الاثنين، 7 سبتمبر 2026

كيف صدقنا أم أربعة وأربعين من دون أن نعد؟

كيف صدقنا أم أربعة وأربعين من دون أن نعد؟

حمد حسن التميمي


تمرُّ أم أربعة وأربعين مسرعة قرب الجدار، فيبتعد الجميع، ولا يفكر أحد في عد أرجلها؛ فالاسم قام بالمهمة قبل أن تبدأ الملاحظة. 
لكن المفارقة أن العدد الذي تحمله الحشرة في اسمها غير ممكن تشريحياً، فعدد أزواج أرجل الحريش يكون فردياً، ولذلك يستحيل أن يبلغ مجموعها أربعاً وأربعين. ومع ذلك، عاش الاسم بيننا مطمئناً، لا لأن أحداً تحقق منه، بل لأن أحداً لم يجد سبباً ليسأل.


وقد يُقال إن الأمر مجرد تسمية شعبية، وهذا صحيح؛ فاللغة ليست كتاب أحياء، والأسماء لا تُطالب دائماً بتقديم شهاداتها العلمية. 
لكن أم أربعة وأربعين تكشف عادة بشرية تتجاوزها: 
نحن لا نفحص دائماً أصل ما نردده بثقة. يكفي أن يبدأ أحدهم جملته بعبارة «من المعروف أن...» حتى يصل الكلام محاطاً بهيبة الجماعة، وإذا سألت عن المصدر، بدا سؤالك اعتراضاً على أمر محسوم، لا بحثاً عن دليل.

في عام 1977، أجرى الباحثون لين هاشر وديفيد غولدشتاين وتوماس توبينو تجربة أصبحت أساساً لما عُرف لاحقاً بأثر الحقيقة الوهمية. 
عرضوا على المشاركين عبارات محتملة من مجالات مختلفة، وطلبوا منهم تقدير مدى صحتها في ثلاث جلساتٍ تفصل بينها أسابيع، مع تكرار بعض العبارات في كل جلسة. لم يقدم الباحثون دليلاً جديداً، لكن العبارات المكررة بدت للمشاركين أكثر صدقاً. 
لقد منحها التكرار ما لم يمنحها البرهان.

فالعبارة التي نسمعها مرة أخرى لا تدخل إلى العقل كغريبة؛ تجد لها أثراً سابقاً فتمر بسهولة، وقد نترجم هذه السهولة إلى شعور بالصحة. 
لا نقول: «سمعت هذه من قبل»، بل نقول: «أنا أعرفها». 
وهكذا تخطو المعلومة المسافة بين الألفة والحقيقة من دون أن يوقفها أحد، ثم نستميت أحياناً في الدفاع عنها، لا لأن دليلها قوي، بل لأن الاعتراف بخطئها يهز ثقتنا بذاكرتنا.

والأخطر
أن الأمر لا يقف عند أسماء الحشرات والمعلومات الطريفة. 
فقد نكرر وصفاً عن إنسان حتى يلتصق به، ونردد حكماً عن جيل أو أسرة أو مجتمع حتى يتحول إلى عدسة نراهم من خلالها. يبدأ الكلام انطباعاً عابراً، ثم يمنحه التكرار سلطة، حتى يجد الإنسان نفسه مطالباً بإثبات أنه ليس الصورة التي رسمها له الآخرون. وهنا ينتقل وهم الحقيقة من خطأ في المعلومة إلى ظلم في الحكم.

ولا تحتاج المعلومة الخاطئة دائماً إلى كاذب؛ يكفيها ناقلون واثقون. يقولها الأول على سبيل الظن، وينقلها الثاني من دون تردد، ثم تصل إلى الثالث وقد فقدت علامات الاستفهام. 
وقد منحت المنصات هذا المسار سرعة أكبر؛ فنرى العبارة نفسها في حسابات مختلفة ونحسب أننا أمام مصادر متعددة، مع أنها قد تكون صدى لصوت واحد يتردد في الغرفة نفسها. 
فالانتشار يخبرنا بأن المعلومة جذابة أو موافقة لما نحب، لكنه لا يقدم شهادة بصحتها.

ولست أدعو إلى الشك في كل كلمة، أو إلى تحويل المجالس إلى لجان تحقيق. لكنني لا أخشى جملة «لا أعرف»؛ فهي جملة صادقة تحدد حدود صاحبها وتترك باب المعرفة مفتوحاً. ما يستحق الخوف هو نقيضها حين يُقال بلا حق: «أنا أعرف». 
فالجهل الذي يعترف بنفسه يمكن علاجه، أما الجهل الذي يرتدي هيئة اليقين، فيقاوم السؤال ويعد المراجعة إهانة.

أم أربعة وأربعين لا يعنيها الاسم الذي منحناه لها؛ ستمضي بما لديها من أرجل سواء عددناها أم لم نعد. لكن ما ينبغي أن يعنينا هو الأفكار والأحكام التي تمشي في رؤوسنا بالطريقة نفسها: نمنحها عدداً لم نتحقق منه، ثم نكرر اسمها حتى ننسى أننا لم نعد منذ البداية. فكم حقيقة في عقولنا صنعها التكرار، ثم أقنعنا أننا نحن الذين اكتشفناها؟



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق