ما الخطوة القادمة؟!
عندما تنقشع آثار الحروب والأزمات، ما الذي يميز الأمم التي تنهض من جديد عن تلك التي تغرق أكثر؟ وهل يكمن السر في مواجهة الأسئلة المؤلمة بصراحة، أم في بناء وعي استراتيجي يحول التجربة إلى قوة دافعة للمستقبل كما يناقش هذا الطرح بعمق لافت؟
وبعدُ: فلا تخلو أُمَّة من منعطفات حادّة في تاريخها. هذه المنعطفات يُدركها أولو الألباب والبصائر، وتغيب عن السّادر الذي لا يُلاحظ ولا يُتابع. وقد كان من الحكمة اللازمة أن يتداعى العقلاء للسّؤال عمّا يجب بعد تلك الأحداث «الطوفانية» من حروب وأزمات وكوارث؛ لأن السكوت عنها مَحْض غِشّ ومحض غباء.
تقف الأمم الحية ورجالاتها الكبار عقب تلك الوقائع تَسأل وتُساءَل، تحسب وتُحاسَب، تُراجَع وتتراجَع، تُقدّم وتُؤخّر، وهي تصنع ذلك كله بغية الوصول إلى تصوُّر يُلامِس كبد الحقيقة، ثمّ يقود إلى تفسير صائب، ويتلوهما قرارات وإجراءات.
فهل ما كنا عليه من حال أفادنا حينما صار الذي صار؟
لكن السؤال الأهم بعد انقشاع الغبار انقشاعًا مؤقتًا في مناطق الأعاصير هو: كيف يمكن أن نبدأ العمل من جديد للمستقبل، مستفيدين من الإجابة الصادقة عن الأسئلة السالفة؟
من مفردات الجواب:
إن مسالك الأمم تختلف بعد وقوع النوازل الشديدة؛ فمنها مَن يعدّ العُدّة، ويحزم أمره، ولا يتوانى أو يتواكل؛ كيلا لا يتكرر عليه في قابل الأيام ما أُصيب به من خسائر وفواجع، ويغدو على أُهبة الاستعداد لأيّ طارئ. ومنها مَن استمرأ الغرق حتى أُذنيه في وحل اللهو والترف؛ فإن سَلم من المحنة الأولى، فالثانية هي القاضية، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وإن الأمم الحية لا تلجأ إلى النسيان من أجل الاسترخاء في منطقة راحة مؤقتة، وتحمي العِبَر المستخلَصة من التبخر بضغط الهوى أو سوء التقدير، وتحافظ على ذاكرتها، وتُعلي من قيمة بيوت الخبرة، ومراكز التفكير، والرجال المخلصين الصادقين، والحلفاء الموثوقين، ويتآزر فيها العالِم والمُثقف مع صانع القرار؛ لتحقيق المصالح العليا العامة والإستراتيجية للأمة.