هل تمتد ولاية مجلس السلام من غزة إلى لبنان؟
وائل قنديل
("في حال تعذّر تمديد مهمة قوات الأمم المتحدة في لبنان (يونيفيل)، فإن لبنان يرحب بأي دولة شقيقة أو صديقة ترغب في استكمال ما تقوم به هذه القوات.")
الاقتباس من تصريحات الرئيس اللبناني جوزاف عون أمس، والمضمون يبدو من بعيد عاديّاً، لكنّه بتكبير العدسة وتقريب الصورة يضع لبنان في مهبّ مصير لا يختلف في كارثيته عمّا جرى لقطاع غزّة، بعد أن صار خاضعاً لما يُسمّى "مجلس السلام" الذي يرأسه دونالد ترامب ويعيّن له من يشاء من الأعضاء.
خطورة صيغة مجلس السلام وبنيته
سحب القضية الفلسطينية، وقطاع غزة جزء أصيل فيها، من نطاق الشرعية الدولية مُجسّدة في قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتسليمها إلى الإدارة الأميركية، ووحدها هذه تقرّر وتشرّع وتحكم وتدير، فيما يقف النظام العربي معزولًا عن الأمر، وإن كان الرئيس الأميركي يستخدم بعض أعضاء هذا النظام في تنفيذ رؤى "مجلس السلام" ومهامه، وهو الذي يضم الكيان الصهيوني كذلك، بل ويمنحه النفوذ الأكبر على أعمال المجلس.
لا يقصي مجلس السلام أيّ دور للأمم المتحدة، فقط، في مسألة قطاع غزّة، بل يحذف أيضاً جامعة الدول العربية من معادلة الصراع، ويجعلها في مقاعد المُتفرجين، مثل أيّ كيان سياسي آخر من خارج الشرق الأوسط، بصرف النظر عن كون هذه الجامعة كياناً متحفيّاً ميتاً لا دور له أو وظيفة، وإن قامت ببعض المهام الشكلية التي لا تقدّم أو تؤخّر.
بالعودة إلى تصريحات جوزاف عون بالأمس، فإنّها تفتح الباب لتلك "الدولة الصديقة" لكي تتولى الأمر عوضاً عن "يونيفيل"، وهي بعثة دولية مُتعدّدة الجنسيات تابعة للأمم المتحدة أُسّست لحفظ السلام والاستقرار في جنوب لبنان، أُنشئت بموجب قراري مجلس الأمن رقمي 425 و426 عام 1978 في أعقاب الغزو الصهيوني للأراضي اللبنانية، وفي عام 2006، عزّز مجلس الأمن ولايتها بقرار مُحدّث حمل رقم 1701 ووسّع الولاية الأصلية للبعثة لتشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية.
كما كلّف حفظة السلام التابعين ل"يونيفيل" بمرافقة القوات المسلّحة اللبنانية ودعمها في أثناء انتشارها في جميع أنحاء جنوب لبنان.
الدولة الوحيدة التي سمّاها جوزاف عون صديقة هي الولايات المتحدة برئاسة صديقه "الكبير" دونالد ترامب، الذي وضع الرئيس اللبناني قضية لبنان بين يديه ووكلّه بالتصرّف فيها كما يشاء، فما الذي يمنع أن تكون البديل لقوات يونيفيل في مرحلة لم تعد فيها الإدارة الأميركية الحالية تعترف بالهيئات الأممية، ولا تترك مناسبة للسخرية منها والتسفيه من أدوارها؟
في هذه الحالة، لن يكون هناك سوى مجلس السلام الفاعل الوحيد في قطاع غزّة الآن هو المكلّف بملء الفراغ في حال تمّ إنهاء عمل القوة الدولية التابعة للأمم المتحدة في الجنوب اللبناني، مع الوضع في الاعتبار أنّ هذه القوّة باتت على لائحة الأعداء المنبوذين بالنسبة للحلف الأميركي الصهيوني الذي يوسّع نفوذه ويعربد في كلّ مكان في الشرق الأوسط، مثل الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية و"أونروا"، بل و"يونيسيف" أيضاً.
أما مسألة "دولة شقيقة" التي وردت في تصريح الرئيس اللبناني، فإنّها محض خيال مجنّح، ذلك أنّ مثل هذه الدولة الشقيقة لم تطرح نفسها ولم يطرحها أحد لكي تلعب دوراً مُماثلاً، بل وكان مطلوباً بشدّة، في حرب الإبادة على قطاع غزّة، بل إنّ كلّ الأطراف، بما فيها الرئيس اللبناني نفسه، ليست ثمّة دولة شقيقة مؤهّلة أو مُستعدة أو راغبة في ممارسة أيّ دور بمواجهة جموح العدو الإسرائيلي، ومن ثم فإنّ الاحتمال الباقي لإزاحة "يونيفيل" من لبنان والوجود مكانها هو "الدولة الصديقة" التي يمكن أن توافق عليها إسرائيل، التي لا تقبل بغير واشنطن لاعباً أساسيّاً في شرق أوسط خرج من العقل الصهيوني إلى التنفيذ العملي، وهنا ليس سوى "مجلس السلام" هدية الرئيس الأميركي للاحتلال الإسرائيلي في غزّة، والذي يثبت يوماً بعد آخر أنه ليس إلا ذراعًا أمنية صهيونية، تأتمر بما يقرّره بنيامين نتنياهو، وتعمل على تنفيذه بكفاءة منقطعة النظير:
نزع السلاح وتجريم المقاومة، فيما يمدّ الصهيوني بصره إلى أبعد من الستين بالمائة من مساحة قطاع غزّة التي يحتلها الآن، ويعلن أنه لن ينسحب منها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق