الاثنين، 17 فبراير 2014

الصورة الفاضحة


الصورة الفاضحة

فهمي هويدي

ليس صحيحا أن النائب العام هو الذي «أمر» بإخلاء سبيل السيدة دهب حمدي التي ولدت طفلتها وهي مقيدة اليد ومكبلة «بالكلابشات». 
ولا أصدق أن تقييدها كان تصرفا شخصيا من الشرطي الذي كان يحرسها. أما الادعاء بأن تقييدها كان لحماية رجل الأمن ــ كما ذكرت إحدى الصحف أمس ــ فأعتبره نكتة سمجة لا تُضحك ولا تستحق التعقيب.
الصحيح أن النائب العام «وقع» القرار والأصح أنه اضطر إلى ذلك لستر الصورة التي هزت مصر وفضحتها أمام القاصي والداني.
 أما الذي استصدر القرار فهو الصورة التي سجلت المشهد والمظاهرة الصاخبة التي انطلقت في الفضاء الإلكتروني بعدما تم وضعها على المواقع.
وما أن حدث ذلك حتى استفزت ضمائر الشرفاء الذين ظلوا يهتفون طول الوقت من خلال تغريدات اليوتيوب معربين عن غضبهم واستهجانهم لذلك المسلك المهين الذي اتسم بالقسوة وانعدام الإنسانية.
 بسبب ذلك فإنني أزعم أن الشخصية الرئيسة في مسألة الإفراج عن دهب كانت تلك التي التقطت الصورة ووضعتها على الإنترنت ثم تركت المسألة تتفاعل من خلال الصمت المدوي الذي كان أبعد أثرا من أي شيء آخر.
 أما جهد النائب العام ودور إدارة حقوق الإنسان بوزارة الداخلية التي اكتشفنا وجودها بعد الفضيحة وما يتردد عن توجيهات سيادية وسياسية، فذلك كله يصنف ضمن رد الفعل الاضطراري وليس الفعل التطوعي والإنساني.

القصة تعيد إلى الأذهان فضيحة تلميذات الإسكندرية الأربع عشرة، التي حكم على الواحدة منهن بالسجن أحد عشر عاما بسبب «وقفة» نظمنها على كورنيش المدينة في شهر ديسمبر الماضي، ونشرت الصحف والمواقع الإلكترونية صورهن وراء القضبان بملابس السجن البيضاء، الأمر الذي كان له دوى واسع النطاق في داخل مصر وخارجها، وإزاء ضغوط الرأي العام والاستهجان الذي تردد محليا ودوليا لم يكن هناك مفر من احتواء الفضيحة بإطلاق سراح الفتيات بعد الحكم على كل واحدة منهن بالسجن سنة مع إيقاف التنفيذ.

المشهد يستدعى عدة ملاحظات هي:

< إن للصورة سحرها القوى في عصر «الفرجة» الذي نعيشه، والمصطلح ليس لى ولكنه ينسب إلى أديب نوبل ماريو بارغاس يوسا الذي أصدر كتابا بعنوان «مجتمع الفرجة»، تحدث فيه عن القدرة الفائقة للصورة ودورها في تشكيل الرأي العام على نحو باتت تعجز عنه الكلمة المكتوبة.

< إن إخلاء سبيل دهب خطوة لا بأس بها تسكن الغضب وتمتصه مؤقتا لأنها لاتزال متهمة في قضية التظاهر وتكدير السلم والأمن العام.. الخ، لكن السؤال الأهم هو لماذا تم اعتقالها وهى حامل في شهرها الثامن، وكيف اقتنع وكيل النيابة الذي أمر بحبسها بأنها وهى في تلك الحالة يمكن أن تهدد الأمن أو حتى تمشى في مظاهرة، وألا يعنى هذا أن قرارات تمديد الحبس تتم بتلقائية دون أي منطق أو عقل أو حتى نظر؟

< إننا لم نسمع صوتا في الضجة التي أثيرت بشأن قصة دهب لا للمجلس القومي للمرأة ولا للمجلس القومي لحقوق الإنسان، علما بأن المحامين يتحدثون عن 200 سيدة وفتاة محتجزات في السجون، وهذا السكوت يجعلنا نضع أمثال تلك الجهات في مربع واحد مع إدارة حقوق الإنسان بوزارة الداخلية، أن لم يكونا قد تحولا إلى فرعين تابعين لتلك الإدارة.

< إن خطورة الصورة لا تكمن فقط في اللقطة الفاضحة التي سجلتها، ولكن أيضا في كونها قرينة كاشفة عن المعاملة غير الإنسانية التي يتلقاها المعتقلون الذين لم تسجل الكاميرات عذاباتهم والمهانة التي يتعرضون لها. وهي التي لا تهدر حقوقهم فحسب ولكنها تهدر إنسانيتهم أيضا، وقد قرأنا شهادات روت لنا بعضا من تلك العذابات فيما ذكره أخيرا اثنان من النشطاء هما خالد السيد وإسلام أبوغزالة.
 وقد تناقلت المواقع الإلكترونية شهادة كل منهما، حيث تحدث خالد عن معاناته هو وبعض زملائه في أقسام القاهرة وسجن أبوزعبل، في حين سجلت شهادة إسلام ما شاهده في سجن وادي النطرون.
 أما الحاصل في سجن العقرب الذي يودع فيه كل من يراد مضاعفة جرعة التنكيل به فلم يتح لنا أن نتعرف على ما فيه، باستثناء ما ذكره المحامى عصام سلطان نائب رئيس حزب الوسط ونقله عنه بيان أصدره الحزب، تحدث فيه عن مصادرة ثياب السجناء وتركهم بالملابس الداخلية في أجواء الصقيع الراهنة، ومنعهم من تلقي الطعام والدواء والكتب وحرمانهم من شراء مياه الشرب من مقصف السجن، وقد أيد تلك الشهادات بيان المنظمات الحقوقية الست عشرة الذي تجاهلته وسائل الإعلام، لأنه أدان «الادعاءات المفزعة التي تحدثت عن أعمال تعذيب وحشية واعتداءات جنسية تعرض لها محتجزون ومحتجزات في سجون وأقسام الشرطة».

لقد تراجع خطاب الغيورين على حقوق الإنسان وكرامته إلى الوراء، حتى أصبح يركز على وقف الانتهاكات التي يتعرض لها نزلاء السجون الذين تقدرهم المصادر المستقلة بنحو 21 ألف شخص.
وما عدنا نسأل عن السبب في استمرار احتجاز ذلك العدد الكبير من المصريين والمصريات في السجون، ولماذا لا يحاسب من خالف القانون على فعلته، ولماذا لا يطلق سراح الأبرياء ويخلي سبيلهم من الجحيم الذي يعانون منه، إلا إذا كان المستهدف هو توسيع دائرة التنكيل والانتقام.

فى محاولة لتهدئة الأجواء نقل عن مصدر قضائي هذا الأسبوع أنه تم الإفراج عن 4295 شخصا من المقبوض عليهم خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة (منذ شهر نوفمبر الماضي). إلا أن المصدر المذكور لم يتحدث عن الذين ألقوا في السجون خلال الأشهر الأربعة السابقة (من شهر يوليو إلى بداية نوفمبر).
ولم يشر إلى عدد الذين تقرر استمرار حبسهم ولم يخل سبيلهم خلال الأشهر الثلاثة التي تحدث عنها، كما أنه لم يدلنا على حجم الإتاوات والكفالات التي دفعها أهالي المفرج عنهم تنفيذا لقرار إخلاء سبيلهم، علما بأن هؤلاء الأبرياء يذل أهلوهم ويطالبون بدفع ألوف الجنيهات كشرط للإفراج عنهم.

إن الذين يشوهون سمعة مصر حقا ليسوا أولئك الذين ينظمون الحملات المضادة في الخارج، ولا هي الفضائيات المدرجة في قوائمنا السوداء، ولكن أخطر الإساءات وأقواها أثرا هي تلك التي تخرج من داخل مصر ذاتها. على أيدي أولئك الذين يصرون على إهدار كرامة البشر وإهانتهم، في حين أنهم يهينون مصر ذاتها ويلطخون وجهها بالأوحال والدماء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق