الجمعة، 7 أغسطس 2026

الترامبية وتآكل أركان القوّة الأميركية آراء عصام عبد الشافي

 الترامبية وتآكل أركان القوّة الأميركية

عصام عبد الشافي

دكتوراه الفلسفة في العلاقات الدولية، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية،

 مؤسس ورئيس أكاديمية العلاقات الدولية

بدأ في عام 1988 اهتمامي العلمي بالولايات المتحدة والدراسات الأميركية عامّةً، وما يرتبط منها بالسياسات الخارجية خاصّةً، وهو ما انعكس على المسار البحثي، فكانت رسالة الماجستير حول قضايا الأقلّيات والهُويّة في المجتمع الأميركي، وأطروحة الدكتوراه حول السياسة الأميركية تجاه السعودية. 
وخلال هذا المسار نحو 40 عاماً، تعدّدت المؤلَّفات والبحوث والدراسات والمقالات، ومعها قليل من الزيارات إلى الولايات المتحدة.

أحد المُخرجات الأساسية لهذا المسار الوقوف بدقّة على نشأة هذا الكيان وتطوّره، من "اتحاد هشّ" بدأت جذوره عام 1775 في المؤتمر القارّي الأوّل، ثمّ في المؤتمر القارّي الثاني وإعلان وثيقة الاستقلال في الرابع من يوليو/ تمّوز 1776، وصولاً إلى "إعلان اتّحاد" من 13 ولاية، وصفه الرئيس الأوّل للولايات المتحدة جورج واشنطن، بعد نهاية ولايتَيه الرئاسيتَين عام 1797، بأنّه "خيط من الرمال"، تعبيراً عن درجة هشاشته وحجم التحدّيات التي تواجهه. 

وما تلا هذا من خطوات يمكن وصفها بـ"الجبّارة" لبناء الدولة والمجتمع، انطلاقاً من الداخل أوّلاً، مروراً بالمحيط، وصولاً إلى بناء الإمبراطورية. وعلى الرغم ممّا مرّت به الرحلة الأميركية من إنجازات وانتصارات، عانت أيضاً عديداً من الانكسارات والانهيارات. 
وبين هذَين المسارَين (الانتصار والانهيار) برز ما يمكن تسميتها "ثلاثيات المسيرة الأميركية" التي احتفت في يوليو/ تمّوز 2026، بمرور 250 عاماً على انطلاقتها.

تشهد الولايات المتحدة التي تحتفي بمرور 250 عاماً على استقلالها تآكلاً في قوّتيها الناعمة والصلبة

الثلاثية الأولى "التاجر والعسكري والمُبشِّر" التي تقوم في جوهرها على أنّ التوسّع الأميركي سواء داخل القارّة الأميركية أو عبر العالم الجديد أو في أميركا الوسطى والجنوبية، ولاحقاً عبر قارات العالم كلّها، قد استند إلى ثلاث ركائز أساسية. 
الركيزة الأولى: "التاجر"، وتتمثّل في التجارة والاقتصاد والاستثمارات والمِنح والمساعدات وفرض الرسوم والضرائب والتعرفات، واحتكار إنتاج السلع الأساسية، والتحكّم في الأسواق التجارية، وفرض الدولار عملةً عالميةً، ووضع اليد على الثروات الاستراتيجية (النفط والغاز والمعادن الحيوية) وفرض الهيمنة على الممرّات التجارية والمضائق الحيوية. والركيزة الثانية "العسكري" أي القوّة العسكرية والتوسّع العسكري والتدخّلات المباشرة وغير المباشرة، ونشر نحو 850 قاعدة عسكرية حول العالم ونحو 17 أسطولاً في بحار العالم ومحيطاته، وتعزيز الترسانات العسكرية وبناء الأحلاف الأمنية والعسكرية، بداية من حلف "ناتو" في نهاية الأربعينيّات من القرن العشرين مروراً بحلف "أنزوس" وحلف "سياتو" في الخمسينيّات من القرن العشرين، وصولاً إلى حلف "العيون الخمس" و"إكواس" في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. 
وفي الخلفية عشرات العمليات غير المباشرة من حروب بالوكالة واغتيالات ودعم الانقلابات العسكرية وتسليح المليشيات والمرتزقة وشركات الأمن الخاصّة في قارّات العالم كلّها.
الركيزة الثالثة، "المُبشِّر"، فكانت بداياتها في القرن التاسع عشر مع موجات المبشّرين بـ"الدين الأميركي الجديد"، و"الثقافة الأميركية"، و"النموذج الأميركي"، و"الاستثناء الأميركي"، عبر العشرات من المدارس والجامعات والمستشفيات والمراكز البحثية، والمؤسّسات المدنية، والإعلام والتعليم، وفتح الباب أمام الراغبين في الهجرة والانضمام إلى "الحلم الأميركي". ومع تطوّرات القرن العشرين، والوصول إلى موقع قيادي في قمّة النظام الدولي بجوار السوفييت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، خاضت الولايات المتحدة ما سمّته بـ"الحرب الباردة الثقافية"، وأنفقت مئات المليارات من الدولارات لبناء ثلاثية "السمعة"، و"الهيبة" و"المكانة" التي تضمن لها الهيمنة على النظام الدولي والتخلّص من الاتحاد السوفييتي، ولو بعد حين. 
وهو ما تمّ عام 1991، مع نهاية الحرب الباردة وتفرّد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي، ومع بداية التبشير بنهاية التاريخ وصراع الحضارات ونشر الديمقراطية والدفاع عن الحقوق والحريات وغيرها من نظريات وشعارات.
وفي مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ظلّت "الثلاثيات"، لكن مع تغيير "المسمّيات"، وبدلاً من الحديث عن "التاجر والعسكري والمُبشِّر"، يجري الحديث عن "القوّة الصلبة والناعمة والذكية"، مع إسهامات المفكّر الأميركي جوزيف ناي (1937–2025) الذي رسّخ هذه الثلاثية مثبّتاً مقولته التأسيسية: "إنّ القوّة مثل المناخ، يتحدَّث عنها الجميع ويعتمدون عليها، لكنّ القليلين هم مَن يفهمونها. في عصر المعلومات، ليس المُهم فقط أيّ جيش ينتصر، بل المهمّ كذلك أيّ رواية تنتصر"، وذلك في كتابه "حتمية القيادة... الطبيعة المتغيّرة للقوّة الأميركية" (1990)، وصولاً إلى كتاب "القوّة الناعمة... سبل النجاح في السياسة العالمية" (2005)، وعبر عشرات المقالات التي كان ينشرها بشكل دوري في موقع بروجيكت سانديكيت.
وقبل وفاته (8 مايو/ أيّار)، كتب ناي في آخر مقال له في هذا الموقع: "القوّة الناعمة لأيّ دولة تنبع أساساً من ثلاثة مصادر: ثقافتها وقيمها السياسية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وسياساتها الشرعية المبنية على وعي بمصالح الآخرين، والقبول المُتبادل بالشراكة بين الطرفَين"، و"أنّ القوّة الناعمة هي الوجه الآخر لعُملة القوّة الصلبة، فهي مُضاعِف للقوّة، فالقوّة الاقتصادية مُكمِّلة للقوّة العسكرية، لكنّها تحتاج إلى بُعد ثقافي أيضاً"، و"الخطر الأكبر المحيق بقوّة أميركا ليس الصين أو الإرهاب، بل فشلنا في الالتزام بقيمنا وحماية تحالفاتنا".
ثالث الثلاثيات في مسيرة الهيمنة الأميركية، صاغها جوزيف ناي بالأركان نفسها مع تغيير المفاهيم، فانتقل من ثلاثية "القوّة الصلبة والناعمة والذكية" إلى ثلاثية "العصا والجزرة والعسل"، فقال متحدّثاً عن السياسة الترامبية: "أخشى أنّ الرئيس ترامب لا يفهم القوّة الناعمة، إذا كنا نعتقد أنّ القوّة مزيج من العصا (العسكري) والجزرة (التاجر) والعسل (المُبشِّر)، فإنّ ترامب يتخلّى عن العسل، وإذا استطاع أن يجعل هذه العناصر مترابطة، فسيُنجز الكثير". وأضاف موجّهاً خطابه مباشرة إلى ترامب: "يمكنك خفض استخدام العصا والجزرة إذا كنت تتمتّع بجاذبية العسل. ولذا، عندما تُلغي شيئاً مثل المساعدات الإنسانية من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية أو تُسكِت إذاعة صوت أميركا، فإنّك تحرم نفسك من إحدى أدوات القوّة الرئيسة". لكن ترامب لم يستجب، ولم يسمع لجوزيف ناي وغيره، ولن يستجيب ولن يسمع أحداً، لأنّه يرى في نفسه "العالِم"، "المفكّر" "الخبير"، "كبير الفلاسفة"، "النبي المُرسَل"، "القائد المُلهَم"، "الزعيم المُفدّى"، وغيرها من مسمّيات صاغها بنفسه وروّجتها دوائر المنتفعين من حوله، على حساب أركان القوّة الأميركية.

كشفت سنوات حكم ترامب أنّ الترامبية كانت وبالاً حقيقياً على أركان القوّة الأميركية

وبعد أقلّ من شهر من وفاة جوزيف ناي، خاض ترامب حرباً عبثيةً ضدّ إيران في يونيو/ حزيران 2025. 
وبعد أشهر من الحرب، وفي السابع من يناير/ كانون الثاني 2025، وقَّع ترامب إعلاناً بانسحاب الولايات المتحدة من ⁠35 منظّمة غير تابعة للأمم المتحدة، و31 ‌كياناً تابعاً لها، بدعوى أنّها "تعمل بما ‌يتعارض مع ‌المصالح ⁠الوطنية الأميركية".

 ولم ينتهِ شهر يناير حتّى خطف ترامب الرئيس الفنزويلي وزوجته بعملية قرصنة، وأعلن وضع يده على ثروات فنزويلا، والتحكّم في تجارة نفطها. 

وما هو إلّا شهر آخر، وتحديداً في 28 فبراير/ شباط 2026، حتّى تورّط مع حكومة نتنياهو الصهيونية في حرب خاسرة مع إيران، سقط فيها في مستنقع لا يعرف كيف يخرج منه. 
هذا إلى جانب عشرات التصريحات العدائية ضدّ حلفائه في أوروبا وحلف الناتو ودول أميركا اللاتينية، وكذلك في آسيا وأفريقيا، فلم يترك دولةً أو مَلِكاً أو رئيساً أو مسؤولاً يتحفّظ على سياساته إلا نال منه بتصريحاته العدائية، إعلامياً وسياسياً، إلى جانب العديد من الحروب الكلامية واللغة التصعيدية، وكأنّه يخوض حرباً ضدّ الجميع.

كشفت سنوات حكم ترامب، سواء في ولايته الأولى (2017–2021) أو في ولايته الثانية التي بدأت في يناير 2025، أنّ "الترامبية" كانت وبالاً حقيقياً على أركان القوّة الأميركية، وعلى الرغم من أنّه يحاول بين الحين والآخر ربط اسمه بـ"الآباء المؤسّسين" للولايات المتحدة، وبـ"الرعيل الأوّل" الذي قاد مسيرتها، كما في حديثه عن "مبدأ دونرو" الذي استقاه من "مبدأ مونرو" 1823، يكشف الواقع أنّ الولايات المتحدة التي تحتفي بمرور 250 عاماً على استقلالها، تشهد تآكلاً في قوّتها، ليس فقط الناعمة التي دمّرها ترامب، بل كذلك في قوّتها الصلبة. 

ولعلّ في مخرجات الحرب الإيرانية، على الأقلّ حتّى تاريخ كتابة هذا التحليل، خير شاهد على ذلك. 

إذ افتقدت الآلة العسكرية الأميركية، رغم الفروق الهائلة بينها وبين الآلة الإيرانية، القدرة على الحسم، بل الأخطر من ذلك هو "حديث المراجعات" المتصاعد داخل العديد من النظم السياسية سواء العربية أو الأوروبية عن جدوى الشراكة مع الولايات المتحدة، وعن تآكل مظلّة الحماية الأميركية، بعد أن كشفت الحرب على إيران كثيراً من اختلالاتها الهيكلية، بل الأسوأ من ذلك تراجع ثلاثية "السمعة والهيبة والمكانة" التي كانت تراهن عليها الولايات المتحدة لفرض هيمنتها.

ليست "الترامبية" وبالاً فقط على أركان القوّة الأميركية، ولكن يمكن القول، واستناداً إلى العديد من المؤشّرات، إنّها وبال على أمن العالم، شرقه وغربه، وشماله وجنوبه. وكما كانت الولايات المتحدة أحد أكبر ضوابط هذا الأمن منذ 1945، كانت أيضاً (وستظلّ) أحد أكبر مهدّداته.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق