‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدكتور عصام عبد الشافي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدكتور عصام عبد الشافي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 7 أغسطس 2026

الترامبية وتآكل أركان القوّة الأميركية آراء عصام عبد الشافي

 الترامبية وتآكل أركان القوّة الأميركية

عصام عبد الشافي

دكتوراه الفلسفة في العلاقات الدولية، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية،

 مؤسس ورئيس أكاديمية العلاقات الدولية

بدأ في عام 1988 اهتمامي العلمي بالولايات المتحدة والدراسات الأميركية عامّةً، وما يرتبط منها بالسياسات الخارجية خاصّةً، وهو ما انعكس على المسار البحثي، فكانت رسالة الماجستير حول قضايا الأقلّيات والهُويّة في المجتمع الأميركي، وأطروحة الدكتوراه حول السياسة الأميركية تجاه السعودية. 
وخلال هذا المسار نحو 40 عاماً، تعدّدت المؤلَّفات والبحوث والدراسات والمقالات، ومعها قليل من الزيارات إلى الولايات المتحدة.

أحد المُخرجات الأساسية لهذا المسار الوقوف بدقّة على نشأة هذا الكيان وتطوّره، من "اتحاد هشّ" بدأت جذوره عام 1775 في المؤتمر القارّي الأوّل، ثمّ في المؤتمر القارّي الثاني وإعلان وثيقة الاستقلال في الرابع من يوليو/ تمّوز 1776، وصولاً إلى "إعلان اتّحاد" من 13 ولاية، وصفه الرئيس الأوّل للولايات المتحدة جورج واشنطن، بعد نهاية ولايتَيه الرئاسيتَين عام 1797، بأنّه "خيط من الرمال"، تعبيراً عن درجة هشاشته وحجم التحدّيات التي تواجهه. 

وما تلا هذا من خطوات يمكن وصفها بـ"الجبّارة" لبناء الدولة والمجتمع، انطلاقاً من الداخل أوّلاً، مروراً بالمحيط، وصولاً إلى بناء الإمبراطورية. وعلى الرغم ممّا مرّت به الرحلة الأميركية من إنجازات وانتصارات، عانت أيضاً عديداً من الانكسارات والانهيارات. 
وبين هذَين المسارَين (الانتصار والانهيار) برز ما يمكن تسميتها "ثلاثيات المسيرة الأميركية" التي احتفت في يوليو/ تمّوز 2026، بمرور 250 عاماً على انطلاقتها.

تشهد الولايات المتحدة التي تحتفي بمرور 250 عاماً على استقلالها تآكلاً في قوّتيها الناعمة والصلبة

الثلاثية الأولى "التاجر والعسكري والمُبشِّر" التي تقوم في جوهرها على أنّ التوسّع الأميركي سواء داخل القارّة الأميركية أو عبر العالم الجديد أو في أميركا الوسطى والجنوبية، ولاحقاً عبر قارات العالم كلّها، قد استند إلى ثلاث ركائز أساسية. 
الركيزة الأولى: "التاجر"، وتتمثّل في التجارة والاقتصاد والاستثمارات والمِنح والمساعدات وفرض الرسوم والضرائب والتعرفات، واحتكار إنتاج السلع الأساسية، والتحكّم في الأسواق التجارية، وفرض الدولار عملةً عالميةً، ووضع اليد على الثروات الاستراتيجية (النفط والغاز والمعادن الحيوية) وفرض الهيمنة على الممرّات التجارية والمضائق الحيوية. والركيزة الثانية "العسكري" أي القوّة العسكرية والتوسّع العسكري والتدخّلات المباشرة وغير المباشرة، ونشر نحو 850 قاعدة عسكرية حول العالم ونحو 17 أسطولاً في بحار العالم ومحيطاته، وتعزيز الترسانات العسكرية وبناء الأحلاف الأمنية والعسكرية، بداية من حلف "ناتو" في نهاية الأربعينيّات من القرن العشرين مروراً بحلف "أنزوس" وحلف "سياتو" في الخمسينيّات من القرن العشرين، وصولاً إلى حلف "العيون الخمس" و"إكواس" في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. 
وفي الخلفية عشرات العمليات غير المباشرة من حروب بالوكالة واغتيالات ودعم الانقلابات العسكرية وتسليح المليشيات والمرتزقة وشركات الأمن الخاصّة في قارّات العالم كلّها.
الركيزة الثالثة، "المُبشِّر"، فكانت بداياتها في القرن التاسع عشر مع موجات المبشّرين بـ"الدين الأميركي الجديد"، و"الثقافة الأميركية"، و"النموذج الأميركي"، و"الاستثناء الأميركي"، عبر العشرات من المدارس والجامعات والمستشفيات والمراكز البحثية، والمؤسّسات المدنية، والإعلام والتعليم، وفتح الباب أمام الراغبين في الهجرة والانضمام إلى "الحلم الأميركي". ومع تطوّرات القرن العشرين، والوصول إلى موقع قيادي في قمّة النظام الدولي بجوار السوفييت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، خاضت الولايات المتحدة ما سمّته بـ"الحرب الباردة الثقافية"، وأنفقت مئات المليارات من الدولارات لبناء ثلاثية "السمعة"، و"الهيبة" و"المكانة" التي تضمن لها الهيمنة على النظام الدولي والتخلّص من الاتحاد السوفييتي، ولو بعد حين. 
وهو ما تمّ عام 1991، مع نهاية الحرب الباردة وتفرّد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي، ومع بداية التبشير بنهاية التاريخ وصراع الحضارات ونشر الديمقراطية والدفاع عن الحقوق والحريات وغيرها من نظريات وشعارات.
وفي مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ظلّت "الثلاثيات"، لكن مع تغيير "المسمّيات"، وبدلاً من الحديث عن "التاجر والعسكري والمُبشِّر"، يجري الحديث عن "القوّة الصلبة والناعمة والذكية"، مع إسهامات المفكّر الأميركي جوزيف ناي (1937–2025) الذي رسّخ هذه الثلاثية مثبّتاً مقولته التأسيسية: "إنّ القوّة مثل المناخ، يتحدَّث عنها الجميع ويعتمدون عليها، لكنّ القليلين هم مَن يفهمونها. في عصر المعلومات، ليس المُهم فقط أيّ جيش ينتصر، بل المهمّ كذلك أيّ رواية تنتصر"، وذلك في كتابه "حتمية القيادة... الطبيعة المتغيّرة للقوّة الأميركية" (1990)، وصولاً إلى كتاب "القوّة الناعمة... سبل النجاح في السياسة العالمية" (2005)، وعبر عشرات المقالات التي كان ينشرها بشكل دوري في موقع بروجيكت سانديكيت.
وقبل وفاته (8 مايو/ أيّار)، كتب ناي في آخر مقال له في هذا الموقع: "القوّة الناعمة لأيّ دولة تنبع أساساً من ثلاثة مصادر: ثقافتها وقيمها السياسية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وسياساتها الشرعية المبنية على وعي بمصالح الآخرين، والقبول المُتبادل بالشراكة بين الطرفَين"، و"أنّ القوّة الناعمة هي الوجه الآخر لعُملة القوّة الصلبة، فهي مُضاعِف للقوّة، فالقوّة الاقتصادية مُكمِّلة للقوّة العسكرية، لكنّها تحتاج إلى بُعد ثقافي أيضاً"، و"الخطر الأكبر المحيق بقوّة أميركا ليس الصين أو الإرهاب، بل فشلنا في الالتزام بقيمنا وحماية تحالفاتنا".
ثالث الثلاثيات في مسيرة الهيمنة الأميركية، صاغها جوزيف ناي بالأركان نفسها مع تغيير المفاهيم، فانتقل من ثلاثية "القوّة الصلبة والناعمة والذكية" إلى ثلاثية "العصا والجزرة والعسل"، فقال متحدّثاً عن السياسة الترامبية: "أخشى أنّ الرئيس ترامب لا يفهم القوّة الناعمة، إذا كنا نعتقد أنّ القوّة مزيج من العصا (العسكري) والجزرة (التاجر) والعسل (المُبشِّر)، فإنّ ترامب يتخلّى عن العسل، وإذا استطاع أن يجعل هذه العناصر مترابطة، فسيُنجز الكثير". وأضاف موجّهاً خطابه مباشرة إلى ترامب: "يمكنك خفض استخدام العصا والجزرة إذا كنت تتمتّع بجاذبية العسل. ولذا، عندما تُلغي شيئاً مثل المساعدات الإنسانية من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية أو تُسكِت إذاعة صوت أميركا، فإنّك تحرم نفسك من إحدى أدوات القوّة الرئيسة". لكن ترامب لم يستجب، ولم يسمع لجوزيف ناي وغيره، ولن يستجيب ولن يسمع أحداً، لأنّه يرى في نفسه "العالِم"، "المفكّر" "الخبير"، "كبير الفلاسفة"، "النبي المُرسَل"، "القائد المُلهَم"، "الزعيم المُفدّى"، وغيرها من مسمّيات صاغها بنفسه وروّجتها دوائر المنتفعين من حوله، على حساب أركان القوّة الأميركية.

كشفت سنوات حكم ترامب أنّ الترامبية كانت وبالاً حقيقياً على أركان القوّة الأميركية

وبعد أقلّ من شهر من وفاة جوزيف ناي، خاض ترامب حرباً عبثيةً ضدّ إيران في يونيو/ حزيران 2025. 
وبعد أشهر من الحرب، وفي السابع من يناير/ كانون الثاني 2025، وقَّع ترامب إعلاناً بانسحاب الولايات المتحدة من ⁠35 منظّمة غير تابعة للأمم المتحدة، و31 ‌كياناً تابعاً لها، بدعوى أنّها "تعمل بما ‌يتعارض مع ‌المصالح ⁠الوطنية الأميركية".

 ولم ينتهِ شهر يناير حتّى خطف ترامب الرئيس الفنزويلي وزوجته بعملية قرصنة، وأعلن وضع يده على ثروات فنزويلا، والتحكّم في تجارة نفطها. 

وما هو إلّا شهر آخر، وتحديداً في 28 فبراير/ شباط 2026، حتّى تورّط مع حكومة نتنياهو الصهيونية في حرب خاسرة مع إيران، سقط فيها في مستنقع لا يعرف كيف يخرج منه. 
هذا إلى جانب عشرات التصريحات العدائية ضدّ حلفائه في أوروبا وحلف الناتو ودول أميركا اللاتينية، وكذلك في آسيا وأفريقيا، فلم يترك دولةً أو مَلِكاً أو رئيساً أو مسؤولاً يتحفّظ على سياساته إلا نال منه بتصريحاته العدائية، إعلامياً وسياسياً، إلى جانب العديد من الحروب الكلامية واللغة التصعيدية، وكأنّه يخوض حرباً ضدّ الجميع.

كشفت سنوات حكم ترامب، سواء في ولايته الأولى (2017–2021) أو في ولايته الثانية التي بدأت في يناير 2025، أنّ "الترامبية" كانت وبالاً حقيقياً على أركان القوّة الأميركية، وعلى الرغم من أنّه يحاول بين الحين والآخر ربط اسمه بـ"الآباء المؤسّسين" للولايات المتحدة، وبـ"الرعيل الأوّل" الذي قاد مسيرتها، كما في حديثه عن "مبدأ دونرو" الذي استقاه من "مبدأ مونرو" 1823، يكشف الواقع أنّ الولايات المتحدة التي تحتفي بمرور 250 عاماً على استقلالها، تشهد تآكلاً في قوّتها، ليس فقط الناعمة التي دمّرها ترامب، بل كذلك في قوّتها الصلبة. 

ولعلّ في مخرجات الحرب الإيرانية، على الأقلّ حتّى تاريخ كتابة هذا التحليل، خير شاهد على ذلك. 

إذ افتقدت الآلة العسكرية الأميركية، رغم الفروق الهائلة بينها وبين الآلة الإيرانية، القدرة على الحسم، بل الأخطر من ذلك هو "حديث المراجعات" المتصاعد داخل العديد من النظم السياسية سواء العربية أو الأوروبية عن جدوى الشراكة مع الولايات المتحدة، وعن تآكل مظلّة الحماية الأميركية، بعد أن كشفت الحرب على إيران كثيراً من اختلالاتها الهيكلية، بل الأسوأ من ذلك تراجع ثلاثية "السمعة والهيبة والمكانة" التي كانت تراهن عليها الولايات المتحدة لفرض هيمنتها.

ليست "الترامبية" وبالاً فقط على أركان القوّة الأميركية، ولكن يمكن القول، واستناداً إلى العديد من المؤشّرات، إنّها وبال على أمن العالم، شرقه وغربه، وشماله وجنوبه. وكما كانت الولايات المتحدة أحد أكبر ضوابط هذا الأمن منذ 1945، كانت أيضاً (وستظلّ) أحد أكبر مهدّداته.



الأربعاء، 29 يوليو 2026

سيناريو عبثي

سيناريو عبثي

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، رئيس أكاديمية العلاقات الدولية

 

تخيل معي مثل هذا السيناريو:

مشهد (1) لَيلِي:

إسرائيل والولايات المتحدة تشنان هجوما واسعا على إيران لتدمير قدراتها الصاروخية والنووية واسقاط نظامها، وتغتال العشرات وتقتل المئات من الإيرانيين.

مشهد (2) لَيلِي:

ترد إيران بكل قدراتها على الكيان وعلى القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة، ويصبح الاستنزاف متبادل بين إيران والكيان، وبينهما دول الخليج والعراق

مشهد (3) لَيلِي

يتم الاتفاق على هدنة، ثم تبدأ أميركا منفردة استهداف إيران من قواعدها في المنطقة، فترد إيران على القواعد وعلى البنى التحتية في دول القواعد،

وخرجت إسرائيل من مشهد المواجهات، وتوقف عندها الاستنزاف، واستمر في إيران ودول الخليج

مشهد (4) لَيلِي

تحاول إيران نقل المعركة بعيدًا عن جغرافيتها، فتُحرك أدواتها في اليمن والعراق ضد السعودية ودول الخليج وباب المندب، تقوم أميركا بدفع السعودية للرد في اليمن والعراق

يتوقف الاستنزاف مُؤقتًا في إيران، وينتقل الاستنزاف إلى دول الخليج والعراق واليمن، مع خطاب تصعيدي بين السعودية والعراق والحوثي في اليمن

مشهد (5) نهاري:

بيانات وتصريحات وتنديدات من العراق واليمن ضد السعودية، ومن السعودية ضد العراق واليمن، وبيانات تأييد من هنا وهناك،

لهذا وذاك، وتوقف التدمير مؤقتًا في إيران والكيان، وأصبح التدمير والاستنزاف الآن في دول الخليج والعراق واليمن.

هنا يأتي السؤال لكل من دعوا لتوسيع الجبهات والمواجهات، وبعد أن كان الحديث عن مواجهة إسرائيلية إيرانية، يمكن ان تتمايز فيها الأصوات والتحليلات ونجد حشدًا وتعبئة على أسس عرقية ومذهبية وتاريخية

الآن بعد أن أصبحت المواجهة عربية عربية، تحركها أدوات خارجية

كيف سيكون موقف الطائفيين المذهبيين القوميين العبثيين، الضالين المضلين من أطراف المواجهة؟

الخميس، 2 يوليو 2026

ماذا تُريد الصين منّا وماذا نُريد منها؟

 ماذا تُريد الصين منّا وماذا نُريد منها؟

عصام عبد الشافي

دكتوراه الفلسفة في العلاقات الدولية، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

مؤسس ورئيس أكاديمية العلاقات الدولية


تعدّدت الكتابات خلال السنوات العشر الأخيرة عن صعود الصين وقدراتها، وذهب بعضهم إلى الحديث عن "تعدّدية قطبية" تمثل الصين أحد أطرافها، بجانب كل من الولايات المتحدة وروسيا، ومع كل أزمة تحدث في منطقة الشرق الأوسط أصبح أحد الأسئلة التي يتم تكرارها: ماذا ستفعل الصين؟

جاءت فكرة هذا المقال على خلفية متابعة مؤتمر دولي كبير بعنوان "السياسات الصينية والتحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط"، نظّمته عدة جامعات ومراكز بحث وفكر عربية، من 26 إلى 28 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، في إسطنبول.

وبعد تقديم أكثر من 70 ورقة بحثية، كانت التساؤلات التي طرحتها أكبر من الإجابات التي قدمتها، ولعل هذا يعود، في جانب كبير منه، إلى "حداثة" الاهتمام المتعمق بالشأن الصيني على المستوى البحثي العربي، وضعف عدد الخبراء العرب المتخصّصين في هذا المجال، ومن أهم العوامل التفسيرية لذلك الضعف حاجز اللغة، واعتماد من يكتبون عن الصين على مصادر غربية بالأساس تتحكّم في رؤاهم وتوجهاتهم ومواقفهم نحو السياسة الصينية، وقضاياها وأولوياتها الشرق أوسطية عامة، والعربية خاصة.

وإذا كانت العلاقات الدولية، في جوهرها، تبادلية، فإن الحديث عن "السياسات الصينية تجاه الشرق الأوسط" من دون الحديث عن "السياسات الشرق أوسطية تجاه الصين" يؤدّي إلى مزيد من القصور في الفهم والإدراك بأبعاد هذه العلاقات. إلا أن الحديث عن "السياسات الشرق أوسطية" يطرح تساؤلات أكثر من أنه يقدّم إجابات، لأن الحديث عن "السياسات الصينية" يعني طرفاً واضحاً ومحدّداً، له أهدافه وخططه وسياساته وأدواته في المنطقة، ولكن عند الحديث عن "السياسات الشرق أوسطية" 

يكون السؤال الأبرز: عمّن نتحدّث؟ الدول العربية أم تركيا أم إيران أم "إسرائيل"؟ وفي الدول العربية هل نتحدث عن دول المشرق العربي (العراق، سورية، الأردن، لبنان، فلسطين)، أم عن دول الخليج العربية (السعودية، عُمان، الكويت، قطر، الإمارات، البحرين)، أم عن دول المغرب العربي (ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا) أم عن دول حوض النيل والقرن الأفريقي؟

فإذا كان الاسم الجامع هو "العربية" فإن تعدّد التقسيمات الإقليمية الفرعية يعني مزيداً من عدم وضوح الرؤى وتنسيق السياسات في مواجهة الصين والتعاطي معها، بل الأسوأ من هذا أن نجد على مستوى منظومة فرعية من المنظومة العربية، مثل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، غياباً للتوافق والتنسيق والرؤى الموحّدة في التعاطي مع السياسات الصينية.

ويزداد الأمر سوءاً عندما نتحدّث عن السياسات الصينية تجاه القضية الفلسطينية والأطراف الرئيسية في هذه القضية، فهل نتحدّث عن سياساتها تجاه السلطة الفلسطينية أم تجاه حركات المقاومة أم تجاه الكيان الصهيوني؟ وإذا أرادت الصين أن تضبط بوصلة سياساتها تجاه القضية الفلسطينية فعلى أي "موجة" تجاه القضية ستفعل؟ على الموجة الإيرانية أم التركية أم الإسرائيلية أم الموجات العربية، وهي موجات وليست موجة واحدة، في ظل تسارع سياسات التطبيع على حساب القضية الفلسطينية من أطراف تحرص الصين على تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية معها.

إذا أرادت الصين أن تضبط بوصلة سياساتها تجاه القضية الفلسطينية فعلى أي "موجة" تجاه القضية ستفعل؟

في ظل هذا التعقيد، تتطلب الإجابة عن سؤال: ماذا تُريد الصين منا وماذا نُريد منها 

مراعاة اعتبارات وملاحظات تأسيسية عديدة: 

أولها، أنه إذا كان هناك اتفاق عند بعضهم عن الصين وماذا تريد من الشرق الأوسط، فهناك اختلاف بين كثيرين حول مفهوم "الشرق الأوسط" في ذاته!، وهل المقصود به المفهوم البريطاني القديم الذي يشمل مصر والمشرق العربي، أم المفهوم الأميركي الضيق الذي يشمل الدول العربية وتركيا وإيران والكيان، أم المفهوم الأميركي الواسع بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، الذي يشمل بجانب ما سبق أفغانستان وباكستان.

ومن ناحية ثانية، أحد المداخل المنهجية في العلوم السياسية "منهج الدور"، الذي يستند إلى أربعة أركان رئيسية لفهم "دور" أي طرف من أطراف العلاقات الدولية: محددات الدور، سلوك (مظاهر) الدور، تقييم الدور، مستقبل الدور، وبالتالي يسهل تطبيقه مباشرة على "السياسات الصينية" في الشرق الأوسط، لكن يصعب تطبيقه على "الشرق الأوسط" لأننا هنا سنتحدث عن "أدوار" متنافسة ومتناقضة بل متصارعة، وليس عن دور واحد.

ومن ناحية ثالثة، الحديث من مدخل "السياسات الصينية في الشرق الأوسط" قد يُفهم منها أنها تؤثر في الإقليم، وهذا ما يتطلب فهم مستويات هذا التأثير وحدوده لأنه يختلف أيضًا بين دولة ودولة، وبين إقليم فرعي وآخر، داخل الإقليم الكبير، كما يختلف بين قضية وقضية، بحسب ترتيب الأولويات في السياسة الصينية، وبحسب طبيعة النسق الإقليمي والدولي الحاكم لتلك القضية في مرحلة زمنية معينة.

ومن ناحية رابعة، وفي مقابل الحديث عن "تأثير الصين في الإقليم"، يجب أن يُطرح سؤال آخر عن "تأثير الإقليم في الصين" أي هل هناك أطراف أو قضايا أو أزمات من داخل الإقليم تؤثر في الصين؟ ومبعث هذا السؤال أن عدداً من أزمات الإقليم في الربع قرن الأخير كانت مصطنعة، أي يقف خلف نشوئها وتطوراتها أطراف واضحة، وأن من بين أهداف صناعتها تهديد المصالح الاستراتيجية الصينية في المنطقة، كما هو الحال في الصراع الممتد بين إيران والكيان، وآخر جولاته في حرب 2025، وحرب 2026.

ومن ناحية خامسة، تحولات سياسية عديدة شهدها الإقليم خلال الربع قرن الأخير، خصوصاً في الدول التي كانت ترتبط بعلاقات تاريخية واستراتيجية مع الصين مثل "عراق صدّام"، و"ليبيا القذافي" و"سورية الأسد"، و"سودان البشير"، ارتبطت في أحد أبعادها باستهداف المصالح الصينية في هذه الدول والقضاء على الوجود الصيني فيها، ما يعني أن "داخل الإقليم" قد يكون أكثر تأثيرًا في السياسات الصينية، من تأثير هذه السياسات في الإقليم.

يمكن الحديث عن "أكثر من صين" وفق معيار التطورات التي مرت بها على الأقل خلال القرن الأخير

ومن ناحية سادسة، أن طرح التساؤلات وتعدد الجدالات حول تحولات النظام الدولي في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، وهل يشهد ميلاد "قوة عظمى جديدة"، يجب أن يرتبط بطرح تساؤلات جوهرية وإثارة نقاشات جادة حول "هل نشهد ميلاد "مفهوم جديد للقوة"؟ خاصة مع التطورات الهائلة في بنية الترسانات العسكرية وعدم ارتباطها في جانب كبير منها بالقدرات المادية، بل بتوظيف القدرات الفنية والتكنولوجية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والحروب الهجينة، وأن الأمر لم يعد يقف عند ما تحدث عنه جوزيف ناي عن ثلاثية القوة "الصلبة والناعمة والذكية"، ولكن أصبح يرتبط بالقدرة على توظيف هذه الثلاثية وحدود فعاليتها وتأثيرها.

ومن ناحية سابعة، يتطلب الحديث عن " الصين.. ماذا تُريد منا وماذا نُريد منها؟، في جانب منه، تحليل رؤية الصين الفكرية والثقافية والحضارية لمفهوم العلاقات الدولية ابتداءً، والتوسع في ترجمة الأدبيات الصينية المتخصصة في هذا المجال، لتحقيق مزيد من الفهم للفكر السياسي الصيني الحديث والمعاصر، وليس فقط القديم الذي يستدعي مقولات كونفوشيوس وصن تزو، مع أهميتها وضرورتها، عند كل حديث عن الصين وسياساتها ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن في العالم المعاصر. 

فالصين رغم وحدتها "فاعلاً في العلاقات الدولية"، يمكن الحديث عن "أكثر من صين" وفق معيار التطورات التي مرت بها على الأقل خلال القرن الأخير.

الجمعة، 29 مايو 2026

أمريكا وسنينها

 أمريكا وسنينها

  

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، رئيس أكاديمية العلاقات الدولية

الولايات المتحدة الأمريكية، وخلال 250 عامًا منذ استقلالها عام 1776 وحتى 2026، تعاقب على حكمها 45 رئيسًا، يختلفون فيما بينهم اختلافات جذرية، وفي العديد من المعايير المهنية والاجتماعية والمهارات والقدرات الشخصية

ووفق قياسات الرأي العام الداخلية

بعضهم قد يكون شديد الذكاء وبعضهم شديد الغباء

بعضهم فاشل وبعضهم ناجح

بعضهم يميل للانعزالية الداخلية وبعضهم يميل للتوسع

بعضهم يتاجر بشعارات وأدوات القوة الناعمة وبعضهم يفرط في استخدام القوة الصلبة.

الفكرة هنا:

أن الولايات المتحدة ليست إلهًا تجب عبادته، أو أن رؤسائها رسلًا مبعوثين أو ملائكة أطهارًا

ولكنها دولة مثل سائر الدول وحكامها بشر مثل سائر البشر

وبالتالي:

العمل تحت مظلة «أمريكا ربكم الأعلى» هو ذل وخنوع وانبطاح وتبعية غبية.

أميركا ليست قدرًا محتومًا، وستدور عليها السنن الكونية كما دارت على إمبراطوريات أطول منها عمرًا وأوسع منها امتدادًا

وهنا

يجب أن تكون نقطة التفكير الرئيسية، هي كيفية الخروج من أسر هذا الانبطاح وتلك التبعية لدى كثير من الحكومات العربية والإسلامية وغيرها في عالم الجنوب

وهذا يطلب التمييز الدقيق بين:

(1) توفر الرغبة في الخروج والتحرر

(2) توفر إمكانية الخروج والتحرر

(3) توفر القدرة على الخروج والتحرر

(4) توفر الإرادة على الخروج والتحرر

(5) العمل الواعي على الخروج والتحرر

المشروعات الكبرى تبدأ من أفكار كبرى

لمن يريد الحرية والكرامة

الخميس، 2 أبريل 2026

باختصار حول «الحلف السني»

 باختصار حول «الحلف السني»

د. عصام عبد الشافي

د. عصام عبد الشافي

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، رئيس أكاديمية العلاقات الدولية

الحديث عن حلف عسكري «سني» يضم باكستان وتركيا والسعودية ومصر، وهم كبير لن يتحقق، حتى تُعيد النظم الأربعة النظر في علاقاتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة الأميركية، وتتفق فيما بينها على عدوها الاستراتيجي الأول، هذا من ناحية.

من ناحية ثانية، أي حديث عن هذا الحلف، هو خطاب للاستهلاك المحلي في ظل طبيعة النظم السياسية القائمة في هذه الدول، وما تشهده من أزمات وفجوات واختلالات وتباينات هيكلية، وما لم يتم رصد وتحليل ومواجهة هذه الفجوات وتلك الاختلالات لن تقوم لهذا الحلف قائمة.

من ناحية ثالثة، الفكرة مركزية وفي غاية الأهمية، لكن للأسف الشديد، يتم طرحها عشوائيًا، وتكتيكيًا دون رؤية استراتيجية حقيقية بين الأطراف الأربعة التي يتم الحديث عنها.

من ناحية رابعة، هذه الدول الأربعة مُستهدفة استراتيجيًا من الكيان الصهيوني، لكنها لن تخوض حربًا مشتركة ضد هذا الكيان حتى لو فرضت عليها هذه الحرب، وهناك عشرات الدلائل التي تؤكد ذلك على الأقل حتى تاريخه.

الأمر يحتاج تغيير جذري في هذه النظم داخليًا، وفي رؤيتها لأمنها القومي وطنيًا، وأمنها القومي إقليميًا، بعيدًا عن تجارة الأوهام التي نعاني منها منذ تأسيس الجامعة العربية عام 1945 ومنظمة التعاون الإسلامي عام 1969.

الخميس، 28 أغسطس 2025

السودان و"الحكومة الموازية"... من يُدير المشهد؟

 

السودان و"الحكومة الموازية"... 

من يُدير المشهد؟

عصام عبد الشافي 

احتفالات، وأجواء من البهجة والسعادة تسيطر على الحاضرين في العاصمة الكينية نيروبي يوم السبت، 22 الشهر الماضي (فبراير/ شباط). لكنّ الحدث ليس كينياً، والمبتهجين ليسوا كلّهم كينيين، كينيا مجرّد الحاضنة، أمّا المحتفلون فأغلبهم سودانيون، والاحتفالات وأجواء البهجة ليست لأن الحضور اتفقوا على إنهاء الحرب العبثية التدميرية التي تدخل عامها الثالث في إبريل/ نيسان المقبل، لكنّهم يحتفلون بترسيخ مخطّطات تقسيم السودان لصالح أجندات خارجية دولية، بأدوات إقليمية ومحلّية.
ليست كينيا الفاعل الرئيس في المشهد، وليست صانعته، لكنّها كانت الواجهة له، والمنصّة التي ينطلق منها، مع وجود أطراف دولية وإقليمية لها الدور الأكبر في مقدّمتها الولايات المتحدة وبريطانيا، وثالثتهم الإمارات (وفق بيانات رسمية سودانية)، مع وجود أطرافٍ أخرى مؤثّرة، لكنّها تأتي في مرتبتين، ثانية وثالثة، حسب طبيعة الأدوار والمهام التي يمكن أن تقوم بها في مخطّطات تفكيك السودان، ومنها بعض دول الجوار السوداني، التي تشكّل أدواتٍ وظيفيةً في هذه المخطّطات، ولا تملك من أمرها شيئاً، لأن بقاء الحكّام في هذه الدول على عروشهم مرتبط بمدى نجاحهم في أداء ما يُؤمرون به.

تحرص الولايات المتحدة وبريطانيا على الإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة مع "الدعم السريع"، لضمان استمرار نفوذهما في أيّ تسوية سياسية مستقبلية

الإعلان من نيروبي توقيع ما عرف "الميثاق التأسيسي" والسعي نحو تأسيس حكومة موازية للمعارضة السياسية والمليشيات المسلّحة ليس كغيره من فِكَر حكومات المنفى، التي يكون هدف كثير منها حماية الدولة من الانهيار والتفكيك في ظلّ فساد واستبداد النظم القائمة، وليس الهدف تفكيك الدولة، تحت شعاراتٍ عبثية من "الدولة اللامركزية"، لأن مجرّد الحديث عن اللامركزة والكونفيدرالية في مراحل الأزمات السياسية والصراعات المسلّحة هو بداية ترسيخ التقسيم، وما الصومال أو لبنان أو العراق أو اليمن، أو حتى سورية وليبيا، منا ببعيد.
من شأن محاولة تأسيس حكومة بديلة في ظلّ هشاشة الدولة السودانية في المرحلة الراهنة، التي لا تحتمل الصراع بين "مركز" و"أطراف"، تغذية طموحات الساعين إلى التفكيك سواء في دارفور أو كردفان أو النوبة، فالخطر ليس من مجرّد الإعلان الذي لا يجب التقليل من مضمونه وتوقيته ومكانه وأطرافه، وإنما يتمثّل في منح بعض الأطراف التي وقّعته "شرعيةً" تستطيع من خلالها أن تتحرّك خارجياً وتحصل على اعتراف من بعض الأطراف، وتستطيع التفاوض على الحصول على دعم مادّي وتسليح عسكري، بل ليس من المُستبعَد أن تمارس أطرافٌ دوليةٌ وإقليميةٌ الضغوط على بعض النظم السياسية في المنطقة للاعتراف بهذا الكيان المصطنع، بما يتوافق مع ما تسعى إلى تحقيقه من أهداف.
لذا، لا يجب التعاطي مع فكرة هذا الكيان أنه من وسائل الضغط على الجيش السوداني للقبول بالتفاوض في هذه المرحلة، ثم يختفي الكيان مع بدء التفاوض وتحقيق اختراق سياسي لصالح الأطراف المُوقِّعة، فالخبرة السودانية مع مثل هذه الكيانات ليست سلبية فقط، لكنّها كارثية، وما حدث من قبل في 2011، مع انفصال جنوب البلاد عن شماله، ليس خافياً على كثيرين من متابعي المشهد السوداني والمهتمّين به، وهو ما يفرض على الحريصين على وحدة السودان وأمنه وسلامته التعاطي مع هذه الخطوة بعدّها "خنجراً مسموماً" يجب القضاء عليه ميدانياً، سياسياً وعسكرياً، قبل انتشار تأثير سمومه في مكوّنات أخرى من الجسد السوداني المُنهَك. دليل ذلك هذه الخريطة المُعقّدة من الأطراف والملفّات المرتبطة بالمشهد السوداني، ففي وقتٍ استطاع فيه الجيش تحقيق نجاحات عسكرية مهمّة ومؤثّرة خلال الشهرين الأخيرَين، واستطاع استعادة مساحاتٍ واسعةٍ في الخرطوم ودارفور وكردفان، وشرقي البلاد ووسطها، تأتي العقوبات الأميركية ضدّ قادة الجيش السوداني بعد أن سبقتها عقوبات ضدّ مليشيا "الدعم السريع"، وسط اتهاماتٍ بارتكاب انتهاكات ضدّ المدنيين، والمساواة بين ما يقوم به الجيش وما تقوم به هذه المليشيا، التي تضمّ بين صفوفها آلافاً من المرتزقة من دول أجنبية.
ليس التنافس الدولي على السودان خافياً على أحد، فهو صراع ممتدّ منذ قرون، وتصاعدت حدّته بعد استقلال السودان وانفصاله عن مصر عام 1956، وتفاقم حتى وصل إلى تقسيم البلاد بين قسمَين عام 2011، واستمرّ بأدوات جديدة بعد 2011، وأصبح الهدف تقسيم ما تبقّى من البلاد وتدمير ثرواته ومقدّراته، وصولاً إلى 15 إبريل/ نيسان 2023، مع التمرّد العسكري الذي قادته مليشيا "الدعم السريع"، المدعومة دولياً وإقليمياً، وسط صمت وتجاهل ونسيان لحجم الكارثة التي تشهدها البلاد مع تشريد وتجويع أكثر من نصف السكّان، وسقوط مئات آلاف بين قتيل وجريح. لكن، مع تغيّرات الأوضاع في الأرض، وما مع ما حقّقه الجيش من انتصارات، وما تعرّضت له المليشيات من انكسارات، بدأ تحريك أدوات عديدة، كان آخرها (ولن يكون الأخير) الكيان الوليد تحت مسمّى "ميثاق تأسيسي" و"حكومة موازية".
ليس تحريك هذه الأدوات وسيلةً للضغط وخلط الأوراق بعيداً من الحضور الروسي في المشهد السوداني، الذي كان له دور مهمّ ومؤثّر في انتصارات الجيش أخيراً، إذ جاءت زيارة وزير الخارجيّة السوداني علي يوسف إلى موسكو، وإعلان توقيع اتفاقية لإقامة القاعدة البحرية الروسية على السواحل السودانية عند البحر الأحمر في مؤتمر صحافي للوزير مع نظيره الروسي سيرغي لافروف. يفيد مسؤولون سودانيون بأن هذه القاعدة التي يجرى الحديث عنها منذ 2017، وقبل سقوط الرئيس السوداني السابق عمر البشير، ستكون قادرةً على استقبال سفن حربية تعمل بالطاقة النووية، واستيعاب ما يصل إلى 300 فرد بين عسكريين ومدنيين، كما يمكنها استقبال أربع سفن حربية في وقت واحد لأغراض الإصلاح والإمداد، ما يجعلها نقطةَ ارتكاز استراتيجية للقوات الروسية في المنطقة، وأنها يمكن أن تساهم في تطوير سلاح البحرية السوداني، الذي يحتاج جهوداً كبيرة لتعزيز قدراته، وإحياء النقل البحري التجاري للسودان.
ويقارن السودانيون بين ردّي الفعل الروسي والفعل السوداني، ويرون أن موسكو، عندما وافق السودان على المقترح الروسي، لم تتردّد في إرسال وفد عسكري كبير بقيادة نائب وزير الدفاع، تلته زيارة دبلوماسية رفيعة المستوى للوزير لافروف. في المقابل، مارست واشنطن ضغوطاً سياسية ومالية، وهدّدت بفرض مزيد من العقوبات، وعندما تحدثّت عن مساعدات ووعدت بتزويد السودان بطائرات إف 16، قدّمت بدلاً منها طائرات قديمة من طراز آخر، بينما قدّمت روسيا أحدث طائراتها للسودان، ما ساهم في تغيير المعادلات الميدانية على الأرض لصالح الجيش السوداني في مواجهة "الدعم السريع". إلى جانب الدعم السياسي من روسيا في الأمم المتحدة، واستخدامها حقّ النقض (فيتو) ضدّ قراراتٍ عديدة كانت تستهدف الجيش السوداني، وتسعى إلى فرض عقوبات على قياداته العسكرية.

الرهان على وعي السودانيين بحجم التحدّيات التي تستهدف دولتهم، وعلى قدرتهم في تجاوز الانقسامات ومواجهة ما يُدبّر لهم من سياسات

في المقابل، شاركت الولايات المتحدة مع بريطانيا في صياغة ما عرف بـ"الاتفاق الإطاري"، الذي سعى إلى تمكين قوى سياسية محدّدة تُعتبر حليفاً محتملاً لمصالحها، استبعدت قوىً أخرى فاعلة، واستهدفت تقويض الجيش تحت مزاعم إعادة هيكلته، بينما لم تتّخذ أيَّ خطوات حقيقية لإعادة هيكلة قوات الدعم السريع، أو دمجها في الجيش ضمن إطار الدولة السودانية ومؤسّساتها. كما تحرص الولايات المتحدة وبريطانيا على الإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة مع "الدعم السريع"، لضمان استمرار نفوذهما في أيّ تسوية سياسية مستقبلية، وورقة من أوراق الضغط والتأثير في مواجهة باقي الأطراف السياسية الفاعلة في المشهد السوداني، في ظلّ المخاوف الغربية عامّة، والأميركية خاصّة، من عودة الإسلاميين إلى السلطة في البلاد.
وهنا يبقى الرهان، أولاً على وعي السودانيين بحجم التحدّيات التي تستهدف دولتهم ووحدة أراضيهم، وثانياً على قدرتهم على تجاوز الانقسامات وتوحيد الجهود والقدرات في مواجهة ما يُدبّر لهم من سياسات ومخطّطات.

عصام عبد الشافي 
 مارس 2025 

الثلاثاء، 4 فبراير 2025

التهجير القسري في القانون الدولي.. تغييب نصوص ومأساة أمة

التهجير القسري في القانون الدولي.. تغييب نصوص ومأساة أمة



الحديث عن تهجير الفلسطينيين من أرضهم، ليس حديثًا جديدًا، لكنه حديث متجدد مع كل مواجهة مسلحة في إطار الصراع الممتد منذ المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في مدينة بازل السويسرية 1897، مرورًا بوعد بلفور 1917، ثم قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة 1947، وإعلان قيام الكيان الصهيوني 1948، وصولًا إلى طوفان الأقصى في أكتوبر 2023، وما ترتب عليه من مآلات.

وكانت الموجة الكبرى من عمليات التهجير قد تمت بين عامي 1947 و1948، حيث تم تهجير أكثر من 750 ألف مواطن فلسطيني من أرضهم إلى دول الجوار، وتفيد بعض التقديرات بأن نحو 280 ألفًا من هؤلاء نزحوا إلى الضفة الغربية لـنهر الأردن، و70 ألفًا إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن، و190 ألفًا إلى قطاع غزة، و100 ألف إلى لبنان، و75 ألفًا إلى سوريا، و7 آلاف إلى مصر، و4 آلاف إلى العراق.

وفي يناير/كانون الثاني 2020، طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مبادرته التي أطلق عليها في حينه “صفقة القرن”، وكان أحد أهم محاورها تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى مصر والأردن، ثم تجدد الحديث عن المبادرة مع عوة ترامب إلى البيت الأبيض، بعد فوزه في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

ومع أهمية البعد الخاص بالاعتبارات السياسية وموازين القوى الإقليمية والدولية وتأثيراتها المهمة في هذا الملف، تأتي أهمية البعد الخاص بنصوص القانون الدولي ذات الصلة بقضية التهجير القسري، لأنه في حال العجز وعدم القدرة على الحسم يكون أحد السبل لحفظ الحقوق، هو اللجوء إلى القانون، ولو تأخر تطبيقه، وتأجلت العدالة.

التهجير القسري في اتفاقية جنيف الرابعة 1949

في عام 1949، تمّ توقيع اتفاقيات جنيف الأربع من أجل الحد من أثر النزاعات المسلحة والاحتلال، وقد اختصت الاتفاقية الرابعة بأوضاع المدنيين في زمن الحرب والاحتلال العسكري، ونصت على عدد من المحظورات في الحروب وحالات الاحتلال العسكري، كان أحدها التهجير القسري.

فقد نصت المادة 49 من الاتفاقية على أنه: “يحظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو إلى أراضي أي دولة أخرى، محتلة أو غير محتلة، أيًّا كانت دواعيه”.

ويقسّم هذا النص التهجير القسري إلى نوعين: “النقل الجبري”، وهو نقل السكّان قسرًا داخل حدود دولة أو أرض محتلة، و”النفي” وهو نقلهم قسرًا إلى خارج حدود دولة أو أرضٍ محتلة.

وأوضحت اتفاقية جنيف الرابعة أنّ الحظر يشمل النقل القسري أو النفي سواء كان الضحية شخصًا واحدًا أو أكثر. والحظر قائم سواء كان التهجير داخليًّا أم خارجيًّا، سواء كان إلى أراضي دولة الاحتلال أم غيرها من الدول. كما أوضح نص المادة أن سبب التهجير ليس ذا شأن في منع التهجير، فهو ممنوع بغض النظر عن الدافع من وراء التهجير.

كما نصت المادة 146 من الاتفاقية على أن “تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تتخذ أي إجراء تشريعي يلزم لفرض عقوبات جزائية فعالة على الأشخاص الذين يقترفون أو يأمرون باقتراف إحدى المخالفات الجسيمة لهذه الاتفاقية، ويلتزم كل طرف متعاقد بملاحقة المتهمين باقتراف مثل هذه المخالفات الجسيمة أو بالأمر باقترافها، وبتقديمهم إلى محاكمه، أيًّا كانت جنسيتهم”.

ومن بين هذه المخالفات التي أشارت إليها المادة 146، وفصَّلتها المادة 147 “النفي أو النقل غير المشروع، والحجز غير المشروع”.

أركان جريمة التهجير القسري

تطور تعريف جريمة التهجير القسري بشكليها “النفي” و”النقل الجبري” بتطور الاتفاقيات الدولية المنظمة لها، إلّا أنّ المرحلة الأكثر أهمية في التعريف ارتبطت بمحاكمات يوغوسلافيا السابقة، حيث إنّ التطهير العرقي عن طريق التهجير القسري كان من سِمات الحرب اليوغوسلافية، وهو ما نتج عنه وجود عدد من المتهمين بارتكاب جريمة التهجير القسري.

وقد عرّفت المحكمة أركان جريمة “النفي” بأنها تتطلب: “(1) أن يكون هناك إبعاد قسري لأفراد؛ (2) أن يكون الأفراد موجودين بشكل قانوني في المكان الذي طردوا منه؛ (3) أن لا يكون هناك أي سبب حسب القانون الدولي يسمح بالطرد؛ (4) أن يكون التهجير عابرًا للحدود؛ و(5) أن يكون التهجير قد وقع عمدًا”.

أما جريمة النقل الجبري للسكّان فأركانها شبيهة بأركان جريمة النفي، باستثناء العنصر الرابع، فجريمة النقل الجبري قد تقع داخل حدود الدولة ولا يُشترط أن يعبر المهجَّر الحدود. أما عن معنى كلمة “جبري” أو “قسري” فقد عرفتها المحكمة بأنها “… وقعت عن طريق الطرد أو أشكال أخرى من الإجبار؛ ممّا جعل الهجرة غير طوعية بطبيعتها، ومما جعل المجني عليه لا يملك خيارًا حقيقيًّا في هجرته”.

كما أضافت المحكمة أنّ “غياب الخيار الحقيقي هو ما يجعل من التهجير مخالفة للقانون”، وأنّ التهجير يكون قسريًّا حتى لو تم استخدام أساليب أخرى مثل “الخوف من العنف، الإجبار، الاعتقال، الاضطهاد النفسي أو استغلال النفوذ أو استغلال بيئة تجبر الأشخاص على النزوح”.

التهجير القسري وميثاق روما 1998

اعتبر ميثاق روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية أن التهجير القسري بشكليه (النقل القسري والنفي)، جريمة ضد الإنسانية. ففي المادة (7) فقرة (1) بند (د)، نص الميثاق على أنّ هاتين الجريمتين تعتبران جريمة ضد الإنسانية إذا كانتا موجهتين ضد سكّان مدنيين وإذا ارتكبتا على نطاق واسع أو بشكل ممنهج.

وجاء في نص المادة: “يعني “إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان” نقل الأشخاص المعنيين قسرًا من المنطقة التي يوجدون فيها بصفة مشروعة، بالطرد أو بأي فعل قسري آخر، دون مبررات يسمح بها القانون الدولي”.

كما نصت المادة (8) من الميثاق فقرة (2) بند (8) على أن الإبعاد أو النقل القسري للسكّان يعتبران جريمة حرب، وتقصد به “قيام دولة الاحتلال على نحو مباشر أو غير مباشر، بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها، أو إبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها”.

تغييب النصوص وتدمير أمة

رغم وضوح وصرامة هذه النصوص من الناحية القانونية الدولية، فإن هذا لم يمنع الكيان الصهيوني من انتهاكها، ولم يمنع حلفاء الكيان من الحديث المتكرر عن التهجير القسري للمواطنين الفلسطينيين، وتحديدًا من مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، في الوقت الذي يتم فيه السماح بالهجرات غير المشروعة لليهود والسماح لهم ببناء عشرات المستوطنات على حساب أراضي وبيوت الفلسطينيين.

ورغم صدور العشرات من القرارات والبيانات الدولية والإقليمية المنددة بممارسات دولة الاحتلال، تبقى الاعتبارات السياسية هي الحاكمة، وموازين القوى هي الفاعلة، ويتم تغييب وتجاهل النصوص القانونية، لصالح الأطراف المؤثرة في العلاقات الدولية.

لكن هذا لا يعني تجاهل هذه النصوص من طرف المستضعفين، بل ينبغي التمسك بها والحرص على توثيق جرائم وانتهاكات قوات الاحتلال، فقد تتغير الموازين، ويجد المستضعفون من ينصر قضاياهم، ويحقق لهم العدالة المهدرة اليوم.