الاثنين، 7 سبتمبر 2026

عندما يُرفَعُ الحَرَجُ.. ويَحْضُرُ الحُبُّ

 نقطة نظام

عندما يُرفَعُ الحَرَجُ.. ويَحْضُرُ الحُبُّ


أدهم شرقاوي


الأريحيّةُ بين الزَّوجَيْن ليست ترفًا عاطفيًّا، بل ضرورةُ سكينة؛ هي أن يخلعَ كلٌّ منهما قناعَ التكلُّفِ عند بابِ البيت، وأن يشعرَ أنَّه في مأمنٍ لا يُحاسَبُ فيه على ارتباكٍ، ولا يُلامُ على سؤال. في هذا المقامِ الخاصّ، يُرفَعُ الحياءُ المُقيِّدُ لا الحياءُ النَّبيل، ويُكسَرُ الحرجُ لا الاحترام. فالحياءُ الذي يمنعُ الصِّدقَ جدارٌ بارد، أمّا الحياءُ الذي يحفظُ الودَّ فهو سقفُ أمان.

حين يتحدَّثُ الزَّوجان بلا خوفٍ من سوءِ الفهم، وتُقالُ المشاعرُ كما هي دون تزيينٍ مُرهِق، يهدأُ القلبُ وتستقيمُ العِشرة. لا مكانَ للحرجِ بين روحين جمعهما عقدُ ميثاق، ولا عيبَ في سؤالٍ يُصلِح، ولا خطأَ في مصارحةٍ تُداوي. فالأُلفةُ الحقّةُ تولدُ حين يُستبدَلُ الصَّمتُ الثَّقيلُ بحديثٍ صادق، ويُستبدَلُ الخجلُ المُؤذي بثقةٍ رحيمة؛ عندها يُصبِحُ البيتُ ملاذًا، ويصيرُ القُربُ عبادةً، وتغدو الحياةُ أخفَّ وأصدق!

روى مسلمٌ في صحيحه من حديثِ أُمِّ المؤمنينَ أُمِّ سَلَمةَ رضيَ اللهُ عنها، قالتْ:

قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي امرأةٌ أَشدُّ ضَفرَ رأسي، أفأَنقُضُه لغُسلِ الجنابةِ؟

فقالَ: إنَّما يكفيكِ أن تحثيَ عليه ثلاثَ حثَياتٍ من ماءٍ، ثم تُفيضِي عليكِ من الماءِ فتَطهُرينَ!

في الحديثِ لمسةٌ رقيقةٌ تكشفُ جمالَ العلاقة بين الزَّوجين؛ فسؤالُ أمِّ سلمةَ رضيَ الله عنها لم يكن سؤالَ فقهٍ مجرَّد، بل سؤالَ امرأةٍ تعيشُ حياتها الزوجيّة بوعيٍ وأمان، وتسأل عمّا يخصّها دون حرجٍ أو خوف. 
وفي جوابِ النبيِّ ﷺ رفقُ الزوجِ الحكيم، الذي يُزيل التكلّف، ويُطمئن القلب، ولا يُحوِّل القُربَ إلى عبء. كأنَّ الحديث يقول: إنَّ العلاقةَ السليمة تقوم على الصراحةِ الآمنة، وأنَّ الحياءَ لا يمنع الوضوح، وأنَّ الدِّينَ لا يُقيم جدارًا بين الزوجين، بل يفتحُ بينهما بابَ طمأنينةٍ يحفظ الكرامة، ويصون المودّة، ويجعل القُربَ عبادةً لا حرجَ فيها!

يُعلِّمُنا هذا الحديث أنَّ الدِّينَ لم يأتِ ليُرهِق القلوب، بل ليُطمئنها. فالنبيُّ ﷺ لم يُحمِّل المرأةَ مشقّةً لا حاجةَ لها، بل دلّها على اليسر، ليُرسِّخ في النفوس أنَّ الطاعةَ لا تُقاسُ بقدر التَّعب، بل بصدقِ الامتثال. الطُّهرُ هنا ليس قسوةً على الجسد، بل صفاءٌ في النيّة، ورحمةٌ في التكاليف، وسكينةٌ تُشعِر الإنسان أنَّه في رعايةٍ لا في امتحانِ قسوة.

ويُعلِّمنا أنَّ السُّؤالَ الصادقَ بابُ الفهمِ والأمان. أمُّ سلمةَ رضيَ الله عنها لم يمنعها حياؤها أن تسأل عمّا يهمُّها، لأنَّها أدركت أنَّ الحياءَ لا يكون في طلبِ الحقّ، ولا في التعلُّم. 
هكذا القلوبُ العاقلة؛ تعرف متى تصمتُ أدبًا، ومتى تسألُ وعيًا، ومتى تُقدِّم الفهمَ على التردُّد. فكم من حرجٍ زال بسؤال، وكم من طمأنينةٍ وُلِدَت من جوابٍ رفيق.

ويكشف لنا جمالَ هذا الدِّين في مراعاته للإنسان كما هو، لا كما يُرهَق. لم يُطالِبها ﷺ بتغيير هيئتِها، ولا بإفساد ترتيبها، بل جمع بين الطُّهر والجَمال، وبين العبادة والراحة. 
كأنَّ الرسالة الخفيّة تقول: إنَّ الله لا يُحبّ أن نُثقِلَ على أنفسنا باسمه، بل أن نقتربَ إليه بقلوبٍ هادئة، ونفوسٍ مطمئنّة، لأنَّ الطريقَ إليه يُشبِه رحمته، لا مشقّته!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق