‏إظهار الرسائل ذات التسميات كلمة صغيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كلمة صغيرة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 8 أكتوبر 2026

التسمين


كلمة صغيرة
قـلـم الـتحـرير

التسمين

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على نبيِّنا محمّدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين، وبعدُ:


أما بعد: فالتسمين هنا ليس تسمين المواشي ولا الدواجن، وإنما تسمين الأُمّة؛ بحيث تتوسَّع المدن، ويمتدّ العمران أُفقيًّا ورأسيًّا، ويتكاثر الناس، حتى تكتظّ بهم المدن، وتغصّ بهم الشوارع والطرقات.

هذه نعمة من نِعَم الله، بلا شك، ودليل على الأمن الوارف، والرزق الواسع؛ إلا أنه يعطي دلالةً من جهة أخرى على انحسار معدلات الفقد في الأُمّة، وهذا أيضًا دليل على ارتفاع مستوى الصحة البشرية، وأمان التصنيع، والسلامة المرورية، إلا أنّ هناك أبوابًا للفقد غائبة.

لقد كانت أُمّة الإسلام تدفع بفلذات أكبادها في أتون المخاطر؛ صيانةً لكرامتها، ودفعًا عن كرامتها، وحمايةً لحياضها، وتدعيمًا لهَيْبتها، ونشرًا للنور في الأرض، وإسقاطًا لقُوَى البغي والظلم التي تَستعبِد الناس، وتوسيعًا لدائرة الناجين من النار يوم القيامة؛ إذ هذه هي رسالتها في الحياة، وتلك هي مَهمتها.

ولعلّ من حكمة الله في أن تكون بيئة أغلب بلاد العرب في أصلها بيئة طاردة مناخيًّا لا جاذبة، وكأنها رسالة أن تخرج منها أفواج الناشرين للنور في الأرض؛ جهادًا ودعوةً. 
رَحِمٌ لا يلبث فيه الحمل طويلًا ليخرج إلى الحياة ويدرج في الأرض ويخلفه غيره.. وهكذا.

أما أن تتضخم الأمة وتَسْمَن مع بقائها في كنف غيرها من أمم الشرق والغرب؛ فإذا ضعف الغرب التفتت نحو الشرق.. والعكس.. وكأنما تعيش مرحلة حضانة ورضاعة.. فهذا التسمين بهذه الحالة تسميم.

كانت أُمّة الإسلام تُنتِج لتَفْقِد.. تُنتِج أفرادها وتُؤهّلهم، ليخدموا مصالحها العليا، وينشروا علومها الربانية وحضارتها الإنسانية، ويرسّخوا نفوذها في الأرض، لا شهوةً في السيطرة، فكم غُدِرَ بعشرات منهم، فارقوا الموطن والأهل لهذه الغاية النبيلة! وكم استُشْهِد بين يدي النبي # من خُلَّص أصحابه -رضي الله عنهم-! وكم من الصحابة بقي في المدينة ومات بها!!
 فهذا مثال لأبناء العباس بن عبد المطلب العشرة -رضي الله عنه وعنهم-؛ تفرَّقوا في أرض الله، فمات أحدهم في الشام، وآخر في الطائف، وثالث في سمرقند، وثلاثة في إفريقيا، ولم يَشُدَّهُم الطين والتراب إلى الأرض.

وأُمّة الإسلام إن لم تفعل.. تَرَهَّلَتْ، وكثرت مطالب الرفاهية فيها، وانشغل الناس بها، وضاعت المصالح العليا. 
فمعظم الشعارات الإعلامية البرّاقة اليوم تحوم حول الرفاه والتنعُّم، وهي أمور مطلوبة للنفوس، ومُبَاحة بِقَدْرٍ، لكنّها عند غير المسلم مطلوبة لذاتها، وعند المسلم مطلوبة لغيرها، لتكون خادمةً للهدف الأسمى؛ وهو الوصول للنعيم الحقيقي الأخروي الكامل الدائم. فما لم يكن كذلك فهو عائق تجب إماطته عن الطريق.

ولسوف نُسأل عن تقاعُسنا؛ ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 44].


الخميس، 30 أبريل 2026

ما الخطوة القادمة؟!

كلمة صغيرة

ما الخطوة القادمة؟!


 . قـلـم الـتحـرير



عندما تنقشع آثار الحروب والأزمات، ما الذي يميز الأمم التي تنهض من جديد عن تلك التي تغرق أكثر؟ وهل يكمن السر في مواجهة الأسئلة المؤلمة بصراحة، أم في بناء وعي استراتيجي يحول التجربة إلى قوة دافعة للمستقبل كما يناقش هذا الطرح بعمق لافت؟

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على نبيِّنا مُحمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعدُ: فلا تخلو أُمَّة من منعطفات حادّة في تاريخها. هذه المنعطفات يُدركها أولو الألباب والبصائر، وتغيب عن السّادر الذي لا يُلاحظ ولا يُتابع. وقد كان من الحكمة اللازمة أن يتداعى العقلاء للسّؤال عمّا يجب بعد تلك الأحداث «الطوفانية» من حروب وأزمات وكوارث؛ لأن السكوت عنها مَحْض غِشّ ومحض غباء.

تقف الأمم الحية ورجالاتها الكبار عقب تلك الوقائع تَسأل وتُساءَل، تحسب وتُحاسَب، تُراجَع وتتراجَع، تُقدّم وتُؤخّر، وهي تصنع ذلك كله بغية الوصول إلى تصوُّر يُلامِس كبد الحقيقة، ثمّ يقود إلى تفسير صائب، ويتلوهما قرارات وإجراءات.

فهل ما كنا عليه من حال أفادنا حينما صار الذي صار؟ 
وهل نفعتنا المشروعات والاتفاقيات عندما كان الذي كان؟ 
وهل وجدنا مستوى الاستعداد والتهيئة مثل ما نريد بعد أن جرَّبته لنا الأحداث بأصدق مقياس وأدق إحصاء؟ 
هل كان الخبراء وأهل التدبير والأمر والتنفيذ ذوي أهلية أبانت عنها النتائج؟

لكن السؤال الأهم بعد انقشاع الغبار انقشاعًا مؤقتًا في مناطق الأعاصير هو: كيف يمكن أن نبدأ العمل من جديد للمستقبل، مستفيدين من الإجابة الصادقة عن الأسئلة السالفة؟ 
هي خطوة ثقيلة لما فيها من مصارحة وانكشاف ومسؤولية؛ بيد أنه لا مناص منها لأجل الزمن الآتي، وهو زمن يراه أقوام بعيدًا، ويبصره آخرون قريبًا قريبًا!

من مفردات الجواب:
وجود الشعور بالخطر والضرورة المُلِحّة المُلجِئة إلى حراك وتغيير، وحمل الهمّ من ذوي الهمة والعزيمة والإخلاص، والمُضِيّ برشاد لا مُجامَلة فيه، وإدامة المتابعة والتحرّي والاستقصاء، والبحث الذي لا يتوقف عن سبل تحصيل المنافع، ودفع المضارّ، وزيادة القوة المعنوية والمادية، ومعالجة الضعف المعنوي والمادي.

إن مسالك الأمم تختلف بعد وقوع النوازل الشديدة؛ فمنها مَن يعدّ العُدّة، ويحزم أمره، ولا يتوانى أو يتواكل؛ كيلا لا يتكرر عليه في قابل الأيام ما أُصيب به من خسائر وفواجع، ويغدو على أُهبة الاستعداد لأيّ طارئ. ومنها مَن استمرأ الغرق حتى أُذنيه في وحل اللهو والترف؛ فإن سَلم من المحنة الأولى، فالثانية هي القاضية، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

وإن الأمم الحية لا تلجأ إلى النسيان من أجل الاسترخاء في منطقة راحة مؤقتة، وتحمي العِبَر المستخلَصة من التبخر بضغط الهوى أو سوء التقدير، وتحافظ على ذاكرتها، وتُعلي من قيمة بيوت الخبرة، ومراكز التفكير، والرجال المخلصين الصادقين، والحلفاء الموثوقين، ويتآزر فيها العالِم والمُثقف مع صانع القرار؛ لتحقيق المصالح العليا العامة والإستراتيجية للأمة.

الأحد، 22 مارس 2026

كلمة صغيرة استيعاب المرحلة

 كلمة صغيرة

استيعاب المرحلة

  قـلـم الـتحـرير  

 هل يمكن أن يهلك مجتمعٌ وفيه صالحون؟ 

ولماذا حذر النبي ﷺ من زمن يكثر فيه الخبث فتقع الفتن؟ هذا المقال يناقش حقيقة الصراع بين الحق والباطل، ويكشف لماذا يبدأ طريق الخلاص الحقيقي بمحاسبة النفس والتوبة قبل أي شيء آخر.

احمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فإن الصراع بين الحق والباطل سُنة ماضية، فما من نبيّ إلا وله أعداء، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا}[الأنعام: 112، والفرقان: 31]. فدوّامة الصراعات لا تنتهي، ومن قَصَدَ الدَّعَة في هذا العالم المائج فهو واهِم! كمن ابتغى النوم على أمواج البحر!

ومنطقتنا العربية اليوم تُجَرّ إلى حروب طويلة الذيول، مُتشعِّبة الأودية، تُصاحبها غفلة كبيرة لدى الكثيرين منا، رغم أن رَحى الحروب تُدار حول بيوتهم! مع أن التلازم فِطري بين اشتداد الأزمات وتصاعُد البحث عن مخارج! فأول ما يتبادر للذهن المتفتح هو العودة للنفس ومحاسبتها؛ فالأُمّة لَبِنات من المجتمعات، والمجتمعات لَبِنات من الأُسَر، والأُسَر لَبِنات من الأفراد، والقليل القليل مَن يدرك أن هذه التغيرات، وما يظهر في الكون من فساد، وما يزول من نِعَم أو يحلّ من نِقَم، فبسببنا؛ أفرادًا ومجتمعات، كما في: (آل عمران: 165، والشورى: 30، والروم: 41، والرعد: 11، والأنفال: 53).

فطريق الخلاص واضح وضوح الشمس؛ (ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة)؛ كما قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.

ولا يَحقر المسلم معصيةً فيه؛ فلعلّها تجتمع مع أخرى في غيره فتُكَوِّن تيار الخَبَث، فعن أم المؤمنين زَيْنَب بنتِ جحش -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم  دخل عليها -مستيقظًا من نومةٍ- فَزِعًا يَقُولُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ! وَيْلٌ للعرب من شرّ ما اقْتَرَبَ...)، فلما سألته قائلة: «يا رسول الله! ‌أَنَهْلِكُ ‌وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟» قَالَ: (نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ ‌الخبث).

صحيح البخاري - رقم الحديث أو الصفحة: 7059 - أخرجه البخاري (7059)، ومسلم (2880)

فعلى كل فرد مسلم أن يتّقي ربه، ويتفقّد نفسه، ويتحقّق من إيمانه، ويجاهد النفس عليه، كما قال الحسن البصري: «إن هذا الحق جَهَدَ الناس، وحال بينهم وبين شهواتهم، وإنما صَبَرَ على هذا الحق مَن عرف فضله، ورجا عاقبته...»؛ فإن ساعةَ الصِّفر قد تَبْغَت فلا يجد المخدوع في وَفْضَتِه شيئًا! ويواصل الحسن قوله:

«... إنك لتعرف الناس ما كانوا في عافية؛ فإذا ‌نزل ‌بلاء صار الناس إلى حقائقهم؛ صار المؤمن إلى إيمانه، والمنافق إلى نفاقه».

فاللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا برعايتك، واصرف عنا الفتن، واصرفنا عنها، في عافية منك، يا رب العالمين.