سليمان القانوني.. سيرة السلطان الذي جمعَ المجد والعدل والأدب

سليمان القانوني
الحكام العظام لا تُقاس عظمتهم بطول أعمارهم، ولا بعدد السنوات التي جلسوا فيها على العروش، وإنما بما تركوه وراءهم حين غادروا العرش والحياة معًا؛ فثمة ملوك يملكون البلاد، وثمة ملوك تصنع في عهودهم البلادُ تاريخها، وتتحول الدولة في أيديهم من رقعة على الخريطة إلى قوةٍ تفرض حضورها في عصرها.
وفي تاريخ المسلمين، يبرز السلطان سليمان القانوني واحدًا من أولئك الذين ارتبط اسمهم بمرحلة بلغت فيها الدولة العثمانية ذروة قوتها واتساعها وهيبتها؛ رجلٌ جمع بين السيف والقانون، وبين صرامة السلطان ورهافة الأديب، فكان في ساحات القتال قائدًا، وفي دواوين الحكم مشرّعًا، وفي محراب الثقافة شاعرًا وخطاطًا، يرى أن سلطان الإنسان الحقيقي لا يكتمل إلا إذا قُيّد بالعدل.
لم يكن سليمان وريث عرشٍ فحسب، بل وريث سلالةٍ حملت ذاكرة الفتوحات من عثمان وأرطغرل إلى محمد الفاتح وسليم الأول، ثم وجد نفسه أمام دولة تنتظر من يحفظ اتساعها ويمنح قوتها نظامًا، ويجعل من هيبتها السياسية مشروعًا مستندًا إلى القانون.
وحين اعتلى العرش شابًا، لم يكن أحد يعلم أن السنوات المقبلة ستجعل عهده أطول عهود السلاطين العثمانيين، وأن اسمه سيغدو مقترنًا بمرحلة بلغت فيها الدولة أقصى امتدادها وأشد حضورها في ميزان القوى العالمي آنذاك.
ومن هنا تبدو شخصية سليمان القانوني أكثر تعقيدًا من صورة الفاتح الذي يفتح البلاد بالسيف؛ فقد كان يدرك أن الإمبراطوريات لا يحفظها اتساع الحدود وحده، وأن الدولة التي تستطيع أن تنتصر في الميدان ثم تعجز عن إقامة العدل داخلها إنما تؤجل سقوطها ولا تمنعه.
لذلك اقترن اسمه بالقانون كما اقترن بالفتوحات، وظل العدل أحد المفاتيح التي تُفهم بها تجربته السياسية.
ووراء السلطان الذي ارتبط اسمه بالجيوش والأساطيل، كان ثمة رجل آخر لا يقل إثارة: قارئ للقرآن، متذوق للشعر العربي، محب للمتنبي والبحتري وجرير وأبي تمام وأبي فراس، يكتب الشعر بالعربية والتركية، ويجيد الخط العربي؛ وكأن الرجل الذي امتدت سلطته على مساحات شاسعة من العالم كان يحتفظ في داخله بمساحة أخرى أكثر هدوءًا، يسكنها الأدب والقرآن واللغة.
ثم تأتي نهايته لتكشف المفارقة الكبرى في حياة أصحاب العروش: سلطانٌ اتسعت في عهده الدولة حتى بلغت ذروة قوتها، ينتهي به المطاف بعيدًا عن عاصمته، في أرض المعركة، أثناء حصار سيكتوار، قبل أن يرى خاتمة حملته الأخيرة.
وهناك، أمام حقيقة الموت التي لا تفرّق بين سلطان وجندي، سقطت آخر حدود الملك؛ فالعرش الذي دان له الناس، والجيوش التي امتثلت لأوامره، والأختام التي كانت تفتح أبواب الدول، كلها تتضاءل أمام اللحظة التي يخرج فيها الإنسان من الدنيا ولا يحمل معه شيئًا من ملكها.
وهنا ربما تكمن أعمق صورة لسليمان القانوني: ليس في اتساع ملكه وحده، وإنما في المفارقة بين رجلٍ امتلك من أسباب الدنيا ما جعل اسمه يهز عروش عصره، ثم انتهى به الأمر إلى القبر مثل كل إنسان؛ ليبقى السؤال الذي لا يجيب عنه السيف ولا العرش: ماذا يبقى من السلطان حين ينتهي سلطان صاحبه؟
(سُلَيْمَان الأول بن سليم الأول بن بايزيد الثاني بن محمد الفاتح بن مراد الثاني بن محمد الأول بن بايزيد الأول بن مراد الأول بن أورخان غازي بن عثمان بن أرطغرل بن سليمان شاه)
– الميلاد: 6 نوفمبر 1494م، طرابزون، تركيا.
– الوفاة: 7 سبتمبر 1566م، سيكتوار، المجر.
(لا يُعرف يوم موته تحديدا، ولذا ستجد اختلافات كثيرة بين الباحثين والمؤرخين، فقد تم إخفاء خبر موته، حوالي 50 يوما، لأسباب سياسية وعسكرية، والمؤرخون الأتراك يؤكدون موته خلال النصف الأول من سبتمبر)
– من أعظم قادة الجهاد الإسلامي
– ثاني من حملَ لقب “أمير المؤمنين” من آل عثمان.
– كان يتقن اللغة العربية ويحفظ القرآن الكريم، ويحفظ أشعار المتنبي، والبحتري، وجرير، وأبي فراس، وأبي تمام، وكان يكتب الشعر باللغتين العربية والتركية، بالإضافة إلى براعته في الخط العربي، فقد كان خطاطًا مدهشًا..
وُلِدَ “سليمان” يوم 6 نوفمبر 1494م، في مدينة طرابزون التي كان والده سليم واليًا عليها قبل أن يصبح ثالث السلاطين العثمانيين، بعد جده: محمد الفاتح، ووالده: “السلطان بايزيد”، في أعقاب فتح مدينة إسطنبول منتصف القرن الرابع عشر الميلادي.
– في يوم 30 سبتمبر 1520م، اعتلى سليمان القانوني عرش الدولة العثمانية وعمره 26 سنة، ليصبح بذلك عاشر سلاطين بني عثمان، والرابع بعد فتح إسطنبول، إلى جانب ترتيبه الـ 89 بين الخلفاء المسلمين.
– خلال سنوات حُكمه الـ46 (أطول فترة حُكم شهدتها الدولة العثمانية منذ تأسيسها)، والتي امتدت حتى وفاته يوم 7 سبتمبر 1566، بلغت الدولة العثمانية أقصى اتساع لها، وأضحت أقوى دولة في العالم القديم، ونجح أسطوله بقيادة البحار العثماني: “خير الدين بربروس” من فرض هيمنته المطلقة على البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأحمر لسنوات عديدة لاحقة.
سبب تسمية سليمان القانوني بهذا الاسم:
كان سليمان القانوني عادلا، يُطبّق الأحكام والقوانين على عائلته قبل العامة، ويتسم بالأخلاق الإسلامية العالية، وكان حريصا دائما على العدل وتطبيق القوانين.. ولذا حرص على إصدار حزمة متكاملة من القوانين بهدف تنظيم أمور الدولة واختصاصاتها، وكان هذا سببًا لتسمية سليمان القانوني وحصوله على لقب “القانونيّ”.
الرجل الذي ملكَ الدنيا
في يوم 7 سبتمبر 1566م، وأثناء حصار حِصن سيكتوار خلال الحملة العسكرية التي استهدفت المجر، تُوفيَ السلطان سليمان القانوني بشكل طبيعي قبل أن يشهد الانتصار، عن عمر ناهز الـ71 عامًا..
ولأجل الحفاظ على معنويات الجيش العثماني مرتفعة، ومنعًا للفوضى على العرش في إسطنبول، أخفى القادة العسكريون ومستشارو السلطان خبر وفاته لمدة تزيد عن 48 يومًا، وقاموا بتزوير توقيعه وأختامه على ظهر الأوراق التي حملت تعليماته وقراراته.
– إنه الرجل الذي ملكَ الدنيا، وحكمَ الكرة الأرضية، وكان يضع كفنه في عمامته
بلغت الدولة الإسلامية في عهده أقصى اتساع لها، وأصبحت أقوى دولة في العالم في ذلك الوقت.
– صاحب أطول فترة حُكم.. من 6 نوفمبر 1520م، حتى وفاته في 7 سبتمبر سنة 1566م.
– نجحت جيوش سليمان القانوني في السيطرة على معظم بلدان العالم، ونشر الإسلام في كل بقاع الأرض، وسيطرت الأساطيل العثمانية على جميع بحار ومحيطات الكرة الأرضية.. وكانت الخلافة العثمانية هي القطب الأوحد، والعملاق الذي ترتجف فرائص جميع البلدان الغربية أمامه، وتقدّم له الجزية صاغرة،،
من أشهر أقواله:
1- “من يأخذ المال اليوم؛ يأخذ الأوامر غدا”
2- “الحُكم ليس بالسيف، بل بالعدل”.
3- “أُحبُّ أن أموت غازيًا في سبيل الله”. (قالها لأطباء القصر عندما طلبوا منه أن يستريح بعد أن تجاوز السبعين من العمر..)
4- “عندما أموت أخرِجوا يدي من التابوت لكي يرى الناس أنه حتى السلطان خرجَ من هذه الدنيا ويده فارغة”
– الوصية:
عندما حان وقت دفن جثمان سليمان القانوني، كان لا بُدَّ من تنفيذ وصيته، فقد أوصى بدفن “صندوق” معه في قبره، وتحيّرَ العلماء بشأن هذا الصندوق، ربما يكون به “مال” وذلك يخالف الشريعة، ولا يجوز دفنه، فقرروا فتح الصندوق، وكانت المفاجأة الصادمة للعلماء والشيوخ،، فقد وجدوا بالصندوق جميع (فتاويهم) التي قالوها له، وسارَ على نهجها، وعملَ بها في حُكمه، فبكى العلماء والشيوخ من الموقف وقالوا:
(لقد أنقذتَ نفسك يا سليمان، فأي سماءٍ تظلنا … وأي أرضٍ تُقلنا إن كنا مخطئين في فتاوينا)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق