‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات شريف عبد العزيز الزهيري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات شريف عبد العزيز الزهيري. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 29 أغسطس 2025

حروب طرابلس: عندما كانت تدفع أمريكا الجزية

 حروب طرابلس: عندما كانت تدفع أمريكا الجزية

شريف عبدالعزيز

قد تندهش حين تسمع طرابلس تتردد في نشيد مشاة البحرية الأمريكية،

لكن ما الذي حدث هناك ليدوِّنوه في نشيدهم الرسمي؟

في مطلع القرن التاسع عشر، خاضت الولايات المتحدة الأمريكية أولى حروبها الخارجية ضد دولة عربية إسلامية هي ليبيا،من هنا تبرز معركة طرابلس كأول مواجهة مباشرة بين أمريكا والعالم الإسلامي فما الذي حدث؟

هل تعلمون أن النشيد الذي يتلوه مشاة البحرية الأمريكية يذكر مدينة طرابلس في إشارة للحرب البحرية التي خاضتها ليبيا ضد أمريكا في الفترة من ١٨٠١-١٨٠٥م والتي أدت بخسارة الأمريكان لأكبر سفن أسطولهم وهي السفينة (فيلادلفيا)، وجاء في النشيد:

من سهول مونتيزوما

إلى شواطئ طرابلس

نخوض حروب بلادنا

في الجو والبر والبحر

نقاتل من أجل الحق والحرية

أول حرب خاضتها أمريكا ضد دولة عربية إسلامية

قد يندهش القارئ إذا عرف أن أول حرب خاضتها أمريكا خارج قارتها، جرت بعد ثلاث سنوات، فقط، من إعلان استقلالها. ودامت أحداثها ما بين ١٧٩٩ و١٨٠٥، ضد دولة عربية إسلامية؛ وهي ليبيا التي كانت وقتها ولاية عثمانية تابعة لسلطان إسطنبول، بدأت الحرب حملة بحرية، ثم تطورت إلى حملة عسكرية برية لغزو الأراضي الليبية من جهة الحدود المصرية. وكان هدفها تغيير نظام الحكم القائم، في ليبيا، باسم “محاربة القرصنة”؛ وهو ما يماثل، في معناه، اليوم، شعار “محاربة الإرهاب”!

حين كانت سواحل المتوسط تحت سيطرة المسلمين

كانت الدولة العثمانية عام ١٧٧٦م تتشكل من عدد كبير من “الولايات” التي تتمتع بدرجة عالية من الحكم الذاتي وتنتشر في القارات الثلاثة القديمة، وتضم معظم أوروبا الشرقية حالياً، بالإضافة إلى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عدا المغرب، وهذا يعني بأن ٨٠% من سواحل البحر الأبيض المتوسط كانت خاضعة لسيطرة المسلمين، لدرجة أن الدول الإسلامية الإقليمية (الولايات) التابعة للدولة العثمانية، وبخاصة دول شمال إفريقيا، كانت تتعامل مع البحر المتوسط باعتباره بحيرة إسلامية، وتفرض جزية على الإبحار فيه، وهي ممارسة كان معترفاً بها كواقع عام ١٧٧٦م لدرجة أن بريطانيا ومعظم دول شمال أوروبا كانت تدفع الجزية لدول شمال إفريقيا. فهولندا كانت تدفع ٦٠٠ جنيه، ومملكة صقلية ٤ آلاف جنيه، ومملكة سردينيا ٦ آلاف جنيه، والولايات المتحدة الأمريكية تقدم آلات ومهمات حربية قيمتها ٤ آلاف جنيه و١٠ آلاف جنيه أخرى نقداً مصحوبة بهدايا قيمة، وتبعث فرنسا بهدايا ثمينة عند تغيير قناصلها، وتقدم البرتغال هدايا من أحسن الأصناف، وتورد السويد والنرويج كل سنة آلات وذخائر بحرية بمبالغ كبيرة، وتدفع مدينتا هانوفر وبرن بألمانيا ٦٠٠ جنيه إنجليزي، وتقدم أسبانيا أنفس الهدايا سنوياً.

عندما كانت أمريكا تدفع الجزية للمسلمين

لم يكن نظام الجزية يستثني أحداً بما فيها السفن الأمريكية التي كانت تدخل المتوسط. قبل عام ١٧٧٦ عندما كانت المستعمرات الأمريكية جزءاً من بريطانيا، كانت الجزية تدفع من قبل الأخيرة وتغير الأمر بعد الانفصال وإعلان الأمريكيين الاستقلال عن بريطانيا، حيث تَوجّب على السفن الأمريكية دفع الجزية للمسلمين.

ولأن الأمريكيين لم يكونوا قد امتلكوا قوة بحرية رسمية بعد، فقد انبرى المواطنون الأمريكيون وبخاصة التجار منهم لهذه المهمة، وقاموا بتجميع أسطول خاص (خلال الفترة من ١٧٧٦-١٧٨٣) وتشكيل قوة بحرية غير رسمية لمواجهة البحرية الجزائرية وحماية مصالحهم التجارية في المتوسط. غير أن الأسطول الأمريكي خسر معركته في المتوسط ومعها سائر سفنه التي تعرضت للغرق في المواجهة مع البحرية الجزائرية. وفي العام ١٧٨٤ تكررت عمليات الاستيلاء على السفن الأمريكية، فدفعت الحوادث هذه الكونجرس الأمريكي للمسارعة في تمرير قانون خاص بإنشاء الأسطول الأمريكي الرسمي عام ١٧٨٤ بهدف معلن هو حماية التجارة في المتوسط. غير أن الكونجرس أصدر أوامره في ذات الوقت للدخول في مفاوضات مع ولايات الشمال الأفريقي حول مسألة دفع الجزية.

حين خضعت أمريكا لشروط الجزائر

ولما كانت الولايات المتحدة عاجزة عن استرداد سفنها بالقوة العسكرية، وكانت تحتاج إلى سنوات طويلة لبناء أسطول بحري يستطيع أن يواجه الأسطول العثماني اضطرت إلى الصلح وتوقيع معاهدة مع الجزائر في ٥ سبتمبر ١٧٩٥م، وقد تضمنت هذه المعاهدة ٢٢ مادة مكتوبة باللغة التركية، وهذه الوثيقة هي المعاهدة الوحيدة التي كتبت بلغة غير الإنجليزية ووقعت عليها الولايات المتحدة الأمريكية خلال تاريخها الذي يتجاوز قرنين من الزمان، وفي الوقت نفسه هي المعاهدة الوحيدة التي تعهدت فيها الولايات المتحدة بدفع ضريبة سنوية لدولة أجنبية، وبمقتضاها استردت الولايات المتحدة أسراها، وضمنت عدم تعرض البحارة الجزائريين لسفنها. وقع جورج واشنطون أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية معاهدة صلح مع بكلر حسن والي الجزائر في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، بمقتضاها تدفع إلى الجزائر على الفور ٦٤٢ ألف دولار ذهبي، و١٢٠٠ ليرة عثمانية، وذلك مقابل أن تطلق الجزائر سراح الأسرى الأمريكيين الموجودين لديها، وألا تتعرض لأي سفينة أمريكية تبحر في البحر المتوسط أو في المحيط الأطلسي.

السلام الأمريكي مع المغرب ورحلة جورج واشنطن إلى اسطنبول

وفي يونيو ١٧٨٦ طلب الكونغرس من آدمز وجيفرسون وفرانكلين التوصل إلى السلام مع المغرب، وهو ما حصل بالفعل حيث تم توقيع معاهدة سلام مع حاكم المغرب تم بموجبها إطلاق سراح السفينة بيتسي مقابل جزية قدرها ٢٠ ألف دولار، كما أرسل الأمريكيون بعثة دبلوماسية إلى طنجة. كانت جورج واشنطن أولى سفن الأسطول الأمريكي التي تمخر في مياه البحر الأبيض المتوسط وكان ذلك في العام ١٨٠٠. والمثير هنا أنها لم تكن في مهمة عسكرية بل كانت تحمل جزية للجزائريين قدرها نصف مليون دولار. مع أن الجزائر كانت تتمتع وقتها بقدر واسع من الحكم الذاتي إلا أنها كانت لا تزال جزءاً من الدولة العثمانية المسلمة، وبالتالي تسهم في تمويل ميزانية اسطنبول. بعد تسليم الجزية الجديدة أبلغ “باي” الجزائر قبطان السفينة جورج واشنطن بأن رحلته لم تنته بعد وبأن عليه التوجه إلى اسطنبول حاملاً للخليفة السلطان العثماني هدايا وأموالاً. وخشية التعرض للمصادرة في حالة الرفض، وافق القبطان الأمريكي مجبراً فكان أن أبحر في اليوم التالي بسفينته المحملة بالأغنام والزرافات والببغاوات وبأكثر من مليون دولار من الذهب والمجوهرات والبضائع. ولعل مما ضاعف من ألم ومعاناة القبطان طوال الرحلة إلى اسطنبول مشاهدة مرافقيه الجزائريين وهم يؤدون الصلوات الخمس بانتظام باتجاه مكة التي كان عليه ضبط مسار السفينة باتجاهها في كل مرة.

يوسف القرماني في مواجهة توماس جيفرسون

في تلك الفترة كانت ولاية ليبيا تحت حكم يوسف القرماني (١٧٩٥ -١٨٣٢) وهو أشهر شخصية في سلالة القره ماللي التي حكمت ليبيا لأكثر من ١٢٠ سنة (١٧١١ -١٨٣٥). وعرف يوسف باشا باعتباره أول رئيس دولة يعلن الحرب على الولايات المتحدة المستقلة حديثاً في حرب استمرت بين عامي (١٨٠١ -١٨٠٥). وقد أراد أن يحصل بدوره على جزية من الأمريكان والأوروبيين نظير مرور سفنهم أمام السواحل الليبية، وهو الطلب الذي قوبل بالرفض من الأمريكان.

أرسلت الولايات المتحدة أسطولها الحربي إلى البحر المتوسط، وكان يدخل في عداده فرقاطتان جهزت كل منهما بـ ٤٤ مدفعا، وهما (بريزيدينت) و(فيلادلفيا)، وواحدة صغيرة مجهزة بـ ٣٢ مدفعا هي (إيسكس)، وأخرى شراعية مجهزة بـ ١٢ مدفعا هي (انتربرايز). كان رئيس الجمهورية “توماس جيفرسون”، الذي باشر للتو أعماله الرئاسية كثالث رئيس للولايات المتحدة، يأمل بإرسال أفضل قواته إلى البحر المتوسط؛ كي تعزز هذه القوة من هيبة الولايات المتحدة في المنطقة، وقد قال لمساعديه: “سوف نلقن هذا الأبله -يقصد حاكم طرابلس- درساً لن ينساه في فنون القتال، وسنجعله نصراً مدوياً ندشن به حقبة جديدة لأسطولنا وتواجدنا العسكري في أكثر مناطق العالم حيوية، وبهذا أيها السادة نكون قد خطونا الخطوة الأولى نحو بناء الإمبراطورية الأمريكية”.

محاولة إيجاد موطئ قدم للإمبراطورية الجديدة

صدر إلى الأميرال “ريتشارد ديل” بقيادة هذه الحملة، والتوجه إلى البحر المتوسط؛ لإلقاء الرعب في قلوب حكام الشمال الأفريقي، وإيجاد موطئ قدم للإمبراطورية الجديدة. لقد كان انتقاءً مدروساً بعناية، ذاك القرار الذي تم بموجبه تسمية هذا الأميرال؛ أحد أبطال حرب الاستقلال، والذي يتمتع بخبرة واسعة في مجال البحرية العسكرية. ناهيك عن علاقته الحميمة بالرئيس جيفرسون، إذ ينحدر كلاهما من بلدة “فيرجينيا”.

كان والي طرابلس القوي، قد شعر بأن الأمريكيين يماطلون في دفع الجزية المفروضة على مرور السفن الأمريكية التجارية بالبحر المتوسط، فعمد إلى إهانتهم في رمز شرفهم الوطني، عندما أمر في ١٤ مايو ١٨٠١ جنوده بأن يحطموا سارية العلم الأمريكي القائمة أمام القنصلية الأمريكية في طرابلس، إشارة إلى إعلان الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية. انطلقت بعدها الطرادات الليبية التابعة للبحرية الليبية التي كان قائدها الريس مراد تجوب البحر بحثاً عن السفن الأمريكية للاستيلاء على غنائمها وإجبار حكومة واشنطن على دفع جزية سنوية.

إعلان يوسف باشا الحرب على أمريكا

أعلن يوسف باشا الحرب على أمريكا، وطفق المنادون يجوبون الشوارع، قارعين طبول الحرب، فيما شرعت المآذن تلهب حماس الناس بآيات من الذكر الحكيم، تحرضهم على قتال الصليبيين. وهكذا يكون الباشا قد دق بالفعل أجراس الحرب، التي لم يسمع قائد الأسطول الأمريكي “ديل” بأصدائها إلا في الـ ٣٠ من يونيو، وذلك عندما دخل جبل طارق للتزود بالمؤن. وهلع ديل مما سمع، إذ لم يكن يتوقع أن تجري الأمور بكل هذه السرعة. وصدرت الأوامر منه على الفور بإغراق وحرق وتدمير أكبر عدد من المراكب الطرابلسية، التي من المحتمل أن تواجههم في عرض المتوسط.

قائد القوة البحرية يرفع العلم الأبيض مستسلماً لحاكم طرابلس

أرسلت الولايات المتحدة وحدة بحرية مكونة من أربع سفن كبيرة هي: إيسيكس، بريزدنت، فيلادلفيا، وإنتربرايز بهدف فرض حصار على ميناء طرابلس وقصف المدينة وصولاً إلى إجبار يوسف باشا على الاستسلام. بدأت المهمة عملياتها بخدعة برفع السفينة إنتربرايز العلم البريطاني، الأمر الذي مكنها من الاقتراب من السفينة طرابلس لمسافة قريبة جداً قبل أن ترفع العلم الأمريكي وتقوم بمهاجمة السفينة وتوقع ٣٠ إصابة بين بحارتها الـ:٨٠. وفوق ذلك تم أسر قبطانها الريس محمد سوسة، وجلده أمام أنظار الجميع. بعدها أرسلت القوة البحرية الأمريكية وحدة إنزال على الشاطئ وقامت بحرق ١١ فلوكة محملة بالحبوب.

ما إن استفاقت بحرية يوسف باشا من صدمة الهجوم الأمريكي المفاجئ، حتى تحركت القوارب في محاولة ناجحة لاختراق الحصار، ونجحت بدورها في فرض حصار على السفن الأمريكية. أما قوة المارينز التي نفذت الإنزال على الشاطئ فقتلت جميعها؛ لتسجل بذلك أولى ضحايا تتكبدها المارينز في الشرق الأوسط. انتهت الحملة الأمريكية المذكورة بمشهد قائد القوة البحرية وهو يرفع العلم الأبيض مستسلماً لحاكم طرابلس.

أكبر كارثة بحرية بأمريكا: أسر السفينة الحربية يو.إس.إس فيلادلفيا

في أغسطس ١٨٠٣ قادت السفينة الحربية يو.إس.إس فيلادلفيا قوة بحرية أميركية جديدة باتجاه الشرق الأوسط. وما إن دخلت مياه المتوسط حتى التقت بالسفينة التجارية المغربية “المركوبة” فهاجمتها واحتجزت ركابها. وفي الطريق إلى طرابلس هاجمت القوة الأمريكية عدداً من القوارب قبالة سواحل طرابلس، فما كان من هذه القوارب إلا أن انسحبت أمامها في حركة تكتيكية على ما يبدو مقتربة من الشواطئ ما أمكن. ومع ذلك لاحقتها السفينة فيلادلفيا. كان ذلك عصر يوم ٣١ أكتوبر١٨٠٣، فأطبقت تسع قوارب طرابلسية على السفينة واعتقلت القبطان و٣٠٧ من المارينز وجردتهم جميعاً من ملابسهم واقتادتهم أسرى إلى الشاطئ، ثم قامت القوارب بسحب السفينة إلى الشاطئ حيث قرر الوالي يوسف باشا إعادة تسميتها بـ: “هبة الله”، وكانت هذه أكبر كارثة بحرية تحل بأمريكا حتى حادثة بيرل هاربر في الحرب العالمية الثانية.

تفجير السفينة انتربيد بما تحمل من أطنان المتفجرات

عرضت واشنطن على يوسف باشا فدية تصل إلى ١٠٠ ألف دولار لإطلاق سراح القبطان ورجاله الأسرى فرفض، مطالباً بمليون ونصف دولار، الأمر الذي دفع الأمريكيين لعمل عسكري جديد ضد طرابلس. وفي جنح الظلام قامت السفينة انتربيد بإنزال وحدة من المارينز على شواطئ طرابلس، في وقت كانت السفينة نفسها تحمل ١٥ ألف رطل من المتفجرات. كانت الأوامر تقضي بتدمير أسطول طرابلس في عتمة الليل. وقبل أن تستطيع وحدة المارينز الإتيان بأي شيء تعرضت للنيران من قبل القوارب الطرابلسية التي كشفت أمرها، وكانت النتيجة مصرع جميع أفراد المارينز وتفجير السفينة انتربيد بما تحمل من أطنان المتفجرات. وعندما طلب قائد الوحدة الأمريكية من والي طرابلس السماح بدفن جثث جنوده القتلى أصرّ يوسف باشا على ترك الجثث للكلاب.

التخطيط للإطاحة بيوسف باشا

الغيظ الأمريكي من يوسف باشا قد بلغ مداه، فحاولوا التخطيط للإطاحة به عن طريق المكر والخداع والمؤامرات، بعد أن فشلوا في مواجهته عسكرياً، وبدأت الخطة الخبيثة عن طريق قنصل أمريكا في تونس “جون إيلتون”، وذلك بالتآمر مع أحمد شقيق يوسف القرماني، الذي كان قد تم نفيه إلى مصر بعد تولي شقيقه يوسف الحكم. قام إيتون بتشكيل قوة غزو تضم عددا قليلاً من الأمريكيين وعدداً كبيراً من المرتزقة. في مقابل تعهد أحمد لإيتون بإطلاق سراح الرهائن المارينز بمجرد الوصول للسلطة مكان أخيه. قبل أحمد القرماني أن يلعب دور العميل، ومع ذلك لازمه الخوف، طوال فترة انخراطه في المؤامرة.

الخوف من فشل المغامرة الذي كان يتوقعه في كل لحظة، إلى جانب إحساسه بعار موالاة الكفرة، التي تعد من كبائر المعاصي، وتكاد تماثل الكفر بالله في عقيدة المسلمين، خصوصاً في ذلك العصر الذي كان الصراع بين الدولة العثمانية المسلمة وأوروبا الصليبية. إلا إن إغراء الأمريكان كان أكبر من هذه المخاوف، فواصل أحمد عمالته للأمريكان.

“إما رأسي أو رأسك”

وكان إيتون قد أعد ترتيباته مع قيادة الأسطول لإرسال سفينة حربية محملة بالمؤن والأسلحة لانتظاره في خليج بومبا، على بعد ٣٠ ميلاً غرب طبرق. وهو ما حصل بالفعل حيث وصلت السفينة محملة بالمؤن والطعام التي تم تزويد الجيش بها قبل أن يواصل تقدمه باتجاه “درنة” ثاني أكبر موانئ المنطقة، والذي سيكون نقطة انطلاق الهجوم على طرابلس. وصل جيش إيتون الميناء المذكور بتاريخ ١٥ أبريل حيث طالب إيتون حاكم درنة الاستسلام فجاءه رد الأخير: “إما رأسي أو رأسك”.

فشل أول محاولة أميركية لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط

وعندما أخذت السفن الحربية الأمريكية التي كانت وقتها ترابط مقابل شواطئ الميناء المذكور استهداف دفاعات المدينة بالقصف، بدأ إيتون هجومه الذي انتهى بهزيمة منكرة، حيث أصيب هو شخصياً بينما قتل وجرح معظم جنوده، فما إن بدأت المواجهة حتى وصل جيش من ثلاثة آلاف مقاتل أرسله يوسف باشا من طرابلس وقام بتطويق جيش إيتون ووجدت الولايات المتحدة نفسها مجبرة على التوصل لاتفاق مع يوسف باشا الذي ألزم الأمريكان بغرامات مالية تقدر بثلاثة ملايين دولار ذهبا، وضريبة سنوية قدرها ٢٠ ألف دولار سنويا، وظلت الولايات المتحدة تدفع هذه الضريبة حماية لسفنها حتى سنة ١٨١٢م ، لتؤول بذلك أول محاولة أميركية لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط إلى الفشل الذريع.

معركة طرابلس وأثرها التاريخي في العلاقات الأمريكية الإسلامية

تُعد معركة طرابلس علامة فارقة في تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، حيث مثلت أول مواجهة عسكرية رسمية بين الطرفين. رغم التحديات والخسائر التي تكبدها الأمريكيون، إلا أن هذه الحرب أسهمت في تشكيل وعي جديد لدى الولايات المتحدة بأهمية البحر المتوسط والمنطقة العربية في سياستها الخارجية. وتبقى طرابلس، برمزيتها التاريخية، شاهدة على فترة حاسمة من تاريخ الصراعات البحرية بين القوى الناشئة والإمبراطوريات القديمة.

المصدر

ملتقى الخطباء، شريف عبدالعزيز .


العوامل الداخلية والخارجية لإخفاق المشروع الصليبي في القرون الوسطى



الاثنين، 30 سبتمبر 2024

معركة نهاوند .. فتح الفتوح


 معركة نهاوند .. فتح الفتوح

شريف عبد العزيز الزهيري

 خرج الفرس بكل قواتهم وجموعهم الجرارة التي تفوق المائة وخمسين ألفا، وانسحب القعقاع ومن معه حتى وصلوا إلى معسكر المسلمين، وذلك في صدر نهار يوم الجمعة في أواخر شهر الله المحرم من سنة ٢١ هجرية، وأمر النعمان الناس أن يلزموا أماكنهم، ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم؛ فماذا حدث بعد ذلك؟

السنن الماضية

السنّة الماضية التي لا تختلف ولا تتبدل أبدا: أن أعداء الإسلام يتربصون بالمسلمين دائماً, وتعتمل قلوبهم حقدا وحسدا وكراهية على الإسلام وأهله، ولا تواتيهم أية فرصة؛ صغيرة كانت أو كبيرة إلا استغلوها وبمنتهى السرعة لإيذاء المسلمين، لذا يجب على أهل الإسلام أن يكونوا دائما على حذر، عملا بقول ربهم جل وعلا:(يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا) النساء:٧١.

ومن أكبر الفرص التي ينتظرها أعداء الإسلام -وقد أحسنوا استخدامها قديما وحديثا- هو التنازع والتفرق الذي يقع بين المسلمين؛ فما أتيت هذه الأمة إلا من قبلها، هذا رغم التحذير الشديد لهذه الأمة عندما قال لهم: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) الأنفال ٤٦، ورغم وضوح تلك السنة الماضية، وقيام مئات الأدلة من القرآن والسنة، وكذا أحداث التاريخ عليها إلا أن المسلمين مازالوا في خلافهم غارقين، وعن عدوهم غافلين، وهذه المعركة واحدة من الأدلة الصريحة على تلك السنة الماضية.

المسلمون والفرس والعراق

منذ أن أطلق الصديق أبو بكر شرارة الحملات الجهادية؛ لنشر دين الله عز وجل في المشرق والمغرب، وراية المسلمون ميمونة النقيبة لم تكسر، وخاض المسلمون جولات وصولات رهيبة مع الدولة الفارسية، وتوج المسلمون انتصاراتهم على الفرس بفتح المدائن سنة ١٧ هـ، ثم معركة “جلولاء”، ثم فتح الأهواز وتكريت وحلوان، كل ذلك وكسرى “يزدجرد” يفر من بلد لآخر، وهو يحاول تجميع فلول الفرس؛ لاستعادة الأمجاد السابقة، ولكن هيهات؛ فالمسلمون قد أكملوا فتح العراق، و بدأوا في التوغل في عمق الدولة الفارسية؛ فيما يطلق عليه الهضبة الإيرانية.

غيّر المسلمون تكتيك الحملات الجهادية على الجبهة العراقية؛ حيث عمدوا لتثبيت أقدامهم بالعراق؛ فأمر الخليفة عمر بن الخطاب بإنشاء مدينتي البصرة والكوفة؛ لتكون قاعدة دائمة للمسلمين هناك؛ منها ينطلقون في جهادهم على الجبهة الشرقية، وتقاطر على هاتين المدينتين المسلمون من قبائل بكر بن وائل وتغلب والنمر، إضافة لكثير من صحابة رسول الله عليه صلى الله عليه وسلم، واستقروا فيهما.

كان من الطبيعي أن يكون أمير العراق هو القائد الكبير، فاتح المدائن، وبطل القادسية سعد بن أبي وقاص، وهو من كبار الصحابة، وسادس من دخل في الإسلام، وأحد المبشرين بالجنة، وقد استقر سعد بمدينة الكوفة التي أصبحت عاصمة العراق، وكان كثير من سكان الكوفة يرجعون إلى قبيلة أسد الكبيرة، وصاحبة الفضل الكبير في حروب المسلمين ضد الدولة الفارسية، وكانت هذه القبيلة العريقة تنافس وتضارع قبائل قريش قديما أيام الجاهلية، وحتى لما جاء الإسلام كانت قلوب كثير من قبيلة أسد تضيق بمكانة قريش وسيادتها بين القبائل العربية لذلك لم يكن من المستغرب أن تكون قبيلة أسد من أوائل القبائل ارتدادا عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى لله عليه وسلم، وظهر منهم من ادعى النبوة طلحة الأسدي، ولكنهم سرعان ما عادوا إلى الإسلام، وكفّروا عن خطاياهم بأعظم المكفرات، وهو الجهاد في سبيل الله، ولكن بقي بعض آثار الجاهلية في قلوب بعض أفراد من قبيلة أسد؛ ومن هؤلاء الجراح بن سنان الأسدي الذي سعى في التأليب على أمير العراق سعد بن أبي وقاص، وبث الدعايات الكاذبة عليه؛ حقدا وحسدا على مكانته، وخرج هو ومجموعة من قبيلته إلى عمر بن الخطاب أمير المؤمنين؛ ليشتكوا سعداً، ويطلبون عزله؛ فبعث عمر بمحمد بن مسلمة، وكان بمنزلة المفتش العام على العمال والولاة، وتحقق من شكوى الجراح بن سنان، واكتشف كذبها وبطلانها، ولكن أمير المؤمنين عزل سعدا من مكانه بلا تهمة؛ تأليفا لقلوب الناس هناك، وعين مكانه عبد الله بن عتبان، وكان نائب الأمير سعد.

أخبار هذه الخلافات والاضطرابات وصلت إلى كسرى يزدجرد؛ فعمل على استعادة فلول الفرس، وكاتب أمراء الفرس بالسند وخراسان وحلوان، وأخبرهم أن الفرصة مواتية للهجوم على المسلمين؛ فتحركوا واجتمعوا بمدينة نهاوند -تقع الآن في إيران إلى الجنوب من جبال زجوراس وهي مدينة جبلية شديدة التحصين، تعتمد على جدران الجبال الشاهقة كأسوار وقلاع للدفاع عن المدينة- وبلغ تعداد من اجتمع بنهاوند مائة وخمسون ألفا، يقودهم آخر القادة الكبار في الدولة المجوسية: وهو “الفيرزان”، وكان قرين “رستم” ونده، ومنافسه في قيادة الجيوش الفارسية، وكان قد هرب من معركة القادسية عندما رأى الدائرة تدور على الفرس؛ فانحطت مكانته بين الفرس، ولاموه وشتموه؛ فأصر على أن يكفر عن خطيئته وفراره من قبل، وتعاهد هو وجنوده على القتال حتى الموت.

القائد الجديد

وصلت أخبار هذا التجمع الفارسي بنهاوند لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ فجمع مجلس مشورته المكون من كبار الصحابة، واستشارهم في كيفية مواجهة هذا العدوان الفارسي الجديد، وكان عمر يفكر في قيادة الجيوش المسلمة بنفسه، ولكن أشار عليه الكثير من الصحابة بالبقاء مكانه، وأن يرسل قائدا يثق به، وفي هذه الأثناء وصل خطاب من النعمان بن مقرن المزني -وكان عاملا على مدينة “كسكر” العراقية- يطلب فيه الإذن من أمير المؤمنين أن يخرج للجهاد في سبيل الله، وترك الولاية على “كسكر”؛ حيث إن ميوله وهواه في الجهاد، ليس في الولاية والإمارة، وعندها قرر عمر أن يعين النعمان أميرا على الجيش الإسلامي المتوجه لحرب الفرس بنهاوند، وكانت مقومات تعيين النعمان أميرا على الناس كما قال الفاروق عمر: “والله لأولين أمرهم رجلا يكون أول الأسنة إذا لقيها غدا” فقيل له: من هو؟ قال: النعمان بن مقرن. فقد كان النعمان من أشجع الناس وأشدهم في القتال، مع قديم صحبة للنبي صلى لله عليه وسلم، وورع وزهد وتقوي، وحسن قيادة في الحروب.

كتب الخليفة عمر لأهل الكوفة يأمرهم بالنفير للجهاد في سبيل الله والإسراع بالانضمام إلى النعمان بن مقرن القائد الجديد للمجاهدين بالعراق، فأسرع أبطال الإسلام من أمثال جرير بن عبد الله البجلي، وحذيفة بن اليمان، وطليحة الأسدي، والقعقاع بن عمرو، وغيرهم حتى اجتمع عند النعمان ثلاثون ألفا من أهل العراق، ومن بينهم خلاصة أبطال المسلمين والعرب من ذوي الشجاعة والقوة، والخبرة الطويلة بقتال الفرس.

خطة الاستدراج الذكية

كان الموقع الحصين لمدينة نهاوند وسط الجبال الشاهقة يمثل عقبة كأداء أمام المسلمين؛ لعدم معرفتهم بتعداد الجيوش الفارسية وقوتها وتسليحها، وقلة هذه المعلومات أخرت إعداد خطة الهجوم على المدينة، وجعلت القائد النعمان يفكر في الاعتماد على سلاح المخابرات والاستطلاع الإسلامي للإتيان بالأخبار؛ فأرسل النعمان ثلاثة من أفضل الفرسان المسلمين وهم: طليحة الأسدي، وعمرو بن معدي كرب، وعمرو بن المثنى، فدخلوا إلى عمق الأراضي الفارسية، وسلكوا مفاوز وجبالا شاهقة ولم يستطع العمران: ابن معد يكرب، وابن الثني أن يكملا السير، واستمر طليحة في مهمته الفدائية، حتى استطاع أن يجمع معلومات كافية عن مدينة نهاوند، والتجهيزات الفارسية، ولما تأخر في الرجوع خاف الناس أن يكون قد ارتد عن الإسلام مرة أخرى؛ لأنه قد سبق وادعى النبوة؛ فلما رجع بالأخبار كبر الناس فرحا برجوعه؛ فلما علم بمخاوفهم استرجع حزنا على ظنهم فيه.

((وفي ذلك درس وعظة بالغة لأرباب المعاصي والكبائر: أنهم لابد أن يفكروا كثيرا قبل أن يقدموا على هذه المعاصي والكبائر؛ ذلك لأن شؤمها ولوثتها ستطارد أصحابها ولو بعد حين، حتى بعد التوبة والإنابة، فرغم ذلك ستظل الذاكرة تحفظ هذه السقطة لصاحبها، وإن غفر الله له وعفا عنه؛ فليحذر ذلك العصاة والمذنبون؛ بلا يأس وقنوط من رحمة الله، وبلا رغبة عن التوبة إليه)).

‏علم النعمان أن الطريق مفتوح إلى نهاوند، وأنه لا توجد حاميات ولا حراسات في الطريق، فعبأ جيشه وهم ثلاثون ألفا، وتحرك بهم بسرعة حتى وصل إلى أجوار مدينة نهاوند، ولما وصل إلى أجوار مدينة نهاوند، كبر النعمان وكبر معه الناس تكبيرة هائلة زلزلت قلوب المجوس الذين تجهزوا للقتال، وبالفعل أنشب النعمان القتال بعدما حط الأثقال يوم الأربعاء والخميس، والحرب بينهما سجال، ثم عاد كل فريق إلى معسكره، وعقد النعمان مجلسا استشاريا لقادة جيشه؛ للتشاور في كيفية الهجوم على هذه المدينة الحصينة، وتكلم العديد من القادة وأبدوا آرائهم، ولكنها لم تلق قبولا عند معظم الحاضرين، حتى تكلم الخبير العسكري الكبير طليحة الأسدي قائد سلاح الاستطلاع فقال: “أرى أن نرسل خيلا لينشبوا القتال، فإذا اختلطوا بهم رجعوا إلينا استطرادا -يعني انسحاباً تكتيكياً- فإنا لم نستطرد لهم في طول ما قتلناهم، فإذا رأوا ذلك طمعوا وخرجوا، فقاتلناهم حتى يقضي الله فيهم وفينا ما أحب”. فرحب بهذا كل الحاضرين، وأجمعوا على هذه الخطة الذكية.

كانت هذه الخطة تعتمد على استدراج الفرس للخروج من معقلهم الحصين بنهاوند عن طريق إظهار إنشاب القتال معهم، ثم التظاهر بالانسحاب من أرض المعركة اعتمادا على الخبرة الإسلامية بالنفسية الفارسية الحاقدة، ذلك لأن المسلمين لم ينسحبوا أبدا في القتال ضد الفرس؛ فإذا رأى الفرس المسلمون ينسحبون خرجوا من معاقلهم وحصونهم، وطاردوا المسلمين، وذلك هو عين ما يريده المسلمون، وبالفعل أمر النعمان قائد فرسانه القعقاع بن عمرو بإنشاب القتال مع طلائع الفرس، ثم التظاهر بالفرار من القتال؛ فخرجت جموع الفرس بأسرها؛ كأنهم جبال من حديد، قد تواثقوا على ألا يفروا، وقرن بعضهم بعضا كل سبعة في قران واحد، وزيادة في حربهم وعدم فرارهم من القتال ألقوا خلف ظهورهم على مداخل المدينة حسك الحديد، وهي بمثابة الألغام الأرضية الحديثة، ولكنها تمنع الخيل من الحركة، وخرج الفرس وهم يصيحون فرحا، ويقولون: “هي هي” أي الفرصة مواتية ومناسبة للهجوم على المسلمين.

فتح الفتوح

خرج الفرس بكل قواتهم وجموعهم الجرارة التي تفوق المائة وخمسين ألفا، وانسحب القعقاع ومن معه حتى وصلوا إلى معسكر المسلمين، وذلك في صدر نهار يوم الجمعة في أواخر شهر الله المحرم من سنة ٢١ هجرية، وأمر النعمان الناس أن يلزموا أماكنهم، ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم؛ ففعلوا ذلك، واستتروا من سهام ورماح المجوس، واستمروا ملتزمين بأوامر قائدهم النعمان حتى اقترب الفرس منهم جدا، فألح الناس على النعمان ببدء القتال، وهو ثابت يقول لهم: “رويدا ، رويدا” حتى قرب الزوال؛ وهي أحب ساعات القتال عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

((أنظر إلى شدة الحب، وتمام المتابعة لأحوال وأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم فبهذا الحب، وبهذه المتابعة وصلوا لأعلى الدرجات وهزموا كل الأعداء، وفازوا بخيري الدنيا والآخرة)).

ولما شارف الزوال على الناس ركب النعمان فرسه، ونادي في الناس، وذكرهم وحرضهم على الجهاد في سبيل الله، وقال لهم: “إني مكبر ثلاث تكبيرات؛ فإذا كبرت الثالثة فإني حامل إن شاء الله، ثم توجه إلى القبلة داعيا” فقال: “اللهم أعز دينك، وأنصر عبادك، واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك، ونصر عبادك”؛ فبكى الناس، وحميت نفوسهم، واستعدوا للقتال حتى النصر أو الشهادة.

وكما قال الفاروق عمر بن الخطاب عن قائد جيش نهاوند: “لأولين أمرهم رجلا يكون أول الأسنة إذا لقيها غدا” وصدقت فراسته في النعمان؛ فكان أول من انقض على صفوف الكافرين كالعقاب الجارح؛ وهو معلم بثياب بيض؛ ليعلم مكانه، واقتتل الفريقان قتالاً رهيباً كعادة المسلمين مع الفرس، ولم يسمع يومها إلا وقع السيوف على التروس والدروع، وصبر لهم المسلمون صبرا عظيما، وهزم الفرس هزيمة فظيعة، وامتلأت الأرض بجثثهم، وسالت الأرض بدمائهم؛ حتى انزلق الناس والخيول فيها، وحانت لحظة استجابة دعوة القائد المخلص التقي النعمان بن مقرن عندما طلب الشهادة بصدق فبلغه الله إياها، فانزلق فرسه في دم الكافرين فوقع من عليه؛ فلما اعتدل قائما جاءه سهم قاتل في خاصرته، فخر شهيدا رحمه الله كما طلب من ربه جل وعلا.

لم يفت مقتل القائد في عضد المسلمين، وواصلوا القتال حتى ألزموا الفرس الفرار من أرض المعركة؛ فتبعهم المسلمون يقتلون ولا يأسرون، حتى قتلوا كل المسلسلين للقتال حتى الموت من قبل، وكان الفرس قد أشعلوا خنادقهم ناراً، ووضعوا حسك الحديد في مداخل المدينة حتى لا يفروا من القتال مع المسلمين؛ فلما عضهم سيف المسلمين فروا من القتال فوقعوا في خنادقهم المشتعلة، وحسك الحديد المزعجة؛ فقتل في خنادق من النار ثمانون ألفا، وفي أرض المعركة ثلاثون ألفا، ونجا قائدهم “الفيرزان” من القتل، وفر حتى وصل مدينة همذان، ولكن البطل العظيم القعقاع بن عمرو أصر على قتل القائد الكافر الذي جمع الفرس للقضاء على الإسلام, وهناك افترسه القعقاع كما يفترس الأسد فريسته.

ولما تم الظفر والنصر سأل المسلمون عن أميرهم؛ فقال أخوه معقل: “هذا أميركم قد أقر الله عينه بالفتح، وختم له بالشهادة” فرآه الناس وهو مسجى شهيدا؛ فبكوا بكاءً شديدا على استشهاد هذا البطل الكبير، وغنم المسلمون من نهاوند غنائم ضخمة أنست كل الغنائم السابقة، وحملت الجن بشارة الفتح إلى المدينة في نفس الليلة، ولما علم عمر بن الخطاب باستشهاد النعمان بكى بشدة حتى نشج حزنا على مقتل القائد العظيم النعمان بن مقرن، وسمى المسلمون هذا الفتح بـ “فتح الفتوح”؛ لأن الفرس لم تقم لهم بعدها قائمة أبدا.

أهم الدروس والعبر

١- أعداء الأمة لا يغفلون لحظة من المسلمين ويتربصون بهم الدوائر ليل نهار، ويؤخذ هذا من متابعة يزدجرد لأحوال المسلمين بالعراق واستعداده للقتال بعد عزل الوالي القوي سعد بن أبي وقاص.

٢- التنازع والهوى والأحقاد الشخصية من أهم أسباب تفرق الأمة وتسلط الأعداء عليها، ويؤخذ هذا من حسد بعض أفراد قبيلة أسد على القائد البطل سعد بن أبي وقاص، وسعيهم في عزله.

٣- أهمية اختيار القائد المناسب صاحب الصفات القيادية الملائمة لقيادة المسلمين خاصة وقت الأزمات، والمعيار الذي ينتقي به القادة كما علمنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عندما اختار النعمان بن مقرن قائداً في نهاوند.

٤- خطورة المعاصي والذنوب وأن آثارها قد تطارد صاحبها حتى بعد توبته، وذلك هو الثمن الذي يدفعه كل عاصي ولو بعد حين.

٥- أهمية المتابعة والاقتداء بهدي النبي صلي الله عليه وسلم وأثر ذلك في تحقيق النصر علي الأعداء، ومدي حب الصحابة للنبي وإتباعهم لآثاره وطريقته في كل شيء.

٦- مدى إخلاص النعمان وصدقه في طلب الشهادة والنصر معاً، وأن من صدق الله وأخلص له صدقه الله ورزقه كل ما يتمناه.

المراجع

1- تاريخ الرسل والملوك.
2- البداية والنهاية.
3- فتوح البلدان.
4- المنتظم.
5- موسوعة التاريخ الإسلامي.
6- تاريخ الخلفاء.
7- النجوم الزاهرة.
8- محاضرات في الأمم الإسلامية.
9- الطبقات 1 / 2.
10- الكامل في التاريخ.

 



معركة القادسية وزوال الإمبراطورية الفارسية

 

 

الثلاثاء، 24 سبتمبر 2024

صلاح الدين من التفكيك إلى البناء.. قراءة في النهضة العلمية في الدولة الأيوبية 2-2

 

صلاح الدين من التفكيك إلى البناء.. قراءة في النهضة العلمية في الدولة الأيوبية 2-2

 . شريف عبدالعزيز الزهيري


اعتمد صلاح الدين على بناء المدارس ونشرها في شتى أنحاء دولته بما يضمن له تحقيق هدفه الأهم في بناء المجتمع العلمي الصحيح على عقيدة أهل السنة والجماعة بعد قرنين من الضلال والظلام والجهل والخرافة


عانى المجتمع المصري خلال فترة الحكم الفاطمي من غياب منظومة الثقافة والمعرفة الصحيحة، فقد كان المصريون في حالة جهل شديد بسبب استيلاء الفاطميين على المنابر العلمية والثقافية وفرضهم للعقائد الضالة والأفكار المنحرفة التي تتماشى مع عقيدة الدولة على الناس، فعمل صلاح الدين على وضع خطة للنهوض بالعلم والثقافة تعتمد على محوريين رئيسيين:

أولهما: تفكيك الموروث العلمي وقطع دابر الثقافة المنحرفة والعقائد الضالة للفاطميين.

ثانيهما: بناء مجتمع المعرفة السليمة القائمة على العلم الصحيح ومذهب أهل السنّة.

وتحت كل محور رئيس كان هناك عدة نقاط تفصيلية هامة.

المحور الأول: تفكيك الموروث العلمي الفاطمي والقضاء علي عقيدتهم الضالة.

ومن أجل هذا الهدف قام صلاح الدين بعدة خطوات وصفها البعض بأنها رديكالية وعنيفة استحضر فيها روح المحارب قبل عقل المفكر ومحب العلم كما كان يؤثر عنه. ومن أبرزها:

1- غلق كل المؤسسات العلمية والثقافية الفاطمية بغض النظر عن تبعات هذا الاغلاق وعواقب الاقدام عليه من أولياء الدولة الفاطمية وأنصارها من المصريين وغيرهم. ومن أبرز تلك المؤسسات؛ الجامع الأزهر الذي قرر صلاح الدين إغلاقه وإنهاء دوره كواحد من أكبر وأهم معاهد تدريس العقائد الشيعية والباطنية وتخريج العلماء والدعاة الشيعة في العالم الإسلامي. وقد استمر إغلاق الجامع الأزهر طيلة حكم الدولة الأيوبية وصدراً من دولة المماليك ولم يُعاد إفتتاحه إلا في عهد السلطان المملوكي الظاهر بيبرس، أي أن الإغلاق استمر لأكثر من قرن من الزمان.

 

من أجل تحقيق الهدف الأهم في خطة صلاح الدين لبناء مجتمع المعرفة السليمة اهتم صلاح الدين اهتماماً عظيماً ببناء المؤسسات التعليمية بكافة مستوياتها، وتوسع جداً في بناء المدارس وإحياء المذاهب الفقهية السنية

2- منع تدريس المذهب الشيعي الباطني تماماً وأعدم كل كتبه ومواده العلمية. فقد قام بحصر المكتبات الضخمة الموجودة في القصور الملكية والتي كانت تحوى درر الكتب من كل فن وعلم خاصة مكتبة دار العلم الخاصة بالخليفة الفاطمي، فانتخب النافع منها وأحرزه وقام بتوزيعها على علماء الزمان وخاصة رجاله وقادته مثل القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني الذي كان حظه من تلك الكتب مائة ألف كتاب حازها القاضي وحده فقط!! أما باقي الكتب والتي كانت تحوي عقائد الباطنية وعلومهم الكلامية والفلسفية فقد أعدمها ولم يٌبق منها أثر ولا ذكر.

3- محاربة الفلسفة، فالعقيدة الفاطمية والفكر الباطني كان يقوم على الرموز الفلسفية والإشارات والرموز والإيغال في الكلام الغامض ليضفي هالة من القداسة على المذهب تجذب ضعاف الفكر وبلهاء العقول ممن يستهويهم الغموض والإثارة عن كشف وفك هذه الإشارات والطلاسم الفكرية. وفي المقابل كان صلاح الدين سنياً على مذهب أهل السنة والجماعة شافعياً يكره علوم الكلام عامة والفلسفة خاصة، فشن حرباً لا هوادة فيها على الفلسفة وأهلها وحاصرهم وضيق عليهم بمنتهى الحسم، بحيث لا يتهاون أو يتسامح مع أي دعوة لإحياء علومها.

وخير دليل على بغضه وكراهيته للفلسفة والمنتسبين إليها، وأنه كان يؤدّب أصحاب البدع وأهل الزندقة، أنه في عام 587هـ أمر إلى ابنه الأمير الظاهر غازي حاكم حلب بقتل الفيلسوف أبي الفتح يحيى بن حبش السُهرَوَدي، وذلك بعد أن استفتي الفقهاء في شأنه وشأن أفكاره ومذهبه فأفتوا  بإباحة دمه، خوفاً على المسلمين من أن يُفسد عليهم عقيدتهم بآرائه الفلسفية التي تمس الذات الألهية، ومنعاً لحصول الفتن.

 وقد حاول بعض المعاصرين مثل صاحب الخطط-محمد كردعلي- تصوير مقتل السهروردي بأنه أحد أخطاء صلاح الدين الفادحة التي لا تغتفر، والتي جنت على الفكر الإسلامي جناية كبيرة، فأماتت فيه روح التفكير، فضعف مستوى العقل واعتراه الجمود، سيطرت عليه الأوهام، ولكنّ في هذا الزعم تجنًّ واضح على صلاح الدين، الذي لم يُقدم على الأمر بقتل السهروردي، إلا بعد أن أفتى جميع فقهاء حلب بوجوب قتله، وذلك لأنه في فلسفته مزج بين الحكمة اليونانية وديانات الفرس من مزدكية ومانوية ومذاهب الصابئة في الكواكب والنجوم، يضاف إلى ذلك أن السهروردي في فلسفته كان متأثراً بالمذهب الإسماعيلي الذي يقول أن أولاد علي بن أبي طالب هم صور للتجلّي الإلهي، لذلك اعتبره صلاح الدين ثائراً سياسياً يسعى للقضاء على حكمه وإعادة الدولة الفاطمية.

المحور الثاني: بناء مجتمع المعرفة أو النهضة المؤسسية

من أجل تحقيق الهدف الأهم في خطة صلاح الدين لبناء مجتمع المعرفة السليمة اهتم صلاح الدين اهتماماً عظيماً ببناء المؤسسات التعليمية بكافة مستوياتها، وتوسع جداً في بناء المدارس وإحياء المذاهب الفقهية السنية التي خرجت من مصر أثناء حكم الدولة الفاطمية بعد إغلاق مدارسها ومطاردة علمائها قتلاً وتشريداً ومنعاً. وذلك من خلال ثلاثة محاور:

1- بناء المدارس

فلو أحببنا أن نضع وصفاً مختصراً لتجربة صلاح الدين للنهوض بالعلم في دولته لن نجد أفضل من وصفها بالنهضة المؤسسية.

فقد اعتمد صلاح الدين على بناء المدارس ونشرها في شتى أنحاء دولته بما يضمن له تحقيق هدفه الأهم في بناء المجتمع العلمي الصحيح على عقيدة أهل السنة والجماعة بعد قرنين من الضلال والظلام والجهل والخرافة.

والحق أن صلاح الدين الأيوبي كان متأثراً ومتأسياً في هذا النهج بأستاذه السلطان نور الدين محمود الذي طبق تجربة المدارس في بلاد الشام التي كانت تخضع من قبل للحكم الفاطمي، وقد آتت تجربته ثماراً طيبة وآثاراً حسنة، فعمل صلاح الدين على استنساخها وإعادة إنتاجها في مصر ولكن بصورة أوسع وأكثر مؤسسية لعمق وطول الأثر الفاطمي في البيئة المصرية. فرتبها وأحسن تنظيمها إدارياً ومالياً ليحقق لها انتظاماً واستقلالاً يضمن له سلاسة الأداء واستمرار العطاء، فأوقف عليها الأوقاف الكثيرة وخصص لها العطاءات الجزيلة لرواتب المدرسين والمعيدين ونفقة الطلبة المتفرغين بصورة جعلت تلك المدارس محط رحال طلبة العلم من جميع أرجاء العالم الإسلامي.

ومن أهم المدارس التي ابتناها صلاح الدين والتي ممكن أن يطلق عليها وصف الحكومية أو الرسمية:

المدرسة الناصرية لتدريس المذهب الشافعي: بناها صلاح الدين في (الفسطاط) سنة 566هـ مكان سجن المعونة الذي كان يستخدمه الفاطميون للتنكيل بمعارضيهم، في لمحة لطيفة لزوال عهد الظلم والقهر والجهل وبداية عهد العلم والنور والحرية.

المدرسة القمحية لتدريس المذهب المالكي: بناها صلاح الدين في سنة 566 ه، وسميت بذبك لأنها كان توزع جراية من القمح بانتظام على المدرسين والطلبة.

المدرسة الصلاحية: أنشأها صلاح الدين سنة 570ه، بجوار قبر الشافعي بالقرافة، وجعل التدريس فيها على المذهب الشافعي، وجعل لأستاذ المدرسة راتباً في كل شهر أربعين ديناراً عن التدريس، وعشرة دنانير عن النظر في أوقاف المدرسة، ورتّب له من الخبز في كل يوم ووقف ستين رطلاً، ورواتين من ماء النيل، ووقف عليها حمّاما بجوارها، وحوانيت بظاهرها وجعل فيها معيدين، وكانت من أضخم المدارس وأكبرها حتى وصفها الرحالة ابن جبير بأنها مدينة صغيرة.

المدرسة السيفية: أسسها صلاح الدين سنة 571ه، جعل التدريس فيها على المذهب الحنفي.

وقد أدت سياسة صلاح الدين في التوسع في بناء المدارس العلمية إلى مسارعة الأغنياء والوجهاء والقادة والوزراء والعلماء والتجار وحتى النساء لحذو سير ملكهم صلاح الدين، فبدأوا في التنافس في بناء المدارس والكتاتيب، ومن أهم المدارس التي أُسست في عهده والتي بناها غيره والتي من الممكن أن يطلق عليها وصف الأهلية أو غير الحكومية:

المدرسة الإقبالية: أنشأها خادم صلاح الدين جمال الدين بن جمال الدولة وقسمها إلى قسمين أحدهما للشافعية والآخر للحنفية.

مدرسة منازل العز: كانت في الأصل داراً تابعة للقصر الفاطمي في القاهرة، اشتراها الأمير تقي الدين بن عمر شاهنشاه بن أيوب، ابن أخي صلاح الدين، وجعلها مدرسة للشافعية سنة 574هـ كما بنى هذا الأمير في دمشق المدرسة التقوية، وأنشأ مدرستين بالفيوم للشافعية والمالكية كما بنى مدرسة فخمة في حماة.

المدرسة العادلية: عمّرها أخو صلاح الدين العادل أبو بكر أيوب، في القاهرة وكان بناؤها متقناً محكماً لا نظير له في بنيان المدارس.

المدرسة الشامية: بنتها أخت صلاح الدين ست الشام في دمشق، وهي من مدارس الشافعية. مدرسة الصاحبة: بنتها ربيعة خاتون في دمشق للحنابلة.

المدرسة العاشورية: كانت داراً لليهودي ابن جّميع الطبيب كاتب الأمير بهاء الدين قراقوش، فاشترتها منه الست عاشوراء بنت ساروح الأسدي زوجة الأمير ايازكوج الأسدي، ووقفتها على الحنفية، وكانت من الدور الحسنة، ولكنه لم تعمر طويلاً بسبب موقعها في قلب حي اليهود.

المدرسة الفاضلية: بناها القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني سنة 580هـ ووقفها على الشافعية والمالكية، ووقف بها ما يقارب مائة ألف كتاب التي اصطفاها من مكاتب الفاطميين.

المدرسة العصرونية: أنشأها قاضي القضاة الفقيه شرف الدين أبو سعيد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون. والمدرسة القُطبية: بناها قطب الدين خسرو بن بلبل بن شجاع الهدباني في سنة 570ه وجعلها وقفاً على الفقهاء الشافعية.

المدرسة الأرسوقية: بناها التاجر عفيف الدين عبد الله بن محمد الارسوقي في سنة 570هـ.

 

يعتبر نظام الوقف أحد الأسس المهمة للنهضة الاسلامية, وقد أدى إلى نشاط واسع في الحركة العلمية والعمرانية والصحية ونتج عنه مؤسسات متكاملة في كافة الميادين الحيوية للمجتمع, عملت على ابتكار الحلول لما يستجد من مشكلات.

المدرسة الغزالية بدمشق التي أنشأها السلطان صلاح الدين الأيوبي وأوقف عليها سنة 572ه قرية حزم على من يشتغل بها بالعلوم الشرعية أو بعلم يحتاج إليه الفقيه, والمدرسة العصرونية التي أوقفها الإمام عبد الله محمد بن أبي عصرون (ت585ه) ورصد لها مزرعتين في بعلبك.

والمدرسة الجهاركسية التي أوقفها الأمير فخر الدين جهاركس بن عبد الله الصلاحي (ت608ه) والمدرسة المسرورية التي أوقفها مسرور الخصي الطواشي شمس الدين وقيل إنها منسوبة إلى الأمير فخر الدين مسرور الملكي الناصري العادلي واشترط كتاب وقفها أن يكون مدرساً عالماً بالخلاف بين المذاهب.

 2- تقريب أهل العلم

كان صلاح الدين حريصًا على العلم محباً له، شغوفاً بأهله، شديد الرغبة في سماع الحديث، يذكر كاتب سيرته القاضي العلامة بهاء الدين بن شدَّاد في كتابه (النوادر السلطانية): "كان متى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير، فإن كان ممن يحضر عنده استحضره وسمع منه، وكان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالاً له، وكان يوقِّر العلماء، ويحفظ لهم مكانتهم دائمًا".

تلكم المحبة والتبجيل جعلت صلاح الدين دائم التقريب والمشورة لأهل العلم من الفقهاء والمحدثين والوعاظ، وكان بلاطه ودوائر حكمه عامرة بالفقهاء والعلماء، لا يكاد يقطع أمراً دون مشورتهم والعمل بها. وفي المقابل كان الفقهاء والعلماء نعم العون لصلاح الدين في إدارة شئون دولته وتحقيق رؤيته وخططه نحو إقامة الدولة الإسلامية الراشدة. ةنخص بالذكر في هذا المقام القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني الصديق المقرب لصلاح الدين وذراعه الأيمن في إدارة شئون الدولة وموضع سره ومسشاره الخاص، حتى وُصف بالباب الذي يأتي منه أي قرار لصلاح الدين.

 وفي بداية تسلم صلاح الدين للوزارة من قبل الخليفة الفاطمي العاضد أدّى الفقهاء وعلى رأسهم الفقيه عيسى الهكّاري دوراً كبيراً في إقناع كبار الأمراء المعارضين لتولية صلاح الدين أن يدخلوا في طاعته. وكان لهذا الدور الأثر الكبير في تثبيت قدم صلاح الدين في الحكم.

كما كان للفقيه زين الدين بن النجا أيضاً، دوراً مهماً في ترسيخ ملك صلاح الدين في مصر. حيث يعود الفضل إليه في كشف المؤامرة الكبيرة التي تزعّمها عمارة اليمني سنة 569ه والتي استهدفت قتل صلاح الدين وأنصاره، وإعادة الدولة الفاطمية بالتعاون مع الصليبيين والإسماعيلية الباطنية في الشام والمعروفين بالحشاشين. وبنو قدامة الحنابلة وهم من وجهاء دمشق وأعيانه وأكبر اسرة علمية فيها كان من قادة جنده واشتركوا مع في معظم الفتوحات.

 ولاشك أن إرجاع مكانة أهل العلم لنصابها الصحيح وتثبيت هبيتهم ورفع قدرهم عند الراعي سيرفعها بالتالي عند الرعية، وسيمكن العلماء من أداء دورهم المنوط بهم من تعليم العلم ونشره بين الناس دون خوف أو كتمان أو مداهنة، وكل ذلك سيعود على المجتمع بأسره بالنفع والخير.

3- التوسع في الوقف العلمي

يعتبر نظام الوقف أحد الأسس المهمة للنهضة الاسلامية, وقد أدى إلى نشاط واسع في الحركة العلمية والعمرانية والصحية ونتج عنه مؤسسات متكاملة في كافة الميادين الحيوية للمجتمع, عملت على ابتكار الحلول لما يستجد من مشكلات.

وعندما جاء صلاح الدين الأيوبي كان العبء عليه أكبر والمهمة أكثر تعقيداً، ففي حين واجه نور الدين مدناً وقرى شيعية فإن صلاح الدين كان عليه مواجهة دولة بكاملها وهي دولة قامت على أساس تشابكت فيه السياسة مع الدين إلى حد أن كل تنظيم سياسي واجتماعي وعلمي وثقافي في هذه الدولة كان انعكاساً لروح العقيدة الفاطمية نفسها. وقد أحسن صلاح الدين الأيوبي استخدام وتفعيل نظام الوقف الإسلامي ووسعه بدرجة كبيرة من أجل تمويل وإدارة المدارس والمؤسسات العلمية والصحية في البلاد.

لقد كانت الأوقاف بمثابة النهر الدائم الجريان الذي طالما رفد المدارس والمراكز العلمية، وكلما كانت المدرسة ضخمةً ببنائها وطلابها ومدرسيها فهذا يعني أن وقفها سيكون ضخماً أيضاً ونهض الوقف مساعداً للدولة وحمل عنها الكثير من أعبائها. 

تقييم تجربة صلاح الدين للنهوض بالعلم

لاشك أن تجربة صلاح الدين التاريخي ودوره الكبير في استفاقة الأمة وتوليه لأشرف مهمة عرفتها الأمة الإسلامية في القرون الوسطى؛ تحرير بيت المقدس وإرجاعه لحوزة الإسلام، هذه التجربة تعتبر من أعظم التجارب التاريخية وأكثرها ثراءً وأهمية على المستوى الاستراتيجي في حياة الأمة في حقبة القرون الوسطى. ولسنا بصدد تقييم تجربته الشاملة خاصة وأن خصوم الأمة من كافة التيارات والاتجاهات قد أجمعت على عداوة صلاح الدين الأيوبي وتشويه انجازاته الكبرى، وللشيعة بكافة تياراتها النصيب الأكبر في حملة التشوية والتزييف الكبيرة التي تعرض لها شخص وتجربة صلاح الدين الأيوبي، ولكننا سنقصر الحديث عن تجربته في مجال التعليم.

وبعيداً عن الأحقاد والعداوات الطائفية والدينية التي أُثيرت حول عصر صلاح الدين الأيوبي، يبقى هناك عدة ملاحظات على تجربته العلمية، من أهمها:

1- تركيزه على العلوم الدينية وإهماله للعلوم الدنيوية

لاشك في أن هذه ملاحظة بها قدر كبير من الصحة. فصلاح الدين قد ركزّ بشكل كبير وواسع على التعليم الديني، وكان له من المبررات والقراءات الواقعية للبيئة المصرية ما دفعه لسلوك هذا المسلك.

 فالبيئة المصرية بعد قرنين من حكم الباطنية الفاطمية قد تعرضت لتجريف كبير في الوعي والفهم والأصول والفروع، وأصبحت إلى حد كبير بيئة مسمومة مليئة بالآفات والأمراض، ومن ثم كانت تحتاج إلى جرعات مكثفة من العلاجات التي تستهدف إزالة الأمراض والأورام السرطانية في جسد المجتمع المصري، ثم العلاجات التي تستهدف بناء العقل والوعي المجتمعي على مستوى العقيدة والشريعة والأصول والفروع.

ثم إن السمة الغالبة والعامة للتعليم في عصر القرون الوسطى وما قبلها وحتى نهاية تلك الحقبة، هي السمة الدينية، ليس فقط في الحضارة الإسلامية ولكن في سائر الحضارات القائمة وقتها.

ويبقى القول أن تجربة صلاح اليد لم تخلو من العلوم الدنيوية كما يقول منتقدو التجربة، إذ نراه اهتمَّ اهتمامًا بالغًا بالأطباء، وأقام عددًا من المستشفيات التي جلب لها الأطباء المتخصصين من المسلمين وغيرهم في شتى التخصصات، ومن أهم هذه المستشفيات (المارستان) الذي أمر ببنائه في القاهرة، وهو بناء ضخم متَّسع، وضع عليه صلاح الدين مشرفين من ذوي العلم والدراية تكون مهمتهم ليس علاج المرض فحسب ولكن تدريب الطلبة على فنون الطب وتركيب الأدوية ووصف الأمراض، ووضع لديهم خزائن الأدوية، وكان هذا المستشفى مزودا بأَسِرَّة كبيرة ومجهزا لاستقبال المرضى.

كما أن صلاح الدين أدخل دراسة الحساب واللغة والفلك في الكتاتيب الأولية حتى إذا ما ظهر نبوغ بعضهم في علم من العلم الحياتية أفسح له المجال للدراسة عند المتخصصين في أي مكان بالشام أو العراق أو خراسان وهكذا.

2- تأثره بتجربة السلطان نور الدين محمود

والمعروف عن السلطان نور الدين محمود أنه كان زاهداً عابداً أقرب إلى النساك والرهبان منه إلى السلطان حتى اتهمه البعض بالتشدد، وهو محض كذب على السلطانين العظيمين؛ نور الدين وصلاح الدين.

فلاشك في تأثر صلاح الدين بنور الدين فهو أستاذه ومعلمه وأول من اكتشف مواهبه وخلاله الباهرة وتوسم فيه الخير للأمة والإسلام، ولكن هناك بون واضح بين الكبيرين مع اتفاقهما على الأهداف الكبرى والمصالح العليا للأمة الإسلامية.

ولكن كلٌ من تجربة نور الدين وصلاح الدين تعتبران إمتداد لفكرة المدارس النظامية التي أنشأها الوزير السلجوقي الكبير نظام الملك وزير السلطان ملكشاه السلجوقي في العراق ثم امتدت إلى أرجاء العالم الإسلامي وقد أُنشئت لنفس الدوافع والأسباب والغايات التي توافرت في الشام ومصر بسبب سيطرة الفكر الباطني وإتلافه لعقول وعقائد المسلمين، فالقرن الرابع الهجري كان قرن السيطرة الشيعية على مراكز وقواعد العالم الإسلامي. البويهيون في العراق وفارس، الحمدانيون والأسديون في الشام، القرامطة في البحرين وجنوب الجزيرة، الصلحيون في اليمن، الفاطميون في الشام والحجاز ومصر والمغرب.فكان ظهور السلاجقة ثم الزنكيين ثم الأيوبيين طوق إنقاذ للأمة الإسلامية من مستقبل مظلم.

3- إتلافه لكثير من المؤلفات النافعة

وهو انتقاد مصدره الشيعة الذين هالهم ضياع قاعدة ملكهم وزوال شمس إمبراطوريتهم بعد قرنين من الزمان. كما أن مكتبة الفاطميين الضخمة قد تعرضت للإتلاف سنة 461هـ/1068م إثر الخلاف الذي نشب بين الجنود السودانيّين والأتراك في مصر، وأحرق العابثون الكثيرَ من محتوياتها، ويُذكر أنّ بعضهم جعل من جلودِ كُتبها نعالًا له. ولم يبقَ من هذه الدار، يومَ دخل صلاح الدين القاهرةَ بعد قرن تقريبًا من تلك الكارثة، سوى أقل من الربع!!

والمؤرخون المعاصرون لصلاح الدين لم يذكروا حادثة إحراق أو إتلاف مؤلفات دار العلم، فابن الأثير صاحب الكامل في التاريخ، المعاصر للأحداث لم يذكر أنّ صلاح الدين أحرق مكتبةَ القصر البتّة، بل ذكر أنّه باع جميع ما في القصر. ومثلَه المقريزي يكتب، في اتّعاظ الحنفا، أنّ صلاح الدين أخرج سائر ما في القصر من العبيد والإماء، فباع بعضَهم، وأعتق بعضَهم، ووهب منهم‏،‏ وخلا القصر من ساكنيه،  كذلك لم يَذكر الحريق المزعوم القاضي بهاء الدين بن شدّاد (الذي لازم صلاح الدين وكان كاتبَه الخاصّ)، ولا ابنُ أبي طيّ (المؤرِّخُ الشيعيّ المعاصر لصلاح الدين)، ولا ابنُ العماد الحنبليّ، ولا ابنُ واصل الحمويّ (صاحبُ كتاب مفرِّج الكروب) ولو أحرق صلاح الدين مؤلفات دارَ العلم كما زُعِم، لما أغفلها ابنُ الأثير، وهو خصمٌ لصلاح الدين، وكان مواليًا للأتابكيّين وعاملًا عندهم، ولا ابن طيّ وهو مؤرخ شيعي معاصر لصلاح الدين. والحق أن الإتلاف كان قاصراً على كتب الفلسفة والزندقة التي تحوي عقيدة الباطنية فحسب.


صلاح الدين من التفكيك إلى البناء.. قراءة في النهضة العلمية في الدولة الأيوبية ( 1-2)