‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيرة ومسيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيرة ومسيرة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 29 أغسطس 2026

الشيخ مصطفى صبري: من مشيخة الإسلام إلى جهاد الفكر والقلم

 الشيخ مصطفى صبري: من مشيخة الإسلام إلى جهاد الفكر والقلم




أحمد شوقي عفيفي

داعية إسلامي وكاتب بنغلاديشي

 خاص ترك برس

مولده ونشأته ودراسته: 

ولد الشيخ مصطفى صبري سنة 1869م في مدينة توقاد بالأناضول في بيت عرف بحب العلم والعناية بالتربية الدينية. وفي تلك البيئة المحافظة تفتحت مداركه الأولى، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ولاحت عليه منذ حداثته مخايل النجابة وأمارات النبوغ، فجمع إلى قوة الحفظ سرعة الفهم وتوقد الذهن وشغفا بالعلم ظل ملازما له طوال حياته.

استهل رحلته العلمية في مسقط رأسه، فتلقى مبادئ العلوم الشرعية والعربية على علماء توقاد، وكان من أبرز شيوخه فيها الشيخ أحمد أفندي زوني زاده. ثم حمله التطلع إلى مزيد من التحصيل على الرحلة إلى مدينة قيصري، إحدى الحواضر العلمية المعروفة في الأناضول آنذاك، فلازم الشيخ محمد أمين أفندي الديوركي، المعروف بداماد الحاج طرون أفندي، وأخذ عنه حظا وافرا من علوم الشريعة واللغة.

ولم يقف طموحه عند حدود قيصري، بل شد الرحال إلى الآستانة، حاضرة الخلافة العثمانية وملتقى العلماء وطلاب المعرفة، فواصل دراسته في رحاب جامع السلطان محمد الفاتح، وأخذ عن طائفة من كبار علماء عصره، وفي مقدمتهم الشيخ محمد عاطف أفندي الإستانبولي والشيخ أحمد عاصم أفندي. وقد توثقت صلته بالأخير، فغدت العلاقة بينهما أبعد من صحبة العلم والتلمذة، إذ تزوج مصطفى صبري ابنته واستقر به المقام في العاصمة العثمانية.

وسرعان ما أثمرت رحلته في الطلب والتحصيل، ففي سنة 1890م اجتاز امتحان الرؤوس، وهو لم يزل في مقتبل العمر، فعين مدرسا في جامع السلطان محمد الفاتح لينتقل من مجالس التلقي إلى حلقات التعليم، ويشرع في أداء رسالته العلمية بين أروقة واحد من أشهر جوامع الآستانة.

ومع رسوخ قدمه في العلم، اتسعت دائرة حضوره في الحياة العلمية العثمانية، فاختير للمشاركة في دروس الحضور، تلك المجالس العلمية الرفيعة التي كانت تعقد بحضرة السلطان ويجلس فيها صفوة علماء الدولة، كما عهد إليه بتدريس التفسير والحديث، وتولى تدريس الحديث الشريف في المدرسة السليمانية.

وإلى جانب الدرس والتعليم، كان للقلم نصيب وافر من حياته، فقد انخرط في ميدان الكتابة والصحافة العلمية، وتولى رئاسة الجمعية العلمية الإسلامية، وأسهم بقلمه في مجلتها بيان الحق، فبرز عالما وكاتبا ومحاورا ذا حضور في القضايا العلمية والفكرية التي كانت تشغل المجتمع العثماني في تلك المرحلة المضطربة من تاريخه.

اكتمل لمصطفى صبري، وهو لا يزال في ريعان شبابه، تكوين علمي جمع بين أصالة التلقي، ورحابة الاطلاع، وتجربة التدريس، وممارسة الكتابة والفكر. وكان ذلك كله تمهيدا لمسيرة حافلة ستنقله من حلقات العلم في توقاد وقيصري والآستانة إلى صدارة المشهد الديني والفكري في الدولة العثمانية حتى انتهى به المطاف إلى منصب شيخ الإسلام في واحدة من أدق مراحل تاريخ الدولة وأشدها اضطرابا.

على كرسي التدريس في جامع الفاتح: 

لم يكن كرسي التدريس في جامع السلطان محمد الفاتح مقاما يناله كل متصدر للعلم، بل كان منزلة رفيعة تحيطها المشيخة الإسلامية بدقة الاختيار وصرامة الامتحان. وحين فتح باب التنافس عليه، تقدم نحو ثلاثمائة عالم، فلم يظفر بالنجاح منهم سوى ثلاثين، وكان مصطفى صبري أصغرهم سنا.

وما إن جلس إلى حلقات الفاتح حتى أخذ نجمه يسطع في سماء الآستانة العلمية، فقد جمع بين رسوخ العلم وقوة البيان، وبين دقة النظر وحسن الإفهام، فالتف حوله الطلاب، وذاع صيته، وتجاوز أثره أروقة الجامع إلى الصحف والمحافل الفكرية حيث خاض بقلمه قضايا عصره مناظرا ومدافعا عما يراه حقا.

ثم اختير للعمل في مكتبة قصر يلدز في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، فوجد بين خزائنها العامرة ونفائسها العلمية ميدانا رحبا للقراءة والبحث. وهناك ازدادت معارفه اتساعا، واجتمع له درس العلماء، وتجربة التعليم، وسعة المطالعة، ومراس الكتابة والمناظرة، فتهيأت شخصيته العلمية لتغدو فيما بعد واحدة من أبرز الشخصيات في أواخر العهد العثماني حضورا في ميادين العلم والفكر وقضايا الأمة.

شيخا للإسلام ورئيسا للوزراء بالنيابة: 

بلغ الشيخ مصطفى صبري ذروة مجده الرسمي حين تقلد منصب شيخ الإسلام سنة 1919م في عهد السلطان محمد السادس وحيد الدين، والدولة العثمانية تعبر واحدة من أحلك ساعات تاريخها، فقد وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وتركت الدولة مثخنة بجراح الهزيمة، تتنازعها الضغوط من الخارج والاضطرابات من الداخل، وتلوح في الأفق نذر الأفول.

وفي قلب تلك العاصفة، وجد الشيخ مصطفى صبري نفسه أمام أمانة تتجاوز حدود الفتوى والشأن الديني إلى صميم مصير الدولة وهويتها. ثم ازدادت أعباؤه حين غادر الصدر الأعظم الداماد فريد باشا إلى باريس، فنهض برئاسة مجلس الوزراء بالنيابة جامعا بين مشيخة الإسلام والقيام بأعباء رئاسة الحكومة في ظرف بالغ الدقة.

غير أن صعود الحركة الوطنية في الأناضول بقيادة مصطفى كمال فتح فصلا جديدا من حياته، إذ وقف في مواجهتها موقفا حازما، لما كان يراه في مسارها من خطر على الخلافة والمرجعية الإسلامية. ومع تبدل موازين القوى ورجحان كفة الحركة الوطنية، ضاقت به السبل واشتد عليه الخناق، لكنه ظل ثابتا على رؤيته مدافعا عنها حتى غدا بقاؤه في وطنه محفوفا بالمخاطر.

رحيله عن تركيا وحياة المنفى: 

في سنة 1922م، والدولة العثمانية تسدل الستار على آخر فصولها، غادر الشيخ مصطفى صبري وطنه الذي شهد مولده وتكوينه وصعوده إلى مشيخة الإسلام لتبدأ في حياته رحلة طويلة من المنافي حمل فيها قلمه وفكره وذاكرة عالم كان بالأمس في قلب الدولة، ثم أصبح بعيدا عنها يتابع من وراء الحدود تحولات وطنه وتقلبات زمانه.

تنقل بين مصر ولبنان والحجاز ورومانيا واليونان، واستقر حينا في غومولجينة بتراقيا الغربية، حيث أصدر مع ابنه إبراهيم صحيفة يارن، وجعل منها منبرا يبث فيه آراءه، ويناقش التحولات التي أعقبت قيام الجمهورية، ويدافع عن رؤيته للشريعة والخلافة والمرجعية الإسلامية.

وبعد سنوات أثقلها الترحال ومرارة الاغتراب، عادت به الرحلة إلى مصر سنة 1932م، فاتخذ القاهرة مستقرا أخيرا. وهناك توارى رجل السياسة شيئا فشيئا ليتقدم العالم والمفكر والمناظر، فأقبل على البحث والتأليف، وخاض معارك فكرية واسعة في قضايا العقيدة والفلسفة والتجديد والتغريب.

جهاد القلم والفكر في القاهرة: 

لم تكن القاهرة في حياة الشيخ مصطفى صبري مرفأ يستريح فيه من عناء المنافي، بل كانت ميدانا جديدا لمعركة انتقلت من دهاليز السياسة إلى رحاب الفكر والقلم. فقد نزلها وفي ذاكرته مشاهد أفول الدولة العثمانية، وفي نفسه يقين بأن ما جرى في تركيا لم يكن مجرد تبدل في الحكم، بل تحولا عميقا مس علاقة الدولة بالدين، وأصاب الخلافة والميراث الإسلامي في الصميم.

وفي الوقت الذي بهر فيه النموذج الكمالي طائفة من المثقفين العرب، نهض الشيخ صبري بقلمه يقدم رواية أخرى، لا بلسان مؤرخ يرقب الأحداث من بعيد، بل بشهادة رجل عاش في قلبها، وذاق مرارة نتائجها. وحين ضاقت المقالات عن استيعاب رؤيته، أودعها كتبه، وفي مقدمتها النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة، فصب فيه نقده على جمعية الاتحاد والترقي والحركة الكمالية، ورأى في تصاعد النزعة القومية وإضعاف الرابطة الإسلامية بعض أسباب تصدع البنيان العثماني.

وكان إلغاء الخلافة سنة 1924م أعمق تلك التحولات وقعا في نفسه، فرآه خاتمة لمسار طالما حذر من عواقبه. فكتب بحرارة شيخ الإسلام الذي شهد زوال المؤسسة التي تصدرها، وبألم رجل الدولة الذي رأى عالما بأسره ينطوي أمام عينيه. ثم اتسعت معركته من هموم السياسة إلى أسئلة الفكر الكبرى، فخاض بقلمه ميادين العقيدة والفلسفة والعقل والوحي والنبوة والمادية والتغريب، حتى غدت القاهرة مسرحا لأخصب أطوار حياته الفكرية، وتحول المنفي السياسي فيها إلى عالم مناظر جعل من الكلمة ميدانه، ومن الحجة عدته، ومن القلم سلاحه.

آثاره العلمية والفكرية: 

خلف الشيخ مصطفى صبري تراثا علميا وفكريا حافلا، تتجلى فيه سعة معارفه، وتنوع مشاغله، وحرارة المعارك التي خاضها دفاعا عن رؤيته للإسلام والعالم. وقد توزعت آثاره بين العربية والتركية العثمانية، وامتدت من العقيدة وعلم الكلام والفلسفة إلى السياسة والاجتماع والخلافة وقضايا التجديد والتغريب فضلا عن مقالات ومناظرات بثها في الصحف والمجلات. ولم تكن كتبه وليدة عزلة عن زمانه، بل خرجت من قلب التحولات العاصفة التي شهدها العالم الإسلامي، فواجه بقلمه الإلحاد والمادية والنزعات العلمانية، وناقش تيارات التغريب والقومية مدافعا عن مرجعية الوحي ورابطة الأمة ومكانة الدين في حياة الفرد والمجتمع والدولة. ومن أشهر آثاره: النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة، والقول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون، وموقف البشر تحت سلطان القدر، وقولي في المرأة ومقارنته بأقوال مقلدة الغرب إلى جانب رسائل ومؤلفات أخرى تشهد بثراء تجربته واتساع أفقه الفكري. غير أن ذروة عطائه، والكتاب الذي اقترن باسمه أكثر من سواه، تمثلت في موسوعته الكبرى موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، التي أودع فيها عصارة نظره، وخلاصة معاركه العقدية والفلسفية، فغدت من أبرز الشواهد على مشروعه الفكري وأوسع آثاره دلالة على مكانته العلمية.

معاركه الفكرية: 

لم يكن الشيخ مصطفى صبري من أولئك العلماء الذين آثروا العزلة حين اضطربت ساحات الفكر، بل نزل إليها بقلمه وحجته، يحمل ذاكرة رجل شهد انهيار دولة وتبدل عصر، ويرى أن حراسة العقيدة لا تقل شأنا عن حراسة الأوطان. ومن هنا غدا قلمه واحدا من أكثر الأقلام حضورا في السجالات الفكرية التي شهدتها مصر في زمانه.

وكانت قضية الإسلام والحكم في طليعة معاركه، فلما صدر كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق، تصدى لأطروحاته بالنقد رافضا حصر الإسلام في دائرة الاعتقاد الفردي ومؤكدا أن رسالته، كما فهمها، تمتد إلى المجتمع ونظامه وشؤون حياته العامة.

وخاض كذلك معركة أخرى دفاعا عن حقيقة الوحي والنبوة والمعجزة، فرفض تأويل المعجزات بما يجردها من خرق العادة، كما أبى أن ترد النبوة إلى العبقرية أو النبوغ الإنساني، ورأى في ذلك مساسا بجوهر الاصطفاء الإلهي وحقيقة الوحي.

ظل الشيخ مصطفى صبري في القاهرة وفيا للعلم والقلم حتى أواخر أيامه إلى أن وافته المنية في 12 مارس 1954م بعيدا عن توقاد مهد طفولته، والآستانة مسرح مجده العلمي والسياسي.

وهكذا طويت صفحة عالم عاش بين عصرين، وشهد أفول دولة وانقضاء خلافة، وتقلب بين التدريس والسياسة ومشيخة الإسلام ومرارة المنفى. 

رحل الرجل، وبقي قلمه شاهدا على رحلة صاخبة، وتراثه صدى لعالم ظل ينافح عما آمن به حتى أسدل العمر ستاره الأخير.

المراجع:

1. الشيخ مصطفى صبري، النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة.

2. الشيخ مصطفى صبري، موقف البشر تحت سلطان القدر.

3. الشيخ مصطفى صبري، مسألة ترجمة القرآن.

4. خير الدين الزركلي، الأعلام. 

5. الشيخ يوسف شوقي ياووز، مصطفى صبري أفندي.




شيخ الإسلام مصطفى صبري.. غريبٌ في وجه التغريب - إسلام أون لاين


الشيخ مصطفى صبري: حياته وعصره


الجمعة، 28 أغسطس 2026

ذاكرة الآمة

    ذاكرة الآمة
29 أغسطس 1966م:وفاة صاحب “الظلال”


  يسري الخطيب



لم يكن يوم 29 أغسطس 1966م، يومًا عابرًا في تاريخ الفكر الإسلامي، ففيه أُسدل الستار على حياة رجلٍ لم يكن عابرًا في زمانه، بل كان صاحب قلمٍ هزَّ الساكن، وفكرٍ اشتبك مع أسئلة عصره، وروحٍ جعلت من الكلمة عهدًا لا يتراجع عنه صاحبها.

في ذلك اليوم، أُعدم سيّد قطب، الأديب والشاعر والناقد والمفكر الإسلامي، الذي خرج من قرية موشا بأسيوط، ثم شق طريقه في عالم الأدب والفكر حتى غدا أحد أبرز الأصوات الإسلامية في القرن العشرين.

كان سيّد قطب رجلًا تتجاور في شخصيته رهافة الأديب وصلابة صاحب المبدأ؛ كتب في الأدب والنقد، وتأمل مشكلات الحضارة والمجتمع، ثم اتجه بقوة إلى المشروع الإسلامي، فترك مؤلفاتٍ صارت علاماتٍ بارزة في الفكر الإسلامي الحديث، وفي مقدمتها «في ظلال القرآن»، ذلك السفر الذي حمل رؤيته للقرآن والحياة والإنسان، وظل حاضرًا في المكتبة الإسلامية لعقود.

وحين جاء يوم المحنة، لم يكن الذي صعد إلى المشنقة مجرد اسمٍ في سجل الإعدامات، بل صاحب مشروعٍ فكري واسع، ترك أثرًا تجاوز حدود حياته، وبقيت كلماته وكتبه شاهدةً على رجلٍ آمن أن للكلمة ثمنًا، وأن بعض المواقف لا تُشترى بالحياة.

في مثل هذا اليوم 29 أغسطس 1966م: جمال عبد الناصر يعدم أستاذه وصديقه، ومستشار مجلس قيادة الثورة، الشاعر والأديب والعالِم، والكوكب الدرّي في سماء الفكر الإسلامي .. فخر أمة الإسلام.. سيّد المفكرين، وأيقونة الزمان المضيئة.. صاحب ظلال القرآن: “سيّد قُطب”…

(سيّد قُطب إبراهيم حُسَين الشاذلي)

الميلاد: 9 أكتوبر 1906م، موشا – أسيوط (مصر)

الإعدام: 29 أغسطس 1966م، القاهرة.

– كان” سيد قطب” ضعيف البنية، يعاني من أمراض في الكلى والمعدة والرئة منذ طفولته، ورغم ذلك كان جسورا، لا يخشى حاكما ولا محكوما، كما قال عنه الشيخ علي الطنطاوي.

– تخرّجَ في كلية (دار العلوم)

لم يتزوج

من أشهر مؤلفاته:

1- الإسلام ومشكلات الحضارة

2- الأعمال الشعرية الكاملة

3- التصوير الفني في القرآن

4- السلام العالمي والإسلام

5- العدالة الاجتماعية في الإسلام

6- المستقبل لهذا الدين

7- النقد الأدبي.. أصوله ومناهجه

8- تفسير آيات الرِّبا

9- تفسير سورة الشورى

10- خصائص التصور الإسلامي ومقوماته

11- دراسات إسلامية

12- في التاريخ فكرة ومنهاج

13- كُتب وشخصيات

14- مشاهد القيامة في القرآن

15- معالم في الطريق

16- معركة الإسلام والرأسمالية

17- مقومات التصور الإسلامي

18- نحو مجتمع إسلامي

19- هذا الدين

20- في ظلال القرآن (تفسير كامل للقرآن الكريم في 6 مجلدات، وهو أوسع الكتب انتشارا وتوزيعا على وجه الأرض، وتمت ترجمته بجميع لغات العالم)

21- أيها العرب استيقظوا واحذروا

22- أمريكا التي رأيت 

(نُشر في سلسلة مقالات صحفية، ولكن مسودات هذا الكتاب اختفت من المطابع، ولم يُنشر للآن)

الاثنين، 27 يوليو 2026

عندما أُدرج إسمي في ورقة..

 عندما أُدرج إسمي في ورقة.. عن قضيَّةٍ لم أُستدعَ إليها، وثمنٍ لا أدفعه وحدي

أدهم حسانين

ما زلتُ أكتب. أكتب أقوى ممَّا كنت، وسأظل أكتب. والقضيَّة رقم 1282 ما زالت مفتوحةً، معلَّقةً، بلا موعدٍ محدَّدٍ لجلسةٍ أو حكم، تمامًا كما بدأت.. 

 أُدرج إسمي في عام 2025، داخل قضيَّةٍ. رقمها 1282. مقيَّدٌ فيها "متَّهمًا".  لم أُستدعَ، ولم يتَّصل بي أحدٌ ليخبرني بالتهمة على وجه الدقَّة.. عرفتُ الأمر كما يعرفه كلُّ من هو في وضعي من زميلٍ، أو من بحثٍ سريعٍ بالاسم، أو من صحفيٍّ آخر اتَّصل يسأل: "هل تعلم أنَّ اسمك مُدرَجٌ؟".


لا أريد أن أُبالغ في الحكاية. لا مطاردة سينمائيَّة، ولا سيَّارة تُلاحقني في شارعٍ أوروبيٍّ. ما حدث أبسط وأقسى من ذلك: دولةٌ تبعد عنِّي آلاف الكيلومترات فتحت ملفًّا باسمي و رفاق الطريق ، دون علمي، ودون أن أتمكَّن من الدفاع عن نفسي فيه، ودون أن يكون أمامي أصلًا من أردُّ عليه.

التهمة ليست قائمةً على فعلٍ ارتكبته. التهمة أنِّي كتبت. مقالٌ، رأيٌ، تغريدة لا فرق. المهمُّ أنَّ هذا الكلام قُرئ، وقرَّر أحدهم أنَّه خطيرٌ بما يكفي ليتحوَّل إلى رقم قضيَّة.

لأنني قررت مقاومة الاحتلال العسكري الواقع على مصر منذ سنة 1952 ، وأرفع صوتي ب لا أمام ألة قمع لا تتوقف على مدار عقود .

أوَّلًا ـ كيف تعرف أنَّك متَّهم؟

يبدو هذا هو السؤال تفصيليًّا، لكنَّه في الحقيقة جوهر المشكلة كلِّها. فأنا لم أتلقَّ خطابًا رسميًّا، ولم يقرع بابي محامٍ يحمل أوراقًا، ولم يتَّصل بي أحدٌ من السفارة أو القنصليَّة ليخبرني. المعرفة نفسها جاءت "مصادفةً" بحثًا عابرًا، أو رسالةً من صديقٍ يقول : "شفت اسمك فى السوشيال ميديا ".

تبدأ القضيَّة في الأنظمة القانونيَّة التقليديَّة المنطقية ، بفعلٍ: سرقةٌ، اعتداءٌ، احتيالٌ ـ شيءٌ ماديٌّ يمكن إثباته أو نفيه. لكنَّ قضيَّتي، مثل قضايا كثيرين غيري، بدأت بكلمة. لم أسرق شيئًا. لم أعتدِ على أحد. لم أحرِّض على عنفٍ، ولم أدعُ إلى فوضى. كتبتُ رأيًا وعبرت عنه بالرفض عبر التظاهر. حلَّلتُ سياسةً. انتقدتُ قرارًا. هذا كلُّ ما في الأمر.

هذا التفصيل الصغير يكشف شيئًا أكبر بكثير من مجرَّد إجراءٍ إداريٍّ ناقص. فحين لا تُخطَر رسميًّا بأنَّك متَّهمٌ، فأنت لا تملك حتَّى نقطة بدايةٍ واضحة تتحرَّك منها. لا تعرف متى فُتح الملف بالضبط. لا تعرف من قرَّر إدراج اسمك بقوائم ما يسمى "إرهاب". لا تعرف إن كانت هناك جلسة استماعٍ عُقدت، أو قرارٌ اتُّخذ، أو حتَّى تحقيقٌ جرى من الأساس.

أنت ببساطةٍ تكتشف، ذات يومٍ، أنَّك أصبحت "متَّهمًا" في نظامٍ قانونيٍّ لم يُعطِك فرصة معرفة قواعده. هذا الغموض ليس عيبًا في الإجراء؛ إنَّه الإجراء نفسه. فالقضيَّة المفتوحة دون إعلانٍ واضح، ودون محاكمةٍ محدَّدة الموعد، تؤدِّي وظيفتها كاملةً حتَّى وهي معلَّقةٌ إلى أجلٍ غير مسمًّى. لا تحتاج إلى إدانةٍ لتُخيف؛ يكفي أن تبقى قائمة.

ثانيًا ـ التهمة التي لا تحتاج جريمة

تبدأ القضيَّة في الأنظمة القانونيَّة التقليديَّة المنطقية ، بفعلٍ: سرقةٌ، اعتداءٌ، احتيالٌ ـ شيءٌ ماديٌّ يمكن إثباته أو نفيه. لكنَّ قضيَّتي، مثل قضايا كثيرين غيري، بدأت بكلمة. لم أسرق شيئًا. لم أعتدِ على أحد. لم أحرِّض على عنفٍ، ولم أدعُ إلى فوضى. كتبتُ رأيًا وعبرت عنه بالرفض عبر التظاهر. حلَّلتُ سياسةً. انتقدتُ قرارًا. هذا كلُّ ما في الأمر.

ومع ذلك، تحوَّل هذا الفعل البسيط "الكتابة" إلى أساسٍ لملفٍّ قانونيٍّ يحمل رقمً 1282  ويُصنَّف تحت بندٍ أمنيٍّ. والمفارقة أنَّ هذا النوع من التهم لا يحتاج إلى معيارٍ ثابت. فما يُعدُّ "خطيرًا" اليوم قد لا يكون كذلك غدًا، والعكس صحيح.

لا توجد قائمةٌ منشورةٌ بالكلمات الممنوعة، ولا معيارٌ واضحٌ لما يُعتبر تحريضًا وما يُعتبر رأيًا. هذا الغموض المتعمَّد "أو ربَّما غير المتعمَّد، لكنَّه فعَّالٌ على أيَّة حال" يجعل كلَّ كاتبٍ يعيش في حالة قلقٍ دائم: هل هذه الجملة ستكون هي التي تفتح ملفًّا باسمي؟

ثالثًا ـ الخطر الحقيقيُّ ليس عليَّ

يسألني كثيرون: "هل يستطيعون الوصول إليك في هولندا؟" والإجابة الصادقة: لا، ليس مباشرةً ، قد يتم الاعتداء علي مثلما حدث مع أنس حبيب من أذرع الانقلاب المنتشرة على الاراضي الأوروبية .

ولكن أنا هنا فى هولندا،  بلدٍ تحكمه سيادة القانون، وتحميني الشرطة الهولنديَّة جسديًّا، ولا يستطيع أحدٌ اعتقالي بناءً على قضيَّةٍ في بلدٍ آخر ما لم تكن هناك معاهدة تسليمٍ سارية ووقائع تدعمها. هذا ليس مصدر قلقي الأوَّل.

مصدر القلق الحقيقيُّ أنَّ هذه القضيَّة لا تستهدفني وحدي. تستهدف من حولي. أهلي في مصر.  أناسٌ يمشون في الشارع، يفتحون باب بيتهم، لا شأن لهم بالسياسة أصلًا، وفجأةً يصبح هناك من يسأل عنهم لأنِّه فقط علق او ريأكت على ما كتبتُه من كلمات من هنا.

هذا ليس تهديدًا يُقال بصوتٍ عالٍ. وحدث أن  يتَّصل بي أحدٌ ليقول: "إن استمررت، سنفعل كذا." أو تهديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي . فالرسالة تصل دون أن يقولها أحد من نوعيَّة الأسئلة التي تُسأل لأهلي، ومن توقيتها، ومن الصمت الذي يقابلني حين أحاول معرفة التفاصيل.

أحيانًا تكون مكالمةً هاتفيَّةً "روتينيَّة" من جهةٍ ما، تسأل عن مكان إقامتي، أو عن نشاطي، أو عن أشخاصٍ أتواصل معهم ، أو تهديد صريح في أيٍّ منها، وطلبات محالة لكنَّ التوقيت وحده كافٍ ليوصل الرسالة.

هذه هي الآليَّة التي يعمل بها هذا النوع من الملاحقة: لا تحتاج إلى لمسي جسديًّا لتؤثِّر فيَّ. يكفي أن تجعلني أعرف أنَّ من أحبُّهم عرضةٌ للأذى بسبب ما أكتب.

رابعًا ـ لستُ استثناءً

من السهل أن يتحوَّل مقالٌ كهذا إلى شكوى شخصيَّة او يظنوا هذا ، ولكن أنا حريصٌ أن يكون فضح لسوءة النظام العسكري. ليست القضيَّة رقم 1282 حالةً فرديَّة، وإن سكتُّ عنها سأشارك  دون قصدٍ  في إخفاء نمطٍ قائمٍ فعلًا.

هناك آخرون مثلي أكثر منِّي بكثير  أسماؤهم مُدرَجةٌ في ملفَّاتٍ مشابهة، وبعضهم لا يملك منبرًا يتحدَّث منه كما أملك أنا. صحفيُّون، نشطاء، حتَّى أشخاصٌ عاديُّون لم يمارسوا الصحافة يومًا لكنَّهم شاركوا منشورًا أو علَّقوا تعليقًا.

إن القضيَّة 1282 ليست استثناءً؛ إنَّها طريقة عملٍ. يكتب أحدهم من الخارج، ويقرِّر أحدٌ آخر أنَّه "خطرٌ"، ويتحوَّل الأمر من رأيٍ إلى ملفٍّ قانونيٍّ، دون محاكمةٍ حقيقيَّة، ودون حتَّى إعلانٍ رسميٍّ واضح بوجود اتِّهام أصلًا.

والأخطر أنَّ هذا النمط لا يقتصر على المصريِّين وحدهم، ولا على بلدٍ بعينه. إنَّه أسلوبٌ متكرِّرٌ تلجأ إليه أنظمةٌ عدَّة حين تريد ملاحقة أصواتٍ خارج حدودها دون أن تتحمَّل عبء إثباتٍ فعليٍّ أو مسار قانونيٍّ شفَّاف.

سيظل الملف المفتوح، غير المُعلَن بوضوح، يخدم الغرض نفسه في كلِّ مكان: يخيف دون أن يُدين، ويُبقي الكاتب في حالة توتُّرٍ دائم دون أن يمنحه فرصة الدفاع عن نفسه.

خامسًا ـ ما الذي تغيَّر فيَّ فعلًا

لن أقول إنَّ هذا جعلني أقوى. هذه العبارة مستهلكةٌ، وتُقال عادةً في سياقاتٍ تسعى لتجميل تجربةٍ مؤلمة. لا أريد أن أفعل ذلك. ما حدث فعلًا أبسط وأصدق: أصبحتُ أكتب أكثر ولغتي أصبحت اقوى وأطرق أبواب مواضيع كثيرة.

السلطة التي تفتح ملفًّا ولا تُغلقه، ولا تُحاكم صاحبه، ولا حتَّى تعلن بوضوح ما هي التهمة بالضبط ، لا تسعى إلى العدالة. تسعى إلى شيءٍ آخر تمامًا: أن يبقى كلُّ من يفكِّر في الكتابة يعرف أنَّ الثمن ممكنٌ، وإن لم يكن مؤكَّدًا. وأن يبقى كلُّ من كتب بالفعل يحمل هذا الثمن معه أينما ذهب، مهما ابتعد جغرافيًّا عن مصدر القضيَّة.

صراحةً فأنا ما زلتُ أقول ما أعتقده، وما زلتُ أنتقد ما يستحقُّ النقد. لكنِّي أصبحتُ أكثر وعيًا بكلَّ جملةٍ أكتبها من هنا يكون لها ثمنٌ أدفعه ، أفضل من أن أكون منبطحا او خانع في وجه نظام قمعي .

هذا الوعي جعلني أقوى في الكتابة، ليس لأنِّي أراجع الكلمات، بل لأنِّي أفكِّر في أقوي الكلمات التى تؤرق مضاجع الظُلاّم .

هو يريد هدف من هذه القضيَّة، سواءٌ كان مقصودًا أم نتيجةً جانبيَّة لآليَّةٍ أوسع. لا يستلزم الأمر اعتقالًا فعليًّا كي تعمل الرقابة. لا يستلزم استدعاءً، ولا محاكمةً، ولا حتَّى تهمةً واضحة.
يكفي أن تعرف أنَّ اسمك مكتوبٌ في ورقةٍ في مكانٍ ما، لتبدأ التفكير مرَّتين قبل أن تكتب المرَّة التالية.

سادسًا ـ لماذا أستمرُّ رغم ذلك؟

قد يسأل قارئٌ: إذا كان الثمن بهذا الوضوح، لماذا تستمرُّ في الكتابة؟  ألا يكون الصمت أكثر أمانًا لك ولأهلك؟

الإجابة ليست بطوليَّةً كما قد تبدو، لكنَّها صادقة: لأنَّ الصمت لا يحلُّ المشكلة، بل يؤجِّلها ويوسِّعها. فإذا توقَّفتُ أنا، وتوقَّف أمثالي، فإنَّ الآليَّة التي أنتجت القضيَّة 1282 ستستمرُّ في العمل بلا أيِّ صوتٍ يكشفها. ستظلُّ ملفَّاتٌ تُفتَح، وأسماءٌ تُدرَج، وعائلاتٌ تُساءل، دون أن يعرف أحدٌ خارج دائرة الضحايا المباشرين أنَّ هذا يحدث أصلًا.

الكتابة عن هذه التجربة، رغم كلِّ مخاطرها، هي الطريقة الوحيدة التي أملكها لأجعل هذا النمط مرئيًّا.

فحين يُنشَر مقالٌ كهذا، لا يبقى الملف سرًّا بين جهةٍ حكوميَّةٍ وكاتبٍ للمقال؛ يصبح جزءًا من سجلٍّ علنيٍّ يمكن لصحفيِّين آخرين، ومنظَّماتٍ حقوقيَّة، وحتَّى مؤسَّساتٍ دوليَّة، أن تتابعه وتوثِّقه.

خاتمة ـ ثمنٌ لا يُدفَع مرَّةً واحدة

ما زلتُ أكتب. أكتب أقوى ممَّا كنت، وسأظل أكتب. والقضيَّة رقم 1282 ما زالت مفتوحةً، معلَّقةً، بلا موعدٍ محدَّدٍ لجلسةٍ أو حكم، تمامًا كما بدأت.

هذا الغموض نفسه هو الرسالة. فالسلطة التي تفتح ملفًّا ولا تُغلقه، ولا تُحاكم صاحبه، ولا حتَّى تعلن بوضوح ما هي التهمة بالضبط ، لا تسعى إلى العدالة. تسعى إلى شيءٍ آخر تمامًا: أن يبقى كلُّ من يفكِّر في الكتابة يعرف أنَّ الثمن ممكنٌ، وإن لم يكن مؤكَّدًا. وأن يبقى كلُّ من كتب بالفعل يحمل هذا الثمن معه أينما ذهب، مهما ابتعد جغرافيًّا عن مصدر القضيَّة.

هذا هو الثمن الحقيقيُّ لكلمةٍ واحدة: ليس اعتقالًا واحدًا في لحظةٍ واحدة، بل حالةً مستمرَّةً من عدم اليقين، تعيش معك في كلِّ مرَّةٍ تفتح فيها صفحةً فارغة لتكتب ، والرهان الحقيقي انك تستمر والا تقف مهما كان كانت الأثمان.