مدداً من العمر، وقد تصبح نافذة أمل جديدة يرى منها نفسه والعالم بصورة جديدة، ولهذا قال النبي ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير» المصدر : صحيح مسلم، فما يؤلمنا اليوم قد يوقظنا غدًا، وما نظنه إبعادًا لنا عن الطريق قد يكون إنقاذًا من طريق لم يكن لنا، وصدقت العرب حين قالوا: «رُبَّ ضارة نافعة»، فبعض ما نسميه في ثقافتنا الشعبية "سوء حظ" ليس في حقيقته إلا إعادة ترتيب لحياتنا، ولا نفهم حكمتها ونحن داخل الحدث، وإنما تتضح لنا بعد أن نعبر الحدث و تأثيره.

فالحكمة ليست أن تحب كل ما جرى لك من أحداث مؤلمة، فالحب والكره أتركه لك فلا نتشدد في القبول المشاعري، ولكن الأهم أن تعرف كيف تعيش بعد تلك الحوادث من غير أن يتحول الجرح إلى هوية دائمة، وأن لا تجعل خسارتك تعريفًا لك، ولا تسمح لمكانة وظيفية فقدتها، أو شخص طعنك من الخلف في وقت الحاجة، أو فرصة ثمينة ضاعت بين يديك، أن تقنعك بأن قيمتك قد تزعزعت.

وهكذا يكون "التصالح مع القدر" سلاحاً لنا في تقبل النتائج بشكل إيجابي وذكي، دون أن نتعثر تعثراً ديموماً وسبيلاً لتحرير طاقتنا، وبدايةً لاختيار جديد في حياتنا، فإنه بذلك يصبح واحدًا من أرقى أشكال الذكاء الاستراتيجي، فليس القوي من ينتصر في كل معركة، بل من يعرف أي معركة يخوض، وأي باب يطرقه، وأي خسارة يودعها ثم يمضي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق