الأربعاء، 12 فبراير 2014

كلهم شركاء فى الجريمة


كلهم شركاء فى الجريمة 

فهمي هويدي

لابد أن يدهشنا أن تعذيب البشر فى ظل الوضع المستجد غدا خبرا عاديا فى وسائل الإعلام المصرية، بحيث ما عاد يفاجئ القارئ ولا يحرك شيئا لدى منظمات حقوق الإنسان، فى حين يقابل بصمت وعدم اكتراث من جانب الأجهزة الأمنية، وبمضى الوقت صار الأمر مألوفا وأصبح القارئ يطالع أخبار التعذيب بعين ناعسة، وكأنه يقرأ إعلانات أفلام الموسم.

خلال الأسابيع الأخيرة ظلت بعض الصحف والمواقع الإلكترونية تتحدث عن أخبار التعذيب التى ينقلها الآباء والأمهات ويتحدث عنها المحامون، ذلك أنه بعد أحداث 25 يناير بوجه أخص التى قتل فيها أكثر من مائة شاب وفتاة وتم اعتقال نحو ألف شخص ارتفع منسوب القصص المنشورة، وهى التى ما برحت تروى عذابات الشباب والفتيات الذين تم اعتقالهم وجرى إيداعهم فى مراكز الشرطة أو معسكرات الأمن المركزى، وعذابات الأهالى الذين يهانون أمام السجون حين يتوجهون لزيارة ذويهم، ويظلون يبحثون عنهم مرة فى أبوزعبل ومرة ثانية فى طرة وثالثة فى سجن العقرب... إلخ، أما المحامون فلم يكونوا أفضل حظا من غيرهم، لانهم بدورهم لم يسلموا من الإهانة والتنكيل حين يتوجهون للقاء موكليهم.

 الأمر الذى يصور المدى الذى وصلت إليه استباحة كرامات البشر، وفى الوقت ذاته فإنه يعطى انطباعا قويا بأن الأجهزة الأمنية أطلقت أيديها فى التعامل مع المعتقلين دون حسيب أو رقيب. فى استعادة لفظاظة وجموح سلوك الشرطة فى عهد مبارك والعادلى.

القصص التى يرويها الأهالى ويتناقلها النشطاء تصدمنا، إذ تتحدث عن شبان وفتيان حديثى السن ألقى القبض عليهم فى ذكرى 25 يناير أو أثناء الاحتجاجات على قانون التظاهر، وبعضهم كان مجرد عابر فى الطريق أو جالسا على مقهى. وأغلبهم ليس لهم أى لون سياسى ولكنهم حشروا حشرا فى عربات الأمن المركزى، وكتب عليهم ان يخوضوا تجربة السجن، وأن يتعرضوا لأهوال التعذيب والترويع.

أحدهم خالد السيد نشرت له بوابة يناير وصفا لرحلة العذاب والترويع التى تعرض لها بعد القبض عليه.
قال إنه وزميل له (ناجى كامل) أودعا قسم الأزبكية، الذى وصفه بأنه سلخانة، حيث كان التعذيب مستمرا فيه طوال اليوم، وضعوهم فى غرفة صغيرة حيث ظلوا يسمعون منها صراخ المعذبين الذين كان ينقل إليهم الهلع والرعب.
 بعد قليل غطوا عينى صاحبنا وأدخلوه فى غرفة أدرك من صراخ من فيها أنهم يصعقون بالكهرباء، قال له الضابط الذى لم يره أثناء صراخ الشباب إن ذنب هؤلاء «العيال» فى رقاب «بتوع الثورة»، ولولاهم لكانوا مرتاحين فى بيوتهم، أعادوه وأخذوا زميله ناجى كامل ليمر بنفس التجربة، الشباب الذين أعيدوا بعد ذلك إلى غرفة الحجز قالوا انهم أجبروا على خلع ملابسهم باستثناء الثياب الداخلية وانهم ضربوا وصعقوا بالكهرباء التى لم تستثن أعضاءهم التناسلية، وقال أكثر من واحد أنه تم الاعتداء عليه جنسيا.
فى سجن أبوزعبل التقى خالد شبابا أجبروا على الوقوف 16 ساعة متواصلة فى قسم الأزبكية. ومن حل عليه التعب منهم كان يضرب ويشتم هو وأهله. 
حتى مرضى السكر والضغط حين يقعون مغشيا عليهم كانوا يجبرون على الوقوف بمجرد إفاقتهم.
من أبوزعبل قاموا بترحيلهم إلى قسم قصر النيل، هو وزملاؤه ناجى كامل ومحمد السايس وعبدالله محمد ــ وبعد وصولهم عرفوا أن ضابط المباحث (و.ع) كان يقوم بنفسه بضرب 70 شخصا محتجزين فى زنزانة بالطابق الأرضى، هناك جاءهم أحد ضباط أمن الدولة وأمضى معهم 5 ساعات أفهمهم خلالها أنهم لن يخرجوا من السجن، وان ذنب كل المعتقلين فى رقابهم.
بعد عشرة أيام تم ترحيلهم مرة أخرى إلى سجن أبوزعبل. 
وبمجرد دخولهم تمت سرقة كل ما كان بحوزتهم من ملابس وأدوية وطعام وبطانيات. مروا بحلقة أخرى من الأهوال، حيث أمروهم بخلع ثيابهم ثم أغرقوهم بالمياه وتركوهم يرتجفون من البرد لعدة ساعات، كل يوم كانوا يربطون أيديهم من الخلف وينهالون عليهم بالضرب المقترن بالشتائم المقذعة. فى حين أن أى مقاومة من جانب الشخص المضروب كانت تقابل بمزيد من الضرب.

أضاف خالد السيد فى رسالته المنشورة انه يوجد فى سجن أبوزعبل عشرات المعتقلين منذ شهر يناير وهؤلاء يعذبون بشكل دورى، ولا يعرف عنهم أحد أى شىء، لا أهاليهم ولا محاموهم. علما بأن إدخال الأدوية للمحبوسين ممنوع حتى بالنسبة لأصحاب الأمراض المزمنة، ومن رابع المستحيلات ان يستدعى طبيب السجن لأى مريض، أو يحال المريض تحت أى ظرف إلى مستشفى السجن لإسعافه.

حين ذهب خالد إلى رئيس النيابة، مال نائب مأمور قسم الأزبكية على زميله محمد عبدالله، بعدما أدلى بشهادته، وقال له وهو يلف ذراعه حول رقبته: حين ترجعون إلى القسم ستلقون وعدكم.

هذه واحدة من عشرات الشهادات الموجودة على شبكة التواصل الاجتماعى، التى لم تحرك شيئا لا لدى منظمات المجتمع المدنى الحقوقية أو غير الحقوقية، ولا لدى وزارة الداخلية التى لم تكترث لا بالتحقيق فى الوقائع المنشورة ولا فى تصويب المعلومات أو حتى تكذيبها، أو الاعتذار عنها، ربما باعتبار أن المعلومات المذكورة أصبحت أمرا عاديا لا تستحق شيئا من ذلك.

الذى لا يقل غرابة عما سبق أن البرلمان الأوروبى حين أعرب عن إدانته لمثل تلك الممارسات فإن الخارجية المصرية اعتبرت موقفه مرفوضا شكلا وموضوعا، وقالت فى بيانها إنه لا يحق للبرلمان أن يتدخل فى الموضوع.

من كان يتصور أن يكون ذلك مصير شباب الثورة؟ 
ومن يصدق أن تقف كل مؤسسات الدولة متفرجة على ما يجرى؟ وهل يمكن ان تكون تلك من سمات مرحلة ما بعد 30 يونيو. ومقدمات الرئاسة الجديدة؟ 
ــ اننى اترك لغيرى أن يجيب، لكن ما استطيع قوله إن ما جرى ويجرى لأولئك الشباب جريمة تلوث بالعار صفحة كل الذين يتصدرون المشهد السياسى الراهن فى مصر، ولا استثنى منهم أحدا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق